منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع ـ الجهل المركب:

  1. بواسطة عطر الامير

    ـ الجهل المركب:

    وهذا هو القسم الثالث من الجهل وهو أرادأ من سابقيه، وللجهل المركب تفسيران أو قسمان، أحدهما ما وصفه الشاعر بقوله:


    فليبق في الجهل المركب أبد الدهر



    ذلك الذي لا يعلم ولا يعلم انه لا يعلم




    يعني انه جاهل ولكن لا يعلم انه جاهل، وهذا قد تكلمنا حوله سابقاً وهو ليس من الجهل المركب الاصطلاحي. وان كان البعض يعتبره من الجهل المركب أيضاً ـ ولكن هذا غفلة، والشاعر قد أخطأ، فهذا معنى الغفلة انه لا يعلم انه لا يعلم.
    ومن الغفلة أيضاً (إنه يعلم ولكن يغفل عن ذلك) لذلك يقول الشاعر:


    أيقظوه لئلا يبقى نائماً


    ذلك الذي يعلم ولا يعلم انه يعلم




    وقد أورد الشاعر في عجز البيت علاجاً مناسباً، الإنسان قد لا يعلم ويغفل عن جهله، وقد يعلم ويغفل عن علمه، وكلاهما يعد من الغفلة، والغفلة ضد التفكر والالتفات، وقد تحدثنا عن ذلك الموضوع.
    القسم الثاني من الجهل والذي هو شديد الخطورة والفلاسفة وعلماء الأخلاق يطلقون عليه (الجهل المركب)، هو أن لا يعلم ولكن يظن ويتصور انه يعلم.
    ليس بعالم ولكنه يتصور انه عالم، ليس بمقدس ولكنه يظن بأنه قديس، من أهل جهنم بكل معنى الكلمة، ولكنه يظن انه من أهل الجنة، إنسان سيئ ولكن يظن انه مستقيم سيئ الأخلاق والتعامل في بيته، وإذا قيل له أخلاقك سيئة يغضب ويقول أنا في البيت حسن الأخلاق والتعامل جداً.
    لا يربطه بالله والنبي (ص) رابطة ولكن يظن انه أول مؤمن بين الناس.
    هذا الوضع خطر ولشدة هذه الخطورة فقد قال القرآن الكريم:
    ان هذه الرذيلة إذا استحكمت في القلب وجاء صاحبها بهذه الصفة إلى صفوف الحشر، سيواجه الله بالمجادلة، يعني أن جهله المركب يعود هناك أيضاً فعندما يعطى صحيفته السوداء يقسم أمام الله انه كان إنساناً مطيعاً وانه من أهل الجنة وان جعله من أهل النار بلا مبرر يقول القرآن حول مثل هؤلاء الناس:
    (يوم يبعثون الله جميعاً فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون انهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون)(1).
    يقول يوم القيامة يأتي أناس ويقسمون أمام الله انهم من أهل الجنة فكما كانوا يعتقدون ذلك في الحياة الدنيا وكما كانوا يقسمون على ذلك كذباً أمام الناس. فكذلك سيقسمون أمام الله أنهم مطيعون، والقرآن يتعجب من كذب هؤلاء، وكيف وصل بهم الحال إنهم يوم القيامة يتكلمون خلاف الواقع أيضاً.
    وتشاهد رذيلة الجهل المركب في مختلف الأوساط أميين ومتعلمين، واعين ومتخلفين، النساء والرجال.
    والقرآن يبين ان خطر هذه الرذيلة كبير جداً، خطرها كبير إلى درجة تصل بالإنسان أن يجادل الله يوم القيامة وهو العالم بكل شيء، ويدعي أمامه انه قد أخطأ بحقه وأن الملائكة الموكلين بالصحيفة كذلك قد أخطأوا وأعدوا له تقريراً خاطئاً عن أعماله وان مجازاته بالنار اشتباه لأنه إنسان صالح. ويقسم أيضاً، يقسم بالله ان هناك اشتباهاً وانه إنسان صالح إذا لم يكن للجهل المركب سوى الآية السابقة لكانت كافية لنا لنجتنب عن هذه الرذيلة.
    والقرآن الكريم يعتبر أولئك الناس أنهم الأسوأ والأكثر انحطاطاً والأخسرين أعمالاً يوم القيامة فيقول:
    (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً)(2).
    فالقرآن يقول إذا أردتم أن نجدكم بالأخسرين والأسوأ حظاً والأشقى من الناس فذلك الذي يعمل السوء ويظن انه يعمل الصالح، فهو جاهل لكنه يتصور انه عالم.
    لا يذهب إلى المسجد، ولا يحضر الموعظة، وإذا قيل له لم لا تتردد إلى المنبر والمحراب، يقول أنا أعلم من هؤلاء الخطباء ورجال الدين.
    قد تكون المرأة سيئة الأخلاق في البيت، لا تؤدي حقوق الزوجية والأمومة ولا ترعى شؤون البيت، وإذا قيل لها وضعك سيئ فتجيب بأنها حسنة جداً وأن ناصحيها مخطئون، حتى ولو كان الناصح لها أمها وأباها فلا تسمع كلامهم، وهذا هو الجهل المركب الذي تريد ان تفرضه على الآخرين.
    وقد يكون الشخص ساقطاً بأعين الناس ولكنه يرى نفسه إنساناً ذا قيمة.
    وأخيراً فهو من أهل النار ولكنه يتخيل أنه من أهل الجنة.
    ـ رواية عن الإمام الصادق (ع):
    اذكر لكم هذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) لكي يتضح لكم موضوع الجهل المركب وكيف يصل الإنسان به إلى سوء العاقبة.
    يقول الإمام (ع): كان هناك شخص مشهور بين عامة الناس يلقبونه (مستجاب الدعوة)، قد كان له من الشهرة ما جعلني أرغب في رؤيته (علماً أن ذلك الرجل لم يكن من محبي أهل البيت (ع)، ومن المعلوم ان من لا يتمسك بأهل البيت سوف يجر أذيال الخيبة).
    يقول الإمام (ع): شاهدت الناس في أحد الأيام وقد اجتمعوا حول أحدهم: فقال لي أحد الذين كانوا معي يا بن رسول الله هذا هو الشخص الذي كنت تريد أن تراه، توجهت نحوه فلما وقع نظره علي ترك الناس وذهب، فمشيت خلفه لأتحدث معه في مكان خالٍ وأرى ما عنده، فشاهدته وقد توجه إلى أفران الخبز فسرق قرصين. فتعجبت من ذلك وكيف يسرق من له تلك الشهرة.
    بعد ذلك توجه إلى دكان آخر وسرق رمانتين ثم ذهب إلى خربة، فأعطى الخبز والرمان صدقة إلى أربعة من الفقراء.
    وعندما أراد الخروج من الخربة، اعترضت طريقه وقلت له: ماذا فعلت؟ فقال: لم أفعل شيئاً. فقلت له: لقد رأيت كل شيء. فقال: من أنت؟ فقلت أنا جعفر بن محمد فقال: أنت ابن النبي ولا تعرف قول القرآن: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها)(3).
    يعني ان الله يضاعف الأجر عشر مرات لمن يعمل الخير، وإذا فعل السوء فيثبت كما هو في صحيفة أعماله.
    فقلت: وما علاقة هذه الآية بما اقدمت عليه؟ فقال أنا سرقت قرصين ورمانتين وحاصلها أربعة ذنوب، وأعطيت تلك الأشياء الأربعة صدقة فاكتسبت أربعين حسنة، وعندما نطرح الذنوب من الحسنات فسوف يسجل في صحيفة أعمالي ست وثلاثون حسنة، فانظر هذه المعاملة كم هي مربحة.
    فقلت له (ثكلتك أمك) إنك لم تفعل حسنة واحدة، وقد فعلت ثمانية ذنوب، أربعة منها انك سرقت مال الناس وأربعة أخرى انك أعطيت مال الناس لغيرهم من دون إذنهم، وليتك لم تحصل على الثواب فقط بل لقد حملت إثم ثمانية ذنوب.
    ثم قال الإمام (ع): انظروا كيف يفعل الجهل المركب بالإنسان.
    أيها الأعزاء، نساءً ورجالاً محترمين قد تتعجبون من هذه الرواية أيكون مثل ذلك؟ ولكن في وسطنا الكثير من هذه الحالة.
    مثلاً الشخص الذي يبيع قليلاً ويحتكر الأشياء ويبيعها بثمن غال ويمتص دم الناس كما تمتصه الديدان، ولكنه يقرأ مجلس العزاء الحسيني عشرة أيام أو عشرين يوماً ويصرف في ذلك مائة ألف تومان، هذا عمله نفس عمل ذلك الرجل بلا فرق. ذلك الرجل سرق وأعطى للفقراء, وهذا سرق وقرأ مجلس العزاء الحسيني.
    وكذلك المرأة التي تحيي الليل بالعبادة وتدعو الله سراً وعلانية وتبكي إلى الصباح، ولكن قلب زوجها يقطر دماً من أفعالها، لأنها لا تعطي الزوجية حقها، هذا عين سرقة ذلك الرجل، لأنه سرق وأعطى ما سرقه إلى الفقراء، وهذه المرأة سرقت حق زوجها وأدت مكانه صلاة الليل.
    الشخص الذي يتصدق ويتفقد الفقراء وقد يبذل مائة ألف تومان كصدقة، ولكنه لا يعتني بوضع زوجته وأطفاله، وكأنه لم يفهم ان: (المصباح اللازم للبيت يحرم على المسجد).
    أقول أكثر من ذلك: الشخص الذي لا يعطي الخمس حيث يقول الإمام الباقر (ع) هذه الآية تتكلم حوله:
    (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً)(4).
    ذلك الذي يأكل مال اليتيم في الحقيقة يأكل ناراً، أولئك الذين يمتلكون عيناً ملكواتية يرون هؤلاء يأكلون النار وسوف يردون المحشر يوم القيامة وبطونهم تقذف ناراً كما يقذف التنور باللهب.
    فالذي لا يدفع الخمس ويتظاهر بمساعدة أعمال الخير، ذلك سارق أيضاً.
    الهوامش:
    (1) سورة المجادلة، الآية: 18.

    (2) سورة الكهف، الآيتان: 103 و104.
    (3) سورة الأنعام، الآية: 160.
    (4) سورة النساء، الآية: 10، وسائل الشيعة، ج6 ص337. تفسير البرهان ج1 ص347.

    من كتاب للاستاذ المظاهري