منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع حرية الهبة

  1. بواسطة عطر الامير

    حرية الهبة



    الإنسان حر في أن يهب أو لا يهب.
    والفرق بين الهبة والهدية العموم المطلق، فإن كل هدية هبة وليس العكس، إذ الهبة تشمل مثل العقار والآبار والقنوات والأنهر وما أشبه ذلك، بينما الهدية لا تشمل إلا على الأشياء التي تنقل كهدية الكتاب والطعام والحيوان وما أشبه ذلك.
    والواهب حر في أن يقصد القربة أو لا يقصد القربة، فإن قصد القربة أثيب وإلا لم يكن له هذا الثواب الخاص وإن كان له ثواب التعاون وما أشبه ذلك.
    والإنسان حر في أن يهب باللفظ أو بالمعاطاة، كما أن الأخرس يهب كذلك وتقبل الهبة بالإشارة.
    والواهب مخير بين هبة متعددة أو هبة واحدة في صيغة واحدة ولو وهبه شيئاً فقبل الموهوب له الهبة في البعض دون البعض فله الحرية، لكن الواهب حينئذ له خيار الفسخ والموهوب له الحرية في أن يقبل أو لا يقبل، كما أن لكل واحد منهما أن يشترط على الآخر شيئاً من الشروط السائغة، وإن كان يستحب قبول الهبة والهدية ويكره ردها سواء كانت لله أو بدون هذا القصد، نعم، الهدية والهبة المنتهية إلى المحرم حرام، ولذا ورد أن هدايا العمال غلول. وأن الهدية تعور عين الحكم، فعلى العامل والقاضي ومن أشبه أن يترك ذلك ومن يملك في ذمة آخر شيئاً فهو حر في أن يهبها أو لا يهبها أو يهب بعضها. كما أن المالك في ذمة الغير حر في أن يهب ذلك الشيء لنفس من في ذمته أو لغيره، فإذا وهبه لغيره حق لذلك الغير مطالبة ذلك الذي في ذمته، نعم، إذا وهب لغيره احتاج إلى التقابض بخلاف ما إذا وهب لمن في ذمته حيث إنه يفيد فائدة الإبراء.
    والإنسان حر في أن يهب المكيل أو الموزون أو المعدود أو المزروع، ولا فرق في شرطية القبض في الهبة بين كونه من هذا القبيل أو من قبيل العقار وما أشبه، وإذا كان الشيء الموهوب مقبوضاً للموهوب له لم يحتج إلى قبض جديد أو إذن الواهب في القبض جديداً، ولا مضي زمان يمكن فيه تجديد القبض، ولا فرق في كفاية القبض السابق عن القبض الجديد بين كونه بإذن أو غصباً أو ما أشبه ذلك، ولو وهب الولي شيئاً مما تحت يده لمن له عليه ولاية لزم بالعقد فقط بدون الاحتياج إلى القبض لأن قبضه قبض المولى عليه.
    وكذا هو حر في أن يهب المشاع أو الكلي في المعين أو الكلي المردد على ما ارتأيناه في الفقه والمشاع قد يكون مشاعاً بين الواهب وبين غيره، وقد يكون مشاعاً بين الواهب وبين أن يهب له نصف الدار التي بينهما على نحو الشركة فلو قبض العين بإذن الواهب، صحت هذه الهبة.
    والواهب حر في تعيين الموهوب أو عدم تعيينه فيصح أن يهب شاة خاصة أو شاة من قطيع معلوم فلا يلزم العلم بقدر الموهوب ووصفه وسائر خصوصياته، كما يلزم أمثال ذلك في البيع غالباً، ويصح هبة هذه الصبّرة المجهولة القدر والخصوصية بأن لا يعلم هل هي حنطة أو شعير أو أن يهب الصوف على ظهر هذا الحيوان أو اللبن في ضرعه أو البيضة في بطن الدجاجة أو الحمل في بطن أمه أو ما أشبه ذلك.
    ثم إنه حر في هبة ما يقدر على تسليمه أو لا يقدر حين العقد فتصح هبة الضال والضالة والعين المغصوبة، وما وقع في البحر مما يحتمل إمكان إخراجه أو ما أشبه ذلك بل وحتى لو لم يكن إخراجه فيما إذا ألقاه إنسان مما يجب عليه بدل الحيلولة.
    كما أنه حر في أن يهب العين المستأجرة من المستأجر وغيره.
    وتصح هبة الحيوانات مطلقاً حتى النجسة العين كالكلب بأقسامه، بل والخنزير فيما إذا أراده المتهب للسقي أو ما أشبه ذلك، وكذلك إذا وهب كافر لكافر خنزيراً وراجعونا نحكم بأنه للموهوب له. وإذا كان الحيوان حاملاً حق للمالك أن يهب الحمل دون الحيوان، أو الحيوان دون الحمل، أو كليهما معاً.
    وهو حر في أن يهب من واحد أو من اثنين على نحو الاشتراك في النصف أو سائر النسب الأخرى وهكذا الاثنان حران في أن يهبا بعقد واحد من واحد شيئاً. كما أن الأب والأم حران في أن يهبا لأولادهما شيئاً بالتساوي أو بالاختلاف اختلاف الإرث أو غير ذلك، نعم، يكره التمييز والتفضيل مما يسبب العداوة والشحناء، وما أشبه ذلك.



    الواهب وحق الرجوع بالهبة


    الواهب حر في استرجاع ما وهب وعدم استرجاعه فإن العين الموهوبة إذا قبضت فإن كان المتهب أحد الآباء أو الأزواج أو الأولاد وإن نزلوا ذكوراً أو إناثاً لزمت الهبة ولم يكن للواهب الرجوع وكذلك لا يجوز الرجوع في الهبة المعوضة والهبة التي يراد بها وجه الله والهبة المتصرف فيها. أما سائر الهبات فيجوز الرجوع فيها، فالواهب حر في أن يرجع على الكل، أو لا يرجع على الكل، أو يرجع على البعض دون البعض.
    وقد ذكر جماعة من الفقهاء أن الرجوع يسقط بأمور:
    الأول: تلف العين.
    الثاني: كون الهبة معوضة.
    الثالث: قصد القربة والثواب وإن لم تكن معوضة.
    الرابع: كون الموهوب في ذمة المتهب فإنه يسقط بالهبة ولا يبقى محل للرجوع.
    الخامس: اشتراط إسقاط حق الرجوع في ضمن عقد لازم آخر، وهكذا الحال لو شرط ذلك في ضم عقد الهبة.
    السادس: موت المتهب الموجب لانتقال العين إلى وارثه.
    السابع: موت الواهب.
    الثامن: حجر الحاكم على المتهب الإفلاس مع بقاء العين.
    التاسع: جناية الهبة.
    العاشر: كون الواهب زوجاً أو زوجة.
    الحادي عشر: تصرف المتهب في العين.
    الثاني عشر: نقل العين نقلاً لازماً وتفصيل الكلام في هذه المسقطات في الفقه.
    والواهب فيما له الرجوع حر في أن يسترجع باللفظ مثل: ارتجعت وأبطلت وفسخت وما أشبه ذلك، أو بالفعل بأن يبيع الواهب العين أو يهبها من غيره أو ما أشبه ذلك. ولو وهب فيما ليس له الرجوع ثم باع الهبة كان البيع فضولياً يتوقف على إجازة المتهب فهو حر في أن يجيز أو لا يجيز، فإن أجاز صح البيع، وإن رد فسد البيع، ولو كانت الهبة فاسدة صح بيع الواهب ونحوه مطلقاً ومن باع مال مورثه معتقداً حياته ثم بان موته صح، أما إذا باعه معتقداً موته، ثم بان حياته فالمورث حر في أن يجيز أو لا يجيز. والمتهب حر في أن يقبض فوراً أو متراخياً فإنه لا يلزم ترتب القبول على الإيجاب فوراً.
    ولو أنكر الواهب القبض فالمتهب حر في تحليف الواهب وأخذ المال أو عدم تحليفه وعدم أخذ المال. كما أن الواهب حر في الإقباض وعدم الإقباض، فإن أقبض صار للمتهب وإلا بقي على ملكه وكلاهما حر في جعل الهبة معوضة أو غير معوضة، فإن جعلاها معوضة لم يتمكن الواهب من الرجوع وإن جعلها غير معوضة تمكن على التفصيل الذي ذكرناه قبل أسطر ولو أراد المتهب بعد القبض أن يعوض عنها، فالواهب حر في أن يقبل ويسقط به رجوعه وأن يمتنع، فإن امتنع عن القبول لم يجبر على القبول إلا إذا كان ملتزماً بذلك في ضمن العقد اللازم.
    كما أنهما حران في اشتراط التعويض بعد ذلك في الهبة، وهما حران في تعيين العوض وبين إطلاقه إطلاقاً لا يؤدي إلى الغرر وعند الإطلاق يتخير المتهب بين القليل والكثير. والمشروط عليه العوض حر في دفع العوض وإلا باع منه وتمكين الواهب من الرجوع كما قال جمع من الفقهاء.
    ولو وجد الواهب في العوض المعين الذي قبضه من المتهب عيباً، فله الحق في الرجوع بالإرش أو عدم الرجوع ولو خرج العوض المعين المدفوع إلى الواهب مستحقاً لإنسان آخر لزم المتهب دفع البدل فإذا لم يدفع البدل كان الواهب حراً بين الرجوع وعدمه، كما أنه لو خرج بعض العوض مستحقاً لزم على المتهب دفع البدل فإن امتنع صح للواهب، ولو وهبه عصيراً فصار خمراً، ثم عاد خلاً، فالظاهر أنه حر في الرجوع وعدمه.
    ثم إن المتهب لو صبغ الثوب الموهوب بلا عوض لا يسقط ذلك حرية الواهب في الرجوع وعدم الرجوع، والمريض كالصحيح حر في الهبة وعدم الهبة لما ذكرناه من أن منجزات المريض من الأصل فلو مات في ذلك المرض لم تكن الهبة باطلة أو مردودة إلى الثلث فيما كانت الهبة زائدة عليه. فللمريض الحرية في الهبة وعدم الهبة وإذا وهب أكثر من الثلث حسب من الأصل.