منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع ثقافة السلام.. تحديات القبول والرفض

  1. بواسطة عطر الامير

    علاء حميد
    في كل يوم نستهلك كثيراً من مفردة “السلام”، فهي حاضرة معنا بشكل مستمر، اذ نلفظها حين نلقي التحية في القدوم والذهاب، ونتداولها حين تعصف بنا المشكلات. نبحث عنها في حياتنا بشكل دائم لكي نحظى بالطمأنينة والأمان، ولكن لم يخطر على بالنا يوما ان نفكر بها كمفردة حاضرة في أغلب حواراتنا تحمل معاني مميزة، ولكنها غائبة كفعل مؤثر في سلوكنا!. يتحقق معنى السلام في التصالح مع ما نحمله من قيم وتقاليد، وما نمارسه من سلوك، لكي لا نعيش حالة انفصال بين ما نؤمن وبين ما نفعل. لهذا لا يجتمع السلام مع العنف لانهما نقيضان لا يجتمعان في سلوك الفرد، اذ ان السلام هو تصالح يقوم على السكينة في داخل الانسان. لم يكسب السلام أهمية في مجتمعنا العراقي منذ مدة طويلة، اذ مر المجتمع بتاريخ طويل من العنف والصراع، وكأننا تعودنا العنف على حساب السلام، ويذكر أغلب العراقيين من كبار السن مشاهد السحل والقتل التي وقعت في مراحل متعددة من تاريخ العراق الحديث والمعاصر. وبعد 2003، اصبح العنف حاضراً معنا يومياً، والسلام غائب، وكأننا نؤكد صعوبة تقبل السلام مبدأ للعيش، ونثبت اننا شعب استقر العنف في سلوكه وتاريخه.
    هناك حكمة تقول “كيفما تكونوا يولى عليكم”، لعلها تساعدنا في فهم لماذا نواجه صعوبة في قبول السلام، لان القيم التي نحملها في معظمها غير متصالحة مع معنى السلام، فمثلا لو أخذنا قيمة “الغلبة” او كما يطلق عليها اجتماعيا التغالب، فان هذه القيمة تناولها عالم الاجتماع العراقي المعروف الدكتور علي الوردي في أغلب مؤلفاته، سنجد أننا نشعر بقيمة التغالب في تعاملاتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، فهي تعني نيل المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة بغض النظر عن صحة تلك المصلحة أو خطأها، ولا يمكن للسلام أن ينمو ويزدهر في مجتمع يغالب أفراده بعضهم بعضاً بشكل شبه يومي.
    ان مضمون الحديث النبوي الذي يقول “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده”، يجعلنا نفكر في أن السلام في مجتمعنا يستلزم سلامة اليد وعفّة اللسان من الاذى والنيل من سمعة الآخرين المتشابهين معنا في الانتماء المذهبي والمختلفين معنا دينياً واجتماعياً.
    السلام هو في الاصل صفة نابعة من الفعل الثلاثي “سلم”، الذي يؤشر الى ان ممارسة السلام قائمة على القناعة بترك ممارسة العنف، وما ينتج من أذى جسدي ونفسي مع الاشخاص المختلفين في الانتماء الاجتماعي والديني، مع ذلك هناك فرق كبير بين أن تكون في حالة سلم “At Peace With” وان تعيش السلام “At Peace” هذا الفرق نجده في بعض من يقتنع بالسلام لفظاً ويخالفه فعلاً.
    ولكي نؤكد أننا في حالة سلم ونعيش هذه الحالة، علينا تحويل السلام الى ثقافة وممارسات سلوكية تضع السلام ضمن أولوياتنا، ولكن كيف نحقق ذلك؟. حددنا سابقاً، أننا امام تحدي تحويل السلام من تداول لفظي لا يتخطى الاستهلاك اليومي الذي يرافق كل أزمة تقع في حياتنا الاجتماعية، فمثلاً حينما قامت الحرب الاهلية بين عامي 2006-2007 في العراق، ارتفعت مطالبات الاهتمام بالسلام كثقافة تمنع ازدياد الاحتراب الداخلي، لكن تلك المطالبات لم تجدِ نفعاً، كانت تلك الحرب كاشفة لعمق أزمتنا، ومدى جسامة الخلل الاخلاقي والاجتماعي الذي نمر به، كونها بينت حجم الخلل القيمي في المجتمع، أفراداً والجماعات. أن السلام كمبدأ وممارسته يحتاج الى تقبل اجتماعي ونفسي، والا يتحول تداوله عبارة عن هروب الى الامام من دون مواجهة أزمة رفض تبنيه كفعل يعيد ترتيب علاقاتنا الاجتماعية بيننا كأفراد ينتمون الى الاديان ومذاهب متنوعة.
    هناك من يحيل ممانعة المجتمع من الاخذ بمبدأ السلام في الحياة الى التركيبة الاجتماعية التي يعيشها المجتمع العراقي، فهناك عشائر وطوائف تجعل الفرد المنتمي لها يظن انه على حق دائماً والباقي على خطأ، كيف يكون السلام حاضراً في مجتمع واغلب أفراده أنهم على حق بغض النظر عن صحة ما يقومون به من أفعال وممارسات؟. في بداية تأسيس تركيا الحديثة، بعد انتهاء الخلافة العثمانية، أطلق الزعيم التركي مصطفى اتاتورك مبدأ “سلام في الداخل، سلام في الخارج”، هذا يؤكد أن السلام هو مطلب داخلي ليتحول الى مبدأ خارجي يتم التعامل به بين الدول والمجتمعات.
    مبدأ أتاتورك بشأن السلام يدفعنا الى اعادة النظر في رفض بعض المجتمعات الاخذ بالسلام ومنها مجتمعنا العراقي!، ولو قمنا بمقارنة حجم العنف الذي شهدناه ماضياً وحاضراً، ومساحة السلام التي تحتل تفكيرنا وتظهر في اقوالنا، والكلمات التي تعبر عن السلام نجد أنها تكاد تكون قليلة وغير فاعلة.
    ولكي نتدارك هذا الهدر الاجتماعي والاخلاقي في عدم وضع السلام كمبدأ للعلاقات بين المجتمعات والدول، علينا الانتباه الى قضية مهمة في صلب دعم تقبل السلام اطاراً جامعاً للحياة، هذه القضية هي التنشئة الاجتماعية التي تعني بشكل أولي “منح الفرد الخصائص الاساسية التي يشترك بها المجتمع وهذه الخصائص قيم ومعايير وأعراف”. فحينما ننظر الى سمات التنشئة الاجتماعية التي تقوم بها الاسرة العراقية تجاه أولادها، نتساءل: كم هي حاضرة فيها قيمة السلام؟ كم مرة فكّر اولياء تلك الاسر بتنشئة اولادهم على تقبل المختلف عنهم ثقافياً وفكرياً.
    * باحث في مجال الانثروبولوجيا
  2. بواسطة بهلول الرشيد

    شكرا لك عطر الامير
    مجهود مميز
  3. بواسطة عطر الامير

    اسعد الله ايامكم
    شكرا للحضور الجميل