منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع المشي الى كربلاء وحرية العقيدة

  1. بواسطة عطر الامير

    [صورة]
    وضع الرأس الشريف بين يدي عبيد الله بن زياد، والصالة تغصّ بالحضور؛ من قادة جيش عمر بن سعد، وشيوخ قبائل وصحابة محدثين، فيما كانت أسرة الإمام الحسين (المسبية) في إحدى الزوايا، فبدأ والي يزيد على الكوفة يستعرض انتصاره وقدرته من خلال سوط بيده يضرب به ثغر الإمام، وكان الى جانبه اثنان من أبرز الصحابة القلائل المتبقين من عهد رسول الله، وهما؛ زيد بن أرقم، وأنس بن مالك. بإزاء هذا الموقف لم يتكلم أنس بشيء، بينما انتفض زيد مطالباً ابن زياد بأن "ارفع سوطك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره، رأيت شفة رسول الله بما أحصي عدداً وهو يقبلهما.."، ثم انتحب باكياً.لما رأي ابن زياد هذا التحول في زيد بن أرقم، قال له: "لولا أنك شيخ كبير وخَرِفت لضربت عنقك".التهديد بالموت لصحابي طاعن في السن، وهو إمام رأس ابن بنت رسول الله، بلور الرؤية لديه واتخذ الموقف المناسب في اللحظة المناسبة، فتنحّى عن ابن زياد، وتوجه الى جموع الحاضرين من أهل الكوفة بالقول: "يا أهل الكوفة...! أنتم العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمّرتم ابن مرجانة، والله ليقتلنّ خياركم...". الفضاءات والفرصالمطالبة بحرية الرأي والعقيدة شيء، وخوض التجربة شيء آخر، فمن الذي لا يحب ممارسة حرية التعبير عن رأيه وعقيدته وموقفه من الأوضاع المحيطة به؟ وهل القضية بهذه السهولة؟، لحرية الرأي والعقيدة والفكر فضاءات خاصة، مثل الصحافة والإعلام، وأشكال التجمعات الجماهيرية، من؛ تظاهرات واعتصامات وإضرابات، وقد أثبتت التجارب فاعلية هذه الفضاءات المدعومة سياسياً من أحزاب وتنظيمات سياسية، وأخرى من المجتمع المدني، بما يحقق للجماهير بعض المطالب والأهداف.ونظراً لسياسية النشوء، فإن فضاءات هذه الحرية تتجه قهراً نحو المصالح السياسية، ضمن الأطر الحزبية أو الفئوية أو حتى الشخصية، فتتحول هذه الحرية الى شعار، ثم سلاح في ساحة الصراع السياسي على السلطة، كما حصل الشيء نفسه، عندما مُلئت آذان الفلاحين والعمال والطبقة الفقيرة بالشعارات الاشتراكية والدفاع عن "الكادحين" والمحرومين، فلم يزد هؤلاء إلا مزيداً من الحرمان والفقر.إن قيمة الحرية تفيد الإنسان الفرد – قبل المجتمع- في تمكينه من القدرة على التعبير عن رأيه وعقيدته، ومن ثمّ فإن التقاء الحرية كقيمة مقدسة، مع القدرة على التعبير عن الرأي، سينتج لدينا التنظيمات السياسية الناجحة كونها وليدة شرعية للوعي الجماهيري.وهذا ما سعت من أجله أسرة الإمام الحسين، عليهم السلام، متمثلة بالدرجة الأولى بالإمام زين العابدين، وعمته العقيلة زينب،عليهما السلام، خلال مسيرة السبي من كربلاء الى الكوفة، ومنها الى الشام، وما تخلل الطريق من محطات ومواقف وأحداث شكلت بمجملها فضاءات وفرص لأفراد المجتمع، لأن يجربوا حقهم في ممارسة الحرية في التعبير عما يضمرونه من رؤى وأفكار ومشاعر، تأخذ بأيديهم الى حيث الخروج من نفق الاستعباد والاستبداد.وعلى هذا الطريق يسير اليوم الزائرون من كل أنحاء العالم، مشياً على الأقدام، صوب كربلاء الحسين لزيارته، عليه السلام، في أربعينتيه، فالمسافات البعيدة التي يقطعونها توفر الفضاءات المطلوبة بأحسن ما يكون لحرية التعبير عن تراكمات الشجون والآهات والمطالبات بما عجز عنه المعنيون بأمر الشعب والأمة، من توفير إمكانات النهضة والنمو في المجالات كافة.ولطالما حاول بعض تحجيم ظاهرة المشي لزيارة الأربعين، على أنها مقتصرة على شريحة الفقراء الشاكين من الحرمان الى رمز كبير بعد فشل الجهات المختصة، بيد أن الحضور المتزايد في عرض المجتمع بمشاركة شرائح مختلفة، منها الأغنياء والعلماء، وحتى من هم ليسوا من الشيعة أساساً، عزز الاعتقاد بقدرة هذه المسيرة المليونية، وتحديداً الإصرار على المشي لمسافات طويلة، على توفير تلك الفضاءات والمناخات المناسبة لحرية الرأي والعقيدة.ولذا تكون كل أشكال الفساد والانحراف مهددة بالإصلاح أو التغيير الشامل، خلال هذه المسيرة الهادرة، لأن المطالبة هنا ليست بدوافع سياسية ولا فئوية خاصة، إنما تعود الى جذور النهضة الحسينية متمثلة بهتاف الإمام الحسين، عليه السلام: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي...".ولعل هذا يفسّر سبب خوف نظام حزب البعث البائد من هذه الشعيرة الحسينية تحديداً، رغم محتواها الديني الواضح وعدم تضمينها لأية شعارات وأهداف سياسية، بيد أن الشعارات لم تكن لتخيف صدام، بقدر تمكن الناس من التعبير عن رأيهم بكل حرية على طول الطريق الممتد الى كربلاء المقدسة، فإن أغلق عليهم الطريق الرئيسية، توجهوا الى الطرق الفرعية والترابية بين بساتين النخيل.وقد ورث الناس هذا الإصرار من آبائهم وأجدادهم في العهود الماضية، عندما تحدوا كل المخاطر لزيارة مرقد الإمام الحسين، عليهم السلام، من فرض رسوم باهظة وغرامات، ثم التهديد ببتر الأيدي والأرجل، وحتى التهديد بالقتل، فكان كل ذلك، سهل يسير على أولئك الزائرين، فبذلوا المال، وصبروا على العوق، واستقبلوا الموت برحابة صدر، ليحصلوا على ما سلبه منهم الحاكمون من الحرية والكرامة ولم يجدونها في أي مكان آخر.