منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع التجارب العاطفية في أروقة الجامعات

  1. بواسطة عطر الامير

    د . صفاء برهان
    لسنوات الدراسة الجامعية ذائقتها الوردية في وجدان الإنسان؛ بوصفها تلك المحطة العمرية من الشباب، التي تمتاز بسطوع العنفوان والتعلق بآمال الحياة وحلاوتها، علاوة على ما تبعثه في الروح من عزيمة للارتقاء العلمي، ومن ثم النظرة بعيون متفائلة للمستقبل ضمن الحياة الرحيبة. ومن أهم معالم تلك السنوات الجميلة هو اختلاط الجنسين، وما يرافق ذلك من اكتشاف متبادل لعوالمه وشخصيته ورغباته، في أجواء جامعية تعمل على خلق شباب مزودين بالقيم الأخلاقية والضوابط الاجتماعية المرموقة، بما يمهد إلى إيجاد نوع من النزوع نحو حديث المشاعر ودغدغة الأحاسيس، ومن ثم سعي العواطف إلى الثبات، فمرحلة الاختيار الأمثل لشريك الحياة الذي يكون خير مستودع للنفس البشرية، بما يحقق سكنها العاطفي واستقرارها النفسي الذي يبحث في نصفها الآخر. في حين نجد غالبية هذه التجارب تنتهي بفراق الشاب عن الفتاة، ولا تبقى سوى الذكريات المؤلمة التي لا تغادر الوجدان. وما يجب أن يؤخذ بالحسبان الى أن أغلب نوع من التجارب يتميز بخلوه من مقومات العلاقة العاطفية الرصينة؛ ما يبعدها عن مفهومها المتداول تبعا لعوامل اجتماعية ونفسية متنوعة، فشخصية الشباب في بداية الحياة الجامعية تتشكل على أساس متقلب، ينماز بالمزاجية العالية وعدم الاستقرار على رأي أو فكرة نحو الحياة. ما يجعل الجنسين مندفعين نحو بعضهم لملء الفراغ العاطفي الكبير؛ نتيجة الكبت الذي عانوه من دون حساب لحقيقة القناعات والنوايا، بل غايتهم تفريغ مخزون الكبت الذي يضطرم بدواخلهم، حتى باتت كلمة (أحبك) من أسهل الكلمات التي يقذفها الشاب في وجدان الفتاة؛ متناسين أن الحياة أكبر من مشاعر وردية وإن كانت صادقة، فإذا وصلوا إلى المرحلة المنتهية تفتحت بصيرتهم، وخفت لهفتهم وازداد وعيهم؛ لينسحب أحد الطرفين بعدما يستوعب أن غاية تجربته العاطفية، هي الوصول إلى المؤسسة الاجتماعية المهمة (الزواج).

    بلحاظ عام فإن هذه العلاقات تشهد وقوع الضرر على الفتاة أكثر من الشاب؛ لطبيعتها العاطفية التي تأخذها بعيدا في تخيلاتها البعيدة عن الواقع، علما أن كل واحدة بإمكانها أن تخلق من تجربتها علاقة ناجحة؛ لأنه بإمكانها وضع الحدود الصارمة أمام الشاب، وبخلافه ستخفق الفتاة بنحو ذريع؛ لأن الشاب سيرى أن تساهلها يعني أنها قدمت تساهلات مماثلة في تجارب سابقة. وهو الشأن الذي يفسر انحدار الكثير من العلاقات الحالية؛ لان أغلب الشباب لا يأخذون الأمور بجدية، وغايتهم تقضية أوقاتهم على حساب مشاعر الفتيات وأحلامهن. فهم يرون في ذلك تسلية لاسيما إن تعددت التجارب عندهم، وهو ما يدعوهم للتباهي أمام أقرانهم. متجاوزين (الحب) الذي هو أعظم شعور، يتملك المرأة التي خلقت للعاطفة والزواج والأمومة. لذا وجب على الفتيات أن تنتبه لذلك جيدا؛ لأن ضعف النضج العاطفي يوقعها في تجارب وهمية بسبب(الغيرة من الاخريات)، وستكون عاقبته ليست حميدة بخلاف الشاب. وهذا يعود إلى القيم الاجتماعية التي تتساهل مع الولد، وتحاسب الفتاة وإن كانت الضحية !
    والملاحظ على دوافع نشوء التجارب العاطفية في السنوات الأخيرة، أنها انطلقت من محفزات أخرى غير العاطفة، ونقصد به المال الذي شكل عصب العلاقة بين الشاب والفتاة؛ بوصفه حاجة الإنسان إلى الاستمرار في حياة كريمة، وإن انتهت التجربة بالزواج سيدرك أحد الطرفين أن مقدراته المالية، كانت سبب انجذاب الطرف الآخر إليه، وليس بسبب مواصفات شخصية يتفرد بها عن غيره. وهو ما يفسر إخفاق الكثير من التجارب العاطفية أصلا؛ لعجز الشباب عن تأمين مستلزمات للزواج.‏ ‏ولاسيما مع ندرة فرص العمل بعد سنوات دراسة مضنية!!
    وأخيرا وليس آخر فهناك تبعات سلبية أخرى لهذه التجارب؛ إذ إن مما يؤسف له أن طبيعة التجارب العاطفية التي تربط الشباب، أمست تنخر حياتهم العلمية بنحو واضح، فظاهرة التغيب عن المحاضرات وعدم أداء الواجبات وتدني المستوى العلمي، مما يعانيه الطرفان نتيجة الانشغال بحديث العاطفة على حساب الوعي ما يشكّل معوقا لدى الطرفين في مسيرتهم الجامعية. في إزاء نسبة ضئيلة جدا حفّزت الطلبة لتحصيلهم العلمي. ومن ثم فإن إخفاق التجربة يترك شرخا عميقا في الوجدان، بل يجعله يفقد الثقة في أي إنسان، وربما يلغي مفردة الزواج من قاموس حياته إلى الأبد. وستؤثر تجربته المخفقة في حياته المستقبلية سلبيا؛ إذ ينظر إلى أية تجربة أخرى قد تحصل بمقياس تجربته الأولى، التي تتحكم كثيرا في أساس التعامل مع الجنس الآخر. حيث مشاعر الضعف والتردد وفقدان الثقة بنفسه وفي الآخر، وإن كان صادقا وراغبا فيه،مستذكرا من لهث خلفه في تجربته الأولى دون طائل؛ ليكون مصداقا لقول أمير المؤمنين علي عليه السلام:(زهدك في راغب فيك نقصان حظ، ورغبتك في زاهد فيك ذلة
    نفس).
    [صورة]