منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع ميلاد رحمة للعالمين وخاتم الرسل والانبياء (ع)

  1. بواسطة عطر الامير

    وسط أجواء ملبدة بغيوم الجهل والشرك والوثنية وسطوة القوي على الضعيف وتحكم الغني بالفقير، وفي فترات التأريخ الغابرة وأوراقه السوداء الملطخة بالعمى القبلي والانصياع الجاهلي للخرافة والسحر، كانت أرض مكة المكرمة في شبه الجزيرة العربية على موعد فريد من نوعه لم يشهد تأريخ البشرية لا من قبل ولا من بعد مثله حيث ميلاد رحمة للعالمين وخاتم الرسل والانبياء (ع) الرسول المسدد المصطفى الأحمد أبي القاسم محمد بن عبد الله (ص).



    كان العالم برمته وفي السابع عشر من ربيع الأول من عام الفيل سنة 571 للميلاد على موعد ولادة تنتشل الامة من وهدتها وتطيح بالظلم والطغيان والاستبداد والجاهلية والخرافة والوثنية وتضع الأمور في نصابها وتعيد الكرامة الانسانية وترتفع بالبشرية من حياة الذل والضياع نحو حياة المجد والخلود والعلم والفضيلة والحضارة والثقافة والرأفة والرحمة والمودة والأخاء والتوحيد والعبودية لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له كما جاءت بها وأقرتها جميع الأديان. فجاءت البشرى الموعودة على لسان سيدتنا آمنة بنت وهب أم محمد الامين (ص) والتي تحدثت انها أتيت في منامها لما حملت برسول الله (ص) فقيل لها: انك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع بالأرض قولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد، ثم سميه محمدا؛ ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام، فلما وضعته أرسلت الى جده عبد المطلب انه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه، فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه.
    وجاء في «تاريخ الطبري» و«دلائل النبوة» للبيهقي ولـ«أبي نعيم» و«المنتظم» لابن الجوزي ما موجزه: في ليلة ميلاد الرسول(ص) ارتجف إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان في المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم.. حتى بشرت البشرية بميلاد سيدها وسبب نشأتها ورحمة الله للعالمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم لتنتبه مكة على ايقاع صوت الحق ينطلق وأفاقت على أنغام الترحيب بالوليد اليتيم الذي لم يخطر على بال أي أحد بأنه سيكون المنقذ للأمة ومؤسساً لحضارتها ومعلماً لبشريتها رغم أميته وقائداً لركب الايمان والتوحيد. فكان له الفضل الكبير في جميع الميادين العقائدية والفكرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية ليبني للبشرية مجتمعاً جديداً قائماً على التوحيد والمحبة والعلم والبناء والتجارة والسياسة والحكومة ليضحى المسلمون مناراً وضاءاً ومدرسة تعليمية راسخة لسائر الأمم والمجتمعات البشرية الاخرى منذ ذيك اليوم وحتى يومنا هذا. فقد شيد الرسول الأعظم محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قواعد الحضارة الاسلامية وبنى مجداً وعزاً وعلماً لا يزال حتى يومنا هذا ينهل منه وتؤكد طروحاته انه المنقذ الوحيد للبشرية جمعاء. ومن هذا المنطلق نرى ان المؤرخ الاميركي الشهير «مايكل هارت» مؤلف كتاب «مئة رجل من التأريخ» يقول.. ان اختياري لمحمد (ص)، ليكون الأول بين أهم وأعظم رجال التأريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التأريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي. ولأنه أقام الى جانب دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كلَ أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق الى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمهما. فيما يقول المفكر الفيلسوف الفرنسي «ألفونس دو لامارتن».. النبي محمد(ص) هو النبي الفيلسوف المحارب الخطيب المشرع قاهر الاهواء وبالنظر الى كل مقاييس العظمة البشرية أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ وفي هذا الاطار يرى الاديب البريطاني الشهير «هربرت جورج ويلز».. في النبي محمد (ص) أعظم من أقام دولة للعدل والتسامح، ولضيق المقال لا يسعنا التطرق لكل ما قيل في هذه الشخصية العبقرية الكبيرة ولكن نتساءل هنا ماذا فعل الصحابة مع الرسول الأعظم (ص) في حياته وبعد مماته وكيف أنهم نكثوا كل ما قال وأوصى به وماذا فعلوا بريحانته الوحيدة سلام الله عليها وبذريته عليهم السلام ووصيه الأوحد بلا فصل الامام علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليه السلام، من بعده.كما يصادف في نفس اليوم الشريف ذكرى ولادة الامام جعفر بن محمد الصادق(ع) السادس من أئمة أنوار الهدى والتقى في المدينة المنورة في السابع عشر من شهر ربيع الاول سنة ثلاث وثمانين من الهجرة حيث ترعرع(ع) في ظلال جده الامام السجاد(ع) وأبيه الامام الباقر(ع) وعنه اخذ علوم الشريعة ومعارف الاسلام. وشكل الامام الصادق(ع) مع آبائه الطاهرين الميامين حلقات متواصلة مترابطة متفاعلة، حتى تتصل برسول الله(ص)، فهؤلاء يشكلون مدرسة وتجربة حية تجسد الاسلام الاصيل وتطبق فيها احكامه وتحفظ مبادئه. فالائمة من اهل البيت عليهم السلام ورثوا العلم ابا عن جد حتى ينتهوا الى علي بن أبي طالب(ع) الذي قال رسول الله (ص) فيه: (أنا مدينة العلم وعلي بابها). وهو بذلك ينتهي الى رسول الله(ص) وهو الوارث لعلومه ومعارفه.
    الإمام الهمام جعفر الصادق(ع)
    شخصية الإمام الصادق عليه السلام: حيث أن ولادة العظماء تحفها مكرمات تدل على فضل الله عليهم وتعرف عباد الله أهمية وجودهم لقد كانت الأمة الإسلامية تحتفل بالذكرى الثمانين من مولد الرسول الأعظم(ص)، في السابع عشر من شهر ربيع الأول، وهو اليوم الذي ولد فيه النبي(ص)، وهو يوم شريف عظيم البركة ولم يزل الصالحون من آل محمد (عليهم السلام) من قديم الايام يعظمون حقّه.
    وكانت تسير في بيت الرسالة موجة كريمة من السرور والإبتهاج، ترتقب مجدا يهبط في تلك الليلة، وفي ذلك الجو الميمون ولد الإمام الصادق(ع) شعلة نور بازغة سخت بها إرادة السماء لتضيء لأهل الأرض، وتنير سبلها إلى الخير والسلام.
    كانت حياة الامام ما بين عام 83 و148 هـ فقد قارنت شطراً من حياة الامام السجاد وأيام امامته، حيث كانت امامته ما بين عام 61 و95 هـ ، فقد عاش معه أثني عشرة سنة ثم عايش إمامة أبيه الباقر عليه السلام التي شرعت عام 95 هـ وامتدت إلى عام 114هـ.
    وقد تميزت امامة الباقر عليه السلام بتصديه لنشر العلم ولذا يقول الشيخ المفيد ولم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين عليهما السلام من علم الدين والاثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الادب ما ظهر عن أبي جعفر وكان الامام الصادق(ع) في هذه الأجواء المشحونة بالنتاج العلمي وقد انعكست في شخصيته، فقام بدور أبيه بعد وفاته على أفضل نحو فقد قال أحمد بن حجر الهيثمي: جعفر الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وأنتشر صيته في جميع البلدان.
    وقد تميز عصر الامام الصادق(ع) بأنه عصر النمو والتفاعل العلمي والحضاري بين الثقافة والتفكير الاسلامي من جهة، وبين ثقافات الشعوب ومعارف الامم وعقائدها من جهة اخرى. ففي عصره نمت الترجمة، ونقلت كثير من العلوم والمعارف والفلسفات من لغات أجنبية الى اللغة العربية، وبدأ المسلمون يستقبلون هذه العلوم والمعارف وينقحّونها أو يضيفون إليها، ويعمقون اصولها، ويوسعون دائرتها. فنشأت في المجتمع الاسلامي حركة علمية وفكرية نشطة.
    أن الامام الصادق(ع) هو استاذ العلماء وامام الفقهاء وهو امام عصره كما هو امام العصور واستاذ الاجيال. وقد انصرف هو وابوه الباقر عليه السلام لانشاء مدرسة أهل البيت العلمية في مسجد رسول الله(ص) في المدينة المنورة.
    لعل الامام الصادق(ع) من حيث البعد المعرفي المتمثل بخاصة في الفقه، ومن حيث العصر الذي واكبه يعد المعصوم الوحيد الذي غزر نتاجه بحيث عد مؤسساً او رائداً للثقافة الاسلامية في شتى جوانبها الفقه بخاصة.
    حيث استكملت غالبية المبادىء الفقهية على يده، وهو امر يتحدد بوضوح من خلال آلاف الأحاديث التي صدرت عنه (عليه السلام) فضلاً عن تلمذة الآلاف من العلماء على يده، بما فيهم علماء المذاهب الأخرى من امثال ابي حنيفة ومالك بن انس وسفيان الثوري وسواهم.
    ليس هذا فحسب، بل يلاحظ ايضاً ان ضروب المعرفة الاسلامية الاخرى مثل الاخلاق والعقائد قد واكبها ضخامة النتاج وتنوعه وشموله.
    بل ان ضروب المعرفة‌ الانسانية بعامة‌، او المعرفة البحتة والعملية مثل: الطب والكيمياء ونحوهما قد توفر الامام (عليه السلام) عليها، فيما تتلمذ على يده امثال الكيميائي المعروف (ابن حيان) وسواهم.
    والمهم، ان طبيعة العصر الذي شهده (عليه السلام) وهو أخريات السلطنة الزمنية للأمويين وبدايات السلطنة الزمنية للعباسيين، حيث أتيح المجال للتحركات الثقافية بمنأى عن الارهاب المتتابع الذي مارسه الدنيويون حيال اهل البيت (عليهم السلام) وان كان الارهاب قد فرض هيمنته في فترات متفرقة عكست تأثيرها على المناخ الأدبي.
    بيد ان المناخ العام الذي شهده (عليه السلام) أتاح له أن يتوفر على نتاج غزير من خلال التلمذة على يده من جانب، ثم مناظراته ومقابلاته ومراسلاته التي فرضتها طبيعة الحياة الاجتماعية والثقافية من جانب آخر.