منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع المؤسسات والبناء المجتمعي في العراق

  1. بواسطة عطر الامير

    [صورة]



    21/1/2017 12:00 صباحا

    عادل الصويري
    بعد ثلاث عشرة سنة من التجربة العراقية الجديدة ومع كل مانتج عنها من تداعيات لامست المجالات المجتمعية والسياسية والاقتصادية، صار لنا أن نستفهم عن حقيقة النموذج العراقي الجديد على صعيد البناء الفكري هل نجح أم أخفق؟ وبعبارة أكثر تفصيلاً ومباشرة، هل يمكن لهذا النموذج الجدلي أن يحقق ما يصبو إليه، في ظل مجتمع يتأرجح بين منطق التمدن والحرية من جهة، ومنطق البداوة والقبيلة من جهة أخرى؟، هل نفع التأريخ الذي يحدثنا بأن العراق يعد من أهم الحواضر العالمية التي أنتجت الأطر والأنماط الحضارية؟ عملياً، سيكون جوابنا: (لا)، لكن لابد بالمقابل من مناقشة هذه الـ (لا) القاطعة، ومعرفة الأسباب التي جعلت من بلد مهم ومحوري كالعراق يتخلف عن ركب التطور الحضاري والإنساني، وجعلته عاجزاً عن إنتاج الأفكار.
    نعتقد أن هذا العجز يكمن في البنية المجتمعية العراقية، فمشكلة القبلية والعشائرية بدأت مع عصر مايسمى بـ (الفتوحات الإسلامية)، حيث ظهرت التجمعات العشائرية في منطقتي البصرة والكوفة، فصارت كل مدينة تتلون بلون معين من القبائل يغلب عليها الطابع الصحراوي ؛ بسبب الطبيعة الجغرافية للعراق، وهو ماترك آثاره على المجتمعات العراقية المتعاقبة، وكانت السمات العشائرية لازمت - بحسب كتابات المؤرخين- نشوء المدن التي أُنشأت مطلع القرن التاسع عشر. بين المركزية والخضوع للأدلجة ويمكن أن تلعب المركزية دوراً في إعاقة عملية انتاج الأفكار المتجددة، والمركزية في مجتمعاتنا تأخذ أنماطاً وأشكالاً متعددة، وقد تطورت هذه الأنماط من فترة زمنية إلى أخرى، لكنها في الوقت ذاته ظلت محافظة على جوهرها الأصلي المتمثل بأحادية القرار، فمن مركزية القبيلة والعشيرة، إلى مركزية الحزب وصولاً إلى الشكل الذي يجعل نظام الدولة نظاماً مركزياً شمولياً. وأمام هذه السطوة الكبيرة كان الحلم بإنتاج أفكار غير تقليدية تسهم في بناء المجتمع بشكل ينسجم مع مايحدث من تحولات في تقهقر مستمر، بل وصلت الدرجة بـ (المركزيين) إلى اتهام مروجي الأفكار الجديدة ومنتجيها بتخريب النظام والعمالة للاستعمار، وغيرها من الاتهامات، فكيف يتطور الفكر ويُبنى على أسس صحيحة في ظل وجود هكذا سلوكيات دأبت على ممارستها الأنظمة القمعية والديكتاتورية؟. واليوم، وبعد زوال هذه الأنظمة العابثة بمقدرات البلدان ومواردها الاقتصادية وخيراتها، صارت هناك ضرورات لتفعيل المؤسسات التي لاتخضع لأدلجة النظام السياسي الحاكم، مهمتها الرئيسة إنتاج الأفكار التي تسهم في تحقيق التنمية المجتمعية . مؤسسات متنوعة الحقول والميادين فكراً وثقافة واقتصاداً . إن المؤسسات والمنظمات الفاعلة هي -بلاشك- من سيرسي دعائم ومقومات الديمقراطية الحقيقية، أما الخضوع للرقابة المؤدلجة، وممارسة تجميل كل فعل يصدر من النظام ؛ لن ينشأ معه مجتمع ديمقراطي، حتى ولو زاد عدد المؤسسات أضعافاً على عددها، وحتى لو رفعت شعاراً لاتعرف منه غير كلماته التي لاتمت لمنهجيتها بصلة كشعار ( الديمقراطية مصدر قوة للفرد والمجتمع )، ذلك الشعار المفرغ من محتواه، فالديمقراطية عند الأنظمة الشمولية تعني أن يمشي الفرد خائفاً حتى من الطريق واشارات المرور، هذا النوع من الديمقراطية يعتمد مصادرة كل علاقة للفرد مع الوعي والفكر.
    لابد إذن من علاقة تفاعلية وتشاركية قائمة على الصراحة والنقد البناء بين نظام الدولة ومؤسساتها المدنية على اختلاف توجهاتها، لا أن يتم إنشاء المنظمات لتكون بوقاً دعائياً كما حدث في تجربتنا العراقية منذ قيام النظام الجمهوري في العراق وحتى 2003، حيث كانت المنظمات خاضعة بشكل كامل لتفكير النظام على الرغم من تنوع توجهات هذه المنظمات وأعدادها، كالجمعية الفلاحية واتحاد نقابات العمال والاتحاد الوطني لطلبة وشباب العراق ونقابة الصحفيين والاتحاد العام للأدباء والكتاب والمنظمات التي تعنى بحقوق الطفل والمرأة وغيرها، فالكل منسجم مع تفكير الدولة أو بعبارة أدق مع إيديولوجية النظام وطريقة تعاطيه مع الأحداث، إذن هي مؤسسات شكلية، وتقدم في حقيقتها نموذجاً تبريرياً لتغييب الفكر وفق منهجية في الوقت
    الذي كان يجب أن تكون فيه الصوت النخبوي لتطلعات الشعب،
    وبريداً مدنياً يصل إلى القنوات الرسمية.
    وفي تجربتنا الماثلة أمامنا اليوم، وإن كان ثمة ما يقال عليها نقداً وتقويماً، يمكن تقديم النموذج المتوازن بين شكل الدولة العام وطريقة إنتاج الرأي المتحرر، ومع هذا التوازن توجد بعض الإرباكات التي نتجت ؛ بسبب التحولات التي تترك آثارها على مشهدية الوضع العراقي في عديد مستوياته، وتزال هذه الارباكات كلما تم التقدم بثقة وإصرار إلى الأمام، مع الإيمان بمشروعية الهدف وأفكاره المنسجمة مع العصر ومتغيراته.