منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع مراتب سوء الظن:

  1. بواسطة عطر الامير

    مراتب سوء الظن:

    يمكننا تقسيم سوء الظن إلى قسمين: أ ـ سوء الظن اللّساني والعملي: وهو سوء الظن الذي يتجسّد في أفعال الشخص وكلماته وأقواله، وهذا النوع من سوء الظن هو المحرّم شرعًا والذي يترتّب عليه العقاب. ب ـ سوء الظن النفسي: وهو سوء الظن الذي لا يترتّب عليه أثر خارجي، وهو خارج تماماً عن دائرة اختيار الإنسان وإرادته، ولا يمكن إزالته بشتى الوسائل، فمثل هذا الظن السيء لا يكون مشمولاً للتكاليف الشرعية مادام الإنسان لم يرتّب عليه أثراً معيّناً. ولهذا فإنّ سوء الظن هذا الذي يقفز إلى ذهن الإنسان بدون اختيار منه لا يكون مورد الذمّ والعقاب لوحده، فلو أنّه لم يتجسّد في مرحلة العمل، ولم يرتّب الإنسان عليه أثراً على مستوى الممارسة والكلام، ولم يصدر منه سلوك يشير إلى سوء الظن هذا، فإنّه لا يقع مورد الذمّ ولا العقاب؛ ولذلك ذكر بعض علماء الأخلاق توثيقهم في هذا المجال: وَأَمّا الخَواطرُ وَحَدِيثُ النَّفسِ فَهُو مَعفُوٌ عَنهُ... وَلَكنَّ المَنهِيَّ عَنهُ أَنْ تَظُنَّ. والظَّنُّ عِبـارَةٌ عَمّا تِركَنُ إِلِيهِ النَّفسُ وَيَميلُ إِلَيهِ القَلبُ".وقد ورد في بعض الروايات قوله عليه السلام: "وإِذا ظَننتَ فلا تَحَقِّقْ"10. وورد عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "اُطلُبْ لأخِيكَ عُذراً، فَانْ لَم تَجِدْ لَهُ عُذراً فَالتَمِسْ لَهُ عُذراً"11. 4 - الآثار السلبيّة لسوء الظّن بالناس: إنّ اتساع دائرة سوء الظن في المجتمعات البشرية يترتّب عليها آثار سلبية وخيمة ومضرّات كثيرة،أهمّها ما يأتي: أ- إنّ من أسوأ الآثار السلبيّة لهذه الرذيلة الأخلاقية على المستوى الاجتماعي، هو زوال الثقة بين أفراد المجتمع، والذي يعدّ محور المجتمعات البشرية، والعنصر المهم في عملية شدّ مفاصل المجتمع وتقوية الوشائج والعلاقات التي تربط بين أفراده، ومن ذلك قول الإمام علي عليه السلام : "شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَثِقُ بِأَحَد لِسُوءِ ظَنَّهِ وَلا يَثِقُ بِهِ أَحَذٌ لِسُوءِ فِعلِهِ"12. فنجد أنّ المجتمع البشري الذي يسوده عدم الثقة بين أفراده،مثل هذا المجتمع تتبخّر فيه أجواء التعاون والتكاتف وتزول منه البركات الكثيرة للحياة المشتركة في حياة الإنسان نقرأ في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام قوله: "مَنْ سـاءَتْ ظُنُونُهُ،اعتَقَدَ الخِيـانَةَ بِمَنْ لا يَخُونُهُ"13. ب- إنّ سوء الظن يؤدّي إلى تدمير وتخريب الهدوء النفسي والروحي لذلك المجتمع، كما يميت الهدوء النفسي لأصحاب هذه الرذيلة الأخلاقية، فمن يعِش سوء الظن لا يجد الراحة والاطمئنان في علاقته مع الآخرين، ويخاف من الجميع، وأحياناً يتصوّر أنّ جميع الأفراد يتحرّكون للوقيعة به ويسعون ضدّه، فيعيش في حالة دفاعية دائماً، وبذلك يستنزف طاقاته وقابلياته بهذه الصورة الموهومة. ج- ومضافاً إلى ذلك، فإنّ في الكثير من الموارد نجد الإنسان يتحرّك وراء سوء ظنه، ويترجم سوء الظن هذا إلى عمل وممارسة، وبالتالي يوقعه في مشاكل كثيرة، وأحياناً يؤدّي به إلى ارتكاب جريمة سفك الدماء البريئة. وخاصة إذا كان سوء الظن يتعلّق بالعرض والناموس، أو يتصوّر أنّ الآخرين يتآمرون عليه ويهدفون إلى الوقيعة به في ماله أو عرضه، بحيث يمكن القول إنّ العامل الأصلي للكثير من الحالات الجنائية هو سوء الظن، الذي لا يقف على أساس متين، والذي يدفع الإنسان إلى ارتكاب حالات العدوان والجريمة بحقّ الأبرياء، ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "سُوءُ الظَّنِّ يُفْسِدُ الأمُورَ وَيَبْعَثُ عَلَى الشُّروُرِ"14. وعلى سبيل المثال، نشير إلى هذه الحادثة: دخل الطبيب النفسي يوماً ليعود مرضاه في مستشفى المجانين والمتخلّفين عقلياً،فرأى رجلاً قد جيء به حديثاً إلى هذا المكان، وهو يرّدد كلمة منديل مرّات عديدة، وعند ما بحث هذا الطبيب النفسي عن حاله، واستقصى مرضه العقلي، رأى أنّ السبب في جنون هذا الشخص هو أنّه رأى يوماً في حقيبة زوجته منديلاً يحتوى على قنينة عطر وبعض الهدايا المناسبة للرجال، فأساء الظن بزوجته فوراً، وتصوّر أنّها على ارتباط برجل أجنبي؛ فكان أن قتلها بدافع من الغضب الشديد وبدون تحقيق وفحص، وبعد أن فتح المنديل رأى في طيّاته ورقة كتب عليها، هذه هدية منّي إلى زوجي العزيز بذكرى يوم ولادته. وفجأة، أصابته وخزة شديدة، وشعر بضربة عنيفة في أعماق روحه، أدّت إلى جنونه، فكان يتذكّر هذا المنديل ويكرّره على لسانه. د- إنّ سوء الظن يتسبّب في أن يفقد الإنسان أصدقاءه ورفاقه بسرعة، وبالتالي يعيش الوحدة والانفراد والعزلة، وهذه الحالة هي أصعب الحالات النفسية الّتي يواجهها الفرد في الحياة الاجتماعية؛ لأنّ كلّ إنسان يحترم مكانته وشخصيته، نجده غير مستعد لأن يعيش ويعاشر الشخص الذي يسيء الظن بأعماله الخيرة وسلوكياته الصالحة ويتّهمه بأنواع التهم الباطلة، وقد ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال: "مَنْ غَلَبَ عَلَيهِ سُوءُ الظَّنِّ، لَم يَترُكْ بَينَهُ وَبَينَ خَلِيل صُلحَاً"15. هـ- إنّ سوء الظن باعتباره انحرافاً فكريّاً، فإنّه سيؤثّر بالتدريج على أفكار الإنسان الأخرى، وسيقود تصوّراته وأفكاره في طريق الانحراف أيضاً، فتكون تحليلاته بعيدة عن الواقع ومجانبة للصواب، فيمنعه ذلك من التقدّم، ونيل التوفيق في حركة الحياة، وقد ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: "مَنْ سـاءَ ظَنُّهُ، سـاءَ وَهمُهُ"16. 5 - الآثار السلبية لسوء الظن بالله: إنّ لسوء الظن بالله تعالى، وعدم الثقة بالوعود الإلهية الواردة في القرآن الكريم والأحاديث المعتبرة له، آثار سلبية مخرّبة في دائرة الإيمان والعقائد الدينية، حيث يمثّل سوء الظن عنصراً هدّاماً لإيمان الشخص، ويبعده عن الله تعالى، كما قرأنا في الروايات السابقة عن نبي الإسلام صلى الله عليه واله وسلم في مناجاة النبي داود عليه السلام قوله: "يـا رَبِّ، مـا آمَنَ بِكَ مَنْ عَرَفَكَ فَلَم يُحسِنِ الظَّنَّ بِكَ"17.ومضافاً إلى ذلك، فإنّ سوء الظن بالوعود الإلهية يتسبّب في فساد العبادة وحبط العمل؛ لأنّه يقتل في الإنسان روح الإخلاص وصفاء القلب، وقد ورد: "إِيِّاكَ أَنْ تُسِيءَ الظّنَّ، فَإنَّ سُوءَ الظّنِّ يُفسِدُ العِبـادَةَ وَيُعَظِّمُ الوِزرَ"18. 6 - التخلّص من سوء الظن بحسن الظن: سوء الظن يفضي إلى إيجاد الخلل والارتباك في المجتمع البشري، ويؤدّي إلى سقوط الإنسان الأخلاقي والثقافي، ويورثه التعب والألم والشقاء والمرض الجسمي والروحي، بينما نجد في المقابل بأنّ حسن الظن يتسبّب في أن يعيش الإنسان الراحة والوحدة والاطمئنان النفسي؛ ولهذا السبب نجد أنّ الروايات تؤكّد على حسن الظن بالنسبة إلى الناس، وكذلك بالنسبة إلى الله تعالى. أمّا في مورد حسن الظن بالنسبة إلى الناس، وقدورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "حُسنُ الظَّنِّ مِنْ أَفضَلِ السَّجـايـا وَأَجزَلِ العَطـايـا"19، وعنه عليه السلام قوله: "حُسنُ الظَّنِّ يُخَفِّفُ الَهَمَّ، وَيُنجِي مِنْ تَقَلُّدِ الإِثمَ"20، بل واعتبر عليه السلام أنّه يورث المحبّة فوردعنه عليه السلام أنّه قال: "مَنْ حَسُنَ ظنُّهُ بِالنّاسِ، حـازَ مِنهُمُ المَحَبَّةَ"21. أمّا بالنسبة إلى حسن الظنّ بالله تعالى، فقد ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال: "وَأَحسِنِ الظَّنَّ بِاللهِ، فَإنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنا عِندَ ظَنِّ عَبدِي المُؤمِنِ بِي، إنْ خَيراً فَخَيرٌ وَإِنْ شَرَّاً فَشَرٌّ"22. وورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم أنّه قال: "وَالَّذِي لا إِلـه إِلاّ هُوَ، لا يَحسُنُ ظَنُّ عَبدٍ مُؤمِن بِاللهِ، إِلاّ كـانَ اللهُ عِندَ ظَنِّ عَبدِهِ المُؤمِنِ؛ لأَنَّ اللهَ كَرِيمٌ، بِيَدِهِ الخَيراتُ، يَستَحِيي أَنْ يَكُونَ عَبدُهُ المُؤمِنُ قَدْ أَحسَنَ بِهِ الظَّنَّ، ثُمَّ يُخلِفُ ظَنَّهُ وَرَجـاءَهُ؛ فَأَحسِنُوا بِاللهِ الظَّنَّ، وَارغَبُوا إِلِيهِ"23. المصدر : كتاب قوا أنفسكم وأهليكم، نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. الهوامش 1-الحجرات، 12. 2- نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح360. 3- الفيض الكاشاني،المحجة البيضاء، ج5، ص268. 4-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص536. 5-الحجرات، 12. 6- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص283. 7-المحجة البيضاء، ج5، ص268. 8- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص284. 9- الفتح، 6. 10- المحجة البيضاء، ج5، ص268. 11-بحار الأنوار، ج72، ص196، ح15. 12-ابن أبي الحديد، شرح النهج،ج18، ص379. 13-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص436. 14-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،،ص 283. 15-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص433. 16-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص430 17-بحار الأنوار، ج67، ص394. 18-غرر الحكم،ح 2709. 19- السيد البروجردي، جامع أحاديث الشيعة،ج14، ص173. 20- الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،ص228 21-الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، ص435. 22-أصول الكافي، ج2، ص72، ح3. 23-بحار الأنوار، ج67، ص365، ح14.