منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع وقفة مع الناشئ الصغير وقصيدته في الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام)

  1. بواسطة عطر الامير

    وقفة مع الناشئ الصغير وقصيدته في الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام)
    بقلم: الشيخ أحمد فرج الله
    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمّد وآله المعصومين الطاهرين ببغدادٍ وإن مُلئت قصورا * قبورٌ أغشت الآفاقَ نورا ضريحُ السابعِ المعصوم موسى * إمامٍ يحتوي مجداً وخِيرا بأكنافِ المقابرِ من قريشٍ * له جَدثٌ غدا بَهِجاً نضيرا وقبرُ محمدٍ في ظهر موسى * يُغشّي نورُ بهجته الحضورا هما بحرانِ من علمٍ وحلمٍ * تَجاوِزُ في نَفاستِها البحورا إذا غارت جواهرُ كُلِّ بحرٍ * فجوهرُها يُنزَّهُ أن يغورا يلوحُ على السواحلِ مَن بغاه * تُحصِّلُ كفُّه الدرَّ الخطيرا يكتنفُ تأريخَ التشيُّع الكثيرُ من الشخصيات المُثيرةِ للجدل , المتميزةِ بأدوار حياتِها ومراحلِ تجربتها العلميّة والدينيّة والفكريّة , ومنها هذا الشاعرُ الكبير , والمُحدِّثُ البارع أبو الحسن عليُّ بنُ عبد الله بنِ وصيف المُلّقب بالناشئ الصغير , نزيلُ مصر , وربيبُ الحجازِ والعراق , المتنقلُ في مراحلِ حياته بين الارتزاقِ بالمهنة الحُرّة ـ إرثِ أبيهِ وعائلته ـ وبين الانسياقِ وراءَ طلبِ العلم على يَدَي أفذاذِ العلماء , وروايةِ الحديث عن أجلّة المُحدّثين , والدرسِ والتدريس , والتأليفِ في صنوفٍ شتى من العلوم والمهارات , إلى اللُّهاث وراءَ أخيلةِ الشعر وأفانين القول البديع والكلام الجميل , في قصائدَ عُرفت عنه كما عُرف بها شاعراً عالِماً راوياً , مُحدّثاً شيعيّاً , أوقف لسانَه وقلمَه في الكثير من نتاجِه الأدبي على وَلاءِ أهل البيت (عليهم السّلام) والانتصافِ لحقِّهم ومذهبِهم . والغريب في مثل هذه القصيدة التي يقف فيها على ضريحِ الإمام السابع من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) وهو الإمامُ الكاظم موسى بنُ جعفر (عليه السّلام) , يقف فيها مُحيِّياً مُسلّماً غيرَ وقوف النادب للطللِ أو الباكي على الأملِ الضائع , بل وقوفَ الواثقِ الآمِل الذي يرى أنَّ مقابرَ قُريشٍ المعطرةَ النضيرة بجَدثِ سيدها الكاظم (عليه السّلام) هي أشمخُ وأبهج وأقرُّ للعين والقلب من قصورِ بغداد , وهذا ما يتجلّى في هذين البيتين من مطلع قصيدته :
    ببغدادٍ وإن مُلئت قصورا * قبورٌ أغشت الآفاقَ نورا ضريحُ السابعِ المعصوم موسى * إمامٍ يحتوي مجداً وخِيرا
    ويرى أيضاً أنّ أكنافَ الأئمةِ (عليهم السّلام) في أضرحتهم المقدّسة هي أجلى ظهوراً وشروقاً من أبهاء دُور الخلافةِ وشُرفاتِها المُزوّقة , وما يكتنفُ أهلِيها من النعيمِ الزائف واللذةِ الذاهبة الحائلة إلى الزوال :
    بأكنافِ المقابرِ من قريشٍ * له جَدثٌ غدا بَهِجاً نضيرا وقبرُ محمدٍ في ظهر موسى * يُغشّي نورُ بهجته الحضورا
    ففي ضريح الإمام موسى بنِ جعفر , وضريح حفيده محمد بنِ علي (عليهما السّلام) يجد هذا الشاعرُ الصادق رَوحَه وراحتَه , بل يجد جنتَّه وخلودَه ؛ حيثُ هما الطريقُ إلى الله سبحانه وتعالى , والبابُ الأوحد إلى الخلود . أمّا غيرُهم من خصومِهم ومناوئيهم ـ وإن عمُرت دُنياهم بما خرّبوا به آخِرتَهم ـ فهم إلى زوال , ومجدُهم في اضمحلال :
    هما بحرانِ من علمٍ وحلمٍ * تَجاوِزُ في نَفاستِها البحورا إذا غارت جواهرُ كُلِّ بحرٍ * فجوهرُها يُنزَّهُ أن يغورا يلوحُ على السواحلِ مَن بغاه * تُحصِّلُ كفُّه الدرَّ الخطيرا
    إنّ هذه الرؤية الإيمانية الراسخة التي صبّها الشاعرُ العالِم في قالَبٍ من الوجدانِ الخالص , واللغةِ الواضحة الآخذة بالجزالة من طرف , وبالتحدِّي من طرفٍ آخر لَهي واحدةٌ من الأدلة الماثلة طول التأريخ على نُشدان شُعراءِ أهل البيت (عليهم السّلام) وأتباعِهم للحقيقةِ واتّباعِها , والثباتِ عليها والوقوفِ عندَها , وصولاً إلى خلود الاُخرى لمرافقة أوليائهم الطاهرين , أئمتِّهم وكهفِهم الحصين في الدّارَين .

    [صورة]