منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع (المحطة التاسعة) {التجارة مع الله}

  1. بواسطة عطر الامير

    (المحطة التاسعة)


    {التجارة مع الله}


    {الجزء الخامس والأخير}


    تقبل الله منكم ما مضى،ووفقكم إلى صيام وقيام ما تبقى من هذا الشهر العظيم،وتقبل ذلك منكم بأحسن قبول.


    فرغنا من إجابة ثلاثة أسئلة من الأسئلة الأربعة التي طرحناها عن التجارة مع الله عز وجل،وبقي لدينا السؤال الرابع والأخير،والذي يقول:
    إذا كانت التجارة مع الله ممكنة،فهل لها مواسم خاصة،كما هو الحال في التجارة الدنيوية؟؟؟


    الجواب:


    لا شك أن التجارة الدنيوية مربحة ومربحة جدا،حتى ورد في مضمون الحديث الشريف:


    (تسعة أعشار الرزق في التجارة)


    وفي المواسم التجارية يزداد الربح أضعافا مضاعفة،بل إذا أحسن التجار استغلال الموسم التجاري استغلالا جيدا،وعرفوا كيف يتعاملون معه،
    ويستفيدون منه،فربما يحققون من الفوائد والعوائد والأرباح أضعاف ما يحققونه في سنة كاملة!!!!!

    فشهر رمضان ـ مثلا ـ موسوم تجاري لتجار المواد الغذائية،إذ أن المسلمين تزداد احتياجاتهم لهذه المواد في هذا الشهر،فيشترون ما يريدون ومالا يريدون من تلك المواد!!!!


    كذلك الحال بالنسبة لتجار الملابس والأحذية،يعتبر العيد بالنسبة لهم من أفضل المواسم التجارية،إذ ما من ذكر أو أنثى سواء كان صغيرا أو كبيرا إلا وسيشتري لنفسه ملابس وأحذية من أجل العيد.


    كذلك القرطاسيات لها موسمها التجاري الخاص الذي يوافق وقت افتتاح المدارس،إذ أن كل أسرة ستشتري لأولادها كل اللوازم المدرسية من حقائب،ودفاتر ومساطر وأقلام....وإلى ما هنالك من لوازم دراسية سيشتريها الجميع بدون استثناء.


    فهذه المواسم التجارية وأمثالها لا شك أن الدخل فيها يزداد والربح يتضاعف،ولكن ليس لكل أحد وإنما لمن يعرف كيف يستغل الموسم،فيوفر كل اللوازم ويحسن ترتيبها وطريقة عرضها،ويهتم بنظافة المكان،
    ويضاعف أوقات العمل ويقوم بأعمال دعائية لكسب الزبائن،ويحسن التعامل معهم....إلى ما هنالك من فنون التجارة وأساليبها المربحة جدا جدا.


    أما التجار الذين لن يهتموا بالموسم،أو لم يعرفوا كيف يتعاملون معه بشكل صحيح،فلن يستفيدوا شيئا،بل ربما تكون خسارتهم كبيرة وفادحة،في حال لو أنهم قاموا بتوفير البضاعة ولم يحسنوا تصريفها!!!!


    إذن التجارة الدنيوية لها مواسمها الخاصة التي يتضاعف فيها الربح ويزداد الدخل،ولكن ليس لجميع التجار وإنما لمن يحسنوا استغلال الموسم فقط لا غير.


    وكذلك الحال بالنسبة للتجارة مع الله عز وجل،هي في كل وقت مفيدة ومربحة جدا جدا،فحتى في الأيام العادية ربح التجارة الأخروية هو ربح كبير وعظيم،لأن الله جل وعلا قرر


    {أن تكون الحسنة بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء أضعافا كثيرة}


    وهذا المعنى هو ما تؤكده الكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة على السواء.


    لا حظوا ماذا يقول الحق سبحانه وتعالى:


    {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم}


    والمراد{بسبيل الله}ليس الجهاد فقط،بل كل وجه من وجوه البر والخير والإحسان،فكل من أنفق شيئا من ماله في تلك الوجوه،فله من الأجر والثواب ما تقرره هذه الآية الكريمة!!!


    كما أن هذه الآية ليست محصورة في الإنفاق في سبيل الله،وفقا لقاعدة


    {المورد لا يخصص الوارد}


    بل أنها عامة وشاملة لكل عمل صالح يقوم به الإنسان،بدليل قوله تعالى:


    {والله يضاعف لمن يشاء}


    فهو عام وشامل لكل عمل صالح.


    وقد قال جل وعلا:


    {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة}


    وهذا المعنى هو ما تؤكده الروايات الشريفة الواردة عن النبي والمعصومين من آله الأكرمين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.


    ففي الحديث عن عمر بن مسلم قال:


    سمعت أبا عبد الله ـ الصادق(ع) ـ يقول:


    {إذا أحسن المؤمن عمله ضاعف الله عمله بكل حسنة سبعمائة ضعف،
    وذلك قول الله


    ""والله يضاعف لمن يشاء""


    فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله.


    فقلت:


    وما الإحسان؟؟؟


    قال:


    إذا صليت فأحسن ركوعك وسجودك،وإذا صمت فتوق ما فيه فساد صومك،وإذا حججت فتوق كل ما يحرم عليك في حجتك وعمرتك،وكل عمل تعمله فليكن نقيا من الدنس}


    والروايات في هذا المعنى من طريق الفريقين كثيرة جدا،وهي ـ كما ترى ـ تؤكد أن كل عمل صالح يقوم به المؤمن فإن الله عز وجل ليس فقط ضاعفه له،بل يضاعفه له أضعافا كثيرة!!!!


    النتيجة:


    أن التجارة مع الله جل وعلا ربحها كبير وكثير في كل وقت وحين!!!!!


    ومع أن هذا الربح هو كثير ومضاعف أضعافا كثيرة في كل زمان ومكان،إلا أنه أيضا للتجارة مع الله مواسمها الخاصة التي يزداد فيها العطاء الإلهي لعباده المؤمنين.


    فيوم عرفة ـ مثلا ـ ليس كغيره من الأيام،بل هو يوم خاص وعظيم جدا جدا،وهو موسم كبير من المواسم التجارية مع الله جل وعلا،إذ أنه يوم ضرع ودعاء وصلاة وابتهال،وفيه ينشر الله رحمته على عباده خصوصا حجاج بيته الحرام،وزوار أبي عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه.


    فالعمل في ذلك اليوم ليس كالعمل في غيره من الأيام،وقد أشادت لنصوص الإسلامية بيوم عرفة وبينت فضله ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى،وكيف أنه جل وعلا في ذلك اليوم ينزل شآبيب الرحمة على باده،ويفتح أبواب الاستجابة لدعائهم،ويشملهم بلطفه وعفوه وكرمه،وقد آل الله على ذاته المقدسة أن لا يرد سائلا خائبا في ذلك اليوم العظيم أبدا!!!


    يقول الشيخ عباس القمي عن يوم عرفة:


    {هو عيد من الأعياد العظيمة،وإن لم يسمّ عيدا،وهو يوم دعا الله عباده إلى طاعته وعبادته،وبسط لهم موائد إحسانه وجوده،والشيطان فيه ذليل حقير طريد غضبان،أكثر من أي وقت سواه.


    وروي أن الإمام زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه،سمع في يوم عرفة سائلا يسأل الناس فقال له:


    ""ويلك،أتسأل غير الله في هذا اليوم؟؟؟!!!""


    وهو يوم يرجى فيه للأجنة في الأرحام أن يعمها فضل الله فتسعد}


    ولهذا اليوم الجليل أعمال كثيرة من استحباب الصوم والإكثار من التضرع والدعاء وزيارة الإمام الحسين وصلاة جعفر الطيار..وغير ذلك من المستحبات المذكورة في كتب الأدعية والزيارة.


    وكذلك ليلة النصف من شعبان هي ليلة مقدسة عظيمة الشأن جليلة القدر عند الله عز وجل،وتأتي في المرتبة الثانية بعد ليلة القدر من حيث قدس الجلال وجلال القداسة.


    فهي موسم تجاري حقيقي لعباد الله المؤمنين،وقد زادها شرفا ومنزلة عظمة أنها ليلة ميلاد صاحب العصر وإمام الزمان عجل الله فرجه لشريف وجعلنا الله من أعوانه وأنصاره والمستشهدين بين يديه.


    وقد روي عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال:


    سئل الباقر عليه السلام عن فضل ليلة النصف من شعبان فقال:


    {هي أفضل الليالي بعد ليلة القدر،وفيها يمنح الله العباد فضله،ويغفر لهم بمنه،فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها،فإنها ليلة آل الله عز وجل فيها على نفسه أن لا يرد سائلا فيها،ما لم يسأل الله المعصية،وإنها الليلة التي جعلها الله لنا أهل البيت بإزاء ما جعل ليلة القدر لنبينا صلى الله عليه آله،فاجتهدوا في دعاء الله تعالى،والثناء عليه}


    ولقد كان النبي والمعصومون من آله يولون هذه الليلة عناية خاصة ويتفرغون فيها لعبادة الله عز وجل.


    وأيضا لهذه الليلة العظيمة الكثير من الأعمال المستحبة المدونة في كتب الأدعية والزيارات.


    وأهم وأعظم المواسم العبادية على الإطلاق هو


    (شهر رمضان المبارك)


    فهو شهر الله الأعظم،الذي دعانا الله فيه إلى ضيافته وجعلنا فيه من أهل كرامته،وأسبغ فيه علينا نعمه ظاهرة وباطنة،ووعدنا فيه بقبول العمل،واستجابة الدعاء،وغفران الذنوب وستر العيوب،وجعل لنا فيه ليلة عظيمة مقدسة مباركة،العمل فيها خير وأفضل من العمل في ألف شهر.


    ويعجز اللسان مهما كان فصيحا،ويكل البيان مهما كان بليغا عن بيان فضل هذا الشهر الذي هو سيد الشهور وأفضلها على الإطلاق.


    وكم أشادت الأحاديث الشريفة بهذا الشهر،وبينت فضله وتحدثت عن مناقبه،وحثت على التقرب فيه إلى الله عز وجل بالإكثار من العبادة والطاعة،والتزود ليوم القيامة بالأعمال الصالحة من الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن وصلة الرحم وبر الوالدين وإفطار الصائمين ومساعدة الفقراء والمحتاجين....إلى ما هنالك من صالح الأعمال ومرضي الأقوال.


    وقد ورد في الحديث الشريف:


    {إن الله عز وجل يعتق في آخر كل يوم من أيام شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف رقبة من النار،فإذا كانت ليلة الجمعة ونهارها أعتق الله من النار في كل ساعة ألف ألف رقبة ممن قد استوجب العذاب،ويعتق في الليلة الأخيرة من الشهر ونهارها بعدد من أعتق في الشهر كله}


    وفي الخطبة النبوية العظيمة عن شهر رمضان وفضله،بيان يغني عن كل بيان.


    لا حظوا ماذا يقول النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم:


    {أيها الناس:


    إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة،شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي،وساعاته أفضل الساعات.


    هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله،وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله،أنفاسكم فيه تسبيح،ونومكم فيه عبادة،وعملكم فيه مقبول،ودعاؤكم فيه مستجاب....}


    إلى أن يقول صلى الله عليه وآله وسلم:


    {أيها الناس:


    من حسّن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام،ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه،ومن كفّ فيه شره،كفّ الله عنه غضبه يوم يلقاه،ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه،ومن وصل فيه رحمه،وصله الله برحمته يوم يلقاه،ومن قطع فيه رحمه،قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه،ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار،ومن أدى فيه فرضا،كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور،ومن أكثر فيه من الصلاة عليّ،ثقّل الله ميزانه يوم تخف الموازين


    ـ اللهم صل على محمد وآل محمد ـ


    ومن تلا فيه آية من القرآن،كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.


    أيها الناس:


    إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة،فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم،وأبواب النيران مغلقة،فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم،والشياطين مغلولة،فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم...}


    إذن شهر رمضان هو شهر مميز عن غيره من الشهور بامتياز،والعمل فيه ليس كالعمل في غيره من سائر الشهور،فهو أفضل المواسم للتجارة الإلهية على الإطلاق،وليس هناك أي شهر آخر ينافسه في فضله وخيره وبركاته.


    ولكن الذي يجب أن نلتفت إليه هو:


    أنه لن يستفيد أحد من هذه الفرصة الحقيقية إلا من عرف كيف يستغلها ويتعامل معها،أما من جهل معرفة ذلك،فليس فقط لن يستفيد من هذا الشهر،بل قد يخسر فيه خسرانا كبيرا،فيتضاعف عليه الوزر إلى حد أن يكون مطرودا من رحمة الله عز وجل،وذلك في حال عدم رعاية حرمة هذا الشهر،وانتهاك قدسية بارتكاب الذنوب والمعاصي،أجارنا الله جميعا من ذلك.


    الخلاصة:


    كما أن التجارة الدنيوية لها مواسمها الخاصة التي تتضاعف فيها الأرباح،كذلك التجارة مع الله جل وعلا،لها مواسمها الخاصة التي تتضاعف فيها الأرباح.


    وكما أن المواسم في التجارة الدنيوية لن يستفيد منها إلا من أحسن استغلالها،وعرف كيف يتعامل معها،فكذلك التجارة الأخروية لن يستفيد منها إلا من أحسن استغلالها وعرف كيف يتعامل معها.


    نسال من الله التوفيق والسداد،لصالح الأعمال ومرضي الأقوال والأفعال،وأن نكون ممن عرف كيف يستفيد من مواسم العبادة والطاعة،وأن يكتبنا من الصائمين القائمين،ويشملنا برحمته الواسعة،وينفعنا بأعمالنا وأقوالنا


    {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}