منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع عاشوراء.. ثورة خالدة ضد الظلم والطغيان

  1. بواسطة عطر الامير

    [صورة]


    تطل ذكرى عاشوراء الحسين (عليه السلام) مرة أخرى، ولا زالت تدعو المؤمنين للإلتزام بالمبادىء والقيم والاحكام الإسلامية المحمدية الاصيلة، التي ضحّى من اجلها الامام الحسين (عليه السلام) وجسد في ثورته العبودية لله بكل معانيها، وان من يرتفع على عالم الملكوت ويخترق حدد الزمن والمكان سيطلع على الجوهرة العظيمة للعبودية لله تعالى، ولازالت عاشوراء تدعونا الى الثبات على الحق ورفض الذل والاستبعاد والظلم والاستكبار.إن عاشوراء هي ذكرى إستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، حفيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ابنته فاطمة عليها السلام. أستشهد الإمام الحسين مع جمع من خيرة أبنائه و أصحابه، الذين بذلوا نهجهم دون الحسين (عليه السلام) في أرض كربلاء، وكانت هذه الواقعة الأليمة غير المتكافئة، في يوم الجمعة العاشر من شهر محرم من سنة 61 هجرية، الموافق لـ 12 / 10 / 680 ميلادية، بعد معركة ضارية ضد جيوش يزيد بن معاوية، الذي تلاعب بالشريعة الإسلامية لصالح اهوائه ولذاته النفسية، والذي وصل الحكم بسبب دهاء ابيه معاوية وغدره.
    ان إحياء ذكرى عاشوراء وسيلة لتزكية النفس وعندما نجلس في محفل من محافل ذكر الإمام الحسين عليه السلام وثورته الخالدة التي هي خلاصة الثورات الأنبياء، وامتداد لرسالات الله، فإننا إنما نفعل ذلك لتصفية أنفسنا، وتزكية ذواتنا. فهذه الدموع التي تجري على مصاب السبط الشهيد من شأنها أن تغسل قلب الإنسان، وتزيل الصفات السيئة من نفسه، فترى الإنسان يلتحم من خلال هذه الدموع، وبفضل هذه التزكية مع روح الحسين (عليه السلام) صاحب البطولات النادرة؛ أي مع تلك النفسية التي انتصرت على كل عوامل الضعف البشري.
    وقعت معركة كربلاء في العاشر من محرم بعد أن رفض الإمام أن يبايع يزيد عندما قال:" يزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ومثلي لا يبايع مثله". وعندها أصر على اخذ البيعة أو قتل الإمام ولو كان معلقا بأستار الكعبة، ترك الإمام مكة إلى العراق ونوى على محاربة الظلم حتى ولو بفرده. أيام عاشوراء منهاج الأمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد قاتل الإمام الحسين (عليه السلام) في سبيل إقامة الفرائض والإحكام الإسلامية، الإمام الحسين شمس أحرقت وجوه الطغاة وثورته مدرسة العزة والكرامة والإباء، تكشف زيف المتسترين برداء الرسالة الطاهر. الإمام الحسين(عليه السلام) مشعل لكل أحرار العالم، طريق الحق لا يسلكه إلا أهل البصائر، علمنا الإمام الحسين أن نكون أحرارا حتى ننتصر. إن صرخة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء ستظل ترن في أذن التأريخ حتى سقوط آخر الظلمة .
    وفي إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) بيان لمظلومية أهل البيت عليهم السلام، الذين أوجب القرآن الرجوع إليهم. وقد حثّ أئمة أهل البيت الطاهر على إحياء أمرهم :
    قال الإمام الصادق (عليه السلام) للفضيل بن يسار: (يا فضيل؛ أتجلسون وتتحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك. قال الإمام: إني أحب تلك المجالس، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا).
    وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا، فإن ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله بهما الملائكة، فإذا اجتمعتم فاشتغلتم بالذكر فإن اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا).
    ان هذه التوجيهات وغيرها الصادرة من المعصومين عليهم السلام، تؤكد على أهمية إظهار أمر أهل البيت عليهم السلام والتي تعتبر عاشوراء أحد معالمها البارزة. وإن هذه الدموع هي وسيلة تلاحمنا، وأسلوب تفاعلنا واتصالنا بينبوع فيض الحسين عليه السلام وفيض أهل بيت النبوة، وأصحابه، وهكذا الحال بالنسبة إلى كل نوع من أنواع تجديد ذكرى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). وإن ارتباطنا بالإمام الحسين ليس ارتباطا بحادثة تاريخية عابرة، فعاشوراء ليست مجرد حادثة تاريخية، بل إن في عاشوراء تجسيد للصراع بين الحق والباطل في أجلى صوره وأعمق معانيه. إننا عندما نحيي ذكرى الحسين في عاشوراء فذلك لأن ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) يقوي فينا روح المقاومة للفساد ويشدنا للارتباط بالله تعالى. إن في تجديد ذكرى الإمام الحسين عليه السلام تحليق في أجواء انتصار الروح المشرقة بأنوار الإيمان على كل المغريات المادية ..يقول الإمام الحسين:"ألا وإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا شقاءاً وبرما "...هذا القول من الإمام المعصوم تجسد عمليا في كربلاء حيت تجلت صور معاني العروج نحو الله سبحانه وتعالى..إن في إحياء ذكرى الإمام الحسين اتباع لتعاليم الرسول والأئمة المعصومين الذين أكدوا على جانب إحياء هذه المناسبات بما يتناسب مع عظمة الحدث. في إحياء ذكرى الإمام الحسين كشف لانحراف الخطوط الأخرى المضادة لخط الإمام الحسين كالأمويين ومن سار على نهجهم. لقد سفك اعوان يزيد دما حرّا، وقتلوا إماما هاديا كي يحظوا بدراهم معدودات، ويكسبوا ثناء تافها من سيّدهم الاثم عُبيدالله بن زياد، ولازالت هذه السياسة قائمة ليومنا هذا. لقد فجر أبو الاَحرار أروقة الحكم الاَموي، ونسفت معالم زهوهم وفجورهم وطغيانهم، وظلّوا مثلاً أسودا لكل حكم منحرف عن سنن الحق والعدل. لقد هزّت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وجدان الإنسان في كل مكان، وقد جاهد بالكلمة والسيف لإعلاء كلمة الحق والعدل، فاستحال دمه الطاهر لهيباً يحاصر قوى الشر، ويقضّ مضاجع المستبدّين في كل العصور والأزمان، وقد غدت شهادته نداء يستنهض المظلومين والمقهورين والفقراء لمواجهة الطغيان والظلم، وباتت رمزا للتحرّر، وعطاء خالدا، ونبضا إنسانيا سيبقى إلى الأبد لإثبات قيم الحريّة.. وقطعا انه سبقی مابقيت الدنيا وسيظل خالدا ما بقي الخلود فان المبدا الحر لا يُقتل وکل عرق قطعوه من عروقك سيدي لهو بوجه الظلم والغي صارم مسلول.ان الحسين ومضة من محمد..الحسين روح ممتد من محمد.. الحسين موقف من محمد..الحسين نبع طاهر من علي وفاطمة..الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة..فکل مسلم واع ما مد يدية الی هذا النبع الا وارتد مملوءا بالعطاء..الحسين حمل الشهادة علی يدية شعار عنوانا وشمعة يبدد بها ظلام الاستبداد والطغيان والجهل.
    فسلام عليك ياعبير البطولة..والسلام علی التراب الذي رفع المبدأ لواءا تمر الانسانية به فتسجد لبريقه وروعته اجلالا واکبارا. والسلام عليك ايها القرآن الناطق مرفوعا على رأس الرمح. السلام على كلمة الوحي تتضرج بالدماء على أرض كربلاء، السلام على رسالة السماء تخمد أنفاسها للتفجر وتملأ الفضاءات كلها نورا وجمالا وجلالا، السلام على الصوت الهادر في أفئدة الأجيال يحييها، يبعثها، يسدد خطاها على الطريق اللاحب الصاعد إلى الله.. والسلام علی تلك البقاع وعلی شواطیء نهر شهدت شفاه عطشی وقلوب حری وکلنها شبعت من رحمة الله وارتوت من عطاء الله..السلام على الثورة العارمة التي تخاطب الأجيال بلسان الاسلام، بكلمة الله أن تتشرب العزة والكرامة، وأن تثبت على الدرب، وتتصلب ارادتها في ذات الله، ثم السلام علی تراب شهدت دمعة لنساء وکلنها ليست بدمع، بل نار احرقت الظالمين ..والسلام علی رمال شهدت صرخة لامرأة عزلاء ولکنها کانت ولاتزال سيفا بتارا علی الطغاة بجانب سيف اخيها الحسين. السلام عليك يا أبا عبد الله.. السلام عليك يا ريحانة رسول الله (ص)..السلام على الجسد المضرج بالدماء.. السلام على الرأس المرفوع على رأس الرمح في السماء..السلام على كل قطرة من دمك الفائر الثائر الزكي الذي ينبض بحياة الإسلام، ويقدّمُ للأجيال الوعي واليقظة، وينادي الأجيال كل الأجيال نداء عل حد نداء إبراهيم (عليه السلام) أن حجوا لبيت الله، وكونوا دائما لله، وأعطوا من أنفسكم كل شيء لله سبحانه وتعالى.. السلام عليك يا أبا عبد الله، يا ثائراً من أجل الله، يا شهيدا من أجل الله، السلام على دمك الفوار الذي تفور في القلوب لوعة بفورانه، السلام على أشلائك المبددة التي بددت من شعور الأمة مالا يعيد إليها استقامته واجتماعه إلا أن تجتمع وراء رايتك وتأخذ برأيك، وتنتمي إلى صفك، وصفك سيدي صف الفقهاء، وهم الدليل عليك، وأنت دليل الكل على الله عز وجل. تبقى الأجيال يا أبا عبد الله تستمد من دمك الطاهر، وتستمد من كلماتك الساخنات، وتستمد من آهاتك الحارة، وتستمد من تمتمات شفتيك المقدسة لله، المسبحة باسمه.. تبقى الأجيال تستمد من كل خاطرة من خواطرك، من كل نبرة من نبرات صوتك، من كل موقف من مواقفك؛ وعيها وحركتها واندفاعها وصمودها وإرادتها وصلابتها وإصرارها على الهدف، واتجاهها لله سبحانه وتعالى.يا يوم عاشوراء الحسين عليه السلام..يامدرسة الاجيال ويا معلّم الامم، وملهم الاحرار ومنار الثوار ونبراس المؤمنين.. نحتاجك لوعينا، لإيماننا، لعزّتنا، لكرامتنا، لهدانا، لتصحيح رؤيتنا، لانتشال إرادتنا، للإباء، للصمود، للشموخ، للوقوف كل حياتنا مع الحقّ وإن عزّ أهله في مواجهة الباطل وإن كثر ناصره، وكثر الناعقون به، نحتاجك في كل موقع ومنعطف يا مدرسة الأجيال، ويا معلّم الأمم.
    عاشوراء ليس للوقوف في وجه ظلم انطوى وجاهلية انحسرت ولفّها التاريخ، ليس لمواجهة فساد ارتكبه يزيد الماضي، وإنما عاشوراء لمواجهة ظلمٍ قائم الآن في الدنيا، أوضاع جاهلية تتستّر براية الإسلام، وهي تتآمر عليه وتنحرف به، وتقيم على الأرض أوضاع جاهلية صارخة تنقض البناء الإسلامي حجرا حجرا. كربلاء، عاشوراء، قادة كربلاء، إمام كربلاء، إمام عاشوراء، الحسين من جهة ويزيد من جهة، مسألة تاريخية مستمرة، لان معركة كربلاء ليست لمرة واحدة في التاريخ، ويوم عاشوراء ليس يوما شاذًّا من بين كلّ الأيام، إنما كل أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء. ان عاشوراء للتأكيد على الهوية الإسلامية الخالصة؛ فلا شرقية ولا غربية وإنما صراط إلهي مهيب لاحب…صراط القرآن والسّنة. والقرآن والسّنة وأهل البيت (عليهم السلام) مثلث متكامل؛ فلا مباينة ولا مزايلة وإنما ملاقاة ومعانقة، وانسجام واندغام. ما استُشهد الإمام الحسين عليه السلام ليموت، ويُنسى، ويُهمل وينتهي أو يُهمّش. إنما استُشهد ليبقى، ويُذكر، ويكون محلّ نظر الأجيال، ومحطّ أملها، ويدوم، ويأخذ موقعه في الصَّدارة…يقود هذه الأمّة على طريق ربّها، ويأخُذُ بها إلى هدايات السماء، ومنهجها المنقذ، ويُصحّح إرادتها، ويُنقذها من محاولات الوئد، ويُثير في داخلها شوق الحرية، والاعتزاز بالكرامة، ويُخلِّصها من الصّبر السلبيّ على الظلم والتخلف وأسر الذل، ومن هزيمة النفس في طريق الحق.. يوم كربلاء يوم الحسين عليه السلام لحرمان الطّامعين من أهل الهوى والقامات الإنسانية القصيرة، والمستويات المعنوية الحقيرة من التحكُّم في مصير هذه الأمّة، وأيِّ أمّة، والعبث بثروات الأرض وكنوزها، وبعثرتها كما يشاء الهوى، ويشاء الظلم، ويشاء السّفه، وتُحبّ الشهوات. وحتى لا يُظلم الإنسان، ويُذلَّ وتُسلبَ إرادتُه، ويُخوّف، ويقلق وتُقيّد يداه بما أنتجته من أسباب قوّة سيطر عليها الظالم، ومال تصبّب من أجله عرقه، وأعطى قوّته وشبابه، وسرقته أيدي الظالمين. يوم كربلاء يوم الحسين عليه السلام من أجل ألا يبقى الفهم الزُّور، والتطبيق المكذوب لعنوان أولي الأمر في قوله تعالى:{… أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ …} على يزيد وأمثاله حاكما لعقليّة الأمّة، ومُهيمنا عليها، فيكون مؤثّرا على إرادتها في مقاومة ظلم الظالم، وانحراف المنحرف، واستكبار المستكبر من حكّام أمّة أراد لها الله عزَّ وجلَّ أن تكون الأمة الوسط التي لا تميل عن خطِّ الحقّ والعدل والهدى، ولا تُفرِّط في شيء من ذلك، وأن تكون الأمّةَ الشاهدة على سائر الأمم، والمنار لكل العالم.وقد اجاد الشاعر العراقي المرحوم محمد مهدي الجواهري في قصيدته الغراء آمنت بالحسين..وهي من روائع الشعر الحسيني المعاصر في جمال تصويرها لأبعاد الملحمة الحسينية التي إستقطبت مشاعر كل إنسان لشدة نورانيتها في تجلية أسمى القيم الإنسانية، حيث قال:
    فِدَاءً لمثواكَ من مَضْجَع تَنوَّرَ بالأبلَجِ الأروَعِ
    بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنانِ رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْوَعِ
    وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ الطُّفوف وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْرَعِ
    وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس على نَهْجِكَ النَّيِّرِ المَهْيَعِ
    وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال بما أنتَ تأباهُ مِنْ مُبدَعِ
    فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ فَذَّاً إلى الآنَ لم يُشْفَعِ
    ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ للاهينَ عن غَدِهِمْ قُنّعِ
    تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ وبُورِكَ قبرُكَ من مَفْزَعِ
    تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ على جانبيه ومن رُكَّعِ
    شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ نَسِيمُ الكَرَامَةِ مِنْ بَلْقَعِ
    وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ خَدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْرَعِ
    وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ جالتْ عليهِ ولم يَخْشَعِ
    وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ بِروحي إلى عَالَمٍ أرْفَعِ
    وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ بصومعةِ المُلْهَمِ المُبْدِعِ
    كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ حمراءَ مَبْتُورَةَ الإصْبَعِ
    تَمُدُّ إلى عَالَمٍ بالخُنُوعِ وَالضَّيْمِ ذي شَرَقٍ مُتْرَعِ
    تَخَبَّطَ في غابةٍ أطْبَقَتْ على مُذْئِبٍ منه أو مُسْبِعِ
    لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيبَ الضَّمِيرِ بآخَرَ مُعْشَوْشِبٍ مُمْرِعِ
    وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ خوفاً إلى حَرَمٍ أَمْنَعِ
    تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي فَإنْ تَدْجُ داجِيَةٌ يَلْمَعِ
    تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ لم تُنْءِ ضَيْراً ولم تَنْفَعِ
    ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ وقد حَرَّقَتْهُ ولم تَزْرَعِ
    ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ولم تأتِ أرضاً ولم تُدْقِعِ
    ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِهِ وغِلَّ الضمائرِ لم تَنْزعِ
    ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُمُ عليهِ مِنَ الخُلُقِ الأوْضَعِ
    تعاليتَ من فَلَكٍ قُطْرُهُ يَدُورُ على المِحْوَرِ الأوْسَعِ
    فيابنَ البتولِ وحَسْبِي بِهَا ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِي
    ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها كمِثْلِكِ حَمْلاً ولم تُرْضِعِ
    ويابنَ البَطِينِ بلا بِطْنَةٍ ويابنَ الفتى الحاسرِ الأنْزَعِ
    ويا غُصْنَ هاشِمَ لم يَنْفَتِحْ بأزْهَـرَ منكَ ولم يُفْرِعِ
    ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود خِتَامَ القصيدةِ بالمَطْلَعِ
    يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ مِنْ مُسْتَقِيمٍ ومن أظْلَعِ
    وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلودِ ما تَسْتَجِدُّ لهُ يَتْبَـعِ
    تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطرِي ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِي
    وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِبْ بِنَقْلِ الرُّوَاةِ ولم أُُخْدَعِ
    وقُلْتُ: لعلَّ دَوِيَّ السنين بأصداءِ حادثِكَ المُفْجِعِ
    وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ من مُرْسِلِينَ ومنْ سُجَّعِ
    ومِنْ ناثراتٍ عليكَ المساءَ والصُّبْحَ بالشَّعْرِ والأدْمُعِ
    لعلَّ السياسةَ فيما جَنَتْ على لاصِقٍ بِكَ أو مُدَّعِي
    وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي بِحَبْلٍ لأهْلِيكَ أو مَقْطَعِ
    لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ وَلُوعَاً بكُلِّ شَجٍ مُوْلعِ
    يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن بلونٍ أُُرِيدَ لَهُ مُمْتِعِ
    وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَرْزَةً يدُ الواثِقِ المُلْجَأ الألمعي
    صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً وكيفَ ومهما تُرِدْ تَصْنَعِ
    ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْدَعِ
    أريدُ الحقيقةَ في ذاتِهَا بغيرِ الطبيعةِ لم تُطْبَعِ
    وجَدْتُكَ في صورةٍ لم أُرَعْ بِأَعْظَمَ منها ولا أرْوَعِ
    وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَعِ
    وأنْ تَتَّقِي دونَ ماتَرْتَئـِي ضميرَكَ بالأُسَّلِ الشُّرَّعِ
    وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ مِنَ الأَكْهَلِينَ إلى الرُّضَّعِ
    وخيرَ بني الأمِّ مِن هاشِمٍ وخيرَ بني الأب مِنْ تُبَّعِ
    وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ كَانُوا وِقَاءَكُ، والأذْرَعِ
    وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِلْ ثِيَابَ التُّقَاةِ ولم أَدَّعِ
    تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ يِضِجُّ بِجُدْرَانِهِ الأَرْبَعِ
    وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب عَلَيَّ مِنَ القَلَقِ المُفزِعِ
    وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَاتِ و الطَّيِّبِينَ ولم يُقْشَعِ
    إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ تَأَبَّى وعادَ إلى مَوْضِعِ
    وجَازَ بِيَ الشَّكُّ فيما مَعَ الجدودِ إلى الشَّكِّ فيما معي
    إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيلَ مِنْ مبدأٍ بِدَمٍ مُشْبَعِ
    فأسْلَمَ طَوْعَاً إليكَ القِيَادَ وَأَعْطَاكَ إذْعَانَةَ المُهْطِعِ
    فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِي
    وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَرَى سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
    بأنَّ الإباءَ ووحيَ السَّمَاءِ وفَيْضَ النُّبُوَّةِ مِنْ مَنْبعِ
    تَجَمَّعُ في جوهرٍ خالِصٍ تَنَزَّهَ عن عَرَضِ المَطْمَعِ