منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع لماذا أرسل الله الأنبياء، ولماذا توقف عن إرسالهم فجأة (؟!) ، بقلم أسامة عكنان

  1. بواسطة بهلول الرشيد

    لو لم يكن الرسول محمد بن عبد الله هو آخر الأنبياء والمرسلين، ولو أن الله قرَّر أن يبعث نبيا في زماننا هذا، فإلى ماذا كان سيدعو الناس (؟!)

    أولا.. النبوة استجابة إلهية لأزمةٍ في حياة البشر (!!)
    إن تحديد معاني الألفاظ ودلالات المصطلحات، يُعَدُّ بِمثابة الاستهلال الضروري عند الحديث في أيِّ موضوع لِلَّفْظِ وللمصطلح فيه أهمية حقيقية في سياق تحليله وسبر أغواره. كذلك هو لفظ النبوة.

    إن لفظ النبي في اللغة العربية لفظ مُكتَنَفٌ بالتحليق في فضاءات الحركة، خاصة عند تَحَسُّس علاقة التكامل والتداخل التي تربطه بلفظ الرسول.
    إنه – أي النبي – لفظ اِشْتُقَّ بطريقتين متباينتين، أو بتعبير أدق أُرْجِعَ إلى اشتقاقين متباينين، بناء على تصورين مختلفين لبنائه المعتقدي.
    فهو في أحد هذين التصورين مشتق من "النَّبَأ" ومعناه الخبر. والنبي بهذا المعنى هو المُنْبِئُ عن الله أو المخبر عنه.
    وهو في التصور الثاني مشتق من "النَّبْوَة أو النَّباَوَة" وهي المكان المرتفع. والنبي على هذا الأساس هو إنسان رفيع المستوى عالي المنزلة والمكانة عند الله بناء على مقومات ذاتية فيه بطبيعة الحال، وهو الأمر الذي كان وراء اختياره نبيا مُخبراً عن الله.
    إن الفرق بين هذين الاشتقاقيين ليس عابرَ الدلالة، بل هو ذو وقعٍ تصوري معتقدي خطير أثَّر على "البناء النَّبَوِي" في نَسَقِه المعرفي الوظيفي تأثيرا كبيرا، ليس أدل عليه من حقيقة أن من تَبَنَّوا المعنى الأول – الذي يعني المُخبر – هم في تاريخ الحضارة الإسلامية – كنموذج عن الحضارات الدينية – من عزلوا النُّبُوَّةَ عن الواقع وربطوها بِمطلقاتٍ تعمل في فراغ وكأنَها ظاهرة لا تخص عالم البشر، فأساءوا إليها كظاهرةٍ مسيئين بالتالي إلى أطرافها الثلاثة، الله والنبي والإنسان، إنهم الأشاعرة ومن دار في فلكهم. وأن من تَبَنَّوا المعنى الثاني – أي النبي بمعنى الإنسان رفيع المنزلة – هم في ذات التاريخ من أصروا على أن للنُّبُوَّة بعداً إنسانيا مُتَحِّررا من طلسميات الإطلاق، وعلى علاقة ما بواقع البشر وهو ينمو ويتحول ويتطور، ليعطوا لظاهرة النبوة بالتالي معنىً موضوعيا ذا دلالة، واضعين – إلى حدٍّ ما – كلاًّ من الإنسان والنبي والله في مكانه الصحيح والملائم من قلب "ظاهرة النبوة". إنهم المعتزلة ومن دار في فلكهم.
    وإنه بصرف النظر عن الجذر الاشتقاقي الذي يرجع إليه لفظ "النبي"، هل هو "النبأ" أم "النبوة والنباوة". فمن الواضح أنه لفظ ينطوي بموجب ذلك الجذر أياًّ كان، على عناصر حركية شديدة الدلالة ولا يمكن التنكُّر لها.

    فالإِنْباَءُ حركة مفعمة بالحيوية، والارتفاع صفة تعطي إحساسا مُسْتَغْرَقاً بالانطلاق والاندفاع، وبالتالي بالحركة الدائبة والمستمرة.
    يبدو ذلك أكثر جلاءً عندما نضع هذه المعاني والأحاسيس الحيوية والحركية المُحَلِّقَة، في مواجهةٍ دلاليةٍ مع المعاني والأحاسيس التي تنطوي عليها لفظة "رسول"، التي تعود إلى جذر اشتقاقي يُغَلِّفُنا فور سماعه بالمعاني المقابلة تماما لحيوية لفظ النبي. فلفظ رسول يرجع إلى الجذر "رسل" الذي لا يُمكنه أن يزودنا إلاَّ بمعاني البطء والتؤدة وعدم الاستعجال.
    أليست عبارة "على رِسْلِكَ"، هي التي نوجِّهُها إلى كلِّ من نريد منه ألاَّ يستعجلَ في أمر ماَّ؟!
    وإذن ففي الوقت الذي تُمَرِّغُنا لفظة النبي وبالتالي لفظة النُّبُوَّة في عالمٍ من الإحساس بالحركة النَّشِطَة التي لا تنقطع، فإننا نجد أنفسنا وقد غرقنا في عالمٍ من الهدوء والبطء وربما السكون عندما نتعامل مع لفظة "رسول" أو لفظة "رسالة".
    ولكن ما معنى ذلك؟ وما هي دلالته؟
    لا يمكننا فهم هذا الفرق الهائل بين وقع اللفظتين علينا، أي بين ديناميكية النبوة من جهة وما يمكنه أن يقارب استاتيكية الرسالة من جهة أخرى، إلاَّ باعتباره مظهرا ضروريا من مظاهر الفرق بين دور كلٍّ من النبي والرسول في الواقع الإنساني. وهذا على وجه التحديد ما أنبأنا به التاريخ – تاريخ النبوات والرسالات – حين كشف لنا بكل وضوح عن أن مهمة الأنبياء لم تكن تتجاوز إصلاح الشرائع السابقة وتطهيرها مِماَّ علق بها من مداخلات بشرية حَرَفَتْها عن وجهتها الوظيفية المنوطة بها، وذلك دون المساس بجوهر هذه الشرائع أو بُناها التحتية التي تقوم عليها. النبي إذن هو بتعبير آخر مُجرد مصلح اجتماعي وليس أكثر. وهو لا يَملك إلاَّ أن يؤطِّرَ دعوتَه الإصلاحية هذه في ضوء المنظومة الدينية التي جاء بها رسول سابق. ولم يكن النبي من ثمَّ يدعو في الواقع المجتمعي حيث يمارس نشاطَه إلى الانقلابٍ على الأفكار والمعتقدات السائدة لإعادة إنتاج أنماط التفكير والتصور – وبالتالي وبالتبعية لإعادة إنتاج التنظيمات المجتمعيبة – رأسا على عقب.
    التاريخ نفسه كشف لنا عن أن مهمة الرسل تختلف جذريا عن مهمة الأنبياء. لقد كانوا – أي الرسل – يأتون بشرائع جديدة، وبتعبير آخر كانوا يقيمون أديانا جديدة بكلِّ معنى الكلمة. وبالتالي فالرسل هم أنبياء وُسِّعَتْ دائرة وظيفتهم لتتجاوز الدعوات الإصلاحية إلى الدعوات الانقلابية القائمة على التغييرات الجذرية تصوريا ومجتمعيا. لقد كان الرسل حراكيين أقرب إلى الثوار إن لم يكونوا ثوارا حقيقيين بمعنى من المعاني، يقلبون كلَّ الموازين بعد أن غدا الواقع مُهَيَّئاً لِتَقَبُّلِ ثوريتهم وما يترتب عليها من نتائج انقلابية في الحياة. لهذا السبب كَثُرَ عدد الأنبياء بشكل ملفت في حين أن عدد الرسل كان قليلا. لأن الإصلاح الذي أنيط بالنبي هو عملية يتطلبها الواقع الإنساني باستمرار، وربَّما في كلِّ جيل، كشكل من أشكال التجاوب السريع مع مستوى متدنٍ من التطور حصل ضمن أسس المرحلة السائدة نفسها.

    أما عملية الانقلاب الديني الجذري، فهي – بحكم طبيعتها – لا يمكنها أن تكون من متطلبات الواقع الإنساني إلاَّ عند المنعطفات التاريخية الكبرى التي من شأنها أن تنقله لا من طور إلى طور آخر ضمن دائرة الأسس العامة نفسها، بل من طور إلى طور مختلف جذريا يتطلب أسسا ومفاهيم جديدة جِدَّة تامة.
    وهكذا يبدو واضحا السِّرُّ الكامن في كون النبوة لفظة مفعمة بالحركة والحيوية، في حين أن لفظة الرسالة تغمرنا بالسكون والتؤدة والبطء. من هنا يمكننا أن نفهم المعنى الحقيقي للقول المنسوب إلى رسول الإسلام محمد بن عبد الله عليه السلام عندما سُئِلَ عن عدد الأنبياء فقال.. "مائة ألفٍ وأربعة وعشرون ألفا". وعندما سئل عن عدد الرسل فقال.. "ثلاث مائة وثلاثة عشر". هذا إن صَحَّت الرواية طبعا من الناحية السَّنَدِيَّة، وإن كانت فكرتُها تبقى صحيحة حتى لو لم تصح سندا.
    إن هناك إذن علاقة جدلية من نوع خاص بين النبوة والرسالة، تجعل من كلٍّ منهما وعاءً ينطوي على الآخر أو لحظة في وجود الأخرى. ففي كلِّ نبوة رسالة مرتقبة، وفي كلِّ رسالة نبوات مرتقبة. إن النبوات كامنة في الرسالة بالقوة، تبدأ بالانبثاق منها إلى حيز الوجود نبوة بعد نبوة. لكن كلَّ نبوة من هذه النبوات وهي تتوارث عملية الإصلاح وترتيب مسار التطور الإنساني في المكان والزمان اللذين تتحرك ضمن مساحتهما، تنطوي بالقوة أيضا على الرسالة التي ستظهر في لحظة ما – كنتيجة للتراكم التطوري – إلى حيِّزِ الفعل، في مكان وزمان ماَّ قادمين، هما حتما وبالضرورة على علاقة ذات دلالة عضوية تراكمية الطابع بالأزمنة والأمكنة التي تحركت فيها النبوات السابقة ممهِّدَة لرسالة لاحقة، باعتبار ذلك التطور هو ما أحدثته النبوات لتهيئة الواقع لاحتضان انقلابٍ رسالي جديد، بكل ما لكلمة انقلاب من معنى.
    وهنا يجدر بنا أن نوضح أن لفظة النبوة – بناءً على ما سبق – أشمل بكثير من لفظة الرسالة. فكل الرسل أنبياء، لكن ليس كل الأنبياء رسلاً. فالأنبياء إذن أعم. ونحن عندما نتحدث عن الرسالات إنما نتحدث عن بعض النبوات أو عن حالات محددة ومعينة من النبوات. بينما عندما نتحدث عن النبوات فإننا نكون بصدد الحديث عن الظاهرة ككل، وهي الظاهرة التي تعتبر الرسالات محطات خاصة وقليلة جدا فيها.
    لذلك يمكن القول بإن "النبوة" تمتاز بأنها ظاهرة عامة وشاملة لم تكن تخصُّ شعبا دون شعب، ولا كانت تقتصر على عصر أو جيل دون العصور أو الأجيال الأخرى لدى نفس الشعب. إنها ظاهرة كانت شائعة على مستوى العالم منذ أقدم الأزمان.
    "ولذلك لا يوجد شعب لم يعرف بشكل أو بآخر وحي الآلهة. فقد ظهر أناس مُلْهَمون في كل زمان ومكان تقريبا يؤمنون بأنهم وُهِبوُا قوى روحية لم تتوفر لغيرهم. حيث وُجِدَ في المجتمعات الأكثر بدائية أناس يختصون بالاتصال مع القوى التي تسود الإنسان أو تسيطر عليه، يمثلون الجماعة في علاقتها مع المقدس. وقد حفل تاريخ الديانات بطائفة من هؤلاء الذين نسميهم وسطاء. واللافت أن الأمر لا يقف عند مجرد شيوع الظاهرة وعموميتها على هذا النحو، بل يتعداه إلى ضربٍ من التشابه القوي بين رؤى الشعوب المختلفة للنبوة. فقد اتسم تفكير المصريين والعبرانيين والإغريق حول الإلهام والنبوة بقدرٍ كبير من التشابه. وكذلك تحدث الوثنيون واليهود والمسيحيون في عصر الإمبراطورية الرومانية عن الوحي بتعبيرات واحدة". (كتاب النبوة، دكتور على مبروك، ص 56،57).

    ومادامت النبوة ظاهرة عامة رافقت الإنسان منذ وعى ذاتَه والعالمَ من حوله، فلا شك في أن ظهورَها في حياته من حيث المبدأ، ومرافقتَها له بعد ذلك على مدى حقبٍ وأجيالٍ وعصور، مرتبط بظاهرة أو بظواهر أخرى كانت تُحَتِّمُ ظهورها إلى حيز الوجود. إن الحديث عن الظواهر التي كانت ترافق ظهور النبوات ببعدِها العياني يكشف لنا عن تَكْوِينٍ أساسي في بُنْيَةِ ظاهرة النبوة لا يمكنها أن تنفصل عنه، إنه ظاهرة الأزمة التي يكشف تاريخ النبوات ارتباط ظهورها – أي النبوات – بعمقها – أي الأزمات – في الواقع.
    وبهذا المعنى لا تغدو الأزمة ظاهرة غريبة بل هي من صميم البناء التكويني الأساسي للعالم. فإذا كانت النبوة هي بمثابة التَّجَلِّي الإلهي في التاريخ الإنساني، فإن الأزمة ستمثل حتما واحدا من أهم مبررات هذا التَّجَلِّي، مادام قد ارتبط بها وجود النبوة، أي وجود التَّجَلِّي الإلهي التاريخي ذاته. وهكذا يمكن القول بأن ظهور الأزمة المجتمعية في مكان وزمان معينين كان في عهد "النبوات" بمثابة إرهاصٍ ينبئ بقرب حلول مرحلة سَيُعاَدُ فيها بناء الواقع عبر النُّبُوَّة. وخلاصة القول أن النبوة قد ارتبطت بالأزمة ارتباطا عضويا وجوديا إلى درجة دفعت البعض إلى المبالغة في التعبير عن العلاقة بين "النبوة" و"الأزمة" في حياة البشر بالقول: "إن الرب كان يُسَبِّب الأزمات التاريخية حتى يبرِّرَ ظهور الأنبياء".

    ثانيا.. الدور الوظيفي للنبوة في حياة البشر (!!)
    بعيدا عن أيِّ تفسير للنبوة ينبعث من ذوات المفسرين وما يختلج في دواخلها من آلام وآمال أو أمراض أو معاناة. فالنبوة كما هي في الواقع وكما فرضت نفسها علينا، لا تُقْرَأ ولا يمكنها أن تُقْرَأ على أنها شيء آخر غير ذلك الحبل السُّرِّيِّ الرفيع الذي يربط العالم من حولنا بوصفه رحما، بعقولنا "وعينا" بوصفها جنينا وجد نفسه فجأة في رحمٍ يحاصره ويخيفه ويُشْعِرُه بالوحشة والاغتراب، وهو مع ذلك لا يفهمه. إنها القناة التي يغتذي منها الجنين، وهو بِجَنيِنِيَّتِه عاجزٌ عن استخدام غيرها للاغتذاء استخداما فعالا. وكلما كبر الجنين صغر الحبل السُّرِّي. فإذا تَحَرَّرَ هذا الجنين من سطوة ما كان يحول بينه وبين الاعتماد على ذاته للاغتذاء، فإن هذا الحبل السُّرِّي ينقطع لانتفاء الحاجة إليه، لأنه في الواقع أدى دورَه وانتهى الأمر. للنبوة إذن وظيفة، وهي مرتبطة بهذه الوظيفة وجودا وعدما. ووظيفتها هي تَغْذِيَةُ هذا الجنين بِما يجعله يعيش حياة صحية وسليمة في الرحم الذي ينمو فيه. وهذا يعني قطعا أن أهمية النبوة في حياتنا هي من أهمية وظيفتها ومن مدى حاجتنا إليها كي تؤديَها.
    إذا كانت حاجتنا للفحم الحجري كمصدر للطاقة تجعله يكتسي أهميته باعتباره ذا وظيفة لا ينافسه فيها وجودٌ غيره، فمنذ اللحظة التي حلَّ فيها النفط بِمزاياه العديدة التي تتفوق على مزايا الفحم، بديلا له، تضاءلت أهميته وتراجعت، لأن وظيفته في حياتنا أصبحت منوطةً بغيره مِماَّ هو أعلى منه كفاءة. هكذا هي النبوة في حياتنا، إن لها وظيفة مُحَدَّدة علينا أن نعيَها بدقة قبل أن نحكم على حاجتنا إليها إن كانت لا تزال قائمة أم أنها انتهت، أو أن غيرها حلَّ محلَّها أم أنها ما تزال سيدة الموقف في تغذية وعينا. إن التحليل الدقيق إذن هو الذي سيكشف لنا عن الحقيقة في موضوع النبوة. فإذا كانت هذه الوظيفة هي مِماَّ تستمر الحاجة إليه بلا انقطاع، فلا شك في أنها مهمة في حياتنا بلا انقطاع. وإذا تبين لنا أن تلك الوظيفة قد آلت إلى ضمور وانقراض وأنه قد حلَّ محلها ما يغني عنها، فلا شك في أن الموظف الذي يؤديها سيؤول إلى التقاعد ويُحالُ على المعاش.

    أرسل الله الأنبياء على مدىً زمني طويل، ثم توقف بعد ذلك فجأة. أُمَمٌ وشعوبٌ لم يبعث لهم إلاَّ قِلَّةً من أنبيائه، وأمم وشعوب أخرى كَثُرَ أنبياؤهم إلى درجة تزامنهم وتعاصرهم في أحيان كثيرة، إلى الحدِّ الذي أدى بالبعض إلى القول بأن النبوة في بعض الأمم كانت ذات دلالات "وظيفية عامة"، بحيث أن كل من كانت له وظيفة عامة هامة كان يُعَدُّ نبيا، كما هو حال بني إسرائيل. أقوام خاطبهم الله بطريقة فيما خاطب غيرهم بطرق مختلفة. وأيضا فقد شرع الله لأناس عبر النبوة ما لم يشرعه لغيرهم، وطلب من أناس ما لم يطلبه من غيرهم، وأخبر أناسا بِما لم يخبر به غيرهم. لا بل إننا نراه أحيانا وقد أخبر أناسا عن أشياء محددة بصورة تبدو مغايرة – في بعض جوانبها على الأقل – عن الصورة التي أخبر بِها آخرين عن الأشياء نفسها. ثم فجأة وبعد كلِّ ذلك تنقطع الصلة بين السماء والأرض، وينقطع الأنبياء. ويعود الإنسان وحيدا كما كان قبل دخول الأنبياء إلى حياته، مع فارق وحيد هو أنه في تلك العصور الغابرة كان يشعر بالوحشة إذا تأخر الله عن إيناسه بتأخره في إرسال نبي، بينما الإنسان الآن لا يبالي بوحدته ولا يستوحش منها على الإطلاق.

    وإذن فما الذي كان يَحدث قبل ذلك ولماذا؟ ثم ما الذي حدث فجأة ولماذا؟
    هناك أسلوبان للإجابة على هذا السؤال. الأول سائد غير صحيح، نظرا لعجزه عن الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه. والثاني موضوعي صحيح ومحيط، لكنه غائب عن ساحة الفكر عموما.
    فماذا بشأن الإجابة السائدة أو التفسير السائد لهذه الظاهرة مَحل التساؤل؟
    يقول التفسير الذي نعتبره قاصرا وغيرَ مُلِمٍّ بالموضوع من جميع حيثياته:
    "الإنسان قاصر بطبعه عن معرفة مصلحته وعن التمييز بين ما يضره وما ينفعه، إن لم يكن في جميع جوانب حياته معتقديا وسلوكيا ومجتمعيا، ففي جوانب كثيرة ومهمة منها على الأقل. والإنسان بهذا القصور المطبوع فيه لا يلبث أن ينحرف عن الجادة في التصورات وفي السلوكات وفي العلاقات المجتمعية. لذا وجب إرشاده، فكانت النبوة وكان الدين من ثم كتَجَلٍّ لها، ليُبْعِداه عن الانحراف عند الوقوع فيه".
    هذه هي خلاصة التفسير التقليدي السائد لوظيفة النبوة. لكن هذا التفسير ينطوي على خلل عميق.
    فإذا كان الإنسان قاصرا بطبعه عن معرفة ما يضره وما ينفعه في جوانب مهمة في حياته. وإذا كان حالُه يتطلب الإرشاد المستمر من الله عبر الأنبياء كي لا ينحرفَ عن الجادة أو كي يعودَ إليها بعد انحراف. فلماذا يتم إيقاف اتصال الأرض بالسماء في لحظة محددة من الزمن؟
    هل يعني ذلك مثلا أن الإنسان وبعد اللحظة التي قرر فيها الله أن يقطع صلته بالأرض من خلال قطع النبوة، لم يعد ينحرف لا في السلوك ولا في التصور، وبالتالي فهو لم يعد في حاجة إلى نبي جديد أو إلى وحي جديد يستنير ويسترشد به وبِهديه؟ أو لا يعني ذلك من ثم أن الإنسان قد أصبح في كل تصرفاته ومعتقداته وتصوراته خارج دائرة الانحراف الموجبة لتدخل السماء، وأنه مهما ذهب بعيدا في سلوكه وفي تصوره فسيبقى مستغنيا عن حضور نبي جديد ينبهه ويلجم جموحَه؟
    من جهة أخرى، ألا يعني هذا الانقطاع المُسَبَّبِ بالكَفِّ عن الحاجة إلى وحي جديد، الاستغناءَ حتى عن الوحي الأخير الذي مثَّلَ آخر صلة رسمية بين السماء والأرض، وذلك على قاعدة عدم وجود حالة تعد خروجا عنه أو انحرافا عن تعاليمه ومبادئه، مادام الأمر في كل الحالات لن يتطلب لا نبيا جديدا ولا وحيا جديدا، كما كان عليه الحال في الحِقَبِ السابقة عند الخروج عن تعاليم الأنبياء والابتعاد والانحراف عنها؟
    ولن نقبل في هذا المقام أي رَدٍّ على تلك التساؤلات ينطوي على مقولة أن الوحي الأخير كان كافيا لمنع الانحراف إذا تم الالتزام به، لأن هذا الردَّ نفسَه لا يحسم المعضلة بل يبقيها معلقة. فمقولة "عدم الانحراف إذا تم الالتزام"، هي مقولة كانت لصيقة بدعوى كل نبي، وبكل التعاليم النبوية، وهي أيضا دعوى حملها كل رسول. فما من نبي إلاَّ وكان يؤكد لمن يُبْعَثُ إليهم أن الالتزام بتعاليمه موجب لمنع الانحراف والزلَل، وما كان التدخل من جديد بنبي جديد أو بوحي جديد، إلاَّ بعد الانحراف الحاصل بسبب عدم الالتزام بالتعاليم ابتداءً.

    نعم، إن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة لا توجد على الإطلاق في صيغة التفسير السابق، سيبقى قائما وملحا ويبحث عن الرد المقنع. لماذا يتم اعتماد أسلوب التدخل السماوي المباشر بنبي جديد لإنقاذ الإنسان من زلل عدم الالتزام بالتعاليم أو الانحراف عنها فيما قبل آخر وحي، بينما لا يُصار إلى انتهاج ذلك النهج واعتماد ذلك الأسلوب بعده؟ ما الذي حصل في واقع البشر أو ربَّما في السماء، كي يتغير المنهج بهذه الصورة التراجيديَّة المربكة؟!
    إن اختتام السماء لعلاقتها بالبشر عن طريق النبوة برحلتي مكة ويثرب العربيتين، لا يمكنه أن يعني في ضوء التفسير التقليدي سالف الذكر إلاَّ واحدا من أمرين..
    فإما أن النبوة الأخيرة جَسَّدَت صيغة لا يُمكن للإنسان أن يخرج عن تعاليمها مهما حصل ومهما حاول، وهو ما يصلح أرضية قد تكون مقنعة لتبرير انتفاء الحاجة إلى تجديدها أو حقنها بنبوة جديدة.
    وإما أن الإنسان غير مطالب بعدم الخروج عن تعاليمها، وذلك كي يكون لعدم التجديد في حال الخروج معنىً معقولا ومقبولا.
    والأمران غير صحيحين على أرضية التفسير التقليدي نفسه، فلا الإنسان باق في دائرة تلك التعاليم، ولا هو في حِلٍّ من الالتزام بها، فأنصار هذا التفسير نفسه ما فتئوا يطالبون الإنسان باتباعها، فيما يطالبون أتباعها المنحرفين عنها بالعودة إليها للفوز بالنجاة في الدنيا والآخرة.

    وهكذا فقد كان لزاما على هذا التفسير بعد أن استشعر المأزق أن يُحاول إخراج نفسه منه. فماذا فعل؟
    لقد لجأ إلى الالتفافة التالية:
    "إن الصيغة الدينية التي رسمها الله للإنسان منذ البداية، هي الصيغة التي جَسَّدَها لنا آخر اتصال سماوي بالأرض. ولكن هذه الصيغة لم يكن مُمْكِنا تثبيتها وتكريسها في واقع هذا الإنسان منذ لحظات حياته ونشأته الإنسانية الواعية الأولى. بل كان لابد من حِقَبٍ زمنية طويلة مفعمة بالتطور وبالنمو الإنساني على جميع الصعد كي يتمكن من التعامل مع تلك الصيغة النهائية. وهكذا فقد ظلت هذه الصيغة مرافقة له، وتنمو مع نُمُوِّه شيئا فشيئا متغيرة ببطء شديد لمواكبة قدراته وحاجاته المتنامية، إلى أن وصل الإنسان إلى المستوى المطلوب القادر على استيعابها بهيئتها تلك، أي بالهيئة التي تم الإيحاء بها إلى آخر الأنبياء، فتمَّ إقرارها من ثم كصيغة غير قابلة للتغير. وهكذا فقد تمَّ إذن الاستغناء عن تجديد النبوة والاكتفاء بآخر حلقاتها، مادامت الصيغة النهائية الهدف قد أصبحت رهن إشارة الإنسان، وهو قادر على التعامل معها، في حين أنه كان قبلها غير قادر على استيعابها لو أوحي إليه بها. فكان الأنبياء يُبْعَثوُن هنا وهناك ليقربوه منها على ما يتمكن من استيعابِه مستواه، إلى أن جاء الوقت المناسب لاستكمال صيغتها النهائية، فكان آخر وحي، وكان آخر الأنبياء والمرسلين، وكانت بالتالي آخر صلة بين السماء والأرض".
    لكن هذه المحاولة الالتفافية للخروج من المأزق، لم تقم فقط بنسف الأساس الذي يَفترض أن الصيغة التفسيرية التقليدية انطلقت منه، بل هي أدت أيضا إلى نتيجة ذات دلالة مفارقة لمضمونها ذاته. فعلى الرغم من أنها مُحاولة تنطوي على نوع خجول وحذر من الاعتراف بتطور الإنسان ومواكبة النبوة لهذا التطور بالتغيير المتواصل في الصيغ الدينية التي جسدتها النبوات، فإنها تقف عاجزة عن تبرير التوقف عن بعث الأنبياء بعد آخر اتصال سماوي بالأرض. فهي قد طرحت تفسيرا للاتصال لكنه تفسير يعجز عن تبرير الانقطاع، وبالتالي فهو لم يعد منطقيا حتى في تفسيره لذلك الاتصال أساسا، لأن الاتصال هو عدم الانقطاع، وكيف يمكن لعدم الانقطاع أن يكون عاجزا عن تفسير عكسه وهو الانقطاع؟!
    أما وجه العجز في هذه الصيغة عن تفسير سبب الانقطاع، فيكمن في أنها تفترض أن الإنسان عاش بعد آخر نبي في واقع لم يعد يتطور على الإطلاق بالقدر الذي يتطلب أنبياءً جدداً يواكبون بما يُوحَى به إليهم تطورَه الحاصل. وأن حالةً من الجمود والثبات والسكون الموحش المخيف اجتاحت عالم البشر فجأة، بحيث أن التغير في التفكير والسلوك والمفاهيم والمعارف والأخلاق والعلوم منذ رحل ابن مكة البار إلى جوار ربه وإلى الآن، بل وإلى يوم القيامة، لا يعدُّ شيئا يذكر بالقياس للتغير الذي اجتاح بني إسرائيل – وهم أكثر الأمم القبلية التي شهدها التاريخ تخلفا وهمجية – في حقبة من تاريخهم، والذي تطلب أن يكون ابن المجدلية وابن خالته المعمدان ووالد هذا الأخير مبعوثين إليهم في نفس الوقت. أو أنه لا يعد شيئا يذكر بالقياس للتطور الحاصل في السنين التي احتاجها الإنسان كي ينتقل فقط من استخدام الحجر إلى استخدام الآلات المعدنية في الصيد، وهي المدة الزمنية التي تزعم لنا تلك الصيغة ذاتها أن الله قد بعث فيها لكل أمة وشعب وقبيلة وعشيرة، بل ربما لكل عائلة كبيرة ظهرت إلى الوجود نبيا أو حشدا من الأنبياء.
    يتضح إذن ومن مُختلف الأوجه عجزُ التفسير التقليدي السائد عن الكشف عن أسرار وأسباب انقطاع علاقة الأرض بالسماء. ما يوجب علينا البحثَ عن تفسير آخرَ يكون أقدر على استجلاء الموضوع من كافة جوانبه. ولعل التفسير الموضوعي الغائب عن ساحات التفكير الديني في العادة، هو الحل.

    فما هو جوهر هذا التفسير؟ وكيف ينظر إلى المسألة؟
    يقول التفسير الذي نعتبره موضوعيا وقادرا على الإلمام بحيثيات المسألة:
    منذ وعى الإنسان ذاتَه ومحيطه بالصورة البدائية للوعي، شعر بالاغتراب والوحشة والقلق والخوف، بسبب أن باكورة مظاهر وعيه قد تَجَلَّت في إدراكه الفطري والبَدَهي لوجود قوة عليا خفية يأنس إليها، كان من المفروض أن تكون معه وإلى جواره كي تخفِّفَ عنه وطأة هذا الإحساس المرير بالاغتراب. وراح يحيك الأساطير والقصص حولها مفسرا بعفوية بدائية سر عدم وجودها إلى جواره. فانبثقت فكرة الخطيئة إلى الوجود، كأول مظهر من مظاهر تعبير وعي الإنسان آنذاك عن طبيعة العلاقة بينه وبين تلك القوة. وقد كان تصور الإنسان للخطيئة ولتلك القوة التي أحبها وأنس بمجرد ذكرها وحياكة القصص المفعمة بالأمل حولها وحول علاقته بها، تصورا بدائيا جدا وبالغ الفجاجة كانعكاس طبيعي لمستوى الوعي المتدني آنذاك، وهو الوعي الذي كان أبعد ما يكون عن التجريد سواء في تصوره لتلك القوة "الله"، أو حتى في تصوره لذاته "الإنسان"، في علاقتهما مع واقعه "الطبيعة والعالم من حوله".
    إن الإنسان الذي كانت هذه التصورات الفَجَّة عن الإله وعن نفسه وعن الخطيئة وعن العالم هي بواكير وعيه، وجد نفسه فجأة مضطرا إلى التعامل مع واقع لا يفهمه ومع طبيعة تخيفه، لأنه بدأ يعي ما يدور حوله من ظواهرها – بحكمِ إنسانيته التي قفزت بمستوى وعيه – وكان مبعثُ الخوف عنده هو عجزُه عن فهم ما يراه. هذا الخوف فاقم إحساسَ الاغتراب لديه، وفاقم بالتالي إقحام الميثولوجيا في تفسيره لما يراه. فتكونت لديه جراء ذلك ونتيجة لهذا التداخل بين تصوراته عن الإله والمرتكزة إلى انجذاب فطري إليه، وبين تصوراته عن الخطيئة كمحاولة لتفسير ترك هذا الإله له وحيدا بلا سند على الأرض، علاوة على تصوراته عن ظواهر الطبيعة التي وعى وجودها ولم يفهم كيف تحدث، فأخافته دافعة إياه إلى إقحامها وإقحام تصوراته الفَجَّة عنها في منظومات الإله والخطيئة. نقول.. تكونت لدى الإنسان البدائي جراء ذلك بواكير المنظومات المعرفية الميثولوجية شبه المتكاملة. فإذا كانت الخطيئة هي ظل الإنسان في هذه المنظومة المعرفية، فإن التصورات الأسطورية عن الطبيعة هي ظل العالم فيها، والتصورات الأسطورية عن القوة الخفية هي ظل الله، ما يؤكد أن هذه المنظومة المعرفية البدائية كانت شديدة الفجاجة وأبعد ما تكون عن التجريد والصفاء.

    إن الإنسان في تعامله مع واقعه كان يؤثر فيه ويتأثر به، فتتنامى بذلك معارفه وتتغير بالتالي أنماط حياته وتصوراته عن ذاته وعن الإله وعن الطبيعة من حوله. وكلُّ خطوة يخطوها الإنسان في هذا المسار التطوري كانت بحكم كونها نموا في وعيه تُخفف لديه من دواعي الإحساس بالاغتراب وتضاعف من دواعي الاطمئنان والشعور بالثقة النابعة في الأساس عن عدم العجز أمام الطبيعة وأمام ظواهرها. هذا العجز الذي راح يتقلص ويتضاءل حقبة بعد حقبة وزمنا بعد آخر إلى أن تلاشى تَماما. وهذه الثقة التي راحت تنمو شيئا فشيئا إلى أن اكتملت مُقَرِّرَةً أن الإحساس بالاغتراب قد اختفى ولم يعد له وجود.

    وبين هاتين النقطتين الواقعتين على محور التطور. نقطة بدء الإحساس بالاغتراب وانعدام الثقة والشعور بالعجز، في أقصى درجاتها، مع ما ينتج عن ذلك من خوف وقلق ووحشة، ونقطة تلاشي الإحساس بالاغتراب واكتمال الثقة وانعدام الشعور بالعجز، مع ما ينتج عن ذلك من إقدام واطمئنان وسكينة. نقول.. بين هاتين النقطتين ناضلت النبوة وكافحت لِتُبْقيِ على هذا التوازن الدقيق الدافع إلى الأمام دوما، في رحلة طويلة مباركة ومنظمة، قادها الله بكل تؤدة وحكمة مُعَبِّراً لنا من خلالها عن أعلى درجات المسؤولية تجاهنا كمخلوقات واعية بدأت ضئيلة في وعيها ثم راحت تنمو وتكبر بهذا الوعي في حاضنة النبوة العظيمة.
    إن الأنبياء بُعِثوا حتما لهدف تحقق وانتهى بآخرهم، وإلاَّ لما كان هناك مبرر لانقطاع النبوة وصلة الأرض بالسماء عبر الأنبياء. وبما أن تطور الإنسان وعيا وواقعا لم يتوقف عند اللحظة الأخيرة للنبوة، ولن يتوقف إلى الأبد. وبما أن الانحراف بمفهومه المتداول دينيا هو أيضا لم يتوقف، وما نحسبه قد يتوقف نهائيا مادامت هناك مجتمعات بشرية، وبشر يصيبون ويخطئون. فلا شك إذن في أنه لا الانحراف ولا التطور هما سبب بعث الأنبياء ولا هما جوهر الدور الوظيفي للنبوة. وإن كان من الممكن أن يكونا إلى جانب السبب الرئيسي سببين ظاهريين وهامشيين.
    فما هو السبب الجوهري إذن؟!

    نستطيع أن نتخذ من الطفل منذ ولادة أول مستويات الوعي لديه نموذجا يشبه الإنسان عندما بدأ يعي ذاته وما حوله. ومن الأب وهو يرعاه ويتابعه ويوجهه نموذجا للدور المسؤول يشبه دور الله في حياة الإنسان. عندما تبدأ بواكير الوعي لدى الطفل، يبدأ يحس بحاجته لأبيه جراء الخوف الذي يشعره بسبب عجزه عن فهم ما يدور حوله وجراء الوحشة التي يُحسها إذا افتقد هذا الأب الحاني المُوَجِّه المالئ لحياته بالأمل والدفء والأمان. إن الأب من جهته يدرك – بحكم طبائع الأمور – حاجة طفله إليه، فيخلق في وعيه كل دواعي إشعاره بأنه قريب منه وحانٍ عليه ومهتم به وشاعر بالمسؤولية تجاه احتياجاته وتجاه مخاوفه. إن إحساس الطفل من أبيه بهذا الاهتمام يدفعه إلى الاطمئنان وإلى الاندفاع في حياته بعيدا عن القلق، فتأخذ حياته بالنمو في وسطٍ مفعم بدواعي الاستقرار والسكينة، وتبدأ معارفه، وبالتالي وعيه بالاكتمال وسط هذه الظروف وفي هذه البيئة الآمنة. ولعل هذا ما يبرر أن أيَّ طفلٍ يفتقد أباه وهو في تلك المرحلة من حياته سواء بالموت أو بالسفر أو بالطلاق من أمه، سوف يعاني من نقص ماَّ سينعكس على كامل حياته إن لم يتم تعويضه بشكل أو بآخر عن ذلك النقص.
    يستمر الأب في التدخل في حياة طفله وفي توجيهها وفي ملء الفراغات المعرفية التي تفرض نفسها على واقع الطفل من حين لآخر. وهو – أي الأب – في مرحلة من مراحل عمر طفله يعالج القضايا المطروحة من خلال تدخله بطرق تتناسب مع وعي طفله في تلك المرحلة العمرية. ومع تقدم الطفل في السن وبالتالي في مستويات الوعي بذاته وبمحيطه، تبدأ تكتمل تصوراته ومفاهيمه، وتنتظم وتنضبط مُكَوِّنات وعيه، ويَتَّخِذُ تَدَخُّلُ أبيه في حياته شكلا أرقى وأقلَّ فجاجة، ويصبحُ قائما على تفسيرات أكثر عقلانية لما يطرحه الطفل من تساؤلات. يبدأ إحساس الطفل بالوحشة يتلاشى مع ازدياد ثقته بنفسه بسبب تَقَلُّص عجزه عن فهم ما يدور حوله من ظواهر كانت تُعْجِزُه قبل ذلك فيلجأ إلى أبيه متقبلا منه أي تفسير يقدمه له. أما الأب الذي كان فيما مضى يضطر إلى أن يقدم تفاسيره غالبا في إطار غير عقلاني وربما غير واقعي أيضا "ميثولوجي" تجاوبا مع قدرات الطفل الذهنية، يغدو منذ تلك اللحظات المتقدمة في وعي طفله معنيا بتخفيف حدة اللاعقلانية والميثولوجيا – إن صح التعبير – من تفسيراته.
    في مرحلة أكثر تقدما من عمر الطفل، وبالتالي من وعيه، يحس بأنه قد استغنى عن تدخل أبيه مُكْتَفِيا منه بِمجمل توجيهاته السابقة كأرضية خام يستخدمها للاستمرار في حياته وفي تنمية معارفه. يحدث ذلك بسبب انتهاء كل بواعث الخوف من المجهول لديه، واكتمال عنصر الثقة بالنفس وبالقدرات الذاتية على الاستمرار في الحياة بدون تدخلِ هذا الأب. الأب بدوره عندما يصل طفله إلى هذه المرحلة يتجاوب معها، ويكف عن التدخل في حياته مكتفيا بحصيلة تدخلاته السابقة التي كانت بكل محتوياتها المعرفية والتوجيهية السبب الذي ساعد الطفل على الوصول إلى هذا المستوى من النضوج بهذه السرعة وبهذه الكفاءة. وهكذا يبدأ الانفصال المعرفي بين الطفل وأبيه. وإذ يكتفي الأب بالمراقبة وعدم التدخل، يبدأ الطفل الذي ربما أصبح شابا بالاعتماد على نفسه نظرا لتوفر دواعي ذلك لديه. قد يتخبط وقد يتعثر، ولكن لا بأس، إنه تعثر الواثق من نفسه الذي ستساعده عثرته على الاستفادة استفادة عظيمة، خلافا لإنجاز الطفل الذي قد يُبْقي الطفل متشككا فيه إن لم يأخذ المباركة والثناء والتشجيع من أبيه على هذا الإنجاز.

    الطفل عندما أصبح شابا مستغنيا عن تدخل أبيه مكتفيا بحصيلة معارفه منه وبفهمه لواقعه وبحصيلة خبراته الخاصة، هو لم يصل في الواقع إلى أقصى درجات الوعي، لأن الوعي لا يتوقف في مسيرة التطور ويواصل النماء باستمرار، وما يزال الإنسان يعي ويتعلم حتى يموت. لكنه وصل في الواقع إلى درجة عالية من الثقة بقدراته الذاتية ومن الشعور بالأمان بحيازته لتلك القدرات، مَكَّنَتْه من عدم الإحساس بالاغتراب حتى وهو ينفصل معرفيا عن أبيه. إذن فالوصول إلى هذا المستوى من الثقة الكافية للاعتماد على الذات بالارتكاز إلى حصيلة معارف كافية كأرضية ومنطلق بما يترتب على ذلك من إحساس بالإقدام والأمان. نقول.. إن الوصول إلى هذا المستوى من الثقة هو الهدف من تدخل الأب في حياة طفله وتوجيهها في مراحل الوعي المتدني. وبالتالي فإذا تحقق ذلك فلن تكون للتدخل عندئذ أيُّ معانٍ.
    نستطيع أن نلاحظ ملاحظة هامة أخرى في حياة الطفل الذي بدأ بالاستقلال عن حياة أبيه معتمدا على نفسه في بناء حياته. فإذا كان الطفل الذي أصبح شابا قد يشعر في بدايات حياته المستقلة أنه رغم استقلاله ما يزال في حاجة إلى أن يستفيد مِماَّ تعلمه من أبيه وإلى أن يُوَظِّفَه في حياته، لأنه ما يزال مفيدا وإيجابيا، فإنه في مرحلة متقدمة من عمره قد يُحِسُّ بأن حصيلة أبيه التي كانت خادمة له في وقت مبكر من شبابه قد غدت عبئا عليه في مرحلة كهولته، بحيث لم يعد استخدامها يساعده على النماء والتقدم، بل هو يعرقله، فنراه عندئذ يضعها جانبا ويُكَوِّن لنفسه منظومة جديدة من المعارف والقيم والمفاهيم يراها أقدر على مساعدته على الاستمرار في حياته المنطلقة والمندفعة، بعد أن أصبح مؤهلا لأن يُكَوِّنَ مثل تلك المنظومة، بسبب ما تراكم لديه من معارف ومدركات وعلوم وقيم، كان لأبيه دور بارز في تأسيسها لديه، بل وفي تأسيس قواعد التفكير التي تساعده على تطويرها واستبدالها بما هو أكفأ منها وأكثر جدوى عند الضرورة.
    قد نكون أطلنا في شرح هذا المثال، لكننا فعلنا ذلك كي نتركَ للقارئ ولخياله الفرصة الكاملة لإجراء الإسقاطات اللازمة كي يتفهَّمَ استنتاجَنا النهائي والأخير فيما يتعلق بالدور الوظيفي للنبوة وهو ما سوف نختصره فيما يلي:
    إن للنبوة وظيفة مُحَدَّدَة اقتضتها مسؤولية الله الناتجة عن صفة العدل فيه، تجاه هذا المخلوق الذي ابتلاه وبالتالي أَكْرَمَه بالوعي. إنها تخفيفُ حِدَّة إحساسه بصقيع الاغتراب وبوحشة الوحدة مادامت طبيعة الإنسان أن يكون مُتَوَحِّداً مع الله بشكل ماَّ، لا مغتربا عنه، وإشعارُه بالأمان وهو يواجه هذا الوجود الضاري الذي ظهر أول ما ظهر غير مفهوم بالنسبة إليه، وخَلْقُ مقومات ثقته بنفسه وبقدراته شيئا فشيئا، ومساعدتُه ما أمكن وبِما لا يتعارض مع غاية الوجود وحكمته على صبِّ اندفاعته الوعيوية في الاتجاه الصحيح لمسيرته العقلية المتنامية دوما وإلى الأبد. ومادامت هذه هي وظيفة "ظاهرة النبوة" في حياة الإنسان، فهذا يعني قطعا أن النبوة ستتوقف حالما تنتهي من أدائها على أكمل وجه، وهذا هو ما كان. والقراءة المنصفة للتاريخ تؤكد ما ذهبنا إليه.

    وهكذا فإن اكتمال النبوة يُمثل بدايةً للتاريخ لا نهاية له، لأن التاريخ إنما يبدأ بالعقل ولا ينتهي به. فلو انتهى التاريخ عند اكتمال البُنى الأساسية للعقل، لعنى ذلك أن الغاية من الوجود هي غاية خرقاء حمقاء. إن كل من لم يَفْهَم النبوة باعتبارها تَجَلِّياً إلهيا في التاريخ لغاية مساعدة الإنسان على تَعَقُّلِ الوجود، يعجز عن فهم أيِّ معنى لبقاء الوجود ولاستمرار التاريخ طويلا بعد آخر الأنبياء. لذلك ما فتئ أولئك الذين غابت عنهم حقيقة النبوة، ينتظرون "الساعة" منذ رحيل الرسول الكريم محمد عليه السلام. كلُّ جيل راح ينتظرها إلى درجة أن زخرت النقليات الإسلامية تحديدا بمئات بل بآلاف النصوص التي تتحدث عن علاماتها وأماراتها وأحداثها الكبرى والصغرى.
    لا بل إن المسلمين راحوا مع كل أزمة كبرى تَحُلُّ بساحتهم سياسيا أو اقتصاديا، أو حتى نتيجةً لكارثة طبيعية مدمرة، يستقرئون علامات الساعة في تفاصيلها، إلى درجة لجوئهم إلى استخدام أبشع أنواع التأوبل وخداع النفس وأكثرها فجاجة وتكلفا لأجل الاطمئنان إلى أن ما يحدث لهم إنما هو من أمارات النهاية وإرهاصات القيامة. أليس المسلمون عندما يشاهدون في حياتهم أمرا عصيا على الفهم أو القبول، يقولون بكل ثقة ويقين: "هذا آخر الزمن"، إلى أن غدا هذا ديدنَهم؟! إنها في واقع الأمر روحُ الترقُّب للحدث الكبير الذي تمَّ العجز عن تصوُّرِ معنىً وغايةً حقيقيين للفترة التي تفصله عن آخر الأنبياء، مادامت النبوة لم تكن في نظرهم أكثر من قرار إلهي بالتدخل وقرار آخر بالتوقف، دون أيِّ دلالات تاريحية أخرى من أيِّ نوع. بينما الحقيقة أن موت محمد بن عبد الله عليه السلام كان إيذانا ببداية التاريخ الفعلي للإنسان العقلي. ولقد أثبت كَمُّ التطور الهائل الذي شهدته البشرية في القرون التي تلت وفاته، أن هذا التحليل صحيح.
    إن الوعيَ الإنساني حقَّقَ لنفسه بمساعدة النبوة درجة عالية من التقدم تؤهله لإكمال مسيرة تطوره ونمائه معتمدا اعتمادا كليا على قواه الخاصة، التي فجرتها النبوات في البعد التاريخي. النبوة إذن تُحَقِّقُ أرقى صُوَرِها حينما تعي ضمنا حاجتها إلى إلغاء نفسها وتحييد دورها. وهو ما يعني أن هذا الرُّقِي ينطوي على تَصَوُّرٍ واضح وفهمٍ عميق لاستحالة استمرار حاجة الإنسان إلى قائدٍ لمسيرته، نظرا لتعارض ذلك على الفور مع جوهر اعتماد الوعي على مقوماته الذاتية في استكمال المسيرة.

    وهكذا تتجلى عظمة النبوة وبَهاؤُها في إنسانية جوهرها، هذه الإنسانية التي تبدو وحدها المسؤولة عن بناءِ النَّسَق النبوي في الزمان وفي المكان بالصورة التي اختطها واتخذها لنفسه هذا النسق، لما في هذه الصورة بالتحديد من دلالات على تاريخية النبوة ولا مُطْلَقيتها. لم تكن النبوة إذن قرارا إلهيا مستقلا عن الواقع البشري، على الوعي الإنساني أن يتكيف معه ويتحرك في ضوئه. لقد بدأت النبوة أول ما بدأت بقرار إنساني عبرت عنه استجابة الله لمستوى وعيه وهو يقرر حاجته إليها، ثم توالت وتواترت في سياق جدلي مثير ورائع ومبهر. نبوة يطلبها الإنسان فتأتيه استجابة من السماء، فتؤثر في وعيه وتُفَعِّله وتطوره وتوصله بذلك إلى مرحلة وعيوية جديدة، تبدأ بالمطالبة ضمنا بنبوة جديدة للتعامل مع أزمات وقضايا جديدة، فتستجيب السماء لهذا النداء الضروري الكامن في أغوار الوعي والحاجة الإنسانيين، بتَجَلٍّ إلهي في نبوة جديدة نشأت متأثرة بالواقع لتؤثر فيه دافعة به إلى الأمام. وهكذا استمرت هذه السمفونية الجدلية المحكمة البديعة إلى أن تَحَقَّقَت منها الغاية وتَحَقَّقَ المراد، فانسحبت كظاهرة، من الوجود لا بقرارٍ منها، بل بقرار من الإنسان الذي أبدى ضمنا اكتفاءَه منها وعدم حاجته إليها واستغناءَه عنها. فكما أن بزوغَ فجر ظاهرة النبوة كان استجابةً من الله لحاجةٍ ولنداءٍ إنسانيين، فكذلك غروب شمسِها كان استجابة من الله لحاجة ولنداء إنسانيين عملا في الاتجاه المقابل.

    ثالثا.. طبيعة الأزمة العالمية الراهنة ومهمة النبوة المفترضة لو أن الله بعث نبيا معاصرا (!!)
    إنه لمما يستدرجنا إليه الواقع وتدفعنا إليه طبائع الأمور أن نعلن أن النبوة فوق كونها رفيقا آنس الإنسان وأحياه مطمئنا في كنف الله الذي كان يتجلى عبرها من حين لآخر، فإنها وجود ديناميكي حي مفعم بالحركة اتخذ بعد آخر لحظات نسقها الديني، وهي لحظة نبوة محمد عليه السلام شكلا آخر مختلفا، وجدت استمرارها من خلاله في الدور الذي يقوم به العلماء الذين أخبر عنهم رسول الإسلام بأنهم ورثة الأنبياء.
    العلماء إذن بعد نبوة محمد هم الذين تكتسب بهم ظاهرة النبوة صفة الديمومة والاستمرار في اللحظة الإنسانية المجتمعية. وإنه بانزواء ظاهرة النبوة يبزغ فجر العلم. ختم الله النبوات عندما أعلن الواقع مولد العقل الإنساني. أليس مثيرا للدهشة أن يكون انتهاء عهد النبوات بداية فعلية للتاريخ، تاريخ العقل والعلم؟! لن نعيي أنفسنا في الإثبات، فالواقع أوضح من أن يُسْتَدَلَ عليه بشيء. وإنه إذا كان الأنبياء والرسل متمايزين في الدور المنوط بكل منهم، من حيث أن النبيَّ مصلحٌ في إطار ما هو قائم من أُسُسٍ، بينما الرسول حراكيٌّ وحاشدٌ وقائدٌ لتغييرٍ مجتمعي واسع النطاق، فكذلك العلماء، فرب عالم نبي، ورب عالم رسول. ربَّ عالمٍ مصلح وربَّ عالمٍ قائدٍ لانقلابٍ فلسفي ولفتحٍ علمي قد يغيِّر وجه العالم والتاريخ والحضارة. والعالِم هنا بالمعنى الواسع لمصطلح عالِم. ولعل الفلاسفةَ وعلماءَ الطبيعة بكلِّ فئاتهم، هم في الواقع أهم من سيرثون تركة النبوة.

    ومن هنا فإن إجابتنا على التساؤل الذي انطوى عليه عنوان هذا المقال هي بكلِّ بساطة:
    بما أن مُكَوِّنات الأزمة العالمية التي تتحكم في السيرورة الراهنة للإنسانية تتجسَّد في العنصريين التاليين:
    1 – عدم التَّحَرُّر الحقيقي والكامل والمُنْتِج سياسيا واقتصاديا وثقافيا، من النزعات "الإمبراطورية التوسعية"، و"القُطْرِيَّة الشوفينية"، و"القَبَلِيَّة العصبية"، بتداعياتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية التي نشهدها على الصعيد العالمي، بصرف النظر عن المرجعيات التي تقوم عليها تلك النزعات، وذلك لصالح النزعة "القومية التعارفية"، بكل تداعياتها ومتطلباتها السياسية والاقتصادية والمجتمعية والثقافية، والتي هي أساس الاستقرار والتقدم العالميين (!!)
    2 – عدم حسم المعضلة القِيَمِيَّة السياسية والاقتصادية الناجمة عن التفرقة التَّعَسُّفِيَّة في التطبيق بين قيمتي "الحرية" و"العدالة" على كلِّ الصعد المحلية والإقليمية والأممية، بجميع ما ينتج عن عدم التفرقة تلك من مظالم واعتداءات ونزاعات واستبداد وطبقية وقمع واضطهاد، سواء داخل المجتمع الواحد، أو داخل الإقليم، أو على المستوى العالمي (!!)
    فإنه، وبناء عليه، وبسبب أن ذَيْنِكَ العنصرين هما المُكَوِّنَين الأساس للأزمة العالمية المعاصرة، عبر تراكمات تاريخية لا يستهانُ بها غذَّتْها انحرافاتٌ وتَشَوُّهاتٌ فلسفية ودينية ومذهبية، تجمَّعت على مدى مئات السنين، أدَّت إلى اختلالات بُنْيَوِيَّة على الصُّعُد الثقافية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية على مستوى الكوكب، فإن الله لو وقعت إرادتُه على أن يرسلَ نبيا في هذا الزمن إلى الديموغرافيا المقيمة في الجغرافيا التاريخية لموطنِ النبوات التقليدي، والتي هي قطعا "الجغرافيا العربية المشرقية"، لتكون دعوته نواةً لرسالة عالمية، في ضوء طبيعة المشكلات والأزمات التي تعاني منها الإنسانية كما أشرنا إليها سابقا، وفي ضوء حقيقةٍ أكَّدَ عليها هذا المقال، مفادُها أن النبوات كانت تمثل تَجَلِّيا إلهيا تاريخيا استجابةً لأزمةٍ في الواقع الإنساني، وبعد أن غدت "نبوة العقل" هي الوريث الشرعي لـ "نبوة الوحي"، منذ آخر حلقاتها التي مثلها "محمد بن عبد الله" عليه السلام، لما خرجت حيثيات رسالة هذا النبي المفترض عن العناصر التالية:
    1 – في الشق القِيَمي الصِّرْف لرسالة النبي:
    أ – الأخوة الإنسانية على قواعد التنوُّع الفكري والمعتقدي والثقافي، بدون أيِّ نوع من التفرقة في الدين أو العرق أو الجنس أو اللون.. إلخ، سواء داخل الدولة الواحدة، أو في الإقليم، أو على مستوى الإنسانية (!!)

    ب – الاستقرار والسلام والأمن المجتمعية القومية، والإقليمية، ومن ثم الأممية، على قواعد "الحرية" و"العدالة" كقيمتين لا تنفصلان نهائيا، بكلِّ ما ينبثق عنهما من متطلبات تنظيمية قوميا وإقليميا وأمميا (!!)
    ج – توضيح معاني الحرية والعدالة في سياقاتهما المعتقدية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية على نحوٍ يزيل اللبس والغموض على الأقل في الكليات التي تصلح لكل المجتمعات، لإتاحة الفرصة للاختلاف في التطبيقات الجزئية والتفصيلية بعد ذلك، بحسب متطلبات الزمان والمكان (!!)
    د – عدم استخدام مصطلحات الكفر والشرك وغيرها من المصطلحات المُلْتَبِسَة بسبب تداخلِ دلالاتها السلوكية مع دلالاتها العقدية، إلا إذا تمَّ استخدامها بوضوحٍ كاملٍ يُجَنِّبُ الوقوع في أيِّ التباس، والتأكيد بكلِّ جلاء على أن الاستخدامات الاصطلاحية في وصف البشر، إنما تنصب نحو أفعالهم فقط، وليس نحو معتقداتهم، دون إهمال الإشارة إلى الجوانب المعتقدية في إطار توضيح الصواب من الخطإ فقط، بعيدا عن أيِّ تحديدات مآلية تنظيمية مجتمعية لتلك المعتقدات، تترتب عليها تصنيفات فئوية ومذهبية وطائفية ودينية، يُفترض ألا تقوم في أيِّ مجتمع وفي أيّ دولة، مادام التصنيف سيتم على أساس الأفعال والسلوكات داخل دائرة "المواطنة" و"المساواة الكاملة أمام القانون" (!!)

    2 – في الشق السياسي لرسالة النبي:
    أ – خلق وتأسيس وتوجيه ثورة جماهيرية عربية سلمية واسعة النطاق، بدءا من المشرق العربي، تعمل على تغيير الأنظمة الوظيفية العربية، وعلى تحرير الأراضي العربية المحتلة، وعلى توحيد الأمة العربية المتفرقة، لتصنعَ نواةً لمشروعٍ سياسي عالمي قَوِي تُجَسِّدُه دولةٌ عربية كبرى وطليعية ثقافيا وسياسيا واقتصاديا ومجتمعيا تتبنى الشِّقَّ القِيَمي سالف الذكر (!!)

    ب – اختيار الإقليم الذي توجد فيه صنيعة "المشروع الإمبريالي الصهيوني/إسرائيل"، كقاعدة آمنة منطلق لهذا المشروع، ممثلا بالدرجة الأولى في "سوريا الكبرى" كنواة، وفي "العراق" شرقا، و"مصر" غربا، و"جزيرة العرب" جنوبا كدائرة عُمْقٍ لهذه النواه، مع عدم تجاوز دوائر العمق الأخرى الممكنة والمتاحة لدعم نواة هذا المشروع إقليميا وأمميا (!!)

    ج – الاستعداد الكامل لمواجهة كلُّ من سيقفون في وجه هذا المشروع أو يحاولون الحيلولة دون تَجَسُّدِه باعتبارهم سيقفون في وجه إنقاذ الإنسانية، عبر محاربة رسالة هذا النبي المُفترض (!!)
    وبالتالي ومادامت هذه المُكَوِّنات هي ما نعتقد أن نبيا جديدا لو بعثه الله، ما كان إلا ليقيمَ دعوتَه ورسالتَه على أساس تجسيدها، فإنها قطعا هي ما يجسِّد إرادة الله كما نفهمها ونتصورها، وعلينا من ثمَّ أن نتعامل معها بصفتها هي ما يطلبه منا دينه "الإسلام"، وكتابه "القرآن الكريم"، ونبيه "محمد بن عبد الله" عليه السلام، في نسخةِ قراءتِنا المعاصرة لكلٍّ من "الإسلام" و"القرآن" و"الرسول" (!!)
  2. بواسطة نور الولاية

    اللهم صل على محمد وال محمد
    بارك الله بكم
  3. بواسطة بهلول الرشيد

    نور الولايه شكرا لمروركم
    الف تحيه لكم
  4. بواسطة العراقي راقي

    تسلم
    جزاك الله خير