منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الجاثليق يسأل الامام علي عليه السلام

  1. بواسطة عطر الامير

    السلام عليكم
    عن سلمان رضوان الله عليه: كان من البلاء العظيم الذي ابتلى الله عزوجل به قريشا
    بعد نبيها صلى الله عليه وآله ليعرفها أنفسها ويجرح شهادتها على ما ادعته على رسول
    الله صلى الله عليه وآله بعد وفاته، ودحض حجتها، وكشف غطاء ما أسرت في قلوبها،
    وأخرجت ضغاينها لآل رسول الله صلى الله عليه وآله أجمعين وأزالتهم عن إمامتهم،
    وميراث كتاب الله فيهم، ما عظمت خطيئته، وشملت فضيحته، ووضحت هداية الله فيه لاهل
    دعوته وورثة نبيه صلى الله عليه وآله، وأنارت به قلوب أوليائهم، وغمرهم نفعه
    وأصابهم بركاته:

    أن ملك الروم لما بلغه وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وخبر أمته واختلافهم
    في الاختيار عليهم، وتركهم سبيل هدايتهم، وادعائهم على رسول الله صلى الله عليه
    وآله أنه لم يوص إلى أحد بعد وفاته صلى الله عليه وآله، وإهماله إياهم يختاروا
    لانفسهم، وتوليتهم الامر بعده الاباعد من قومه، وصرف ذلك عن أهل بيته وورثته وقرابة
    ، دعا علماء بلده واستفاهم فناظرهم في الامر الذي ادعته قريش بعد نبيها صلى الله
    عليه وآله وفيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله فأجابوه بجوابات من حججهم على أنه
    محمد صلى الله عليه وآله، فسأل أهل مدينة أن يوجههم إلى المدينة لمناظرتهم
    والاحتجاج عليهم، فأمر الجاثليق أن يختار من أصحابه وأساقفته، فاختار منهم مائة
    رجل، فخرجوا يقدمه جاثليق لهم قد أقرت العلماء له جميعا بالفضل والعلم، متبحرا في
    علمه يخرج الكلام من تأويله، ويرد كل فرع إلى أصله، ليس بالخرق ولا بالنزق ولا
    بالبليد والرعديد ، ولا النكل ولا الفشل، ينصت لمن يتكلم، ويجيب إذا سئل، ويصبر إذا
    منع، فقدم المدينة بمن معه من خيارأصحابه حتى نزل القوم عن رواحلهم، فسأل أهل
    المدينة عمن أوصى إليه محمد صلى الله عليه وآله ومن قام مقامه فدلوه على أبي بكر،
    فأتوا مسجد رسول الله، فدخلوا، على أبي بكر وهو في حشدة من قريش فيهم عمر بن الخظاب
    وأبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وأنا في القوم ، فوقفوا عليه
    فقال زعيم القوم: السلام عليكم.. فردوا عليه السلام، فقال: أرشدونا إلى القائم مقام
    نبيكم فإنا قوم من الروم، وإنا على دين المسيح عيسى بن المريم عليهما السلام،
    فقدمنا لما بلغنا وفاة نبيكم واختلافكم نسأل عن صحة نبوته ونسترشد لديننا، ونتعرف
    دينكم، فإن كان أفضل من ديننا دخلنا فيه وسلمنا وقبلنا الرشد منكم طوعا وأجبناكم
    إلي دعوة نبيكم (صل الله عليه واله)، وإن يكن على خلاف ما جائت به الرسل وجاء به
    عيسى عليه السلام رجعنا إلى دين المسيح فإن عنده من عهد رأينا فيه أنبياءه ورسله
    دلالة ونورا واضحا، فأيكم صاحب الامر بعد نبيكم صلى الله وعليه وآله ؟. فقال عمر بن
    الخطاب: هذا صاحبنا وولي الامر بعد نبينا. قال الجاثليق: هو هذا الشيخ ؟ !. فقال :
    نعم. فقال: يا شيخ ! أنت القائم الوصي لمحمد صلى الله عليه في أمته ؟. وأنت العالم
    المستغنى بعلمك مما علمك نبيك من أمر الامة وما تحتاج إليه ؟. قال أبو بكر: لا، ما
    أنا بوصي. قال له: فما أنت ؟ !. قال عمر: هذا خليفة رسول الله. قال النصراني: أنت
    خليفة رسول الله استخلفك في أمته ؟. قال أبو بكر لا. قال: فما هذا الاسم الذي
    ابتدعتموه وإدعيتموه بعد نبيكم ؟ !. فإنا قد قرأنا كتب الانبياء صلوات الله عليهم
    فوجدنا الخلافة لا تصلح إلا لنبي من أنبياء الله، لان الله تعالى جعل آدم خليفة في
    الارض فرض طاعته على أهل السماء والارض، ونوه باسم داود عليه السلام فقال: * (يا
    داود إنا جعلناك خليفة في الارض)
    كيف تسميتم بهذا الاسم ؟ ومن سماك به ؟ أنبيك سماك به ؟. قال: لا، ولكن تراضوا
    الناس فولوني واستخلفوني. فقال: أنت خليفة قومك لا نبيك، وقد قلت إن النبي لم يوص
    إليك، وقد وجدنا في كتب من سنن الانبياء، إن الله لم يبعث نبيا إلا وصي يوصي إليه،
    ويحتاج الناس كلهم إلى علمه وهو مستغن عنهم، وقد زعمت أنه لم يوص كما أوصت
    الانبياء، وادعيت أشياء لست بأهلها، وما أراكم إلا وقد دفعتم نبوة محمد وقد أبطلتم
    سنن الانبياء في قومهم. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: إن هؤلاء يقولون إن
    محمدا لم يأتهم بالنبوة وإنما كان أمره بالغلبة، ولو كان نبيا لاوصى كما أوصت
    الانبياء، وخلف فيهم كما خلفت الانبياء من الميراث والعلم، ولسنا نجد عند القوم أثر
    ذلك، ثم التفت كالاسد، فقال: يا شيخ ! أما أنت فقد أقررت أن محمدا لم يوص إليك ولا
    استخلفك وإنما تراضوا الناس بك، ولو رضي الله عزوجل برضى الخلق واتباعهم لهواهم
    واختيارهم لانفسهم ما بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وآتاهم الكتاب والحكمة
    ليبينوا للناس ما يأتون ويذرون وما فيه يختلفون: * (لئلا يكون للناس على الله حجة
    بعد الرسل) *، فقد دفعتم النبيين عن رسالاتهم، واستغنيتم بالجهل من اختيار الناس عن
    اختيار الله عزوجل الرسل للعباد، واختيار الرسل لامتهم، ونراكم تعظمون بذلك الفرية
    على الله عز
    وجل وعلى نبيكم، ولا ترضون إلا أن تسسموا بعد ذلك بالخلافة، وهذا
    لا يحل إلا لنبي أو وصي نبي، وإنما تصح الحجة لكم بتأكيدكم النبوة لنبيكم وأخذكم
    بسنن الانبياء في هداهم، وقد تغلبتم فلا بد لنا أن نحتج عليكم فيما أدعيتم حتى نعرف
    سبيل ما تدعون إليه، ونعرف الحق فيكم بعد نبيكم، أصواب ما فعلتم بإيمان أم كفرتم
    بجهل ؟. ثم قال: يا شيخ ! أجب. قال: فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ليجيب عنه، فلم
    يحر جوابا، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه فقال: بناء القوم على غير أساس ولا أرى
    لهم حجة، أفهمتم ؟. قالوا: بلى. ثم قال لابي بكر: يا شيخ ! أسألك ؟. قال: سل. قال:
    أخبرني عني وعنك ما أنت عند الله، وما أنا عند الله ؟. قال: أما أنا فعند نفسي
    مؤمن، وما أدري ما أنا عند الله فيما بعد، وأما أنت فعندي كافر، وما أدري ما أنت
    عند الله ؟. قال الجاثليق: أما أنت فقد منيت نفسك الكفر بعد الايمان، وجهلت مقامك
    في إيمانك، أمحق أنت فيه أم مبطل، وأما أنا فقد منيتني الايمان بعد الكفر، فما أحسن
    حالي وأسوأ حالك عند نفسك، إذ كنت لا توقن بما لك عند الله، فقد شهدت لي بالفوز
    والنجاة، وشهدت لنفسك بالهلاك والكفر.
    ثم التفت إلى أصحابه فقال: طيبوا نفسا
    فقد شهد لكم بالنجاة بعد الكفر، ثم التفت إلى أبي بكر فقال: يا شيخ ! اين مكانك
    الساعة من الجنة إذا ادعيت الايمان، وأين مكاني من النار ؟ !. قال: فالتفت أبو بكر
    إلى عمر وأبو عبيدة مرة أخرى ليجيبا عنه، فلم ينطق أحدهما. قال: ثم قال: ما أدري
    أين مكاني وما حالي عند الله ؟. قال الجاثليق: يا هذا ! أخبرني كيف استجزت لنفسك أن
    تجلس في هذا المجلس وأنت محتاج إلى علم غيرك ؟ فهل في أمة محمد من هو أعلم منك ؟.
    قال: نعم. قال: ما أعلمك وإياهم إلا وقد حملوك أمرا عظيما، وسفهوا بتقديمهم إياك
    على من هو أعلم منك، فإن كان الذي هو أعلم منك يعجز عما سألتك كعجزك فأنت وهو واحد
    في دعواكم، فأرى نبيكم إن كان نبيا فقد ضيع علم الله عزوجل وعهده وميثاقه الذي أخذه
    على النبيين من قبله في إقامة الاوصياء لامتهم حيث لم يقم وصيا ليتفرغوا إليه فيما
    تتنازعون في أمر دينكم، فدلوني على هذا الذي هو أعلم منكم، فعساه في العلم أكثر منك
    في محاورة وجواب وبيان وما يحتاج إليه من أثر النبوة وسنن الانبياء، ولقد ظلمك
    القوم وظلموا أنفسهم فيك. قال سلمان رضي الله عنه: فلما رأيت ما نزل بالقوم من
    البهت والحيرة والذل
    والصغار، وما حل بدين محمد (صل الله عليه واله)، وما نزل
    بالقوم من الحزن، نهضت - لا أعقل أين أضع قدمي - إلى باب أمير المؤمنين عليه
    السلام، فدققت عليه الباب، فخرج وهو يقول: ما دهاك يا سلمان ؟ ! قال: قلت: هلك دين
    محمد صلى الله عليه وآله، وهلك الاسلام بعد محمد صلى الله عليه وآله، وظهر أهل
    الكفر على دينه وأصحابه بالحجة، فأدرك - يا أمير المؤمنين ! - دين محمد صلى الله
    عليه وآله والقوم قد ورد عليهم مالا طاقة لهم به ولا بد ولا حيلة، وأنت اليوم مفرج
    كربها، وكاشف بلواها، وصاحب ميسمها وتاجها، ومصباح ظلمها، ومفتاح مبهمها. قال: فقال
    علي عليه السلام و ما ذاك ؟. قال: قلت: قد قدم قوم من ملك الروم في مائة رجل من
    أشراف الناس من قومهم يقدمهم جاثليق لهم لم أر مثله، يورد الكلام على معانيه،
    ويصرفه على تأويله، ويؤكد حجته ويحكم ابتداءه، لم أسمع مثل حجته ولا سرعة جوابه من
    كنوز علمه، فأتى أبا بكر - وهو في جماعة - فسأله عن مقامه ووصية رسول الله صلى الله
    عليه وآله، فأبطل دعواه بالخلافة، وغلبهم بادعائهم تخليفهم مقامه، فأورد على أبي
    بكر مسألة أخرجه بها عن إيمانه، وألزمه الكفر والشك في دينه، فعلتهم لذلك ذلة وخضوع
    وحيرة، فأدرك - يا أمير المؤمنين - دين محمد،
    فقد ورد عليهم مالا طاقة لهم به.
    فنهض أمير المؤمنين عليه السلام معي حتى أتينا القوم وقد ألبسو الذلة والمهانة
    والصغار والحيرة، فسلم علي عليه السلام ثم جلس، فقال: يا نصراني ! أقبل علي بوجهك
    واقصدني بمسائلك فعندي جواب ما يحتاج الناس إليه فيما يأتون ويذرون، وبالله
    التوفيق. قال: فتحول النصراني إليه، وقال: يا شاب ! إنا وجدنا في كتب الانبياء أن
    الله لم يبعث نبيا قط إلا وكان له وصيا يقوم مقامه، وقد بلغنا اختلاف عن أمة
    محمد في مقام نبوته، وادعاء قريش على الانصار وادعاء الانصار على قريش، واختيارهم
    لانفسهم، فأقدمنا ملكنا وفدا، وقد اختارنا لنبحث عن دين محمد صلى الله عليه وآله
    ونعرف سنن الانبياء فيه والاستماع من قومه الذين ادعوا مقامه، أحق ذلك أم باطل ؟ قد
    كذبوا عليه كما كذبت الامم بعد أنبيائها على نبيها، ودفعت الاوصياء عن حقها، فإنا
    وجدنا قوم موسى عليه السلام بعده عكفوا على العجل ودفعوا هارون عن وصيته، واختاروا
    ما أنتم عليه، وكذلك: * (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)
    *، فقدمنا فأرشدنا القوم إلى هذا الشيخ، فادعى مقامه والامر له من بعده، فسألنا عن
    الوصية إليه عن نبيه (صل الله عليه واله) ؟ فلم يعرفها، وسألناه عن قرابته منه إذ
    كانت الدعوة في إبراهيم عليه السلام فيما سبقت في الذرية في إمامته أنه لا ينالها
    إلا ذرية بعضها من بعض،
    ولا ينالها إلا مصطفى مطهر، فأردنا أن نتبين السنة من
    محمد صلى الله عليه وآله وما جاء به النبيون عليهم السلام، واختلاف الامة على الوصي
    كما اختلفت على من مضى من الاوصياء، ومعرفة العترة فيهم ؟، فإن وجدنا لهذا الرسول
    وصيا وقائما بعده وعنده علم ما يحتاج إليه الناس، ويجيب بجوابات بينة، ويخبر عن
    أسباب البلايا والمنايا وفصل الخطاب والانساب، وما يهبط من العلم في ليلة القدر في
    كل سنة، وما ينزل به الملائكة والروح إلى الاوصياء صدقنا بنبوته، وأجبنا دعوته،
    واقتدينا بوصيته، وآمنا به وبكتابه ، وبما جاءت به الرسل من قبله، وإن يكن غير ذلك
    رجعنا إلى ديننا وعلمنا أن محمدا لم يبعث، وقد سألنا هذا الشيخ فلم نجد عنده تصحيح
    نبوة محمد صلى الله عليه وآله، وإنما ادعوا له وكان جبارا غلب على قومه بالقهر،
    وملكهم ولم يكن عنده أثر النبوة، ولا ما جاءت به الانبياء عليهم السلام قبله، وأنه
    مضى وتركهم بهما يغلب بعضهم بعضا، وردهم جاهلية جهلاء مثل ما كانوا يختارون بآرائهم
    لانفسهم.. أي دين أحبوا، وأي ملك أرادوا، وأخرجوا محمدا صلى الله عليه وآله من سبيل
    الانبياء، وجهلوه في رسالته، ودفعوا وصيته، وزعموا أن الجاهل يقوم مقام العالم، وفي
    ذلك هلاك الحرث والنسل وظهور الفساد في الارض في البر والبحر، وحاشا الله عزوجل أن
    يبعث نبيا إلا مطهرا مسددا مصطفى على العالمين، وإن العالم أمير على الجاهل أبدا
    إلى يوم القيامة، فسألته عن اسمه فقال الذي إلى جنبه: هذا خليفة رسول الله. فقلت:
    إن هذا الاسم لا نعرفه لاحد بعد النبي إلا أن يكون لغة من اللغات، فأما الخلافة فلا
    تصلح إلا لآدم وداود عليهما السلام، والسنة فيها للانبياء والاوصياء، وإنكم لتعظمون
    الفرية على الله وعلى رسوله، فانتفى من العلم، واعتذر من الاسم، وقال: إنما تراضوا
    الناس بي فسموني خليفة، وفي الامة من هو أعلم مني، فاكتفينا بما حكم على نفسه وعلى
    من اختاره، فقدمت مسترشدا وباحثا عن الحق، فإن وضح لي ابتعته ولم تأخذني في الله
    لومة لائم، فهل عندك أيها الشاب شفاء لما في صدورنا ؟. قال علي عليه السلام: بلى !
    عندي شفاء لصدوركم، وضياء لقلوبكم، وشرح لما أنتم عليه، وبيان لا يختلجكم الشك معه،
    وإخبار عن أموركم، وبرهان لدلالتكم، فأقبل علي بوجهك، وفرغ لي مسامع قلبك، وأحضرني
    ذهنك، وع ما أقول لك: إن الله بمنه وطوله وفضله - له الحمد كثيرا دائما - قد صدق
    وعده، وأعز دينه، ونصر محمدا عبده ورسوله، وهزم الاحزاب وحده، فله الملك وله الحمد
    وهو على كل شئ قدير، إنه تبارك وتعالى اختص محمدا صلى الله عليه وآله واصطفاه
    وهداه، وانتجبه لرسالته إلى الناس كافة برحمته، وإلى الثقلين برأفته، وفرض طاعته
    على أهل السماء والارض، وجعله إماما لمن قبله من الرسل، وخاتما لمن بعده من الخلق،
    وورثه مواريث الانبياء، وأعطاه مقاليد الدنيا والآخرة،
    واتخذه نبيا ورسولا
    وحبيبا وإماما، ودفعه إليه، وقربه يمين عرشه بحيث لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل،
    فأوحى الله إليه في وحيه ما أوحى* (ما كذب الفؤاد ما رأى) *، وأنزل علاماته على
    الانبياء، وأخذ ميثاقهم: * (لتؤمنن به ولتنصرنه) *. قال: ثم * (قال ءأقررتم وأخذتم
    على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) * وقال: * (يجدونه
    مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينههم عن المنكر ويحل لهم
    الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم فالذين
    ءامنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) * فما مضى
    صلى الله عليه وآله حتى أتم الله مقامه، وأعطاه وسيلته، ورفع له درجته، فلن يذكر
    الله تعالى إلا كان معه مقرونا، وفرض دينه، ووصل طاعته بطاعته، فقال: و * (من يطع
    الرسول فقد أطاع الله) *وقال: * (ماءاتكم الرسول فخذوه وما نهكم عنه فانتهوا) *
    فأبلغ عن الله عزوجل رسالته، وأوضح برهان ولايته، وأحكم آياته، وشرع شرائعه
    وأحكامه، ودلهم على سبيل نجاتهم، وباب هدايته وحكمته، وكذلك بشر به النبيون صلى
    الله عليهم قبله، وبشر به عيسى روح الله وكلمته إذ يقول في الانجيل: أحمد العربي
    النبي الامي صاحب الجمل الاحمر والقضيب، وأقام لامته وصيه فيهم، وعيبة علمه، وموضع
    سره، ومحكم آيات كتابه، وتاليه حق تلاوته، وباب حطته، ووارث كتابه، وخلفه مع كتاب
    الله فيهم، وأخذ فيهم الحجة، فقال صلى الله عليه وآله: قد خلفت فيكم ما إن تمسكتم
    به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهما الثقلان: كتاب الله الثقل الاكبر
    حبل ممدود من السماء إلى الارض سبب بأيديكم وسبب بيد الله عز وجل، وإنهما لن يفترقا
    حتى يردا علي الحوض، فلا تقدموهم فتمرقوا ولا تأخذوا عن غيرهم فتعطبوا، ولا تعلموهم
    فإنهم أعلم منكم، وأنا وصيه والقائم بتأويل كتابه، والعارف بحلاله وحرامه، وبمحكمه
    ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وأمثاله وعبره وتصاريفه، وعندي علم ما يحتاج إليه أمته
    من بعده، وكل قائم وملتو، وعندي علم البلايا والمنايا والوصايا والانساب وفصل
    الخطاب، ومولد الاسلام، ومولد الكفر، وصاحب الكرات، ودولة الدول، فاسألني عما يكون
    إلى يوم القيامة وعما كان على عهد عيسى عليه السلام منذ بعثه الله تبارك وتعالى،
    وعن كل وصي، وكل فئة تضل مائة وتهدي مائة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى يوم
    القيامة، وكل آية نزلت في كتاب الله في ليل نزلت أم نهار، وعن التوراة والانجيل
    والقرآن العظيم، فإنه صلى الله عليه وآله لم يكتمني من علمه شيئا ولا ما تحتاج إليه
    الامم من أهل التوراة والانجيل، وأصناف الملحدين وأحوال المخالفين، وأديان
    المختلفين، وكان صلى الله عليه وآله خاتم النبيين بعدهم، وعليهم فرضت طاعته
    والايمان به والنصرة له، تجدون ذلك مكتوبا في التوراة والانجيل والزبور، و * (في
    الصحف الاولى صحف إبراهيم وموسى) *، ولم يكن ليضيع عهد الله في خلقه ويترك الامة
    قائهين بعده، وكيف يكون ذلك وقد وصفه الله بالرأفة والرحمة والعفو والامر بالمعروف
    والنهي عن المنكر وإقامة القسطاس المستقيم ؟ !. وإن الله عزوجل أوحى إليه كما أوحى
    إلى نوح والنبيين من بعده، وكما أوحى إلى موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام فصدق
    الله وبلغ رسالته وأنا على ذلك من الشاهدين، وقد قال الله تبارك وتعالى: * (فكيف
    إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) *وقال: كفى بالله شهيدا بيني
    وبينكم ومن عنده علم الكتاب) * وقد صدقه الله وأعطاه الوسيلة إليه والى الله عزوجل،
    فقال: * (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) *، فنحن الصادقون،
    وأنا أخوه في الدنيا والآخرة، والشاهد منه عليهم بعده، وأنا وسيلته بينه وبين أمته
    ، وأنا وولدي ورثته، وأنا وهم كسفينة نوح في قومه من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق،
    وأنا وهم كباب حطة في بني إسرائيل، وأنا بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعده،
    وأنا الشاهد منه في الدنيا والآخرة، ورسول الله على بينة من ربه ويعرض طاعتي ومحبتي
    بين أهل الايمان وأهل الكفر وأهل النفاق، فمن أحبني كان مؤمنا، ومن أبغضني كان
    كافرا، والله ما كذبت ولا كذبت ولا كذب بي، ولا ضللت ولا ضل بي، وإني لعلى بينة
    بينها ربي عزوجل لنبيه صلى الله عليه وآله فبينها لي، فاسألوني عما كان وعما يكون
    وعما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: هذا هو والله
    الناطق بالعلم والقدرة الفاق الراتق، ونرجو من الله تعالى أن نكون صادفنا حظنا،
    ونور هدايتنا، وهذه والله حجج الاوصياء من الانبياء على قومهم. قال: فالتفت إلى علي
    عليه السلام: فقال: كيف عدل بك القوم عن قصدهم إياك، وادعوا ما أنت أولى به منهم ؟
    ! ألا وقد وقع القول عليهم، قصروا في أنفسهم وما ضر ذلك الاوصيا مع ما أغناهم الله
    عزوجل به من العلم واستحقاق مقامات رسله، فأخبرني - أيها العالم الحكيم - عني وعنك
    ما
    أنت عند الله ؟ وما أنا عند الله ؟. قال علي عليه السلام: أما أنا فعند الله
    عزوجل مؤمن وعند نفسي مؤمن متيقن بفضله ورحمته وهدايته ونعمه علي، وكذلك أخذ الله
    جل جلاله ميثاقي على الايمان وهداني لمعرفته لا أشك في ذلك ولا أرتاب، ولم أزل على
    ما أخذ الله تعالى علي من الميثاق، لم أبدل ولم أغير وذلك بمن الله ورحمة وصنعه،
    أنا في الجنة لا أشك في ذلك ولا أرتاب، لم أزل على ما أخذ الله تعالى علي من
    الميثاق، فإن الشك شرك لما أعطاني الله من اليقين والبينة، وأما أنت فعند الله
    كافرا بجحودك الميثاق والاقرار الذي أخذه الله عليك بعد خروجك من بطن أمك وبلوغك
    العقل ومعرفة التمييز للجيد والردئ والخير والشر، وإقرارك بالرسل، وجحودك لما أنزل
    الله في الانجيل من أخبار النبيين عليهم السلام ما دمت على هذه الحالة، كنت في
    النار لا محالة. قال: فأخبرني عن مكاني من النار ومكانك من الجنة ؟. فقال علي عليه
    السلام: لم أدخلها فأعرف مكاني من الجنة ومكانك من النار، ولكن أعرفك ذلك من كتاب
    الله عزوجل: إن الله جل جلاله بعث محمدا صلى الله عليه وآله بالحق، وأنزل عليه
    كتابا: * (لا يأتيه الباطل من بين يديه
    ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) * أحكم
    فيه جميع علمه، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن الجنة بدرجاتها ومنازلها،
    وقسم الله جل جلاله الجنان بين خلقه لكل عامل منهم ثوابا منها، وأحلهم على قدر
    فضائلهم في الاعمال والايمان، فصدقنا الله وعرفنا منازل الابرار، وكذلك منازل
    الفجار، وما أعد لهم من العذاب في النار، وقال: * (لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء
    مقسوم) *فمن مات على كفره وفسوقه وشركه ونفاقه وظلمه ف‍ * (لكل باب منهم جزء مقسوم)
    *، وقد قال جل جلاله: * (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) * وكان رسول الله صلى الله
    عليه وآله هو المتوسم، وأنا والائمة من ذريتي المتوسمون إلى يوم القيامة. قال:
    فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: قد أصبتم إرادتكم وأرجوا أن تظفروا بالحق الذي
    طلبنا، ألا إنه قد نصبت له مسائل فإن أجابني عنها نضرنا في أمرنا وقبلت منه. قال
    علي عليه السلام: فإن أجبتك عما تسألني عنه - وفيه تبيان وبرهان واضح لا تجد له
    مدفعا ولا من قبوله بدا أن- تدخل في ديننا ؟ قال نعم. فقال علي عليه السلام: الله
    عليك راع و كفيل، إذا وضح لك الحق وعرفت الهدى أن تدخل في ديننا أنت وأصحابك ؟. قال
    الجاثليق: نعم، لك الله علي راع و كفيل أني أفعل ذلك.
    فقال علي عليه السلام:
    فخذ على أصحابك الوفاء. قال: فأخذ عليهم العهد. ثم قال علي عليه السلام: سل عما
    أحببت. قال: خبرني عن الله عزوجل أحمل العرش أم العرش يحمله ؟. قال علي عليه
    السلام: الله حامل العرش والسماوات والارض وما فيهما وما بينهما، وذلك قول الله
    تعالى: * (إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من
    بعده إنه كان حليما غفورا) *. قال: أخبرني عن قول الله: * (ويحمل عرش ربك فوقهم
    يومئذ ثمانية) * فكيف ذلك ؟ وقلت إنه يحمل العرش والسماوات والارض ؟. قال علي عليه
    السلام: إن العرش خلقة الله تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر - أحمرت منه
    الحمرة -، ونور أخضر - أخضرت منه الخضرة -، ونور أصفر - اصفرت منه الصفرة -، ونور
    أبيض - ابيض منه البياض - وهو العلم الذي حمله الله الحملة، وذلك نور من عظمته،
    فبعظمته ونوره ابيضت قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره
    ابتغى من في السماوات والارض - من جميع خلائقه - إليه الوسيلة بالاعمال المختلفة
    والاديان المتشتتة وكل محمول يحمله الله بنوره وعظمته وقدرته لا يستطيع لنفسه نفعا
    ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وكل شئ محمول والله عزوجل الممسك لهما أن
    تزولا، والمحيط بهما وبما فيهما من شئ، وهو حياة كل شئ ونور كل شئ * (سبحانه وتعالى
    عما يقولون علوا كبيرا) *. قال: فأخبرني عن الله عزوجل أين هو ؟. قال عليه السلام:
    هو ها هنا.. وها هنا.. وها هنا.. وها هنا..، وهو فوق وتحت ومحيط بنا ومعنا، وهو
    قوله: * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من
    ذلك ولا أكثر إلا هو معه أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة) * ، والكرسي
    محيط بالسماوات والارض: * (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم) * فالذين يحملون
    العرش هم العلماء، وهم الذين حملهم الله علمه، وليس يخرج عن هذه الاربعة شئ خلقه
    الله تعالى في ملكوته، وهو الملكوت الذي أراه الله أصفياءه، وأراه الله عزوجل خليله
    عليه السلام، فقال: * (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين)
    *فكيف يحمله حملة العرش وبحياته حييت قلوبهم، وبنوره اهتدوا إلى معرفته وانتقادوا ؟
    !. قال: فالتفت الجاثليق إلى أصحابه، فقال: هذا هو - والله - الحق من عند الله
    عزوجل على لسان المسيح والنبيين والاوصياء عليهم السلام. قال: أخبرني عن الجنة في
    الدنيا هي أم في الآخرة ؟ وأين الآخرة والدنيا ؟. قال عليه السلام: الدنيا في
    الآخرة، والآخرة محيطة بالدنيا، إذا كانت النقلة من الحياة إلى الموت ظاهرة، كانت
    الاخرة هي دار الحيوان لو كانوا يعلمون، وذلك أن الدنيا نقلة والآخرة حياط ومقام
    مثل ذلك النائم، وذلك أن الجسم ينام والروح لا تنام، والبدن يموت والروح لا تموت،
    قال الله عزوجل: * (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون) *والدنيا رسم
    الآخرة، والآخرة رسم الدنيا، وليس الدنيا الآخرة ولا الآخرة الدنيا، إذا فارق الروح
    الجسم يرجع كل واحد منهما إلي ما منه بدأ، وما منه خلق، وكذلك الجنة والنار في
    الدنيا موجودة وفي الآخرة موجودة، لان العبد إذا مات صار في دار من الارض، إما روضة
    من رياض الجنة، وإما بقعة من بقاع النار، وروحه إلى إحدى دارين: إم في دار نعيم
    مقيم لا موت فيها، وإما في دار العذاب أليم لا يموت فيها، والرسم لمن عقل موجود
    واضح، وقد قال الله تعالى: * (كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم
    لترونها عين اليقين * ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) *، وعن الكفار فقال إنهم: * (كانت
    أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا) *، ولو علم الانسان علم ما هو فيه
    مات حبا من الموت، ومن نجا فبفضل اليقين. قال: فأخبرني عن قول الله عزوجل: * (وما
    قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه
    وتعالى عما يشكرون) *، فإذا طويت السماوات وقبضت الارض، فأين تكون الجنة والنار
    وهما فيهما ؟. قال: فدعا بدواة وقرطاس ثم كتب فيه: الجنة والنار، ثم درج القرطاس
    ودفعه إلى النصراني، وقال له: اليس قد طويت هذا القرطاس ؟ قال: نعم. قال: فافتحه..
    ففتحته قال: هل ترى آية النار وآية الجنة أمحاهما القرطاس؟. قال: لا. قال فهكذا في
    قدرة الله تعالى إذا طويت السماوات وقبضت الارض لم تبطل الجنة والنار كما لم تبطل
    طي هذا الكتاب آية الجنة وآية النار. قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: * (كل شئ
    هالك إلا وجهه) * ما هذا الوجه ؟، وكيف هو ؟، وأين يؤتى ؟، وما دليلنا عليه ؟. قال
    علي عليه السلام: يا غلام ! علي بحطب ونار، فأتى بحطب ونار وأمر
    أن تضرم، فلما
    استوقدت واشتعلت، قال له: يا نصراني هل تجد لهذه النار وجها دون وجه ؟. قال: لا،
    حيثما أتيتها فهو وجه. قال عليه السلام: فإذا كانت هذه النار المخلوقة المدبرة في
    ضعفها وسرعة زوالها لا تجد لها وجها فكيف من خلق هذه النار وجميع ما في ملكوته من
    شئ أجابه ؟ كيف يوصف بوجه أو يحد بحد، أو يدرك ببصر، أو يحيط به عقل، أو يضبطه وهم،
    وقال الله تعالى: * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) *. قال الجاثليق: صدقت أيها
    الوصي العليم الحكيم الرفيق الهادي، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد
    أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيرا ونذيرا، وأنك وصيه وصديقه ودليله وموضع
    سره وأمينه على أهل بيته وولي المؤمنين من بعده، من أحبك وتولاك هديته ونورت قلبه
    وأغنيته وكفيته وشفيته، ومن تولى عنك وعدل عن سبيلك ضل وغبن عن حظه واتبع هواه بغير
    هدى من الله ورسوله، وكفى هداك ونورك هاديا وكافيا وشافيا. قال: ثم التفت الجاثليق
    إلى القوم فقال: يا هؤلاء ! قد أصبتم أمنيتكم وأخطأتم سنة نبيكم، فاتبعوه تهتدوا
    وترشدوا، فما دعاكم إلى ما فعلتم ؟ ! ما أعرف لكم عذرا بعد آيات الله والحجة عليكم،
    أشهد أنها سنة الله في الذين خلوا من قبلكم ولا تبديل لكلمات الله، وقد قضى عزوجل
    الاختلاف على الامم، الاستبدال بأوصيائهم بعد أنبيائهم، وما العجب إلا منكم بعد ما
    شاهدتم ؟ ! فما هذه القلوب القاسية، والحسد الظاهر، والضغن والافك المبين ؟ !. قال:
    وأسلم النصراني ومن معه وشهدوا لعلي عليه السلام بالوصية ولمحمد صلى الله عليه وآله
    بالحق والنبوة، وأنه الموصوف المنعوت في التوراة والانجيل، ثم خرجوا منصرفين إلى
    ملكهم ليردوا عليه ما عاينوا وما سمعوا. فقال علي عليه السلام: الحمد لله الذي أوضح
    برهان محمد صلى الله عليه وآله وأعز دينه ونصره، وصدق رسوله وأظهره على الدين كله
    ولو كره المشركون، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله. قال: فتباشر
    القوم بحجج علي عليه السلام وبيان ما أخرجه إليهم، فانكشفت عنهم الذلة، وقالوا:
    جزاك الله يا أبا الحسن في مقامك بحق نبيك، ثم تفرقوا وكأن الحاضرين لم يسمعوا شيئا
    مما فهمه القوم و الذين هم عندهم أبدا، وقد نسوا ما ذكروا به، والحمد لله رب
    العالمين. قال سلمان الخير: فلما خرجوا من المسجد وتفرق الناس وأرادوا الرحيل أتوا
    عليا عليه السلام مسلمين عليه ويدعون الله تعالى له واستأذنوا، فخرج إليهم علي عليه
    السلام فجلسوا، فقال الجاثليق: يا وصي محمد وأبا ذريته ! ما نرى الامة إلا هالكة
    كهلاك من من مضى من بني إسرائيل من قوم موسى وتركهم موسى وعكوفهم على أمر السامري،
    وإنا وجدنا لكل نبي بعثه الله عدوا شياطين الانس والجن يفسدان على النبي دينه،
    ويهلكان أمته، ويدفعان وصيه، ويدعيان الامر بعده، وقد أرانا الله عزوجل ما وعد
    الصادقين ومن المعرفة بهلاك هؤلاء القوم، وبين لنا سبيلك وسبيلهم، وبصرنا ما أعماهم
    عنه، ونحن أولياؤك وعلى دينك وعلى طاعتك، فمرنا بأمرك، إن أحببت أقمنا معك ونصرناك
    على عدوك، وإن أمرتنا بالمسير وسرنا وإلى ما صرفتنا إليه صرنا، وقد نوى صبرك على ما
    ارتكب منك، وكذلك شيم الاوصياء وسنتهم بعد نبيهم، فهل عندك من نبيك عهد فيما أنت
    فيه وهم ؟. قال علي عليه السلام: نعم، والله إن عندي لعهدا من رسول الله صلى الله
    عليه وآله مما هم صائرون إليه، وما هم عاملون، وكيف يخفى علي أمر أمته وأنا منه
    بمنزلة هارون من موسى، وبمنزلة شمعون من عيسى ؟ ! أو ما تعلمون أن وصى عيسى شمعون
    بن حمون الصفا - ابن خاله - اختلفت عليه أمة عيسى (ع) وافترقوا أربع فرق، وافترقت
    الاربع فرق على اثنين وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة واحدة ؟ وكذلك أمة موسى (ع)
    افترقت على اثنين وسبعين فرقة، كلها هالكة إلا فرقة واحدة ، وقد عهد إلي محمدا صلى
    الله عليه وآله أن أمته يفترقون على ثلاث وسبعين فرقة، ثلاث عشرة فرقة تدعي محبتنا
    ومودتنا كلهم هالكة إلا فرقة واحدة، وإني لعلى بينة من ربي، وإني عالم بما يصير
    القوم إليه، ولهم مدة وأجل معدود، لان الله عزوجل يقول: * (وإن أدري لعله فتنة لكم
    ومتاع إلى حين) *وقد صبر عليهم القليل لما هو بالغ أمره وقدره المحتوم فيهم ، وذكر
    نفاقهم وحسدهم و أنه سيخرج أضغانهم ويبين مرض قلوبهم بعد فراق نبيهم قال الله
    عزوجل: * (يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزؤا إن
    الله مخرج ما تحذرون) * أي تعلمون * (ولئن سئلتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل
    أبا لله وءاياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن
    طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) * فقد عفا الله عن القليل من هؤلاء
    ووعدني أن يظهرني على أهل الفتنة ويردوا الامر إلي ولو كره المبطلون، وعندكم كتاب
    من رسول الله صلى الله عليه وآله في المصالحة والمهادنة على أن لا تحدثوا ولا تؤوا
    محدثا، فلكم الوفاء على
    ما وفيتم، ولكم العهد والذمة على ما أقمتم على الوفاء