منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع في رحاب الصحيفة السجادية

  1. بواسطة عطر الامير

    لقد خطّط القرآن الكريم لثورة ثقافية عظيمة، وكانت آياته الأولى تبشّر بحركة كبرى في عالم العلم والمعرفة، حيث ابتدأ الوحي الربّاني بالأمر بالقراءة أمراً مؤكدّاً والإشارة بنعمة التعليم الإلهي والاهتمام بظاهرتي القلم والكتابة في التعليم وتدوين المعرفة ونقلها وتطويرها وتطوير الإنسان من خلال تكامل المعرفة وتطوّر العلوم.والرسول الأمين وإن عرف عنه بأنّه لم يتعلّم القراءة والكتابة المتعارفة ولكنّه قد حثّ على طلب العلم ونشره وتدوينه بإلهام إلهي، وبالرغم من أنّ الجهاز الحاكم الذي خلف الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أصدر قراراً بمنع تدوين حديث الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وبذلك وجّه ضَربةً كبيرةً للثقافة الإسلامية المتمثّلة في أحاديث الرسول الأعظم، لكنّها قد تدوركت بعد أن خلّفت مضاعفات كبيرةً لا زال العالم الإسلامي والإنساني يدفع ضريبتها حتى يومنا هذا بعد أن لمسوا تلك المضاعفات الكبرى التي ترتّبت على مثل هذا القرار.وأمّا الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام) حيث كانوا قد أدركوا في وقت مبكّر مضاعفات منع التدوين والنكسة التي سوف يصاب بها العالم الإسلامي بل الإنساني، فبادروا إلى التدوين وشجّعوا أصحابهم على عملية التدوين بالرغم من أنّه كان ذلك يشكّل تحدّياً للسلطات آنذاك، لأنّ حفظ الشريعة والدفاع عنها يعدّ من أعظم الأهداف التي جُعل الأئمّة المعصومون حُرّاساً لها أمناء عليها.
    فالأئمّة الأطهار (عليهم السلام) هم الروّاد الأوائل الذين خطّطوا لمسيرة الأمة الثقافية، وفجّروا لها ينابيع العلم والحكمة على هدي الكتاب الحكيم وتعاليم الرسول العظيم، ولم يقتصر النشاط الثقافي للأئمّة (عليهم السلام) على جانب خاص، وإنّما تناول أنواع العلوم وشتى مجالات المعرفة.فالإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو رائد هذه النهضة العلمية والفاتح لأبواب العلوم العقلية والنقلية والمؤسس لاُصولها وقواعدها، وقد اعترف بهذه الحقيقة جملة من العلماء الكبار وألّف السيّد حسن الصدر كتابه (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام) فأثبت فيه تأريخياً صحة هذه الدعوى.وممّن اعترف بذلك الأستاذ عباس محمود العقّاد في كتابه (عبقرية الإمام عليّ) قائلاً: إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قد فتق أبواب اثنين وثلاثين علماً، فوضع قواعدها وأسس أصولها.وقال العلاّمة ابن شهر آشوب في كتابه (معالم العلماء): الصحيح أنّ أوّل من صنّف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ سلمان ثمّ أبو ذر ثمّ الأصبغ بن نباتة ثمّ عبيد الله بن أبي رافع، ثمّ صنّفت الصحيفة الكاملة.فالصحيفة السجّادية من ذخائر التراث الإسلامي ومن مناجم كتب البلاغة والتربية والأخلاق والأدب في الإسلام، ومن هنا سمّيت بـ (إنجيل أهل البيت) و(زبور آل محمد)(1).مميزات الصحيفة السجّاديّة:
    1) إنّها تمثّل التجرّد التام من عالم المادّة والانقطاع الكامل إلى الله تعالى والاعتصام به، والذي هو أثمن ما في الحياة.2) إنّها تكشف عن كمال معرفة الإمام (عليه السلام) بالله تعالى وعميق إيمانه به.3) امتازت الصحيفة السجادية على سائر أدعية المعصومين (عليهم السلام) بتكرار الصلاة على محمّد وآل محمد لأنّه من الأرجح أن هذه الأدعية اُنشئت في أعقاب واقعة كربلاء التي كان منشؤها يزيد الذي كان هو وأبوه وجدّه ومن ورائهم بنو اُمية يسعون في إطفاء النور المحمّدي (صلَّى الله عليه وآله).والأرجح ان الإمام كان يريد من خلال هذه الأدعية تكريس مبادئ الإسلام وترسيخها في النفوس في مواجهة المساعي الأموية الهدّامة.
    4) فتحت الصحيفة للإنسان المسلم أبواب الأمل والرجاء برحمة الله الواسعة.5) كما فتحت للمناظرات البديعة مع الله تعالى باباً مهمّاً يتضمّن أنواع الحجج البالغة لاستجلاب عفو الله وغفرانه، مثل قوله (عليه السلام): «إلهي إن كنتَ لا تغفر إلاّ لأوليائك وأهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون؟! وإن كنتَ لا تُكرِم إلاّ أهل الوفاء لك فبمن يستغيث المُسيئون؟!».وهكذا قوله: «إلهي إنّي امرؤ حقير وخطري يسير وليس عذابي ممّا يزيد في ملكك مثقال ذرّة…».6) تضمّنت الصحيفة برامج أخلاقية روحية وسلوكية مهمّة لتربية الإنسان، ورسمت له أُصول الفضائل النفسية والكمالات المعنويّة.7) احتوت على حقائق علمية لم تكن معروفةً في عصره. وقد أشرنا إلى بعض منها(2).8) كما تصدّت الصحيفة لمواجهة الفساد الفردي والاجتماعي والسياسي في عصر أشاعت فيه السياسة الأموية الفساد الأخلاقي والخلاعة والمجون بين المسلمين، فكانت الصحيفة خير وسيلة للإصلاح في أحلك الظروف التي اتّبع فيها الأمويون سياسة القمع والإرهاب.9) والصحيفة بعد هذا هي منجم من مناجم البلاغة والفصاحة وينبوع ثرّ للأدب الإسلامي الهادف، فهي لا تفترق عن (نهج البلاغة) في هذا المضمار.10) وقد ضمّن الإمام زين العابدين (عليه السلام) أدعيته التي تمثّلت في الصحيفة الكاملة وسائر الأدعية التي وصلت عنه وجُمعت مؤخّراً في ما سمّي بـ (الصحيفة الجامعة) منهاجاً كاملاً للحياة الإنسانية الفريدة، ولم يترك الإمام جانباً ممّا تحتاجه الأمة الإسلامية إلاّ وتعرّض له وعالجه بأسلوبه الفذّ وبلاغته البديعة.الدور التأريخي للصحيفة السجادية:قلنا: إنّ المسلمين في عصر الإمام زين العابدين (عليه السلام) واجهوا (خطرين كبيرين خارج النطاق السياسي والعسكري، وكان لا بدّ من البدء بعمل حاسم للوقوف في وجههما:
    أحدهما: الخطر الذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات متنوّعة وأعراف تشريعية وأوضاع اجتماعية مختلفة بحكم تفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين الله أفواجاً، وكان لا بدّ من عمل على الصعيد العلمي يؤكّد في المسلمين أصالتهم الفكرية وشخصيتهم التشريعية المتميزة المستمدة من الكتاب والسنّة، وكان لا بدّ من حركة فكرية اجتهادية تفتح آفاقهم الذهنية ضمن ذلك الإطار لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير والممارس الذكيّ الذي يستطيع أن يستنبط منها ما يفيده في كلّ ما يستجدّ له من حالات.كان لا بد إذن من تأصيل للشخصية الإسلامية ومن زرع بذور الاجتهاد، وهذا ما قام به الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسول (صلَّى الله عليه وآله)…وأمّا الخطر الآخر: فقد نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل، لأنّ موجات الرخاء تعرّض أيّ مجتمع إلى خطر الانسياق مع ملذّات الدنيا والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقية والصلة الروحية بالله واليوم الآخر، وبما تضعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كبيرة، وهذا ما وقع فعلاً، وتكفي نظرة واحدة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ليتّضح الحال.وقد أحسّ الإمام عليّ بن الحسين بهذا الخطر، وبدأ بعلاجه، واتّخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج، وكانت الصحيفة السجادية من نتائج ذلك، فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما أوتي من بلاغة فريدة وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنية ربّانية تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير صلة الإنسان بربّه ووجده بخالقه وتعلّقه بمبدئه ومعاده وتجسيد ما يعبّر عنه ذلك من قيم خلقية وحقوق وواجبات.
    أقول: قد استطاع الإمام عليّ بن الحسين بما أوتي من هذه المواهب أن ينشر من خلال الدعاء جوّاً روحياً في المجتمع الإسلامي يساهم في تثبيت الإنسان المسلم عندما تعصف به المغريات، وشدّه إلى ربّه حينما تجرّه الأرض إليها وتأكيد ما نشأ عليه من قيم روحية، لكي يظلّ أميناً عليها في عصر الغنى والثروة كما كان أميناً عليها وهو يشدّ حجر المجاعة على بطنه.وهكذا نعرف أنّ الصحيفة السجادية تعبّر عن عمل اجتماعي عظيم كانت ضرورة المرحلة تفرضه على الإمام، إضافةً إلى كونها تراثاً ربّانياً فريداً يظلّ على مرّ الدهور مصدر عطاء ومشعل هداية ومدرسة أخلاق وتهذيب وتظلّ الإنسانية بحاجة إلى هذا التراث المحمّدي العلوي، وتزداد حاجةً كلّما ازداد الشيطان إغراءً والدنيا فتنة)(3).

    1) أدعيته (عليه السلام) في التحميد والتوحيد والتمجيد، وفيها (8) أدعية.2) أدعيته في الصلوات، وهي (14) دعاءً.3) دعاؤه لنفسه وخاصّته.