منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الموازنة .. بين العجز والتمويل

  1. بواسطة عطر الامير

    عبدالزهرة محمد الهنداوي
    العراق بلد غني .. لديه كميات هائلة من النفط تجعله يقف في مقدمة الدول ذات الاحتياطيات العالية .. وهو بلد الماء والخضراء والسياحة،ولاتكاد مدينة من مدنه تخلو من معلم سياحي بارز سواء كان دينيا او تاريخيا او طبيعيا ، فضلا عن كونه يمتلك قاعدة صناعية يمكنها ان تجعل منه بلدا يصنع احتياجاته السلعية والغذائية في حدها الادنى على الاقل بدلا من هجرة نحو 50 مليار دولار سنويا لسد متطلبات استيراد المواد السلعية والنفطية، فهذه الـ(50) مليار يمكنها ان تنشئ الكثير من المصانع المتوسطة التي تتولى انتاج المواد الغذائية الاساسية .

    بالرغم من كل هذه الامكانات التي يمتلكها البلد فان اقتصاده يعاني الاختلالات بسبب غياب خطط التنمية المستدامة نتيجة الظروف الاستثنائية، وبهذه الخطط يمكن تفعيل مساهمة الزراعة والسياحة والصناعات التحويلية في الناتج الاجمالي بنحو واضح.
    وكنتيجة حتمية لهذه الاختلالات، فان الموازنات السنوية لاسيما موازنات مابعد 2014 لم تفلح في معالجة مشاكل الانفاق ليبقى الخلل واضحا بين الانفاق الاستهلاكي، الذي يستحوذ على نحو 80 بالمئة من حجم الموازنة، والانفاق الاستثماري الذي بقي يعاني كثيرا من ضعف التخصيص الذي لايعني شيئا امام تلبية المتطلبات الكثيرة والكبيرة للمشاريع التي يتضمنها البرنامج الاستثماري الحكومي.
    فما قيمة 25 ترليون دينار او اقل تخصص سنويا للانفاق على قائمة طويلة من المشاريع الاستثمارية الموجود على قيد التنفيذ، والتي يعود تاريخ ادراجها إلى ماقبل العام 2014 والتي يربو عددها على الـ 6 الاف مشروع في مختلف المجالات وقد انفق عليها نحو 100 مليار دولار وتحتاج إلى مايعادل هذا المبلغ لانجازها.
    هذا امر يبدو مستحيلا الان في ظل استمرار العجز في الموازنة الذي يتفوق احيانا على حجم التخصيصات الاستثمارية وبالتالي فان هذه التخصيصات يبتلعها العجز لتبقى المشاريع عرضة للتقادم حتى تصبح عملية انجازها ضربا من اللامنطق .
    المشكلة التي تواجهها موازناتنا السنوية هي انها موازنات تمويلية من ألفها إلى يائها ، وهذا التمويل لاينتج ايرادا وعلى هذا الاساس فان الحكومة تضطر للاقتراض من اجل سد متطلبات الانفاق الاستهلاكي، فتتراكم القروض لتثقل كاهل الموازنة نفسها عندما تشير إلى تخصيص اكثر من(8) ترليونات دينار لتأمين اقساط الدين الداخلي والخارجي مثلا وهي قابلة للزيادة (موازنة 2018).
    وازاء هذه المشكلة المتمثلة باستمرار العجز وتزايد معدلات الانفاق الاستهلاكي وقلة التخصيصات الاستثمارية وتعطل تنفيذ المشاريع وزيادة حجم الاستيرادات السنوية وتراجع مساهمة القطاعات الاقتصادية الاخرى في الناتج المحلي الاجمالي ، ماهو الحل المناسب ؟، وكيف يكون بامكان الحكومة الخروج من براثن هذه الازمة التي تشير المعطيات الى انها ستلبث معنا إلى سنوات مقبلة ان لم نسع لايجاد الحلول والمعالجات المناسبة
    لها ؟.
    الحل يكمن في ان تسحب الحكومة يدها من الاستثمار وتطلق يد القطاع الخاص في هذه العملية من دون تحسس ، فليس صحيحا ان يهيمن القطاع العام على كل مفاصل التنمية ليبقى العراق دولة رعوية، انما يجب ان يكون دور الحكومة في هذا المجال رسم السياسات الاقتصادية والموجهة والمتابعة للتنفيذ، ولابأس ان تكون البداية باسلوب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وخصوصا في تنفيذ المشاريع الموجودة الان.
    ويؤكد المعنيون بالقطاع الخاص ان لديهم القدرة والامكانية التي تؤهلهم لان يكونوا شركاء للقطاع العام في عملية التنمية اسوة بكل دول العالم التي تمكنت من بناء اقتصادها بالاعتماد على الاستثمار الخاص، حتى الصين التي مازال الحزب الشيوعي يحكمها وفقا للنظرية الاشتراكية تحولت إلى الاستثمار الخاص فقفزت بسرعة ليصبح الاقتصاد الصيني المتنامي في مقدمة الاقتصادات العالمية والى هذه اللحظة مازالت الصين تصر على انها دولة نامية وليست متقدمة على الرغم من كل ما حققته من قفزات مهمة.
    فاذا نجحنا في تحقيق شراكة حقيقية مع القطاع الخاص وتمكنا من فتح افاق الاستثمار الخارجي على وفق الاسس والمعايير المعتمدة دوليا على ان يحدد الاستثمار الخارجي والداخلي في قطاعات محددة مضمونة النتائج وفي مقدمتها قطاعات الزراعة والسياحة فضلا عن الصناعة وخصوصا الصناعات التحويلية.
    وفي المقابل فان بامكان الحكومة مساعدة القطاع الخاص من خلال توفير متطلبات الاستثمار الاساسية ويتم تمويلها من خلال مايخصص للجانب الاستثماري في الموازنة ، كما يمكن الاستعانة بخبرات دولية والافادة من تجارب الاخرين من الدول التي تشبه العراق في ظروفها الاقتصادية ، فبعد الذي عاناه العراق على مدى عقود من الزمن من حروب وازمات لاسيما في السنوات الاخيرة، آن له ان يستريح من وعثاء هذه الرحلة المتعبة ويفتح ذراعية للاستثمار وبناء اقتصادي متنوع مستدام وبهذا نكون قد تمكنا من ضمان مستقبل افضل لاجيالنا
    القادمة.