منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الطَّريق السَّريع لهجران المعاصي والآثام

  1. بواسطة عطر الامير

    الطَّريق السَّريع لهجران المعاصي والآثام
    ‏ ‏
    خلقنا ذو العزَّة والجلالة والكمال عبيدًا بين يديه، وخطَّ لنا طرق الكمال والاستقامة، منعِمًا علينا ‏بالحجج الظَّاهرة من الأنبياء والمعصومين(عليهم أفضل الصَّلاة والسَّلام)، والحجج الباطنة، ‏ويمثلِّها العقل.‏
    فلا مناص من أنْ نكون في مسيرنا للاستقامة مشتبهين مرَّة، ومذنبين، ومتجرِّئين تارة أخرى – ‏والعياذ بالله -، ولهذا تجد أنَّه مَن يخرج عن هذا الطَّريق قد يخرج إلى جادَّة المنافقين، وقد ‏يخرج آخرون إلى جادَّة الجاحدين، و..إلخ، من الطُّرق الكثيرة التي يشتبه العبد بينها وبين ‏طريق الاستقامة، هذا إذا لم يكن على دراية ومعرفة بما يختاره.‏
    وكما ورد عن سادتنا المعصومين (عليهم السلام) أنَّ المهم بعد ذلك الرُّجوع والنَّدم على ما فات ‏والإنابة للقويِّ العزيز ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ‏رَّحِيمٌ﴾(‏ ‏)، كما ورد عن سيد الموحدين(ع) في معنى التوبة (وأن تعزم على أن لا تعود، وأن ‏تذيب نفسك في طاعة الله تعالى كما ربيتها في المعصية، وأن تذيقها مرارة الطاعة كما أذقتها ‏حلاوة المعاصي) نهج البلاغة ص549 قصار الح?م رقم 417، وفي سير العبد بمسلك التَّوبة ‏تتعدَّد أمامه كثير من الطُّرق، وربما اختار بعضها ولم يوفَّق، وترك أخرى وسقط، إلَّا أنْ يجد ‏في قرارة نفسه أنَّ هذا الطَّريق شائك وصعب المنال، ولكن وكما نعلم أنَّه – وبعون الله تعالى ‏وتوفيقاته – من أيسر الغايات إذا أراد العبد ذلك.‏
    وبهذه الأسطر القليلة سوف نتعرَّف على بعض الطُّرق التي تعتبر في الحقيقة رئيسة، وذلك لما ‏لها من الأثر البالغ في ترك الذُّنوب، وهجران المعاصي حيث تتوحَّد كلُّ هذه الطُّرق في أنَّها ‏توجِّه ذات الإنسان، وعقله، وروحه، فالعبد في طريق الاستقامة يتأرجح بين طاعته لله وبين ‏معصيته – والعياذ بالله تعالى -، وقد يجد الكثير صعوبة في الثَّبات على الطَّريق السَّوي مع ‏معرفته بالواجبات، ومع وضوح المحرَّمات لديه كما جاء في دعاء أبي حمزة الثُّمالي: (وغلبني ‏هواي، وأعانتني عليها شقوتي، وغرَّني سترك المرخى عليّ).(‏ ‏) ‏
    الطَّريق الأوَّل: حبُّ الله تعالى
    لا شكَّ أنَّ هذا الطَّريق يعتبر من أعبد الطُّرق، وأسلكها، فلو التفتنا إلى مدى تأثير علاقة الحبِّ ‏والمودَّة على المحبِّ، ففي الكافي والعياشي عن الصَّادق (عليه السَّلام): هل الدِّين إلا الحبّ، ثمَّ ‏تلا هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ ‏غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(‏ ‏)، فقد ورد في تفسير هذه الآية، "فقال: قُلْ يا محمّد، لهؤلاء إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ ‏أي: إنْ كنتم صادقين في دعوى محبّة الله فَاتَّبِعُونِي فيما أمرتكم ونهيتكم.‏
    والمحبَّة عبارة عن ميل الَّنفس إلى الشَّيئ لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقرِّبها إلى ‏ذلك الشَّيئ. ‏
    والعبد إذا علم أنَّ الكمال الحقيقيَّ ليس إلّا لله، وأنَّ كلَّ ما يراه كمالًا من نفسه، أو غيره، فهو من ‏الله، وبالله، وإلى الله لم يكن حبُّه إلّا لله، وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته، والرَّغبة فيما يقرِّبه ‏إليه، فلذلك فسّرت المحبّة بإرادة الطَّاعة، وجعلت مستلزمة لاتِّباع الرَّسول في عبادته، والحرص ‏على مطاوعته".(‏ ‏)‏
    ولهذا قال أحد الشُّعراء:‏
    تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه هذا محال في القياس بديع ‏
    لو كان حبُّك صادقًا لأطعته إنَّ المحبَّ لِمَن يحبُّ مطيع(‏ ‏) ‏
    وفي الواقع نرى هذا الانقياد بين الحبيب والمحبِّ بشكل واسع وجليٍّ في حياة الإنسان اليوميَّة، ‏فأكثر علاقات الأرحام قائمة على هذا المنوال، ويرتسم غالبًا في طاعة الوالدين، واجتماعيَّا ‏ينخرط الفرد في الجمعيَّات والمؤسَّسات، وكلّ ذاك الانخراط قائم على الحبِّ لتلك الشَّخصيَّة، أو ‏الميل العاطفيِّ لبعض الأفكار، أو الحبّ لنفسه كما في كثير من الأحيان.‏
    والسُّؤال البديهي، والذي يطرح نفسه: مَن الأولى أنْ يحبَّه الإنسان؟ نفسه، ماله ، أمَّه، صاحبه أم ‏خالقه وموجِده؟
    والجواب البديهي – أيضًا -: إنَّ الأحقَّ والأولى بالحبِّ هو الموجِد والمبدِع والمنعِم هو الله ‏القدير جلَّت عظمته، إلا أنَّ الكثير في الواقع يعملون خلاف ذلك، فالنَّفس مقدمة في ميادين ‏كثيرة، فيعمل وفق محبَّته لذاته، فتصبح حتى العبادات لديه التي نأتمر بها للباري (عزَّ وجلَّ) ‏وفق أهواء النَّفس وتبجيل شأنها – وقِس على ذلك كثير -، فعندما يتَّجه الإنسان لحبِّ نفسه يرى ‏كثيرًا من الطَّاعات والخيرات صعبه المنال، وتحبِّب إليه نفسه بعض المكروهات، بل حتَّى ‏المحرَّمات، فلا يرى استئناسًا حتَّى في صلاته، فتراه ميَّالًا لبعض الذُّنوب، وهو يعلم أثرها، ‏وشدّة حرمتها، بل ويريد في بعض المراحل أنْ يهجرها، فيبقى في صراع طويل في ظلِّ محبَّة ‏النَّفس، والنَّتيجة قلَّما تكون لصالح هذا العبد.‏
    ولو أردنا تعريفًا للمحبَّة (فهي عبارةٌ عن ميل النَّفس إلى الملائم؛ لتستفيد من هذا الحبِّ؛ لنيل ‏كمال ما تستلذ به). ‏
    ‏* الطَّريق لحبِّ الله تعالى ‏
    ‏ ذِكر الحبيب: كلُّ حبيب تراه مولع بذكر حبيبه، وقلَّما تجد لسانه، أو قلبه ناسيًا لذكره، والذِّكر ‏لله في الحقيقة يحتاج نفسه إلى قلب يسعه، وتوفيق من المذكور (عزَّ شأنه، وأكبر ذِكرًا)، وأقواه ‏حينما يقف العبد قِبال عتبات المعصية، ويتراجع عنها.‏
    نعم فهذا الرُّجوع يمثِّل في الحقيقة رجوعًا لله تعالى، وإنابة إليه، وذكرًا ما بعده ذِكر، ونحن ‏محتاجون للإكثار من هذا الذِّكر، ولعلَّه المراد ممَّا جاء به رسول (صلَّى الله عليه وآله): (من ‏تواضع لله رفعه، ومَن تكبَّر وضعه الله، ومَن أكثر ذِكر الله أحبَّه الله). (‏ ‏) ‏
    وهذا الذِّكر الذي أوردناه ما هو إلَّا نقطه بداية في مسيرة العبد في سبيل لقاء الحبيب، حتَّى يوفق ‏للأذكار الواردة عن الأئمَّة المعصومين (عليهم السَّلام)، فهم السرج المضيئة؛ لأحبَّاء الله ‏وأودَّائه. وتتَّضح هذه النَّكتة من الحديث القدسيِّ الذي أخبرنا به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله ‏وسلَّم) كما جاء في الكافي: (لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه ‏الذي يسمع به . .)(‏ ‏) بعد هذا الحبِّ وشدَّة القرب إلى المولى (عزَّ وجلَّ) من البعيد جدًّا أنْ ‏يرتكب العبد ذنبًا أو يقترف معصيةً، فهنيئًا لأحبَّاء الله سبحانه.‏
    ونتائج هذا الحبِّ واضح وجليّ إذ ورد في بعض الأخبار: (إذا أحبَّ الله عبدًا جعل له واعظًا من ‏نفسه، وزاجرًا من قلبه يأمره وينهاه)(‏ ‏)، فلا يحتاج إلى مرشد خارجيٍّ ليبعده عن تلك الذُّنوب ‏التي يخشاها، أو تلك المعاصي التي اعتاد عليها، وبهذا صار بعيدًا عن شِباك الغفلة، فيرى أنَّ ‏قلبه أصبح عونًا له ينهاه حتى تراه مستوحشًا من أنْ يجلس مع الملوَّثين بالذُّنوب، ويفرُّ منهم ‏خوفًا من براثن المعاصي، فيتحوَّل هذا الحبُّ إلى وقاية تعزل الإنسان عن طريق الغيِّ والفساد، ‏وكلُّ ذلك نتيجة لذِكر الله تعالى وحبِّه.‏
    وقد يُشْكِل أحدهم على أنَّ معرفة الله هي من الطُّرق الكافية لترك الذُّنوب، والعلَّة التَّامة ‏لهجرانها ويجاب عليه بأنَّه ليس كلّ مَن عَرَف الله ووحَّده، وَوَصل إلى المراتب العالية في ‏المعرفة لا يكون ذلك مانعًا له عن معصية الله، ألا ترى قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا ‏وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا…﴾(‏ ‏)، ولو سلَّمنا أنَّ المعرفة لها أثر كبير في طاعة المولى إلا ‏أنَّها ليست علَّه تامَّة. ‏