منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع المدد الالهي واسباب النصر

  1. بواسطة الشيخ عباس

    المحور الأوّل: المدد الإلهي وأنواعه





    مدخل
    إنّ النصر النهائي في الحروب التي يخوضها البشر، وبمقتضى الحكمة الإلهية، سوف يكون حتماً لصالح الحق والحقيقة وأنصارهما.

    يبشّر الله تعالى في القرآن الكريم أهلَ الحق، ومن أجل ترغيب وتشويق المسلمين إلى الجهاد، وفي ضمن الوعد بالنعم الدنيوية والأخروية، بالنصر النهائي، لكن يرد السؤال من هذه الجهة: بأنه كيف سيتحقّق انتصار الحق وأهله كما هو مقتضى الحكمة الإلهية ومقتضى الوعد والبشارة في القرآن الكريم؟

    قد تخطر على ذهن أحدنا هذه الإجابة مباشرة: بأنّ الانتصار النهائي للمؤمنين وأهل الحق سوف يكون مُيسّراً بواسطة الإمدادات الغيبية الإلهية والتسديدات



    113




    الربّانية، لكن هناك سؤالٌ آخرٌ يطرح نفسه هنا هو التالي:
    هل التأييد والنّصر الإلهي لأهل الحق مُطلق لا قيد ولا شرط فيه؟ أم أن هذا النصر مشروط بشروط وقيود يلزم على المؤمنين معرفتها أولاً، ورعايتها والعمل بها ثانياً؟ وما هي طرق تحقق تلك الإمدادات والتسديدات الإلهية؟ وللإجابة على هذا السؤال, سنقوم بالتحقيق في الآيات الواردة في القرآن الكريم حول هذا الموضوع. بداية يمكننا أن نقسّم الإمدادات الغيبية والتسديدات الإلهية إلى قسمين كلّيين:
    القسم الأول: المدد الباطني.
    القسم الثاني: المدد الظاهري.

    الإمداد الباطني
    هذا القسم من الإمدادات والتسديدات الإلهية له جنبة باطنية روحية نفسية، بمعنى أن الله تعالى يتصرّفُ في روح وقلب المؤمنين بحيث يجعل أنفسهم تحت تأثير الإحساس بالقدرة والمساندة الإلهية والاطمئنان بالنّصر, مما يهبهم روح الأمل ويرفع من معنوياتهم.

    بهذه الروحية يمكن أنْ يرى المؤمنون الأعداءَ ضعفاء - على الرغم من كثرة عديد العدو وتطور عتاده وتجهيزاته المتفوقة ظاهراً - غير عابئين بقدرة هذا العدو الظاهرية لأنهم أصلاً لا يرونها



    114




    شيئاً، وهذا ما يدفع المجاهد ويشجعه على اقتحام الخطر والهجوم على الأعداء.

    يؤثّر الله تعالى بواسطة هذا النوع من الإمداد الغيبي المستقيم في روحية الأعداء وفي نفوسهم أيضاً، مما يجعلهم يتصرّفون برعب وخوف، ويَرَوْن أنفسهم عاجزين وضعفاء وهم يشاهدون في المؤمنين والمسلمين صُوَر الاقتدار والقوة، مما يزيد إحساس المؤمنين بصدقية الوعد الإلهي.

    وبالنتيجة: من الطبيعي أن تكون تلك الحالة الروحية والنفسية عند العدو في إحساسه بالضعف من جهة، وإحساسه بقوة المسلمين من جهة ثانية، سبباً لتقهقره وانكساره.

    الإمداد الظاهري
    هناك قسم آخر من الإمدادات والتسديدات الإلهية له جنبة خارجية ظاهرية، وهو بمعنى تهيئة بعض الظروف والحوادث في العالم الخارجي التي تصب في مصلحة نصر المؤمنين وهزيمة العدو. وقد أشار القرآن الكريم إلى شواهد على كلا هذين القسمين من الإمدادات الإلهية. وسنذكر هنا ثلاثة شواهد قرآنية على القسم الأول وشاهدين على القسم الثاني.



    115




    الشواهد القرآنية على الإمداد الباطني
    1- قذف الرعب في قلوب الكفار والأعداء:
    واحدة من طرق الإمداد الباطني والروحي التي ينصر الله تعالى بها أهل الحق ويهزم بها أهل الباطل هي: إلقاء الرعب وإيجاد الخوف في قلوب الكفار والمشركين، بمعنى أن يُسيطر الرعب والخوف على نفوس الكفار في ميدان المعركة، ما يصيبهم بالاضطراب والقلق بحيث يفقدون القدرة على البقاء في الميدان.

    وهذا الانهزام النفسي يؤدي إلى عدم الثبات في مواجهة المسلمين, فيُفضّلون الفرار والانهزام على الالتحام مع أهل الحق.

    لقد ذُكر هذا العامل المهم والمدد الروحي في أربعة موارد من القرآن الكريم بشكلٍ مؤكدٍ وقاطع.

    ففي موردين يَعِد الله المسلمين بأنّه سوف يُرعِب قلوب أعدائهم أثناء المعركة لسلب الشجاعة والجرأة منهم على قتال وحرب المسلمين.

    وفي موردين آخرين تتحدَّث الآيات الشّريفة عن إرعاب وتخويفٍ مُسبَق للأعداء ليكون ذلك عاملاً مساعداً لغلبة المسلمين، ونكتفي هنا بالمرور على الآيات القرآنية مروراً سريعاً:
    يقول الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا



    116




    أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾1.

    وفي آية أخرى يُبيّن الله تعالى عامل انتصار المسلمين بهذه الصورة، حيث يقول تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾2.

    وتحدّثت آية ثالثة عن ذلك المدد الربّاني الذي كان سبباً في انتصار المسلمين وهزيمة الكفار، قال تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾3.

    وفي آية رابعة إخبار آخر عن إلقاء الرعب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ



    117




    الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾4.
    2- إنزال السكينة والطمأنينة على قلوب المؤمنين:
    وههنا طريق آخر من طرق الإمداد الغيبي الباطني، وذلك بأنْ يُنزل الله تعالى السكينة على قلوب المؤمنين, مما ينعكس على نفوسهم طمأنينة وهدوءً. والآيات التي تحدثت حول هذا الموضوع يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
    أـ آيات مختصة بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
    وفيها إخبار عن السكينة والطمأنينة التي أُنزلت على قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، يقول الله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾5.

    ب ـ آيات تشمل الرسول والمؤمنين:
    في هذا القسم من الآيات، يتحدث القرآن عن نزول السّكينة على قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المؤمنين، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾6.



    118




    وفي آية أخرى يقول الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾7.

    ج ـ آيات تختص بالمؤمنين:
    هنا تتحدّث الآيات عن إنزال السكينة والطمأنينة على قلوب المؤمنين، من دون ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾8.

    و في آية أخرى يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾9.

    3- المدد الغيبي وارتباطه بالنفس:
    وهناك طريقٌ ثالثٌ من طرق الإمداد الغيبي الباطني, وهو عبارة عن التصرّف الإلهي في نفوس المؤمنين, فيجعل أعداد الكفار في نظرهم قلة، وقدراتهم ضعيفة حتى لا يخاف المؤمنون من مظاهر القوة والقدرة عند العدو فيهابوا ويتراجعوا.

    ومن جهة أخرى, يتصرّف الله في نفوس الكافرين فيجعلهم



    119




    ينظرون باستخفاف إلى معسكر المسلمين ويعدّون جيش الإسلام قلّة وضعفاء، وهذا الاستخفاف يؤثّر في خطط الأعداء الحربية، من عدم نقل السلاح والتجهيزات الكاملة إلى ساحة المعركة وعدم إحضار كلّ الجيش إلى ميدان الحرب، وهذا ما يُوقعهم في سوء تقديرٍ لعدد الجيش الإسلامي وقدراته الحقيقية مما يجرُّهم في النهاية إلى الخسارة والهزيمة.

    وحول هذا الموضوع يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ﴾10.

    الشواهد القرآنية على الإمداد الظاهري
    شواهد القرآن الكريم على طرق الإمداد الظاهري يُمكن تقسيمها إلى قسمين:
    1- الإمدادات الطبيعية:
    وقد أشار القرآن الكريم في هذا القسم إلى عاملين طبيعيين:
    أ- الرياح الشديدة:
    يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ



    120




    فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾11.

    أشارت هذه الآية الكريمة إلى معركة الأحزاب التي كانت فيها الرياح من جملة عوامل النصر للمسلمين والهزيمة للكفار، وفي هذه الآية أُشير أيضاً إلى مدد غيبي آخر وهو إرسال جنود غير مرئيين غير أنّه ليس محل بحثنا الآن، ولكن يُحتمل أن يكون المقصود من الجنود غير المرئيين في هذه الآية أيضاً (الرياح)، لأن الرياح وإن كانت أمراً محسوساً، لكنها تتحرّك بعنوان الجنود الإلهيين وتكون مدداً غيبياً من عند الله تعالى, لإنها لم تكن أمراً معروفاً ومتوقّعاً من قبل البشر.
    ب- المطر:
    من العوامل الطبيعية للمدد الإلهي والتي أشير إليها ففي القرآن الكريم هو المطر، ففي إحدى الآيات الشريفة تحدّث القرآن حول هذا الموضوع قائلاً: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾12.

    إنّ هذه الآية تشير إلى أحداث معركة بدر، ففي الليلة التي سبقت



    121




    المعركة أنزل الله مطر رحمته ما جعل الأرض تحت أقدام جيش الإسلام سهلة رطبة فسهّلت لهم طريقة الحركة والتنقّل في الأرض وإجراء المناورات اللازمة في الميدان، إضافة إلى التخلّص من آثار الغبار والتراب التي تعيق الحركة أثناء القتال وتعمي الأعين وتضر بالرؤية البصرية.

    أما في معسكر الكافرين فقد كان المطر شديداً، مما جعل الأرض تحت أقدامهم موحلة غير مستقرة، فأعاق حركتهم ومناورتهم العسكرية، وكان ذلك عاملاً في هزيمتهم.

    إن هذا المطر كان للمسلمين نوع إمداد غيبي ورحمة إلهية، ليصبح المجاهدون أكثر فعالية ونشاطاً وأشد حماسة وثباتاً، وكان سبب رحمةٍ خاصة لهم من جهة تحصيل الطهارة والنظافة الظاهرية والروحية وتأمين مياه الشرب وغير ذلك من النعم، وكل ذلك بفضل هذا المدد الإلهي.

    2- إمدادات غير طبيعية:
    أشار القرآن الكريم في معرض حديثه عن الإمدادات غير الطبيعية، إلى عاملين أيضاً:
    أ- الجنود غير المرئيين.
    ب- الملائكة.
    يقول الله تعالى حول هؤلاء الجنود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا



    122




    لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾13.

    هذه الآية تطرح عدة احتمالات، فمن المحتمل جداً أن يكون هناك جنود غير مرئيين من غير سنخ الملائكة، لكن الاحتمال الأقوى يبقى في أنّ هذين العاملين غير الطبيعيين هما إشارة إلى مصداق خارجي واحد، وبناءً على هذا الرأي يكون المقصود من الجنود غير المرئيين نفس الملائكة، لا شيئاً آخرَ.

    لكن يبقى الاحتمال الآخر وارداً, وهو أن يكون المراد من هؤلاء الجنود غير المرئيين هو نفس العواصف والرياح، لأنه وإن كانت العواصف والرياح أموراً محسوسة، لكن عندما تأتي الرياح بعنوان الجند الإلهي والمدد الغيبي لأجل هزيمة العدو وكسر قدرته لن تكون تلك الرياح في تلك اللحظات أمراً متوقعاً ومحسوباً لدى البشر.

    وفي آية أخرى يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ



    123




    * ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾14.

    ولقد صرّح القرآن الكريم في قسم آخر من الآيات, وفي مقام بيان الإمدادات الغيبية, بإرسال الملائكة. والجميل أنه قد صرح أيضاً عن أعدادهم، وكمثال نذكر هذه الآية الشريفة حيث يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾15.

    تحدّثت هذه الآيات الشريفة عن معركة بدر التي كانت أوّل الحروب الإسلامية، وفي بدايات تشكيل المجتمع الإسلامي حيث كان المسلمون من ناحية العديد والعتاد في أضعف حالاتهم، وقد أشار القرآن أيضاً لهذه الحالة بقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾.

    ففي مثل هذه الحالة، نجد أنّه من الطبيعي أن يقلق المسلمون من مواجهة معسكر الكفّار بجيشٍ ضعيف, بل كان هذا القلق يكبر عند



    124




    مشاهدتهم لجيش العدو وتجهيزاته، لأن الكفار كانوا آنذاك ثلاثةَ أضعاف جيش الإسلام.

    لكن الله نادى في وسط هذه الحال رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، بأنّني سوف أمدّكم بثلاثة آلاف ملك لنصرتكم، وإذا اقتضى الأمر إرسال المزيد فسنرسله لكم، وفي نهاية المعركة كان النصر للمسلمين في معركة بدر بمساعدة المدد الإلهي بإرسال أفواج الملائكة وتحقق نصر قرّت به أعين المسلمين جميعاً.

    ثم تتابع الآيات الشريفة ذِكْرَ سبب النصر والمدد الإلهي موضحة بأن الله تعالى قد كافأ المسلمين نتيجة صبرهم وتقواهم، والنكتة المهمة هنا تكمن في الإلفات إلى أن شرط النصر الإلهي كان هو ثبات المسلمين ورعايتهم لشرط التقوى، وفي صورة تحقّق هذا الشرط فإن الله تعالى وعلى أساس الحكمة والمصلحة الربانية لن يخذلهم ولن يترك نصرتهم.
    السرُّ الحقيقي في امداد الغيب
    إنّ التأمّل في هذه الآيات, والتدقيق في اسرارالمدد الغيبي, يطلعنا على نكتةٍ بالغة الأهمية.
    وهي أن المدد الغيبي الذي ساهم في تحقيق النصر للمسلمين, هو عبارة عن مساعدة وواسطة في النصر. أما النصر الحقيقي, فإن أسبابه وحصوله إنما هو إلهي المنشأ أولاً وآخراً. لذلك يجب



    125




    على المجاهدين أن لا يتوجّهوا بقلوبهم وتعلّقاتهم إلى غير الله تعالى.

    وهذه النكتة أكّد عليها القرآن الكريم في موارد مختلفة، وكان هذا التأكيد لأجل أن لا ينسى الناس أصل التوحيد، وأن يبقى راسخاً في أذهانهم مبدأ: (لا مؤثّر في الوجود إلا الله).
    ففي الحرب لا مؤثّر حقيقي غير الذات الإلهية المقدسة، والملائكة لا يعملون إلا بأمر من الله عز وجل، ولا استقلال لهم في شيء لا في نصر المسلمين، ولا في أي أمر آخر، إذ أن كل الأمور حقيقة هي بيد الله تعالى، وتسير بأمره تبارك وتعالى.

    يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾16.

    فهذا المدد الغيبي بإرسال الملائكة, جعل المسلمين أكثر ثباتاً وصلابة في مواجهة أعداء الله وقد تحمّلَ الكفار هزيمة فاضحة



    126




    وثقيلة، بحيث إن تعداد قتلى المشركين في تلك المعركة كان ثلاثة أضعاف شهداء جيش الإسلام، لذا يلزم على المؤمنين أن لا يعتمدوا على غير الله تعالى، وليعلموا أن النصر هو فقط بإذن الله ومن عنده.

    وبملاحظة ما ذكرناه سابقاً حول الإمدادات الغيبية الإلهية نفضي إلى ثلاث نتائج عامة:
    - النتيجة الأولى: أن الحكمة الإلهية تقضي بأن ينتصر الحق على الباطل، وأن إرادة الله تعالى التكوينية قد تعلّقت بهذا الانتصار النهائي للحق لذلك فهو لا محالة واقع.
    - النتيجة الثانية: أنه في كثير من الآيات القرآنية كما جاء الوعد الإلهي للمجاهدين بالنعم كذلك صدر وعد إلهي آخر بانتصار أهل الحق والجهاد على الأعداء.
    - النتيجة الثالثة: لقد صرّح القرآن الكريم - على الأقل - بوقوع ستة أقسام من الإمدادات الغيبية وذكرنا بعض الشواهد القرآنية على بعض تلك الإمدادات.
    هل النصر حليف المؤمنين دائماً؟
    مع التوجّه إلى هذه النتائج الثلاث، يُطرح في المقام سؤال: هل يلزم من ذلك أن يكون النصر حليف المؤمنين دائماً؟

    وهل يلزم أن تكون الإمدادات الغيبية إلى جانب هؤلاء المؤمنين



    127




    بشكل مطلق (في كل زمان ومكان وتحت أي ظرف وفي أي حال) أي من دون أي قيد أو شرط؟

    وهل بمجرّد أن يتوجّه المؤمنون إلى الحرب يلزم أن ينزل النصر والمدد الإلهي عليهم؟

    فلو أجبنا على هذا السؤال: بنعم، فإننا لن نستطيع توجيه الهزائم التي حصلت للمؤمنين في بعض المقاطع التاريخية، وسيكون هذا مورد نقض على جوابنا المثبت!

    و لو أجبنا بلا، فسوف يتعارض هذا الجواب السلبي مع الآيات التي أوردناها والتي تحدّثت بشكل قاطع عن وعد الله للمؤمنين بالنصر!

    والجواب الصحيح لحلّ هذا التعارض يكمن في فهم سر الحياة الدنيا, وأنه يتقوّم بكون الحياة الدنيا محلاً للابتلاء والاختبار. فالله تعالى خلق الإنسان وأعطاه الحرية والاختيار، وبمقتضى هذه الحرية يختار الإنسان خطّ مسيره في هذه الدّنيا، وفي نفس الوقت أرسل الله تعالى الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين لتعليم البشر على الخير والصّلاح، وكيفيّة الوصول إلى الكمال الإنساني الذي لا يكون إلا عن طريق طاعةِ الله والعبودية له.

    والطاعة والعبودية ليس معناهما إلا التسليم المطلق والكامل لله تعالى وعدم الخوف من الشدائد والابتلاءات، والعمل بالأوامر الإلهية



    128




    وترك نواهيه في كل الظروف.

    إذاً، فهدف الإنسان الحقيقي في هذه الدنيا هو كسب الرضا الإلهي. ومن الطبيعي أنه كلما كان سير الإنسان لكسب رضا الحق تعالى يستلزم سعياً أكثر ومشقة أكبر، كان تأثير ذلك في كماله أعمق، وإنجازه للعمل أكثر توفيقاً، وسيثمر سيره وسلوكه هذا - برغم المشقات - ثماراً أزكى، ويعطي نتائج أفضل تظل في تزايد ونمو مستمر.

    والرواية المعروفة "أفضل الأعمال أحمزها"17 عن المعصومين عليهم السلام, تشير إلى هذه الحقيقة.
    أما إذا كان بناؤنا على أن المؤمنين يعلمون مسبقاً بأنّهم سوف يفوزون وينتصرون في كل الحروب على الأعداء فلا حاجة للجهاد والشهادة ولا معنى أصلاً للابتلاء والامتحان، بل لن يكون لعناوين التضحية والفداء، والإقدام والإيثار ذلك التأثير العجيب وتلك القيمة السامية، خصوصاً لو ترافقت مع ظروف مرفهة نسبياً وأوضاع مستقرة نوعاً ما، لا يسودها ذاك القلق الكبير والاضطراب العميق.

    إن الذي يعلم مسبقاً أنه منتصر في الحرب لا محالة مئة في المئة، فإن اندفاعه للحرب لن يكون باعثاً للقلق الزائد، ولن تزعجه



    129




    مواجهة أي مشاكل أساسية، وعليه فبقدر انخفاض نسبة المشاكل والشدائد سوف تنخفض في المقابل درجة التكامل.
    ومن هنا نستطيع أن ننظر إلى الصورة المعاكسة, وهي الحال التي يكون فيها المجاهد المؤمن وبقدراتٍ مادية متواضعة, غير واثقٍ من الفوز الظاهري, بل يحتمل الخسارة, فإنه وبسبب ارتباطه بالله, يقدم على المعركة باذلاً مهجته وكل ما يملك لأداء التكليف الالهي.

    إن مثل هذه الظروف سوف ترتفع بهذا المؤمن المجاهد لنيل أعلى المنازل وأرقى المراتب في جوار الحضرة الإلهية، وسوف يطوي مدارج السلوك المعنوي بسرعة كبيرة، ولعل سرّ عظمة كربلاء وشهداء كربلاء يكمن في هذا الأمر.

    إن الأصل في كل أمور وشؤون الحياة هو بأن تجري الوقائع والأحداث طبق قانون العلل والأسباب وضمن مبدأ الاختيار والامتحان ولا خروج عن هذه القاعدة في الحياة الدنيا.
    وفي نفس الوقت، ولأن المطلوب الحقيقي هو تحقيق الخير والوصول إلى الكمال. وقد تعلقت الإرادة التكوينية الإلهية بانتصار الحق، فقد جاء التحذير الإلهي للمؤمنين أن لا يتكلوا على أنفسهم وقدراتهم بشكل مستقل في حربهم ضد الأعداء.

    نعم، إن الله سبحانه وتعالى قد يتدّخل في الموارد اللازمة



    130




    وبواسطة سلسلة من العوامل الباطنية والروحية، أو العوامل الظاهرية والعلنية الأعم أيضاً من الطبيعية وغير الطبيعية، فيجعلها عز وجلّ في خدمة المجاهدين ومُدبِّرة لأمورهم ليصبح السير الكلي للأمور في النهاية لصالح انتصار الحق وهزيمة الباطل.

    لذلك يجب على المؤمنين:
    أولاً: العمل دائماً بالتكاليف الإلهية والدينية التي يعرفونها والتي وَصلتهم بشكل يقيني.
    ثانياً: في طريق العمل بالتكاليف يجب على المؤمنين الاستفادة من كل النعم المادية والأسباب والوسائل الطبيعية، الواقعة تحت تصرّفهم واختيارهم وأن لا يُقصّروا أو يتكاسلوا في تحصيل أية قدرة تساعدهم على إنجاز وظائفهم وأداء تكاليفهم.
    وبعد التوجه إلى العمل بهذين الأمرين الواجبين:
    فإن كانت النتيجة هي انتصار المسلمين على الأعداء، وكانت هذه القدرات والإمكانات كافية لتحقق هذا النصر بشكل كامل، فعندها لا حاجة لإرسال الإمدادات الغيبية، لأن المدد الغيبي ليس أمراً عبثياً وإنما يخضع للحكمة الإلهية ولحاجة المؤمن الفعلية.

    أمّا لو استفاد المسلمون من كل الإمكانات والقدرات الموجودة وبذلوا كل المساعي والجهود ولم يُقصّروا في تحصيل ما يلزم، لكن بالنتيجة تبيّن أن تلك الأسباب والوسائل المادية والعادية قاصرة



    131




    ولا تفِ لبلوغ المقصود وتحقيق الهدف النهائي وهو (انتصار الحق) فعندها يُرسل الله تعالى الإمدادات والتسديدات الغيبية بمقدار الحاجة الفعلية أولاً، وبمقدار اللياقة المعنوية الموجودة لدى المجاهدين ثانياً.

    أما فيما لو تهاون وتكاسل المؤمنون في الاستفادة من الأسباب والوسائل الطبيعية ولم يستعملوا القدرات الموجودة تحت اختيارهم، أو فيما لو قصّروا في تشخيص التكليف الصحيح أو العمل به فإنهم في مثل هذه الصورة سوف يفقدون اللياقة والأهلية لاستقبال الإمدادات الغيبية والتسديدات الإلهية.

    إن حال المؤمنين بالنسبة إلى هذا الموضوع، تماماً كوضع شخص مريض، فتكليف المريض أولاً أن يُراجع الطبيب وأن يعمل وفق أوامره الطبيّة، من أخذه للدواء وتجنبه للأطعمة المضرة والإحتياط في كل الأمور ذات الصلة بمرضه حتى يبلغ مرحلة التحسن والشفاء الكامل.

    وأما في حال لم ينفع سلوك طريق الوسائل الطبيعية والأسباب العادية (من مراجعة الطبيب وتناول الدواء...) في شفاء المرض، فعندها من الممكن أن تقتضي الحكمة الإلهية أن يكون الشفاء بسلوك طريق الدعاء والتوسل بالذات الإلهية وبطريق الإعجاز الرباني.



    132




    لكن المريض الذي يجلس في بيته ويطلب الشفاء من الله تعالى من دون سلوك الطريق الطبيعي والاستفادة من الأسباب العادية التي جعلها الله تعالى فإن مثل هذا المريض لن يَرى أيّ تحسن في حاله ولا أمل له بالشفاء، ولن يجني من ذلك الجلوس في البيت أي نتيجة.

    والحاصل في هذا المقام هو أن هناك قاعدة كلية عامة تقول: السنة الإلهية في هذه الدنيا قائمة على أن الأصل في تأمين احتياجات الإنسان هو الاستفادة من الأسباب والعلل الطبيعية والعقلائية، وعدم انتظار المعجزة من البداية لأن الطريقة الإلهية ليست مبنية على الاستفادة من المعاجز في كل زمان ومكان، وليس الأسلوب الإلهي في حل مشكلات العباد هو الطريق الإعجازي دائماً بتوزيع المعجزات يميناً وشمالاً، فمبدأ الإعجاز قائم على أساس الحكمة والمصلحة.

    إن الرؤية التوحيدية تفرض علينا الاعتقاد بأن أيّة مشكلة من الممكن حلّها, بطرق عادية, أو بطرقٍ وأسباب إعجازية, غير أن القاعدة الحاكمة في كل هذه الحلول هي قاعدة حاكمية الله تعالى وأنه هو المؤثر الوحيد في كل الأسباب والمؤثرات.

    ففي نفس الوقت الذي يلزم على الإنسان أن يستفيد من تلك الأسباب والعلل الطبيعية والعادية يلزم عليه أيضاً أن لا يغفل عن



    133




    التأثير الإلهي وأن يُبرز الحاجة والفقر دائماً إلى الذات الإلهية وأن يتوسل بالمدد الرباني لإتمام العمل أو حل المشكلات, وأن لا يغتر بنفسه, فيصيبه الغرور والاعتداد بالنفس, وهو مرض روحي قاتل.

    وأمّا من ينتظر المدد الغيبي لإنجاز الأعمال وحل المشكلات من دون الاستفادة من الأسباب العادية التي وضعها الله تعالى من قبيل العمل والسعي، وإعمال الفكر والعقل، فهو يسير بخلاف ما أراد الله تعالى وبالتالي لن يصل إلى نتيجة.

    فليس صحيحاً أن يجلس الإنسان في بيته ويطلب الرزق من الله تعالى من دون أية حركة أو سعي، أو يطلب المريضُ الشفاءَ من دون مراجعة الطبيب، أو يطلب المؤمن النصر من دون تهيئة أسبابه كشراء السلاح المناسب وإعداد العدّة والتدريب وتجهيز القوة اللازمة، فلو ذهب إلى المعركة من دون الأخذ بالأسباب التي جعلها الله تعالى, فإنه لن يجني إلا الخسارة لإخلاله بالشروط وعمله بخلاف السنة الإلهية واعتماده على سراب.
    الخلاصة في الإمدادات الإلهية:
    إنّ الخلاصة التي يمكن استفادتها تتجلّى في أنّ الإمدادات الغيبية والتسديدات الإلهية للمسلمين أثناء جهادهم ضد الأعداء مشروطة بشرطين كليين:



    134




    أوّلاً: العمل على الاستفادة من كل قدراتهم المتاحة بين أيديهم في ساحة العمل.
    ثانياً: انتظار المدد الغيبي الإلهي والمساعدة الربّانية، في حال لم تفِ تلك القدرات والطاقات الظاهرية في رفع حاجة المسلمين ومشكلتهم، لأنه في تلك الحالة سوف يضع الله تعالى تلك الطرق والأساليب الغيبية في خدمة المجاهدين, وذلك حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية والحاجة الفعلية.

    وهذه النتيجة قد أيّدها القرآن الكريم حيث تحدّثت بعض الآيات الشريفة، عن أنّ الإمدادات الغيبية الإلهية ليست مطلقةً بل لها شروطُها وظروفها، ومن هنا ننتقل إلى البحث والتحقيق حول شروط الإمدادات الغيبية الإلهية التي وردت في القرآن الكريم.



    135

















    هوامش





    1- سورة آل عمران، الآية 151.
    2- سورة الأنفال، الآية 12.
    3- سورة الأحزاب، الآيات 25 - 27.
    4- سورة الحشر، الآية 2.
    5- سورة التوبة، الآية 40.
    6- سورة التوبة، الآية 26.
    7- سورة الفتح، الآية 26.
    8- سورة الفتح، الآية 18.
    9- سورة الفتح، الآية 4.
    10- سورة الأنفال، الآيتان 43-44.
    11- سورة الأحزاب، الآيتان 9-10.
    12- سورة الأنفال، الآية 11.
    13- سورة الأحزاب، الآيات 9 - 11.
    14- سورة التوبة، الآيتان 26-25.
    15- سورة آل عمران، الآيات 123 - 127.
    16- سورة الأنفال، الآيات 9 - 12.
    17- بحار الأنوار: ج67، ص191.


    يتبع
  2. بواسطة الشيخ عباس

    المحور الثاني: شروط المدد الإلهي





    مدخل
    ذكَر القرآن الكريم إثني عشر شرطاً، يجب على المؤمنين رعايتها بشكل كامل لكي يتحقق الوعد الإلهي لهم بالنصر وبإرسال المدد، وتهيئة هذه الشروط بمنزلة تهيئة الأرضية اللازمة لنزول الإمدادات الغيبية الإلهية. وأما تفصيل تلك الشروط فهي كالتالي:
    تهيئة العديد الكافي
    يتعلّق هذا الشرط بالكم، وهو عبارة عن تأمين وتوفير الطاقات الإنسانية أو ما يُسمى (بالعديد البشري). ولبيان هذا الشرط بشكل أعمق وأوضح، نقول: إنه إذا أراد المؤمنون الإقدام على الحرب والجهاد، فلا بد لهم من تأمين المقدار المطلوب الكافي من الطاقات الإنسانية الحاضرة والجاهزة، لأنها تعتبر أول شروط الجهاد وأهم



    137




    أركانه في مواجهة الأعداء، فمع فقدان "العديد البشري" من الأنصار والأفراد هل يمكن مجابهة العدو؟

    في بداية بعثة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة، لم يكن عديد المسلمين آنذاك يسمح لهم بقتال الأعداء، ولهذا السبب أُمِرُوا بتجنب الحرب والصِدام، وهذا ما يستفاد من الوصف الوارد في هذه الآية الشريفة، حيث يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾1.

    فلقد كان البعض في صفوف المسلمين مستعداً للقتال والحرب, وقبل أن تتهيّأ الظروف المناسبة وتُستكمل شروط الجهاد والقتال، بسبب النقص في العديد أو عدم توفّر القدرات اللازمة كالسلاح والعتاد ونحوها.

    لكن التكليف الإلهي كان يأمرهم بتجنّب إشعال أي حرب, والاكتفاء بدل ذلك ببناء الذات الإيمانية وإصلاح ما فسد منها، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك خاطب الله تعالى المؤمنين بهذه الآية ﴿كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾2.

    ثم إنَّ الملفت فيما بعد: أن بعض هؤلاء الذين رفعوا شعار القتال وسَعَوا لإشعال فتيل الحرب، وتركوا التكليف الإلهي الذي أمروا به حينها ألا وهو تهذيب النفس، هم أنفسهم تراجعوا بعد



    138




    نزول الأمر الإلهي بالجهاد. أي بعد توفّر الإمكانات المطلوبة وبعد أن أصبحت الأرضية مُهيئة والظروف الإجتماعية تسمح بالإقدام على الحرب، أصدر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالجهاد والقتال، فاعترضوا عليه ورفضوه، وتجنّبوا الذهاب إلى ميدان الحرب. فالإذن بالجهاد وصدور الأمر الإلهي بحرب المشركين لم يُعط إلا حينما تمت تهيئة الظروف المطلوبة، ولكن مع مرور الزمن إزداد عديد المسلمين وأصبح الكم وافياً لتشكيل فرق إسلامية محاربة، وتوفرت الإمكانات المالية والعسكرية بشكل أكبر، عندها فقط أُعطي الإذن.

    لكن لا بد من الالتفات إلى أن المقصود من هذا الشرط - وهو تأمين العديد البشري - ليس بأن يكون عديد المؤمنين مساوياً لعديد المشركين أو أكثر منه ليكون دخول الحرب جائزاً أو واجباً، إذ أنه هناك عوامل أخرى غير الكم والعديد البشري, تلعب دوراً في دعم ميزان القوى بين الطرفين ولا يجب إغفالها.

    فمن الممكن مثلاً أن يكون عديد المؤمنين وطاقاتهم البشرية أقل بمراتب من عديد الكفار وطاقاتهم البشرية, لكن مع التوجه إلى العوامل الأخرى المادية والمعنوية ومع دراسة نقاط قوتها, فإننا سوف نستنتج أنّ قدرة المؤمنين العسكرية والجهادية من حيث المجموع هي أكبر من قدرة العدو الظاهرية، وهذه حقيقة قد أشار



    139




    إليها القرآن الكريم في آية شريفة، إذ قال الله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ﴾3.

    والحاصل من هذا الكلام, أنه مع وجوب تأمين العديد البشري الكافي من المؤمنين، فهو لا يعني أنه يجب أن يكون مساوياً أو متفوقاً على عديد الكفار، إذ لا يمكننا أخذ هذا الشرط (تأمين الكم والعديد البشري) بشكل مطلق، ثم نغفل العوامل الأخرى المؤثرة في صنع النصر، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾4.

    فلقد نزلت هذه الآية لتحرض المؤمنين على القتال، ولتوضح أن المؤمن الصابر الذي يحمل روحية الإيثار وطلب الشهادة بشكل صلب وراسخ هو في الحقيقة يمتلك أقوى سلاح لمواجهة الأعداء! وهو أثبت من الجبال، بل إن ثباته أرسخ وأعمق من الجذور الضاربة في باطن أعماق الأرض!.

    إن القرآن الكريم, وبالنظر إلى العوامل والتغيّرات الحاصلة التي قد تؤثر على المؤمنين، قام بخطوات تخفيفية، يقول الله تعالى في



    140




    آية تلت آية التحريض السابقة: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾5.

    ففي الآية الأولى: يُعطي الله عز وجل الأمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحريض وترغيب المؤمنين على القتال والجهاد، ولأجل رفع توهم بعض الذين يظنون أن الظرف ليس ظرف حرب وقتال - باعتبار قلة عديد المسلمين أمام كثرة عديد الكفار - أوضح الله تعالى لهم حقيقة مهمة وهي: أنّ مُؤمناً واحداً صابراً، قادرٌ على مواجهة ومبارزة عشرة أشخاص من الكفار وينتصر عليهم.

    ومن هذه الجهة ولأجل الخوض في الحرب, والأمل بالنصر, يكفي أن يكون عديد المؤمنين عُشر عديد العدو، فوجود هذا الكم من العديد البشري المؤمن كاف للشروع في الحرب بحسب المنطق القرآني (واحد مقابل عشرة) بل هو قادر على تسجيل النصر على الأعداء.

    وأما الآية الثانية: فهي ناظرة إلى ظروف مختلفة عن ظروف الآية الأولى، إذ إنها مرتبطة بظرفٍ فقَدَ فيه المسلمون الإيمان القوي والإحساس بالقدرة، وأصبحوا أسرى ضعفهم ووهنهم، ولهذا السبب



    141




    خفّف الله تعالى تكليفهم، وكان الكم المطلوب أن يكون تعداد مجاهدي جيش الإسلام نصف عديد جيش العدو حتى يكونوا قادرين على تسجيل النصر، فكل مجاهد مقابل اثنين من العدو، ويجب أن لا يقلق المسلمون من نقصان الطاقة البشرية وعليهم أن يعلموا أنهم قادرون, وبهذا الكم من العديد البشري, على حرب وقتال الأعداء بل وعلى تحقيق الانتصار.

    ومن مجموع تلك الآيات نستفيد: بأن المؤمن إذا ما ارتقى إلى الكمال اللائق، وكان في أوج الإيمان الصادق والاعتقاد السليم لأمكنه - ولوحده - أن يواجه عشرة أضعاف العدو. وأما لو كان هذا المؤمن ضعيف الإيمان فسوف يُراعَى ظرفه النفسي ويخَفّف تكليفه - رحمة إلهية به - ويكون تكليف كل واحد من المؤمنين أن يقابل اثنين من الأعداء، وبالتالي يكفي في هذا الظرف أن يكون عديد معسكر الإسلام نصف عديد معسكر الكفار، ليبقى الأمل بالانتصار قائماً.

    أما مع فقدان الكم والعديد اللازم، ومع عدم تهيئة الظروف المطلوبة لا يجب الإقدام على الحرب لأن الأمل بالنصر مع فقدان تلك الشرائط ضعيف جداً، ومع الإقدام سوف يكون ذلك سبباً لهلاك المؤمنين جميعاً من دون أية ثمرة.

    الجهاد المالي
    يتمحور هذا الشرط حول الشروط الاقتصادية للحرب, من تأمين تكاليف العمليات الحربية وتوفير المنابع المالية لشراء كافة



    142




    الاحتياجات أثناء المعارك. فما لا شك فيه أن لكل حرب ظرفها الاقتصادي من السعة والضيق المالي, وفي بعض الموارد تكون عهدة تأمين بعض تكاليف الحرب على عاتق المسلمين كأمة.

    ففي بعض المقاطع التاريخية كما في عهد صدر الإسلام، كان المسلمون فقراء ومعوزين إلى حد أن بيت المال كان خالٍ دائماً، فالحاجة والفقر كانا بحجم أن ما يُجمع من المال كان يُصرف بسرعة ويُقسّم بين الناس ليساعدهم على تأمين ضروريات حياتهم الشخصية والاجتماعية.

    وفي مثل هذه الظروف إذا ما اعتدى الكفار على المسلمين، كان يُضطر المسلمون إلى تأمين تكاليف ومصاريف الحرب من عهدتهم الشخصية، ومن هذه الجهة نرى أن بعض آيات الجهاد كانت تأمر المسلمين مراراً وتكراراً بتأمين تكاليف الحرب من أموالهم الشخصية عبر جمع الأموال والمساعدات فيما بينهم، وكانت الآيات القرآنية تُرغبهم بذلك معتبرة هذا الإنفاق والبذل جهاداً في سبيل الله تعالى، وهذا ما اصطلح عليه (بالجهاد المالي)، ونمر هنا على ذكر بعض الآيات القرآنية التي تحدّثت حول موضوع الجهاد المالي.

    يقول الله تعالى:﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾6.



    143




    ففي هذه الآية التي وردت ضمن آيات الجهاد، دعوة إلهية للمسلمين إلى الإنفاق وبذل الأموال في سبيل الله، من أجل تأمين مصاريف الحرب، ثم تُتبع هذه الدعوة بتعبير قرآني ملفت: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.

    وفي الحقيقة، إنّ هذه العبارة هي تحذير وإنذار إلهي للمسلمين بأنهم في حال بخلوا ورفضوا الجهاد المالي ولم يقوموا من خلال إنفاق أموالهم بتأمين مصاريف الحرب فإن الهزيمة سوف تنتظرهم، وفي هذه الهزيمة لجيش الإسلام حقيقة مرّة وعاقبة وخيمة: وهي إلقاء المسلمين أنفسهم إلى التهلكة والدمار لأن انتصار الأعداء يعني تسلطهم على رقاب المسلمين وإذلالهم وسحقهم.

    لذا ومن أجل تجنّب الهزيمة وبالتالي الهلاك، لا بد من النهوض بواجب (الجهاد المالي) لتأمين كل مستلزمات الحرب الاقتصادية.
    وفي آية أخرى يقول الله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾7.

    هذه الآية أيضاً وردت في سياق آيات الجهاد التي تُرغّب وتحرّض المسلمين على الإنفاق والجهاد المالي عن طريق القول بأن الأموال التي تُبذل في سبيل الله لن تذهب هدراً بل لها عوض عند الله عز وجل، وسيجزيكم في الآخرة أجر ما بذلتموه، هذا بالإضافة إلى



    144




    الثمرة الدنيوية المهمة التي ستقطفونها ألا وهي أن إنفاقكم هذا سوف يكون سبباً ومقدمة لانتصاركم على الأعداء في الحرب وهذا ما فيه صلاح دنياكم.

    إذن، الحث على القيام بواجب الجهاد المالي وعدم البخل في إنفاق الأموال في سبيل الله من أجل تأمين تكاليف الحرب، هو أسلوب قرآني مؤثّر. والذين يبخلون عن الإنفاق ولا يجاهدون مالياً في إدارة الحرب ثم يستغيثون الله ويتضرعون إليه ويطلبون منه المدد والنصر هم في الحقيقة لا يملكون فهماً صحيحاً للقرآن الكريم، ولا معرفة لديهم بتعاليم الدين الإسلامي التي تبتني على أساس قيام الإنسان أوّلاً بأداء تكليفه وبعدها ينتظر المدد، وعلى كل حال، فمثل هؤلاء البخلاء لن يحصدوا إلا الخيبة والخسران في الدنيا قبل الآخرة.

    تهيئة المعدّات الحربية والوسائل العسكرية
    هذا الشرط مرتبط بالبعد العسكري والحربي، وهو عبارة عن تهيئة المعدات الحربية وتجهيز الوسائل والأدوات العسكرية اللازمة لمواجهة العدو. فالواجب يحتّم على جيش الإسلام إذا ما صمم على حرب وقتال الأعداء أن يكون مُجهزاً بالأسلحة العصرية المتطورة والمناسبة لحرب ذلك العدو، لأن تأمين السّلاح والعتاد والذخيرة وتوفير متطلّبات الحرب الضرورية, له دخل في صنع أسباب النصر.



    145




    فلا عيب أو حرج في أن تكون تجهيزات جيش الإسلام العسكرية أكثر كمّاً أو أحدث تطوراً من تجهيزات العدو، بل لا أقل أن تكون تجهيزات المجاهدين العسكرية مساوية لتجهيزات العدو, سواء اقتضى الأمر أن يصنع المجاهدون تلك الوسائل بأيديهم وبحسب قدرتهم وطاقتهم أم اقتضى الأمر تأمينها وتهيئتها من أماكنها ومصادرها بالشراء ونحوه, فالمهم هو الإعداد لما يلزم، يقول الله تعالى حول هذا الشرط: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾8.
    طاعة القيادة
    إنّ المؤمنين مُكلّفون دائماً بطاعة قادتهم الإلهيين، لكن إطاعة تكاليف وأوامر القائد الإلهي, أو من له حق الحكومة وولاية الأمر على نفوسهم في وقت الحرب أو الأزمات وحين الشدائد أو المشكلات، له خصوصيته وحساسيته وتأثيره المصيري في صنع النصر أو الهزيمة.

    فإذا لم يكن المجاهدون والمقاتلون متمسّكين بالانضباط العسكري, وأراد كل واحد منهم أن يعمل برأيه بدلاً من إطاعة التكليف الصادر، فعندها لن نرَى المجاهدين صفاً واحداً كالبنيان المرصوص، بل إنّ التفرقة والحساسيات ستعم محل الوئام والوحدة



    146




    والانسجام، بل إنّها سوف تسبب ضعف وتشتت الصفوف وبالتالي الانكسار والهلاك في الجبهة.

    ولذلك فإن مسألة (النظم والانضباط العسكري) في جيش الإسلام تعتبر من أهم المسائل, وخاصة في عصرنا الحاضر, حيث تمتاز الجيوش العالمية بانضباط شديد وحازم، وتخضع مسألة الانضباط العسكري لمقررات لا تقبل المسامحة ومخالفتها تؤدي إلى محاكماتٍ وعقوباتٍ شديدةٍ وشاقّةٍ، يقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾9.

    وفي هذه الآية تأكيد على نقطتين أساسيتين:
    الأولى: تأكيد على إطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كقائد عام، خاصة أثناء الحرب.
    الثانية: تأكيد على وجوب الابتعاد عن الاختلاف، والتفرقة والجدال، وعن كل العوامل التي يُمكن أن تؤدّي إلى فشل المسلمين وكسر شوكتهم.
    ومن أجل حساسية هاتين النقطتين كان التأكيد الإلهي بوجوب رعايتهما، فإن الطاعة للقائد من جهة، وحفظ الصفوف بالابتعاد عن التنازع وأسباب التفرقة من جهة ثانية، هما من أسباب النصر, وسيؤدي إهمالهما إلى ضعف جبهة الإسلام, بل الهزيمة.



    147




    الاستفادة من العلوم العسكرية والفنون الحربية
    إن أي تحرّك للمؤمنين في الجبهة من دون حساب دقيق ودراسة واعية لا يُعد جرأة أو شجاعة, بل هو عمل خاطئ, خاصة في مواجهة عدو ظالم ومتعطش لسفك دمائهم.
    لذا, من الواجب على المقاتلين المؤمنين تعلّم كل فنون وأساليب الحرب، وتنفيذها بحذافيرها والتموضع بحالة الجهوزية التامة، والالتصاق بالسلاح وجعله إلى جانبهم دائماً، حتى لا يُؤخذوا على حين غفلة. فالعدو يترصّد دائماً حالة الغفلة عن السلاح أو عدم الجهوزية لينقضّ على المؤمنين، لذا يُعدُّ بقاء المجاهدين في حالة الجهوزية التامة سبباً لإفشال كل محاولات العدو في الإجهاز عليهم وجعله يائساً من النيل منهم.

    وعلى المقاتلين أيضاً أن يراقبوا دائماً الظروف المتغيّرة أثناء خوض المعارك لمعرفة الأسلوب المناسب للحرب في هذا الظرف أو ذاك، لتكون ضرباتهم موفّقة وناجحة، فيختاروا تكتيك الحرب المناسب لظرفهم الفعلي: إما حرب عصابات مثلاً أو حرب جيش نظامي, ونحوها من أساليب وتكتيكات الحروب.

    يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا﴾10.



    148




    معرفة العدو والحذر منه
    إنّ هذا الشّرطَ مرتبطٌ بمعرفة المسلمين الدقيقة بعدوهم ووعيهم لمخططاته، والحذر الدائم منه وسوء الظن به.
    يجب على جيش الإسلام, وبالخصوص قادته، أن يكونوا في أعلى درجات الوعي والإدراك والمعرفة والاطلاع على كل أحوال العدو وخططه حتى لا يقعوا في فخ مكر وخديعة ذلك العدو، فمن الطبيعي أن يسعى أعداء الإسلام إلى أي عمل أو سلوك يجر المسلمين إلى طريق الهزيمة ويُسهّل عليهم النيل من جيش الإسلام العزيز وتسجيل النصر عليه، وهناك نماذج عديدة من أوجه المكر والخديعة عند العدو:
    فمثلاً قد يلجأ العدو إلى إعلان الصلح ظاهراً والدعوة إليه، مُخفياً النية بإدامة الحرب واقعاً بغية تحقيق هدف معين, إما لأجل التخفيف من تكلفة الحرب, وإما لأجل توجيه ضربة عسكرية قاسية وسريعة إلى المسلمين.

    أو من أجل تخفيف ضغط الرأي العام فيعلن الصلح ظاهراً, لينخدع الرأي العام بفكرة الصلح فيميل إلى مصلحة العدو.
    وبناءً على ذلك يلزم على المجاهدين والمقاتلين جميعاً التنبه والوعي، خصوصاً القادة العسكريين ومسؤولي الفرق.

    وعلى القائد العام وبفضل تأثيره على الرأي العام من المؤمنين



    149




    والمسلمين, أن يعمل على فضح أهداف العدو ليحفظ المصالح الدنيوية والأخروية للمجتمع الإسلامي، ويحافظ على جيش الإسلام من الضياع والسقوط في متاهات المؤمرات والخدع.

    يقول الله تعالى:﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾11.
    فإلغاء العهد مع هؤلاء كان نتيجة خيانتهم للمسلمين ولا عهد لخائن.

    وفي آية أخرى يقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾12.
    والخطاب هنا يتوجّه إلى المجاهدين بأن لا تقبلوا السلم لأنكم أنتم الأعلون وأنتم المنتصرون، ولأنكم كذلك, يريد العدو أن يخدعكم بدعوتكم إلى السلم والصلح فلا تنخدعوا بهذه الدعوة.

    تحصيل المعارف السليمة والعقائد الصحيحة
    علّل الله تعالى في الآية 65 من سورة الأنفال التي ذكرناها في سياق بيان الشرط الأول، سبب ضعف الكفار عن مواجهة المؤمنين بأنهم قوم لا يملكون الفهم والإدراك العميق وبأنهم فارغون من المعارف والعقائد الصحيحة والسليمة, فوصفهم تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ



    150




    قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾13. إذاً, وفي المقابل, فإن الصفة التي تميز المجاهدين, هي انهم "يفقهون", أي أنهم مدركون وأذكياء, ورؤيتهم, وعقيدتهم صحيحة.

    فالكفار يحاربون من أجل الأمور الدنيوية ولأجل كسب السلطة أو المنصب أو الثروة، ولا يلتفتون إلى الأمور المعنوية وإلى عالم الآخرة، ولا يعلمون ما هي نتيجة عملهم وإلى أين سيكون مصيرهم وماذا سيواجهون بعد الموت؟

    لكن المؤمنين الذين يقاتلون بدافع كسب الرضا الإلهي، وبنية التقرب من الحضرة الإلهية, يعلمون بالتحديد ما هي نتيجة أعمالهم وأي مصير سيلاقون، ويَرَوْن المستقبل أمامهم مشرقاً وواضحاً، فهم يعلمون أنهم الفائزون دائماً سواء وُفقوا لتحقيق النصر الظاهري أم لم يُوَفقوا.

    وفي المجموع يمكن أن نفهم من مفهوم ومنطوق هذه الآية الشريفة أن عامل القوة في المؤمنين هو امتلاكهم للفهم العميق والعقيدة الصحيحة، وفي المقابل فإن الفكر المنحرف والعقائد الملوثة والخرافية هي عامل الضعف والهزيمة عند الكفار.

    وبناءً عليه يمكن القول بأن زيادة معرفة وعلم المؤمنين بدينهم وعقيدتهم هي في الحقيقة زيادة في قوتهم وقدرتهم، لذلك هم



    151




    مُكلّفون بتجهيز الأسلحة والعتاد الحربي كمقدمة للنصر، كما هم مكلّفون أيضاً بزيادة ثقافتهم وعلمهم ومعرفتهم أكثر، لأن هذه المعارف هي مصدر قوة ضروري وأساسي للمؤمن المجاهد.

    التحلّي بالتقوى
    في هذه الآية الشريفة يقول الله تعالى: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾14.
    بناءً على ما تقدّم في هذه الآية الشريفة, يُعدّ امتلاك التّقوى والطهارة الروحية شرطاً أساسياً وضرورياً للذين يُعلّقون قلوبهم بالإمدادات الغيبية الإلهية، إذ ليس صحيحاً أن يأمل المؤمنون المساعدة الغيبية من الله تعالى وهم بعيدون كل البعد عن التقوى واللياقة المعنوية.

    التحلّي بالصبر والثبات
    لقد ورد في الآية السابقة وصف للصبر حينما يقول تعالى:﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وورد أيضاً وصف في آيات أخر حيث يقول الله تعالى:



    152




    ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾15.

    ﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾16.

    في كلا الآيتين تأكيد من الله تعالى على صفة الصبر التي تشكِّل شرطاً ضرورياً يجب أن يتحلَّى به الجهاديون والمقاتلون في سبيل الله، فبالصبر والثبات يرتفع المجاهدون إلى مستوى اللياقة المعنوية ليكونوا أهلاً لإرسال المدد الغيبي والنصر.

    في موارد أعمّ من موارد الحرب, أصرّ القرآن الكريم على هذا العنوان وأكّد عليه كثيراً فيما يقرب من سبعين مورداً، لكن أوصى وكلّف بالصبر والثبات خاصة في الحرب والجهاد في سبيل الله لما لهما من الدور الفعال والأساسي في تحقيق النصر على الأعداء.

    التوكّل على الله والثقة المطلقة به عز وجل
    لقد أعطى الله تعالى صفة التوكل عليه والثقة به اهتماماً خاصاً, برز من خلال العديد من الآيات التي تتحدث عن الجهاد.
    وخلاصة القول, إنه يجب على المؤمن أن يتوجه إلى حقيقة واحدة



    153




    وهي: أن النصر والفتح هو فقط من عند الله تعالى، فالمجاهدون وفي عرض استفادتهم من الأسباب والعلل المادية، يجب أن لا يغفلوا عن العون والمدد الإلهي، وأن لا تتعلّق قلوبهم بتلك الوسائل الماديّة بظن أنها تكفيهم وتغنيهم عن التوسّل بالله عز وجل، بل اللازم هو الاتكال على الله تعالى فقط مع استفادتهم من كل الإمكانات والقدرات المادية واستعمال الأسلحة والعتاد الحربي.

    لكن الأهم في كل الأحوال: هو أن لا يَرَوْا مؤثِّراً حقيقياً غير الله تعالى، بل يبقى توكلهم معقوداً على الله تعالى فقط واعتمادهم على لطفه وعنايته, ثم فلينتظروا مدده ونصره لأنّ الأمور كلّها بيد الله.

    وههنا نموذج تاريخي لأثر الغفلة عن الله تعالى, وهو ما حصل مع المسلمين في معركة حنين، ففي هذه المعركة وُجِّهتْ ضربة قاسية للمسلمين بسبب هذه المسألة ألا وهي غفلتهم عن العون الإلهي وغرورهم بكثرتهم وعديدهم كما صرّح بذلك القرآن الكريم.

    لقد كان الانكسار نصيبهم لأنهم علّقوا قلوبهم بتلك القوى والقدرات الظاهرية واغتروا بكثرة العدة والعتاد وكان هذا الغرور قاتلاً وكانت الهزيمة هي النتيجة الطبيعية لهذه الغفلة وهذا الغرور، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾17.



    154




    الدعاء والاستغاثة بالله
    في سياق بيان وذكر الإمدادات الإلهية والتسديدات الربّانية، يقول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾18.
    وفي آية أخرى ذ كر القرآن الكريم عباد الله الذين جاهدوا بين يدي الأنبياء الإلهيين ضد أعداء الحق، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾19.

    ومفاد هذه الآيات أن الدعاء والاستغاثة بالله تعالى هو من متطلّبات النصر. ولا يخفى على المرء ما للدعاء من أهمية خاصة في الإسلام، وهذه ألسنة الأنبياء, كما نقل لنا القرآن الكريم التلهّج بالدعاء والاستغاثة إلى الله تعالى، وقد ورد في الروايات الشريفة أن الدعاء سلاح المؤمن، فسلاح الدعاء وإن لم يكن خاصاً بالحرب، لكن الإنسان المؤمن أكثر ما يحتاج إلى هذا السلاح وهو في وقت الشدائد كالحرب والقتال، فيكون الدعاء ملجأه إلى الله لإغاثته ومساعدته.



    155




    ذ كر الله تعالى
    يجب أن تتعلّق قلوب المؤمنين دائماً بذكر الله تعالى، وأن يُكثروا منه ويهتموا بإقامة مجالسه. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾20.

    لقد جُعل الذكر في الآية إلى جانب مسألة الثبات، مما يُفهم منه أن ذكر الله عز وجل له أهميته في التثبيت حين الالتحام مع العدو، وعلى كل حال إن أثر ذكر الله تعالى على قلب المؤمن المجاهد ليس خافياً, خاصة بالنظر إلى هذه الآية الشريفة، حيث يقول الله تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾21.

    وليس هناك من ظرف يكون المؤمن فيه أحوج إلى طمأنينة القلب من ساحة المعركة.

    الخلاصة
    لقد لاحظنا أنّ هذه الشروط الاثني عشر، بعضها متعلّق بالجوانب المادية الظاهرية والبعض الآخر متعلق بالجوانب المعنوية الباطنية، والمهم هنا بيان هذه النكتة المهمة:
    إن شرط إرسال المدد الغيبي والنصر الإلهي, إنما يكون برعاية كامل هذه الشروط المذكورة وفي هذه الحالة فقط يمكن أن يحصل



    156




    المؤمنون على المساعدة الإلهية لرفع مشاكلهم وسد حوائجهم وإكمال نواقصهم بالطرق غير العادية والأساليب الغيبية.

    فالتقصير في تحقيق هذه الشروط وانتظار المدد والنصر, هو خلاف السنة الإلهية الجارية في هذا الكون، وهو كمن يطلب الماء في محل السراب!



    157

















    هوامش





    1- سورة النساء، الآية 77.
    2- سورة النساء، الآية 77.
    3- سورة البقرة، الآية 249.
    4- سورة الأنفال، الآية 65.
    5- سورة الأنفال، الآية 66.
    6- سورة البقرة، الآية 195.
    7- سورة الأنفال، الآية 60.
    8- سورة الأنفال، الآية 60.
    9- سورة الأنفال، الآية 46.
    10- سورة النساء، الآية 71.
    11- سورة الأنفال، الآية 58.
    12- سورة محمد، الآية 35.
    13- سورة الأنفال، الآية 65.
    14- سورة آل عمران، الآية 125.
    15- سورة الأنفال، الآية 65.
    16- سورة الأنفال، الآية 66.
    17- سورة التوبة، الآية 25.
    18- سورة الأنفال، الآية 9.
    19- سورة آل عمران، الآية 147.
    20- سورة الأنفال، الآية 45.
    21- سورة الرعد، الآية 28.
  3. بواسطة لؤلؤة الوادى

    شكرا جزيلا على المجهود الرائع