منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع شروط الجهاد في سبيل الله

  1. بواسطة الشيخ عباس

    الشروط المعنوية للجهاد





    أهداف الدرس:
    - بيان توقّف الجهاد على شروطٍ لازمة.
    - التعرّف على الشروط المعنوية للجهاد.
    - بيان كيفيّة تحقيق المجاهد للشروط المعنوية للجهاد.



    63



    مدخل:
    إنّ الجهاد عمليةٌ هدفها تحقيقُ إحدى الحسنيين: إما النَّصر والغلبة على العدوّ وبالتالي رفع ظلمه وردّ عدوانه وبسط العدالة ورفع لواء الحرية عالياً، وإما الفوز بوسام الشهادة في سبيل الله. ولكي تتم هذه العملية بأبهى صور النجاح والكمال، كان لا بدّ من وجود مجموعة من الشروط والظروف المعنوية والعقائدية، بحيث يصير الوصول إلى الأهداف الإلهية الكبرى متيسّراً بفعل هذه الشروط مجتمعة.

    الإخلاص لله تعالى:
    الإخلاص يعني تخليص النيّة أو الدّافع نحو العمل من كلّ شيءٍ عدا الله سبحانه وتعالى، بحيث لا يكون



    65



    للإنسان قصد أو دافع من وراء أيّ فعل أو حركة أو حتى تفكير وميل سوى رضا الله والتقرّب إليه، وهو روح العبودية لله تعالى وجوهرها. وهو من الصفات الهامّة التي ينبغي أن يتحلّى بها المجاهد لأنها منشأ وأصل كل هداية وتوفيق، ولكي يصدق على الإنسان أنه مجاهد في سبيل الله لا بدّ أن يكون دافعه نحو الجهاد هو الله عزّ وجل فقط دون أحد سواه. فالله عزّ اسمه أمر الناس ودعاهم إلى عبادته حيث قال: ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾1، ولكنه لم يأمر بأيّ عبادة بل أمر عزّ وجلّ بالعبادة الخالصة له التي لا يشاركه فيها أحد، قال تعالى ﴿وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّين﴾2، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه"3.

    مخاطر ترك الإخلاص:
    إن الأعمال مرهونةٌ بالنيّات وإذا لم تكن النوايا خالصة فهذا يعني أنه يشوبها الشرك، والله تعالى لا يغفر أن يشرك به ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه﴾4، ولا يقبل إلا ما كان له خالصاً كما في الحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "يقول قال اللَّه عزّ وجلّ: أَنا خير شريك، من أَشرك معي غيري في عملٍ عمله لم أَقبله إلا ما كان لي خالصاً"5.

    ويعرّف الإمام الصادق عليه السلام الإخلاص فيقول: "والعمل الخالص



    66



    الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزّ وجلّ، والنيّة أفضل من العمل، ألا وإنّ النّيّة هي العمل. ثمّ تلا قوله عزّ وجلّ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ﴾ يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ"6.

    فإن جعل العمل والعبادة والحياة لله لا يكون بمجرّد تطبيقها على ما يريده الله في الظاهر فقط، وليس بموافقتها لأحكامه فحسب، بل بمعنى أن لا نطلب من ورائها إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الإخلاص الذي يتوقّف عليه قبول الأعمال عند الله تعالى. فالإخلاص هو تصحيح النيّة وتوجيهها نحو الله وما يريده منّا في كل حركة وسكنة وقول وفعل ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتي‏ وَنُسُكي‏ وَمَحْيايَ وَمَماتي‏ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ﴾7.

    فالمجاهد في سبيل الله عند أدائه لواجباته وتكاليفه الشرعيّة هو في حالة عبادة، ولأعماله بعدٌ إلهيّ يمكن أن يرفعه إلى أعلى عليّين ويقرّبه من الحق نجيّاً في حال اتّسمت أعماله ونواياه بالإخلاص. أما إذا لم تكن النوايا خالصةً ولم يكن الدافع الأساسي من وراء الجهاد رضا الله وأداء التكليف الشرعي فلن تكون الأعمال مقبولةً، وبالتالي لن ينال الأجر والثواب الذي يستحقّه. لأن الذاهب إلى ميادين الجهاد لن يصدق عليه وصف المجاهد في سبيل الله ما لم تكن هجرته إلى الله، وما لم يكن دافعه الأساسي وهدفه النهائي هو الحق سبحانه وتعالى لا غير ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾8.



    67



    أمثلة على عدم الإخلاص:
    حب المدح: من أهم علامات الإخلاص عدم انتظار المديح من أحد، كما في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "العمل الخالص، الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله"9.
    الرِّياءُ: وهو إظهار الأعمال الصالحة والصفات الحميدة والعقائد الحقّة لأجل الحصول على منزلة في قلوب الناس، والاشتهار بينهم، وهذا من الشرك الذي هو مبطل للعبادة. قال الله عزّ وجلّ ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى‏ كَالَّذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ﴾10.

    وفي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إنَّ الجنّة تكلّمت، وقالت: إنِّي حرامٌ على كلَّ بخيلٍ ومراءٍ"11.
    وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام: "كلُّ رياءٍ شركٌ، إنّه من عملَ للنَّاس كان ثوابه على النَّاس، ومن عمِلَ لله كان ثوابُهُ على الله"12.

    العُجْب: وهو تعظيم العمل واستكثاره والسرور به والتغنّج والدلال بواسطته من دون أيّ هدفٍ إلهيّ. عن الإمام الصادق عليه السلام قال: "من دخله العُجْبُ هلك"13.
    وعن علي بن سويد عن أبي الحسن عليه السلام قال: "سألته عن العجب الذي يُفسد العمل فقال: العجب درجات، منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه ويحسب أنّه يُحسِن صنعاً. ومنها أن يُؤمِن العبد



    68



    بربّه فيَمُنَّ على الله عزّ وجلّ ولله عليه فيه المَنُّ"14.

    حب الرئاسة: قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾15. وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: "حُبُّ الرّئاسة رأس المحن"16. وعنه عليه السلام أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خبر المعراج قال: "قال الله تبارك وتعالى: يا أحمد لو صلّى العبد صلاة أهل السماء والأرض، ويصوم صيام أهل السماء والأرض، ويطوي عن الطعام مثل الملائكة، ولبس لباس العابدين، ثم أرى في قلبه من حب الدنيا ذرّةً أو سمعتها أو رئاستها أو صيتها أو زينتها، لا يجاورني في داري، ولأَنزعنّ من قلبه محبّتي، ولأُظلمنّ قلبه حتّى ينساني، ولا أذيقه حلاوة محبّتي"17.

    الذكر الدائم لله:
    من الأوامر الأخرى التي أوصى بها القرآن المجيدُ المؤمنينَ المجاهدين هي أن يذكروا الله في ساحة الحرب والقتال، حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾18.

    فذكر الله يوجّه المؤمنين نحو القدرة الإلهية اللامتناهية، وهو ما يؤدّي بدوره إلى تقوية معنويّاتهم وثباتهم. يقولُ الإمام عليّ عليه السلام بشأن ذكر الله في الحرب: "إذا لقيتم عدوّكم فأقلّوا الكلام وأكثروا ذكر الله عزّ وجلّ"19.



    69



    وقال عليه السلام أيضاً: "رأيت الخضر في المنام قبل بدرٍ بليلة، فقلتُ له: علّمني شيئاً أُنصرُ به على الأعداء، فقال: يا هو يا من لا هو إلاّ هو فلمّا أصبحتُ قصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لي: يا عليّ عُلِّمتَ الاسم الأعظم, وكان على لساني يوم بدر"20.

    ومن الممكن أن يكون المراد من"ذكر الله" في ساحة الحرب، هو استحضار المعارف الإلهية التي تتناسب مع روحيّة طلب العون والمساعدة الموجودة لدى كل مجاهد خلال القتال.
    وإنّ ترك التعلّق بالدنيا وزخارفها هو الآخر ثمرة جميلة لذكر الله في الحرب، حيث يؤدّي التعلّق بها إلى ضعف المقاتلين. ولذا، يطلب الإمام السجّاد عليه السلام من الله في دعائه أن يُنسي حماةَ الثغورِ هذه الزينة الدنيوية، فيقول عليه السلام: "اللهم صلّ على محمد وآله وأَنسِهم عند لقائهم العدوَّ ذكر دنياهم الخدّاعة الغرور، وامحُ عن قلوبهم خطراتِ المال الفَتُون، واجعلِ الجنَّةَ نُصبَ أعينِهِم ولوِّحْ منها لأبصارهمْ ما أعدَدتَ فيها من مساكنِ الخُلدِ ومنازلِ الكرامةِ والحورِ الحسانِ والأنهارِ المطّردةِ بأنواعِ الأشربةِ والأشجارِ المتدلّيةِ بصفوفِ الثّمرِ، حتى لا يَهُمَّ أحدٌ منهم بالإدبارِ ولا يُحدِّثَ نفسَهُ عن قِرْنِهِ بفرار"21.



    70



    الصبر:
    من العوامل والشروط الأخرى للتوفيق في الجهاد، وتحقيق الغايات منه، هو تحلِّي المجاهد بالصَّبر، الذي وصفته الروايات الشريفة بأنه رأس الإيمان. فقد سُئل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان ما هو؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: "الصبر"22. وعن الإمام علي عليه السلام قال: "الصبر أن يحتمل الرجل ما يَنُوبه ويكظم ما يُغضبه"23.

    والصبر كما عُرِّف "هو حبس النفس على المكروه امتثالاً لأمر الله تعالى"24.
    وتبرز قيمة الصبر وأهميّته في حياة المجاهدين من خلال ما ورد من آيات تشير إلى أن الصبر من أرقى الطرق التي يمكن معها تحصيل الرضا الإلهي والوصول إلى مقام التقوى، كما يقول الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾25. فنرى كيف أنّ الله سبحانه وتعالى ربط الإمداد بالملائكة والوصول إلى مقام التقوى بالصبر فقدّمه، وما ذلك إلا للعلاقة الجوهريّة به.

    فالخروج من العبوديّة للنفس إلى تحصيل الرضا الإلهي لا يكون إلا بواسطة الصبر، لذلك نرى الإمام المقدّس روح الله الموسوي الخميني قدس سره يقول: "من النتائج الكبيرة والثمار العظيمة لتحرّر الإنسان من عبوديّة النفس، الصبر في البلايا والنوائب"26 وهل هناك موطنٌ أعظم للتحرّر من عبوديّة النَّفس من ساحة الجهاد وساحة الاستشهاد، والتي هي ساحة الصبر؟



    71



    وعليه فالتحرّر من عبوديّة النفس ينتج صبراً وإيماناً، كما أن الصبر في ساحات الجهاد ينتج عبودية لله وتحرراً من عبودية النَّفس.

    الصبر وتحقّق النصر:
    ولأهميّة الصبر في تحقيق النصر كان لا بدّ وأن نُفرد له بحثاً خاصّاً كونه أحد أهم أسباب النصر، فقد قال الله تعالى ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾27كما أنه تعالى قيّد الغلبة بالصبر، فقال ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾28.

    فلم يعطِ الله تعالى أيّ اهتمام للعدوّ حتى لو كان كثيراً ببركة الصبر الذي هو رهن الإنتصار، وبالتالي، نرى أنّ الله أخبر عن حالة المسلمين في حُنين عندما راهنوا على عددهم فقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾29.

    وهذا ما نفهمه من السنّة الإلهية التي تعتبر النصر من الله تعالى، ولكن بعد تحقّق الشرط الأساسي له وهو الصبر﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾30.
    ويقول الله تعالى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾31.



    72



    الشجاعة:
    الشجاعة من أهم الصفات التي تميَّز شخصية المقاتل في سبيل الله, والتي بها يقتحم الموت بجسده ولا يستشعر الضعف أمام مقدّرات الأعداء, ويكون ببركة الشجاعة والإقدام جديراً بإحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

    والشجاعة في اللغة "هي شدَّةُ القلب عند البأس والحرب, والشّجاع هو من قويَ قلبه, واستهان بالحروب, وكان جريئاً ومقداماً"32.
    فالشجاعة صفة في النفس تدفع بالمجاهد إلى الثبات في ميادين الحرب والجهاد في مواجهة أعداء الله تعالى وأعداء الإنسانية، وتؤهّله لتحمُّل الشدائد والصعاب وأعباء القتال ولوازمه.
    قال تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾33
    .

    وفي الحديث: "قيل للحسن بن علي عليه السلام: ما الشجاعة؟ قال: موافقة الأقران والصبر عند الطِعان"34.

    كيف يتحلّى المجاهد بصفة الشجاعة؟
    إن تكوين صفة الشجاعة هو أمر ميسور وسهل, لأنّها من الصفات والسجايا المرتكزة في جبلّة الإنسان وفطرته وغرائزه, وهي تعود إلى ضبط الغريزة الغضبيّة وجعلها معتدلة بين الإفراط والتهوّر والزيادة، وبين التفريط والنقص والشلل.

    قال الإمام علي عليه السلام "الفضائل أربعة أجناس: أحدها الحكمة



    73



    وقوامها في الفكرة, والثاني العفّة وقوامها الشهوة, والثالث القوّة وقوامها الغضب, والرابع العدل وقوامها في اعتدال قوى النفس"35.

    إن قوّة الاعتدال مخلوقةٌ فينا, وهي تتحكّم بقوّة الشهوة والغضب والوهم, وتجعل هذه القوى في حدِّها الأوسط من دون إفراطٍ أو تفريط, وتعتمد هذه الصفة (العدل) على ميزان العقل والشرع اللذين تلطّف الله بهما على الإنسان بمنِّه وكرمه ورحمته.

    وعليه فغريزة الاعتدال تضبط القوّة الغضبيّة وتربِّي الإنسان على الشجاعة التي هي الحدّ الوسط الممدوح, فلا يكون خمولاً يعيش الخوف والضعف والكسل وقلَّة الصبر والاستسلام للمصائب وعدم الغيرة والخمود وعمل الظلم وقبول الرذائل وعدم الثبات في المواقف الحسّاسة وميادين الحروب, وكذلك لا يكون متهوّراً ومفرطاً في قوّته الغضبيّة بحيث يتوتّر لأَتفه الأسباب وينفعل لأيِّ استفزاز، فقد يقتل النفس المحترمة بغير الحقّ وقد يتسرّع بأخذ قرار مخالفة القيادة الحكيمة, فلا يُقوّم في الوقت المناسب, ولا يتراجع في الوقت المناسب, فهو انفعاليّ من دون تثبُّت, ويدور في دائرة وحاله أشبه بالجنون.

    إن تربية النفس على الاعتدال والشجاعة أمر ميسور ومقدور, فمتى رأى المجاهد في نفسه الشجاعة فليحمد الله على هذه النعمة. وإن رأى في نفسه خلاف ذلك من إفراط أو تفريط فليعمل على ترويض نفسه وتهذيبها ضمن نقطتين:



    74



    العلاج العلمي: وهو عملية إقناع النفس بآثار الشجاعة العظيمة وبركاتها الكبيرة, ويعلم أن هذه الخصلة نعمة من الله ليدافع بها عن كرامته وكرامة المسلمين. وليدافع بها عن دينه وشرفه ووطنه، وأن الشجاع هو على خطى الأئمة الأطهار عليهم السلام، وعلى رأسهم الإمام عليّ عليه السلام الكرّار في الحروب ذو البأس والثبات كثبات الجبال أمام الرياح العاتية، ويكفي في ذلك أن الشجاعة تفتح أعظم باب لرحمة الله تعالى وهو باب لقاء الله جلَّ شأنه.

    ومن الأمور المفيدة والمهمة التي ينبغي أن يعلمها المجاهد الشّجاع أنّ الجهاد ليس سبباً في تقصير العمر أو الحد منه، كما وأن اعتزال الجهاد وتركه ليس هو الآخر سبباً لطور العمر ومدّته، لأن ساعة الإنسان إذا ما حان وقتها فلا مبدّل لها كما قال عز وجلّ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾36. ونفهم أيضاً، من كلام أمير المؤمنين عليه السلام مع ولده محمد ابن الحنفية في معركة الجمل عندما أمره بالتقدّم فقال له: "احمل على القوم، فقال: لا أجد متقدماً إلا على سهمٍ أو سنان، فقال علي عليه السلام: يا بني احمل بين الأسنّة فإن للموت عليك جُنّة"37.

    والظاهر بأن ضربات الأسنّة ورشقات السّهام، منعته من التقدّم فوقف قليلاً، فسرعان ما وصل إليه الأمير عليه السلام قائلاً: "احمل بين الأسنّة" بإشارة واضحةٍ إلى أنّ خوضَ غمار الحرب في أوجها ليس سبباً مباشراً للخوف أو الموت.



    75



    العلاج العملي: ويكون في أمور:
    - الإقدام على الأمور العظيمة والمخيفة مرّة بعد أخرى، فإن ذلك يبطل الخوف والتردّد.
    - الذهاب إلى ميادين الحرب, فإنها أمكنة تربّي القلب على الثبات والعناد والتحدِّيات.
    - الجهاد والمشاركة العمليّة في القتال مع أعداء الله فإنّها ساعات تصقل النفس بالشجاعة والإقدام.



    76





    المفاهيم الرئيسية





    1- الجهاد لا يتمّ بأبهى صور النجاح والكمال، إلا بتحقيق مجموعة من الشروط والظروف المعنوية والعقائدية، بحيث يصير الوصول إلى الأهداف الإلهية الكبرى متيسّراً بفعل اجتماع شروطها.

    2- من شروط الجهاد المعنوية، الإخلاص. وهو يعني تخليص النيّة أو الدّافع نحو العمل من كلّ شيءٍ ما عدا الله سبحانه وتعالى.
    3- من علامات فقدان الإخلاص لدى المرء: حبّه للمدح، ووجود الرِّياء، العُجْب، وحب الرئاسة.

    4- من شروط الجهاد المعنوية: الذكر الدائم لله، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾.
    5- من شروط الجهاد المعنوية: الصبر، يقول الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهو "حبس النفس على المكروه امتثالاً لأمر الله تعالى".
    6- من شروط الجهاد المعنوية: الشجاعة، يقول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
    7- الشجاعة هي شدَّةُ القلب عند البأس والحرب, والشّجاع هو من قويَ قلبه, واستهان بالحروب, وكان جريئاً ومقداماً.

    8- تحصيل صفة الشجاعة من خلال الإقدام على الأمور العظيمة والمخيفة مرة بعد أخرى فإن ذلك يبطل الخوف والتردّد.













    هوامش





    1- يوسف، 40.

    2- البّينة، 5.

    3- أصول الكافي، ج2، ص16.

    4- النساء، 48

    5- الكافي، ج2، ص295.

    6- أصول الكافي،ج2،ص16.

    7- الأنعام،162.

    8- الكهف، 110.

    9- أصول الكافي، ج2، ص16.

    10- البقرة، 264.

    11- مستدرك الوسائل، ج1، ص107.

    12- الأربعون حديثاً، ص44.

    13- الكافي، ج2، ص313.

    14- م.ن.

    15- القصص، 83.

    16- مستدرك الوسائل،ج11، ص383.

    17- مستدرك الوسائل، ج12، ص36.

    18- الأنفال، 45.

    19- بحار الأنوار، ج93، ص154.

    20- م.ن، ج19، ص310.

    21- الصحيفة السجادية، دعاء أهل الثغور.

    22- منتخب ميزان الحكمة، ص287.

    23- ن.م، ص288.

    24- م.ن.

    25- آل عمران، 125.

    26- الأربعون حديثاً، ص 306، باب الصبر.

    27- البقرة، 249.

    28- الأنفال، 65.

    29- التوبة، 25.

    30- محمد، 7.

    31- آل عمران، 142.

    32- راجع مجمع البحرين، مادة شجع.

    33- الفتح، 29.

    34- ميزان الحكمة، ج5، ص27.

    35- ميزان الحكمة، ج3، ص45.

    36- النساء، 78.

    37- نهج السعادة،ج1،ص317.




    يتبع
  2. بواسطة الشيخ عباس

    الشروط المادية للجهاد





    أهداف الدَّرس:
    - بيان الحكمة من توقّف الجهاد على تحقّق الشروط المادية.
    - بيان أن الاستعداد المادّي للحرب واجب شرعيّ.
    - التعرّف على بعض التوصيات العسكرية المهمّة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام.



    79



    وجوب الإعداد والاستعداد:
    إنّ عقل الإنسان يحكم كما فطرته وغريزته بضرورة توفير الاستعداد الكافي في أيام الصلح والسلم، للتمكّن من الدفاع ومواجهة العدو وصدّه إن هو قام فجأةً بهجوم خاطف وسريع.
    وقد دلّت التجارب على أنّ الشعوب اليقظة والمستعدّة تمكّنت على الدوام من صدّ الحملات المفاجئة للعدو، وحفظت بقاءها واستمرار وجودها. وعلى العكس من ذلك، فإنّ الشعوب التي كانت تعيش الغفلة واللامبالاة، كانت تسقط دائماً ضحيّة لغفلتها وتتعرّض للهزيمة.

    والإسلام يأمر أتباعه أن يُعدوّا ما استطاعوا من قوّة لأجل الدفاع عن أنفسهم وأن يبقوا في جهوزيّة تامّة، وذلك قبل وقوع الحرب وظهور الحاجة إلى مستلزمات



    81



    الدفاع. فقد صرّح القرآن الكريم بوجوب التجهّز والاستعداد، في قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾1.

    فهذه الآية هي بلسان التحذير البليغ لكلّ المجتمعات الإسلامية من الغفلة عن الأعداء المعروفين بل وغير المعروفين أيضاً، ومن عدم الجهوزيّة المسبقة حتى على مستوى التخطيط في مواجهة العدوّ. لأنّنا إن غفلنا فالعدوّ لن يدعنا وشأننا، وسيتحيّن الفرص للهجوم والانقضاض على البلاد الإسلامية. وإلى هذا أشار أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: "من نامَ لم يُنَم عنه"2.

    فهذه الآية تريد أن تشير إلى أنّ هذا الأمر الإلهي بضرورة الإعداد شامل لآحاد المسلمين تماماً كما يشمل الحالة الاجتماعية وعلى رأسها الحكومة الإسلامية والعاملين عليها. وقد استخدمت الآية في بيانها لمعنى الجهوزيّة المطلوبة مفردتين اثنتين هما: "القوّة" و"رباط الخيل".

    والمقصود من "القوّة" هو كلّ شيء يؤدّي إلى تقوية المجاهدين في كامل تخصّصاتهم سواء على الصعيد المادي أم المعنوي. ولأنّ هذا التعبير هو تعبير مطلق، نستنتج منه أنّه لا حدَّ لتنّوع هذه القوّة ومقدارها، وهي تشمل تهيئة كلّ الإمكانات اللازمة لتعلّم فنون القتال المختلفة، وهي تتبدّل بتبدّل الأزمنة، والميزان فيها أن تكون مناسبة لمواجهة العدوّ وفي الزمان والمكان المناسبين.

    وهذا ما يستفاد من الروايات التي تبيّن مصاديق هذه القوّة وبيان اتّساع معناها



    82



    وشموله. فقد عُبّر عن هذه القوة في بعضها بتعبير "الرماية" كما قيل أيضاً أنّ المقصود من القوّة هو "وحدة الكلمة والثقة بالله تعالى والرغبة في الثواب الإلهي"، وفُسِّرت بمعنى "الحصن"، وأحياناً فُسِّرت - كما في بعض الروايات - بالسلاح والسيف والترس، وحتى بصبغ الشعر الأبيض للمجاهدين3.

    أمّا التَّعبير الثَّاني في الآية، وهو تعبير "رباط الخيل" (أي الخيل المربوطة والمستعدّة)، فيُعَدُّ أيضاً من مصاديق تلك القوّة. ولأنّ الخيل الأصيلة والسَّريعة كانت هي أفضل وسيلة للركوب والقتال في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ذُكِرَت بعنوان النموذج الأفضل, وذِكْرُ هذا المصداق يستطيعُ أن يُرشدنا أيضاً إلى ضرورة إعداد أكثر العتاد الحربي تقدّماً وتأثيراً.

    حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إعداد القوّة:
    ولأجل تحقّق وجود هذه القوّة والجهوزية عملياً، كان النبيُّ الأكرمُ صلى الله عليه وآله وسلم يشجّع المسلمين على إقامة مسابقات الرماية وسباق الخيل، كما كان يرافقهم بنفسه لمشاهدتها، وأحياناً كان يشارك شخصياً فيها4. وقد أولى صلى الله عليه وآله وسلم استمرارية هذا التعليم لفنون القتال عناية خاصة، حيث كان يطلب من أصحابه أن لا يغفلوا عن ذلك، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "من تعلّم الرمي ثمّ تركه فقد عصاني"5.

    ومن المعروف أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما علِم في أيام حرب "حُنين" باختراع سلاح جديد في اليمن أرسل على الفور رجلاً كي يشتري هذا السلاح للمجاهدين6.



    83



    وبناءً عليه، يمكن في هذا الزمان أن نعتبر إعداد الوسائل العسكرية المتطوّرة كالدبابات المتنوّعة، والطائرات، والسفن الحربية، والتدريب المتواصل للقوات العسكرية، هو من مصاديق إعداد هذه القوَّة.

    وفي هذا الصدد يقول الإمام القائد الخامنئي دام ظله: "يجب أن تكونوا دائماً في حالة تقدّم, لأنّ العدو ينتظر الأرضية الملائمة للنفوذ، وهو ينتظر تأخّركم ليشنّ هجومه. وأفضل طريقة لصدّ هجومه هو الهجوم عليه. وإنّ تقدّمكم وتطوّركم هو هجوم على العدو. فالبعض يتصوّر أنّ الهجوم على الأعداء معناه حمل المدفع والأسلحة إلى مكان ما أو التصدّي السياسي من خلال الخطابات، ولا شكّ بأنّ هذا لازم في محلّه، ولكنّ الهجوم لا يكون بهذه الأمور فحسب، فإنّ بناء الإنسان لنفسه ولأبنائه ولمن ولِّيَ عليهم من أفراد هذه الأمّة الإسلامية هو من أعظم الأعمال"7.

    توصيات جهاديّة من سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة عليهم السلام:
    إنّ سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة الأطهار عليهم السلام عابقة بالعديد من المواقف الجهادية، ولا سيّما أمير المؤمنين عليه السلام الذي خاض غمار الحروب. حيث نجد في كلامه العديد من التوصيات العسكرية التي تصلح لكل زمان ومكان، وهي نتيجة أيضاً لخبرته عليه السلام وقدراته وبعد نظره.

    فثمّة صفات ضرورية، يجب تربية المجاهد عليها مثل: هدوء الأعصاب، والسرعة، والحسم، والدقّة، والقدرة على التنسيق والضبط...
    يقول الإمام علي عليه السلام "معاشر المسلمين استشعروا الخشية،



    84



    وتجلببوا السكينة، وعضّوا على النواجذ، فإنه أنبى للسيوف عن الهام"8.

    فالخشية هي الخشية من الله تعالى، والسكينة هي الهدوء في الأعصاب، والعضّ على الأسنان يزيل توتر الأعصاب. ومن يتحلّى بهذه الصفات يكون مقداماً، حاضر الذهن، ثابت الجنان، وبالتالي يستطيع أن يكون بعيداً عن متناول السيوف، بعد أن يتخلص منها بسيطرته على أعصابه وهدوئه.

    ويقول الإمام علي عليه السلام وهو يبيّن بعض مبادئ القتال التي يجب أن يأخذها بعين الاعتبار كلّ مجاهد: "وأكملوا اللامّة، وقلقلوا السيوف في أغمادها قبل سلّها، والحظوا الخزر، واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظّبى، وصلوا السيوف بالخطا"9.

    ويقول عليه السلام في مجال اختيار ساحة الحرب والموقع الاستراتيجي:
    "فإذا نزلتم بعدوّ أو نزل بكم:
    - فليكن معسكركم في قبل الإشراف (المواقع المرتفعة) أو سفاح الجبال، أو أثناء الأنهار، كما يكون لكم رداءً، ودونكم مردّاً.
    - ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين.
    - واجعلوا لكم رقباء في صياصي الجبال، ومناكب الهضاب، لئلاّ يأتيكم العدوّ من مكان مخافة أو أمن.
    - واعلموا أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم.



    85



    - وإياكم والتفرّق، فإذا نزلتم فانزلوا جميعاً، وإذا ارتحلتم فارتحلوا جميعاً.
    - وإذا غشيكم الليل فاجعلوا الرماح كِفَّة، ولا تذوقوا النوم إلا َّ غِراراً أو مَضْمَضَة"10.
    فالجيوش الجرّارة، والأسلحة الفتّاكة، والقوّة الجبّارة، لا يمكن ردّها وإلحاق الهزيمة بها، إلا بالتفوّق عليها ـ ليس عبر الكلمة ـ وإنما بإعداد الرجال وامتلاك القوّة التي ترهب العدوّ وتردّه خاسئاً على أعقابه.
    وههنا بعض التوصيات العسكرية المهمّة التي نقلت عنهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهي في موارد:

    مباغتة العدو:
    وهو أسلوب المفاجأة، ووضع الكمائن في أماكن لا يتوقّعها العدوّ، أو شنّ غارات وعمليات عسكرية سريعة ومباغتة لضرب الخصم، وفي هذا الشأن يقول الإمام علي عليه السلام: "اغزوا القوم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِيَ قوم قطّ في عقر ديارهم إلا ذلّوا"11.

    الرصد والاستطلاع والحراسة:
    وهو من الأمور الروتينية الأساسية التي لا تنفكّ الجيوش تستعد له باستمرار من قبيل تجهيز أفراد وفرق مدرّبة على الرصد والاستطلاع، لأن الجيش بدون



    86



    معلومات يكون أعمى، وبدون معرفته بأماكن تواجد العدوّ وبدون درايته بالطرق والمسالك الأسلم يكون قد وضع نفسه في معرض الخطر المحدق. وفي هذا المورد يقول الإمام علي عليه السلام - في وصيّته لزياد بن النضر- "اعلم أن مقدّمة القوم عيونهم، وعيون المقدّمة طلائعهم ، فإذا أنت خرجت من بلادك ودنوت من عدوك فلا تسأم من توجيه الطلائع في كلّ ناحية وفي بعض الشعاب والشجر والخَمَر12 وفي كل جانب، حتى لا يغيركم عدوّكم، ويكون لكم كمين"13.

    هذا إضافة إلى الحراسة المشدّدة والواعية للأفراد، ولكلّ التجهيزات والعتاد العسكري والمواقع العسكرية المختلفة، فقد روي بأنّ جيش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سار يوم حنين فأطنبوا السير، حتّى كان عشيةً، ثم قال: "من يحرسنا الليلة؟ قال أحد أصحابه: أنا يا رسول الله، قال صلى الله عليه وآله وسلم: فاركب، فركب فرساً له، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: استقبل هذا الشّعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرّنّ من قبلك الليلة"14.

    قوة النفس:
    ومن ضمن التوجيهات التي يسوقها أمير المؤمنين عليه السلام للحفاظ على كلّ مصادر القوّة لديه، وبالأخصّ شحن الثقة في شخصيّة المقاتل يقول عليه السلام "فقدّموا الدارع، وأخّروا الحاسر، وعضّوا على الأضراس فإنه أنبى للسيوف عن الهام، والتووا في أطراف الرماح فإنه أمْوَرُ للأسنّة، وغضّوا



    87



    الأبصار، فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل"15.

    مساعدة رفاق القتال:
    وهو أمرٌ أساسيّ في الجبهة، إذ لا بدّ للمقاتل من أن يكون حاضراً في جنب إخوته يساعد ضعيفهم إذا رآه عرضة للخطر أو القتل.. فعن الأمير عليه السلام "وأي امرئ منكم أحسّ من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد من إخوانه فشلاً، فليذبّ عن أخيه بفضل نجدته التي فُضّل بها عليه كما يذبُّ عن نفسه، فلو شاء الله لجعله مثله"16.

    اعتماد التكتيكات العسكرية المناسبة:
    كالخدعة مثلاً، واعتماد الأساليب الأمنيّة أو الإعلامية أو حتى التمويهات الميدانية المناسبة، وهي بالتالي تحمي المجاهدين وتقرّب لهم النصر، وتخدع العدو وتوهمه بأشياء غير حقيقية فتتأثر تحضيراته للمعركة تبعاً لنوعية هذا الأسلوب ومداه. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إنما الحرب خدعة فاصنع ما تريد"17. وفي مجال الحرب الإعلامية والنفسية يقول صلى الله عليه وآله وسلم "قل ما بدا لك، فإن الحرب



    88



    خدعة"18. وعن عديّ بن حاتم: يوم التقى أمير المؤمنين عليه السلام، ومعاوية بصفّين ورفع بها صوته ليسمع أصحابه: "والله لأقتلنّ معاوية وأصحابه ثم يقول في آخر قوله: إن شاء الله - يخفض بها صوته - وكنت قريباً منه فقلت: يا أمير المؤمنين! إنك حلفت على ما فعلت ثم استثنيت، فما أردت بذلك؟! فقال لي: إن الحرب خدعة، وأنا عند المؤمن غير كذوب، فأردت أن أحرّض أصحابي عليهم لكيلا يفشلوا وكي يطمعوا فيهم فأفقههم بها بعد اليوم إن شاء الله"19. كما أن استخدام الخدعة في الميدان أثناء القتال لا حدود له، كأن يستعمل المقاتل وسائل لإثارة الدخان أو الضباب أو الأصوات ليوهم العدوّ فيأتيه من مكان آخر أو غير ذلك، ونرى ذلك مثلاً في ما حصل مع الأمير عليه السلام وعمرو بن عبد ود العامري، وهي لفتة ذكية منه عليه السلام "فقال له علي: يا عمرو! أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت عليّ بظهير؟ فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين عليه السلام مسرعاً على ساقيه فأطنّهما جميعا، وارتفعت بينهما عجاجة... وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم... فقال رسول الله: يا علي! ماكرته؟ قال: نعم يا رسول الله! الحرب خديعة"20.



    89



    تفقّد السلاح والجهوزيّة الدّائمة
    عندما نتدبّر في الإجراءات العسكرية التي كان يتّخذها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام في المعارك المختلفة التي خاضها المسلمون ضد الكفّار والطواغيت، نجد بأنّهم كانوا يخطّطون للمعركة، ويؤمّنون كل الوسائل والمستلزمات بما فيها المادية منها. فنلاحظ مثلاً بأنّ النبيّ عليه السلام قد أمر بحفر الخنادق لحماية المدينة والمسلمين، وأنّ الإمام الحسين عليه السلام حفر خندقاً في بعض أطراف المعركة، بهدف توجيه ميدان المعركة من جهة واحدة وتأمين الحماية للمقاتلين، وتوفير أفضل مدىً للحركة لهم داخل الميدان. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: "ولتكن مقاتلتكم من وجه واحد أو اثنين"21.

    وعندما نضمّ هذه الأفعال من قبلهم عليهم السلام إلى الروايات التي تؤكد على اليقظة الدائمة وعدم الغفلة عن السّلاح طرفة عين، ندرك تماماً بأنّ الاستعداد والاحتياط واليقظة والاهتمام بالسلاح والعناية به من الثوابت العسكرية في أيّة حرب.

    فهذا أمير المؤمنين عليه السلام يأمر بتفقّد السّلاح قبل الحرب كما ذكرنا في الحديث المتقدّم "وأكملوا اللاّمة وقلقلوا السّيوف في أغمادها و..."22، وكلّ ذلك إشارةٍ واضحةٍ إلى ضرورة تفقّد السّلاح وإبقائه في حالة جهوزيّة. فالسّيف قد يصدأ ويعيق الاستفادة منه في الحرب.

    ونقرأ في السّيرة الحسينيّة بأنّ أصحاب الحسين عليه السلام كانوا يصلحون سيوفهم ودروعهم ليلة العاشر من المحرّم مع أنّ معركتهم استشهاديّة.



    90



    وكذا الحال في يوم العاشر، مع أنّ الإمام قد بشّرهم بالجنّة، فكانوا يلبسون الدّروع، والبيضة، ويحملون اللاّمة، كلّ ذلك في سبيل تأكيد مبدأ عسكريّ هامّ، وهو الاستفادة من جميع التقنيات والوسائل المادية، بالإضافة إلى الإيمان والتّسليم والتوكّل على الله تعالى.

    استخدام مختلف الأسلحة في الحرب:
    فعن الإمام علي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: "يُقتل المشركون بكلّ ما أمكن قتلهم به، من حديد أو حجارة أو ماء أو نار أو غير ذلك، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف، وقال عليه السلام: إن كان معهم في الحصن قوم من المسلمين فأوقفوهم معهم، ولا يتعمّدهم بالرمي وارموا المشركين، وأنذروا المسلمين إن كانوا أقيموا مكرهين، ونكّبوا عنهم ما قدرتم"23.

    القتال في كل مكان حتى البحر:
    فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "من جلس على البحر احتساباً ونية احتياطاً للمسلمين، كتب الله له بكل قطرة في البحر حسنة"24. وعنه صلى الله عليه وآله وسلم "من لم يدرك الغزو معي فليغز في البحر"25.



    91



    الإسعاف الحربي:
    لقد كان المسلمون يُخرجون معهم للحرب من يقوم بتطبيب جريحهم وإسعاف مصابهم، ولقد كانوا يستعينون بالنساء حينها لقلّة عديد الرجال وعدم القدرة على تخصيص عدد منهم لمهام الإسعاف، فسقوط وجوب الجهاد عن النساء لا يلغي بالضرورة السماح لهنّ بالخروج مع الجيوش الإسلامية لمهام التَّمريض والإسعاف، على أن يكون ذلك بإذن الحاكم وتحت نظره المقدَّس. فعن أحد الإمامين الباقرين عليهما السلام: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج بالنساء في الحرب حتى يداوين الجرحى، ولم يقسم لهن من الفيء، ولكنه نفلهن"26.



    92





    المفاهيم الرئيسية





    1- يأمر الإسلام أتباعه أن يُعدوّا ما استطاعوا من قوّة لأجل الدفاع عن أنفسهم وأن يبقوا في جهوزيّة تامّة، وذلك قبل وقوع الحرب وظهور الحاجة إلى الدفاع.

    2- المقصود من "القوّة" هو كلّ شيء يؤدّي إلى تقوية المجاهدين، فلا حدَّ لتنّوع هذه القوّة ومقدارها، والميزان فيها أن تكون مناسبة لمواجهة العدوّ وفي الزمان والمكان المناسبين.

    3- من التوصيات العسكرية المهمّة للرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام:

    4- مباغتة العدوّ. فعن الأمير عليه السلام: "اغزوا القوم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غزي قوم قطّ في عقر ديارهم إلا ذلّوا".

    5- العمل على الرصد والاستطلاع.
    6- الالتزام بتوجيهات قتالية ميدانية لتجنّب الخسائر.

    7- مساعدة رفاق القتال وتقديم العون لهم عند الحاجة.
    8- اعتماد التكتيكات العسكرية المناسبة، كالخدعة مثلاً وغيرها.

    9- استخدام مختلف أنواع الأسلحة المناسبة في الحرب.
    10- تخصيص عدد من الأشخاص مهمّتهم تقديم المعونة الطبية.













    هوامش











    1- الأنفال، 60.

    2- نهج البلاغة، الرسالة 62.

    3- يُراجع: تفسير نور الثقلين، ج2، ص164-165.

    4- كنز العمال، ح10812، 10841، 10844، 10847.

    5- الدر المنثور، أبو بكر السيوطي، ج3، ص193.

    6- تفسير الأمثل، ج5، ص472.

    7- جمهوري إسلامي، 25، 9، 1375هـ.ش(1996م).

    8- ميزان الحكمة، ج1، ص565.

    9- نهج البلاغة، ج1، ص114. الخزر: النظر كأنه من أحد الشقين، وهو علامة الغضب. اطعنوا الشّزر: بالفتح الطعن في الجوانب يميناً وشمالاً. نافحوا: كافحوا وضاربوا . والظبا: بالضم جمع ظبة طرف السيف وحده . صلوا: من الوصل أي اجعلوا سيوفكم متصلة بخطا أعدائكم، جمع خطوة، أو إذا قصرت سيوفكم عن الوصول إلى أعدائكم فصلوها بخطاكم.

    10- بحار الأنوار، ج33، ص411.

    11- ميزان الحكمة، ج1، ص561-571.

    12- الخَمَر: كل ما يستتر به.

    13- ميزان الحكمة، ج1، ص561-571.

    14- ميزان الحكمة،ج1،ص578.

    15- الكافي، ج5، ص39. الدارع: لابس الدرع . والحاسر: الذي لا مغفر له ولا درع. وأنبأ أي أبعد وأشد دفعاً . قيل: الوجه في ذلك أن العضّ على الأضراس يشدّ شؤون الدماغ ورباطاته فلا يبلغ السيف مبلغه. والهام جمع هامة وهي الرأس. قيل: أمرهم بأن يلتووا إذا طعنوا لأنهم إذا فعلوا ذلك فبالحري أن يمور السنان أي يتحرك عن موضعه فيخرج زالقاً وإذا لم يلتووا لم يمرّ السنان ولم يتحرك عن موضعه فينخرق وينفذ ويقتل. وأمرهم بغضّ الأبصار في الحرب لأنه أربط للجأش أي أثبت للقلب لأن الغاضّ بصره في الحرب أحرى أن لا يدهش ولا يرتاع لهول ما ينظر. وأمرهم بإماتة الأصوات وإخفائها لأنه أطرد للفشل وهو الجبن والخوف وذلك لأنَّ الجبان يرعد ويبرق والشجاع صامت.

    16- بحار الأنوار، ج32، ص172.

    17- ميزان الحكمة، ج1، ص566.

    18- م.ن.

    19- م.ن.

    20- ميزان الحكمة، ج1، ص567.

    21- بحار الأنوار،ج33،ص411.

    22- نهج البلاغة، ج1، ص 114.

    23- م.ن، ص568.

    24- م.ن، ص569.

    25- م.ن، ص.

    26- أصول الكافي، ج5، ص45.
  3. بواسطة لؤلؤة الوادى

    شكرا جزيلا على المجهود الرائع