منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع افاق العقل البشري

  1. بواسطة علي النجار

    افاق العقل البشري
    غريبة هي الحياة لكن جمالها وغموضها، سرّها وخفائها يكمُن في غرابتها... تلعن الناس الظلام لكنها لم تكُن لتعلَم قيمة النور لولا وجود الظلام. وهذا العقل والفكر داخل رؤوسنا يهدر يومياً وكل لحظة كبحر هائج في يوم ماطر عاصف... تارةً يقذف بنا على شواطىء الخوف من الغد وتارة على شواطىء الأمل في هذا الغد... تارةً يعلو بنا فنُمَنّي أنفسنا بأحلام وأوهام وطموحات ورغبات، وتارةً يهبط بنا فنفقد الأمل من جديد ويهاجمنا الحزن والإحباط... لا تلعن العقل ولا تُعلِن الحرب عليه لأنك اشتقت لراحة النفْس وسكينتها بعيداً عن كل أنواع الخوف والقلق والأحلام... لا تُعلن الحرب عليه فلولا ضجيجه لما قرّرت أن تقوم برحلة حجّك مُسافراً إلى أعماق نفسك، زادَك العِلم والصبر والفهم والتأمل... نعم الفهم فالعقل بحاجة لأن يفهم لذا نكتب المقالات والكتب ونتكلم ونتحدث لأجل أن نقدم للعقل السمّ الذي إن تناوله سيفنيه ويمحيه بعد أن كان حجاباً على نور بصيرتك وقلبك. لهذا السبب تجد العقل عنيد في بداية الطريق، فالفهم هو السمّ للعقل... وما تقنيات التأمل واليوغا وكل أنواع التقنيات الروحية والدينية والصلاة والصيام والقصص والرموز سوى محاولات لإقناع العقل بالإنتحار...
    كيان الإنسان عالم أكبر انطوَت فيه أسرار الوجود وخوافيه... سبعة أجساد داخل كل منّا وبإمكانك التعرّف على أجسادك الستة الباقية كما تعرَّفت على جسدك المادي هذا الذي تحيا فيه... مقامات وسماوات وعوالم بإمكانك زيارتها وحضْرات تحيا وتخشع في حضرتها، وعلوم سرمدية تتلقاها من سماوات علوية، فينبض بها قلبك ويعجز لسانك أن يعبّر عن هذه العطايا الإلهية. وما المانع وما الحاجز بيننا وبين كل هذا؟

    هو العقل... هو العقل حاجز بينك وبين نفْسَك، بينك وبين الحقيقة الكونية. هو العقل وحين أقول العقل فأنا أعني ذلك الوعاء داخلك الذي حوى الرغبات ورعى الآمال والأحلام والطموحات والأطماع والمخاوف والأوهام... ذلك الجسر الذي قدَّر لك الكون أن تمشيه لتعبُر عليه فدار الحق في انتظار عودتك إليه... وأنت تمشي على الجسر أبهَرَتك ألوان وزينة وصوَر وأشكال فانية موجودة عليه، فتعلّقت بها وانجذَبْت لها فبنيْتَ بيتك عليه وأصبحْتَ خائفاً من تركِه قبل أن تتمتّع وتنعَم وتُحقّق كل ما تطمح به وتسعى إليه... بنَيْنا في هذا العالم قصور من الأوهام، ودائماً ما تأتي الريح وتهدم الأحلام ونعود من جديد لبناء الأوهام... هو العقل يقف حارساً لا ينام على باب عالمك الأكبر فلا يسمح لك بالعبور ولا بالدخول إليه. هو ذلك الليل الطويل يمنع الفجر أن يأتي فلا تفتح الزهرة بتلاتها ولا تستقبل الندى. وما الفهم سوى وسيلة وطريقة نخاطب العقل بها علّنا نُقنِعه بأن يفتح الباب، باب المعبد، باب العالم الأكبر ولبّ الألباب ثم يرحل في سلام حتى ندخل الأرض المقدسة دون أن ينادينا صوت الرغبات والأحلام والآمال... دون أن يحاصرنا الخوف من المجهول فيمنعنا من اتخاذ الخطوة والدخول. هو العقل لكن لا تحاربه ولا تُقاتِله ولا تُجادِله فحينها سيهزِمك... سيراك خائفاً ترتعش منه فيجد طُرقاً للسيطرة عليك فيُقيّد يديْك وقدميْك وتبقى جامداً دون حراك تحيا حياتك في دائرة مفرغة كما يحياها جميع من حولَك.

    إن وجدتَ نفْسك واقفاً والباب أمامك والمفتاح في يدِك، فماذا ستفعل؟ إما أن تكون شجاعاً فتفتح الباب لترى الموجود وراءه، وإما أن تكون جباناً فتركُن إلى حالك وأحوالك وتُقفل الباب لتحمي نفسك من المجهول السّاكن وراءه. العقل مفتاح... إما أن يكون جناح تحلّق به وتُحرِّر نفْسك، وإما أن يكون سلاح تحمله وتقتل به نفْسك. العقل إما سلاسل ذهبية وهمية شكّلَت رغباتك ونزواتك وأطماعك حلقاتها، وإما أداة حتى تفُك قيدَك وينتهي لعالم المادة أسْرَك وتتعرّف على ربّك.... قد يكون لعالم الدنيا مدخلاً، وقد يكون لعالم الآخرة مخرَجاً... هو السماء التي ترتفع فيها حراً طليقاً، أو الوعاء الذي تقَع فيه عبداً أسيراً. هو الجحيم وهو النعيم... ولمَن القرار؟ لكَ أيها المختار فماذا ستختار؟... العقل باباً للتأمل وفنونه أم سرداباً ينزل بك للفكر وجنونه؟

    هو خيار بين النور والظلام يرافق كل إنسان، لأنه العقل موجود في كل إنسان... ليس صديقاً وليس عدواً، فأنت يا صديقي مَن يختار فيراه صديقاً أم عدوّاً... إن كان العقل لكَ عبداً مُطيعاً فاعلم أنّ لكَ في عالم الروح شأناً رفيعاً... وإن استعبدَك عقلَك وكُنتَ له عبداً مطيعاً، لشهواته ونزواته ورغباته وأطماعه وخيالاته، فاحذَر لأنك تسجن روحك وتبني حولها سدّاً منيعاً.

    لنتحدّث عن الجنون قليلاً... ما الفرق بين حكيمٍ ومجنون؟... كلاهما استخدَم عقله لكن اختلفت الأساليب والطّرُق والفنون... اختلفت الأساليب فوصَل الحكيم لغاية الرضى والتسليم حين سلّم عقله للسلام في قلبه واستسلم بحكمة واعية لقدَر المشيئة الإلهية العالية عن عِلم كل عليم وفَهم كل فهيم. اختلفت الأساليب فوصَل المجنون لدرجة الغليان والإنقسام حين سلّم نفسه لأفكاره ومشاعره ورغباته فتنازعَت عليه الأطراف وشدّته من كل طرَف فتاهَ واضطرَب، وأزعجه ضجيج أصوات أطرافه المتنازعة فنسَى عذوبة صمت السلام الأبلغ والأعذب من أيّ لحنٍ وطرَب، فدخل مرحلة الجنون.... الحكيم حاضر في غياب عقله، والمجنون غائب في حضور عقله.

    كخيال ظلّ أصبح الإنسان تابعاً عقله بما يحويه من أماني وطموح وطمع، غائباً عن الحضرة الإلهية فيه، عبْداً لعقلٍ يأمره وينهيه دون أن يتمكّن حتى مِن أن يصيح فيه ويقول له توقّف لقد أتعبَتني خيالاتك وتصوراتك وأحلامك، ويفهم أنها ليست أحلامه ولا خيالاته ولا تصوّراته ولا أمانيه.

    العقل آلة يستخدمها الإنسان لتأدية بعض المهام، تماماً كالأيدي والأقدام... بإمكاني أن أحرِّك يدي وقتما أشاء لليمين أو اليسار، للخلف أو الأمام. وهل ستتمرّد عليَّ يدي يوماً وتقول لي لن أطيعَك دوماً وسأتحرّك كيفما يحلو لي حتى وإن ألقيتَ عليَّ لوماً؟... لن يحدث هذا... وإن حدَث فالفوضى ستعمّ المكان وتنعَدِم الثقة ويرحل الأمان، وهذا ماحدَث ويحدث مع العقل الآن...

    تأتي الناس إليّ وتسألني لماذا أقول بأنّ فناء العقل يعني الحكمة؟ وكيف سنحيا دون عقل؟؟؟؟
    من قال أنكم ستحيون دون عقل؟... فناء العقل يعني اختفاءه كوِعَاء وظهورِه كَسَماء... يعني اختفاءه كَسَيِّد وظهوره كَعَبْد... هذا ما أعنيه بالفناء فأين سيذهب العقل؟ هو باقٍ لا مَحال لكن مع اختلاف الحال والأحوال. هو باقٍ فهو الذاكرة التي تولَد من رحمِها الذكرى... هو باقٍ فهو السبيل للّقاء بين الحكيم وبين مَن لم يحِن له بَعد وقت اللقاء... لقاء الله... لقاء الحق والحقيقة... هو السبيل والخطاب الذي يصل بنا إلى التفكُّر من الألباب، فالنور يفهم لغة النور والصمت يعي لغة الصمت والحكيم يعي لغة الحكيم وماذا عن جهلي وجهل من حولي؟ جهل واسع شاسع وعقيم؟... كيف لي أن أفهم لغة العارفين؟ العارفين بالله؟ لغة الصمت؟... لهذا يستخدم النبي والحكيم والعارفين لغة العقل كوسيلة لا غاية لأجل أن نفهم ومع الفهم يتجرّع العقل سُمّه ويفنى وبعد الفناء ولادة، ولادة للروح وسيَادة...

    أفلح عقل الإنسان أن يبني سجناً حول سيّده فحاصَرَه وأجبره أن يعترف بهوية ليست هويّته... أن يظن نفسه ما أوهمَته أفكاره التي صاغها المجتمع من حوله، وبناها داخل عقله أنها شخصيته. شخصية صنعها المجتمع ونسجها بنسيج الماضي وموّاله، خطأه وصوابه الذي نتوارثه جيلا بعد جيل.
    لا تغفل يا أخي الإنسان عن بُعد انطوى فيك وأنت طويتَه في كتاب النسيان... لا تغفل ولا تنسى الإمام علي حين قال لك أتحسَب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر... هذا العالم الأكبر هو بُعد انطوى داخلك وداخل كل إنسان... بُعد بعيد أبعد من الأفكار... بُعدٌ هو صلتك بالرحمن حوى كل الأسرار... سمِّه ما تشاء... الوعي الإلهي أو النور السرمدي الأبدي أو وعي المسيح أو الوعي المحمّدي أو الكوني أو أيّ إسم تختار.
    رحلتنا هنا على هذه الأرض رحلة بحث عن مصدر النور هذا، والعثور على هذا الكنز فيه خلاصنا وخلاص من حولنا من نفوس صغيرة لوامة بالرغبات التي لا تنتهي أمارة، صنعناها بأيدينا وتحكّمت بحياتنا فلم نرتاح في يوم من أيامنا أو في ليلة من ليالينا. لا راحة فهذه النفوس هي مصدر القلق والخوف والرعب فينا...
    الأفكار خلقت لك أيها الإنسان عالماً واهماً صدّقته وآمنتَ به وركَنتَ إليه. حين تخاف، هي الأفكار توحي لك بصور وأشباح ماضٍ وتوقّعات مستقبل مجهول فتبثّ فيك شعور مظلم يصيبك بردة فعل تغشاها الحيرة والذهول. حين ترغب بالحصول على أي شيء... هو بذرة صغيرة تراها أفكارك رغبة كبيرة وتبني لك على شاطىء العقل قصوراً من الرمال، فتبدأ الأحلام والأماني. أفكارك ليست مهمة لكنها تدعي الأهمية فترسم لك الحلم الزاهي والأمل الزائف لأجل أن تغذيها وتهتم وتنهمّ بها وفيها.
    لست بحاجة سوى لشيء حتى تحرر نفسك من هذا القيد، لذا دعني أقول لك شيء: كل فكرة تدّعي أنها بالغة الأهمية، لكن لا تأخذ أيّاً منها على محمَل الجديّة.
    إن كان بالإمكان يا أخي الإنسان أن تعي بأن أفكارك التي تسير ليلاً نهاراً على مسرح عقلك، هي مجرد أفكار، بأن تراقِب ردات فعلك العاطفية والذهنية في كل حال من أحوال حياتك اليومية، فهلِّل... هلِّل لأن هذا المراقِب وهذا الواعي هو ما سبق الأوقات وجوده في الوجود وفيك... لأنه الشاهِد يصحو بعد نوم عميق ليبارك عن قريب أيامك ولياليك.
  2. بواسطة بنوتة الكــوت

    شكرااا خيووو على الموضوع ابدعت اليوم بمواضيعك الرائعه

    تحياتي
  3. بواسطة علي النجار

    اهلا وسهلا بيك منورة