منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع النبي الاكرم (ص) قدوة البشرية

  1. بواسطة نسيم العراق

    [صورة]


    الدين جاء برسالة التوحيد لكل الأمم والمجتمعات البشرية، وكانت محوراً مركزياً، انبثقت عنه دعوة الأنبياء، قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ﴾، ورسالة التوحيد هي الأساس الإيماني في بناء الجانب المعنوي في شخصية الإنسان، ثم يتحرك توحيداً عملياً في سلوك الفرد والمجتمع، ليقوم بأسلمة كل ما يصدر منه تجاه نفسه والآخرين
    وهذا النحو من السلوك كان طابعاً مميزاً في الرسالة العالمية للنبي [صورة]، قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾
    فالنبي [صورة] تحرك بمبادئ الدعوة توجيهاً وسلوكاً في حياة الأمة، ولم تكن الحياة المعنوية تنبعث فيها لولا وجود شخص النبي [صورة] باعتباره مجسداً حقيقاً للسلوك الإلهي، الذي يدعو الآخرين للتأسي، فكان يُطبق ما أنزل إليه بمستوى عالٍ، يفوق تصور العقل البشري، وقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين [صورة] قوله: ﴿ ولقد قام رسول الله [صورة] عشر سنين على أطراف أصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل أجمع حتى عوتب في ذلك، فقال الله عز وجل: ﴿ طه «1» مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى «2» ﴾، بل لتسعد به ﴾

    فالنبي [صورة] يعطي الدروس للبشرية في الالتزام بمبادئ الدين وتشريعاته مع كماله وعصمته ومرتبته العالية عند الله تعالى، فيفتح باب التأسي به لكل الإنسانية التي تحمل الحب للإله وتطمح للكمال، ليخاطبهم [صورة] بقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾، وهكذا كان السمو وعلو الشأن تعبيراً عن شخصية النبي [صورة]، التي تستحق بجدارة كاملة أن تكون مُتأسى بها.

    معنى الأسوة
    عند الحديث عن النبي الأسوة [صورة] نجد أنّ بعض الآيات القرآنية تُبرز حقيقة الأسوة ومبادئها في كلمات موجزة، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ ، فهذه الآية تنطلق لترسم الخطوط العامة، التي تُشكل مبدأ الأسوة، الذي يُعبر عن الاقتداء والاتِّباع لشخصية مؤهلة، تتصف بميزات خاصة.

    أركان التأسي
    الأسوة في الآية المباركة تتألف من أركان ثلاثة:
    • الأول: مُتأسَى به، أي الشخصية التي يُقتدى بها.
    • الثاني: مُتأسِي وهو الشخص المقتدي بتلك الشخصية. الثالث: ما يُتأسى به، أي مجالات الأسوة.




    ولا بد أن نذكر هذه الأركان الثلاثة بشيء من التفصيل:
    الأول: المُتأسى به.
    تبدأ الآية في الحديث عن الشخصية المقتدى بها، لتذكر أولَ خِصالها وهي كونها رسولاً من الله، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
    فالرسول يحمل ما تعنيه كلمة الرسالة من شمولية في التحلي بالكمالات المتعددة، من عصمة ووحي وغير ذلك، إلا أنّ الاتصاف بكل ذلك لا يعني أن تخرج الشخصية من جنسها البشري، بل تبقى على حالها، قال تعالى:﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾
    فالرسول



    [صورة]
    بشر، يتميز بالوحي من الله تعالى، فهو ليس من جنس الملائكة، بل هو بشر في هذا الجانب، ليكون قريباً من أبناء جنسه، فيُبَلِّغ عن الله تعالى ويكون قدوة يَتأسى بها الناس، وهذا ما بينّته الآية عندما قالت: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

    فعنوان الأسوة كان في شخص النبي [صورة] مقترناً مع وصفه بالرسول، مما يبين دور هذا الوصف للنبي [صورة] في حمل مسؤولية الرسالة والتبليغ وقيادة الأمة وهدايتها إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ﴾، لذا، أصبح وصف الرسالة لصيق بالأسوة، كما أنّ الاقتداء بشخص الرسول[صورة] في كل أقواله وأفعاله، ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾، فما يصدر من النبي [صورة] فهو محل للقدوة والتأسي.

    الركن الثاني:المتأسي.
    هو ذلك الشخص المُقتدي بالرسل، الذي يتصف بخصال محددة ذكرتها الآية التي افتتحنا بها الحديث، قال تعالى: ﴿ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾، فالشخص المتأسي راجٍ لله واليوم الآخر، أي يملك عقيدة راسخة، يُؤمن من خلالها بالله تعالى، أي المبدأ، والآخرة أي المعاد، ثم يكون ذاكراً لله تعالى، فالإيمان بالله يدفع نحو الإيمان بالآخرة وهما معاً يدفعان نحو ذكر الله كثيراً، فمن كان لديه توحيدٌ نظريٌ يدفعه للاعتقاد بالآخرة ثم ينعكس هذا التوحيد ليصبح توحيداً عملياً يبدأ في باطن الإنسان ليُحرك فيه حضور الله تعالى في داخله، وبالتالي يدفع ـ هذا الحضور الإلهي في الباطن ـ الجوارح لاستشعار وجود الله عملياً من خلال قيام أعضائه بذكر الله، من خلال القول والعمل، المرضي لله تعالى، وعندها يتأهل للتأسي والاقتداء بالنبي [صورة].

    الثالث: ما يُتأسى به «مجال التأسي»
    مجالات التأسي والاقتداء، التي نفهمها من قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﴾، هي عنوان الرسول، فكون المقتدى به رسولاً، أي إنه صاحب رسالة يُبلغها ويقتدي بها الآخرون، ومجالات هذه الرسالة ما أوضحه القرآن
    قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾، فرسالة النبي [صورة] تحوي كل ما فيه هداية وأيضاً الدين الحق، فالرسالة تشتمل على العقيدة والفكر والأخلاق والاجتماع والاقتصاد والسياسة وكل شؤون الحياة.

    أهمية الأسوة
    تتجلى أهمية الأسوة والقدوة في كثير من الأمور نلخصها في ثلاث نقاط:
    الأولى: فهم حدود تطبيق القيم.
    إنّ رسالة النبي [صورة] التي بعثه الله بها تحوي مبادئ حقة وقِيَماً عالية إلى مجتمع جاهلي أو مجتمع لا يعي هذه المبادئ نتيجة لبيئته وظروف معيشته أو اعتناقه لمعتقدات وقيم مغلوطة، ليس من السهل عليهم حتى بعد دخولهم الإسلام أن يستوعبوا هذه المبادئ على مستوى السلوك العملي وكيفية تطبيقها على أنفسهم أو على غيرهم، وهنا يأتي دور النبي القدوة في الجانب العملي، ولولا وجود شخصية النبي [صورة] لما أمكننا فهم حدود وآليات تطبيق تلك المبادئ والقيم على سلوكنا، فالنبي [صورة] كان مجسداً للقيم في تطبيقها الدقيق ضمن إطار محدد وشرعي، ولولاه لما استطعنا أن نطبقها بطريقة صحيحة، فمثلاً مفهوم التواضع عندما يطرحه القرآن، ويسمع به من دخل الإسلام حديثاً ممن تكون له وجاهة اجتماعية يتصور أن التواضع لمن تكون له وجاهة مثله أو يكون حراً أو يكون له مال أو غير ذلك، لكن عندما يرى النبي [صورة] يطبق التواضع في كافة المجالات ولجميع طبقات المجتمع حتى للعبد والفقير سوف يستوعب التواضع في معناه الشمولي، فقد ورد عن الإمام الرضا [صورة] قوله: ﴿ قال رسول الله [صورة]: خمس لا أدعهن حتى الممات: الأكل على الأرض مع العبيد، وركوبي مُؤكفاً، وحلبي العنز بيدي، ولبس الصوف، والتسليم على الصبيان، ليكون سُنةً من بعدي ﴾ ، نجد التواضع مستوعباً لمجالات متعددة في سلوك النبي [صورة]، ليُصبح سُنةً يتبعها الناس اقتداءً به، كما أوضحت ذلك آخر الرواية.

    الثانية: القدوة حافز للتأسي
    القدوة الصالحة حافز يدفع الإنسان نحو التأسي بالرسول [صورة] من خلال قراءة سيرته وتتبع مواقفه وأخلاقه وسلوكه على كل الأصعدة، وهذا سوف يُشعرنا بالعزة والكرامة، ويدفعنا نحو التخلق بأخلاقه وسلوكه باعتباره مشروعاً تغييرياً متكاملاً للفرد والمجتمع، مع ملاحظة مقام النبي وعظمته
    وقد ورد عن الإمام الباقر [صورة] قوله: كان رسول الله [صورة] عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله، لِمَ تُتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ﴿ يا عائشة، ألا أكونُ عبداً شكوراً ﴾،فالنبي [صورة] بما لديه من ملكات وكمالات يُحفِّز الآخرين أن يتبعوه ويقتدوا به.

    الثالثة: أخذ العِبرة والعِظة
    القرآن الكريم طرح القدوة كمبدأ هام في التأثير على الغير بأسلوب جذاب، وقد لا يشعر القارئ أحياناً بالتأثر بتلك المواقف والسلوك، التي وردت في قالب جميل لقصص أو أمثال قرآنية، تبين جانب التذكير والاتعاض والعبرة، قال تعالى في الأمثال: ﴿ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾
    وقال تعالى في القصص: ﴿ وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾
    فالقرآن طرح الكثير من قصص الأمم لأخذ العبرة والعظة والتذكر للمؤمنين والتأسي بالأحسن، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾

    الحاجة للقدوة في العصر الحاضر
    في عصرنا الحاضر الذي ابتعدنا زمنياً عن عصر النبي [صورة]، ما أحوجنا إلى الأسوة الحسنة، التي تتطلب منا الرجوع قليلاً لما تركه لنا [صورة] من تُراث علمي وأخلاقي وسلوكي واجتماعي واقتصادي، ونسعى بجد واجتهاد لاستعادته من كتب السيرة والأخلاق ونعكسه في أخلاقنا وسلوكنا، خصوصاً أننا في هذا العصر نعايش تطوراً تقنياً هائلاً في كافة المجالات وعلى رأسها مجال الاتصالات المرئية والمسموعة، وهذا التطور لم يقف الإسلام ضده، بل شجع على كل تقنية جديدة تخدم الإنسانية بشرط أن لا تؤدي إلى ضرر شخصي أو اجتماعي أوديني، لكن المشكلة أحياناً في طريقة الاستفادة من هذه التقنيات، فليس من المقبول عقلاً وشرعاً أن يتأسى ويقتدي البعض بشخصيات تلك القنوات الفضائية وتصبح مثلاً أعلى له، ويفتخر بمجاراة أقوالها وسلوكها، ونفقد ثقتنا بديننا ونبينا، في الوقت الذي لازال عشرات، بل مئات الشخصيات الغربية التي تتحدث عن عظمة النبي [صورة] ودوره القيادي وشخصيته الصالحة للتأسي، وأنصح أخواني الشباب الأعزاء بمطالعة كتاب جيد في هذا المجال، هو"المائة الأعظم في التأريخ" للدكتور مايكل هارت، وقد ترجم أنيس منصور الكتاب بالعربية، وسماه " الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله" وسوف يفاجأ القارئ بما يتمتع به المؤلف من إنصاف كبير حيث يتحدث عن مائة شخصية عالمية مؤثرة، يضع النبي [صورة] في المرتبة الأولى من هذه الشخصيات التأريخية، ومع العلم أنه مسيحي، إلا أنه جعل نبي الله عيسى [صورة] في المرتبة الثالثة.

    وأخيراً لا بد أن نستشعر قوة الإيمان بالله والنبي الكريم واليوم الآخر والدين العظيم، وذلك من خلال قراءة سيرة النبي [صورة] وأهل بيته الأطهار وصحابته الأخيار ومواقفهم الشجاعة وأخلاقهم وسلوكهم الرفيع حتى تتعزز ثقتنا بثقافتنا الإسلامية الأصيلة ورجالاتها العظام، وهذا سوف يدفعنا نحو الاقتداء بهم وتجسيدهم واقعاً حياً في سلوكنا.

    الشيخ /حبيب الحمد
  2. بواسطة Alforati

    موضوع ثري جدا احسنت اخ نسيم
  3. بواسطة نسيم العراق

    شكرا لمرورك بموضوعي
  4. بواسطة أمہأرجہيہ

    بوركت ع الطرح المميز