منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع بحث مستلّ من كتاب نبذة من السياسة الحسينية للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

  1. بواسطة ياحبيبي ياحسين

    بحث مستلّ من كتاب (نبذة من السياسة الحسينية) للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ره) ـ من مراجع التقليد وكبار الفقهاء المعاصرين ـ نشر في مجلة تراثنا العدد المزدوج 79ـ80 ـ رجب 1425 ـ مؤسسة آل البيت(ع) لإحياء التراث ـ قم.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    نبذة من السياسة الحسينية

    كَتَبْتَ إليَّ أيّها الفاضل(1)ـ مدّك الله منه بالعون والعناية ـ تذكر سؤال الناقد المشكّك عن الحسين(ع) إذا كان عالماً بقتله في خروجه إلى كربلاء وسبي عياله، فقد عَرَّضَ بِعِرْضِهِ إلى الهتك.
    وأنّك أجبت: بـ «أنّ الهتك فيه مزيد شناعة لأعمال الأُمويّين لم تكن تحصل بقتله فحسب»، وذكرت أنّ المشكّك لم يقنع بهذا الجواب، وطلبت منّا جليّ البيان ليقف المشكّك على صراط الاعتقاد.
    فنقول والله المستعان:

    أوّلاً:
    إنّ هذا السؤال وأمثاله من البحث والنظر الذي يتمخّض عن الاعتراض والتحدّي لأعمال الأئمّة، بل ولأعمال رسول الله وخلفائه المعصومين سلام الله عليهم، لا موقع له على أُصول مذهبنا معشر الإمامية، الّذين قادنا الدليل والبرهان إلى القول بعصمة أُولئك النفر المخصوص(2).
    فليس عندنا في مناهجهم الخاصّة، وأعمالهم التي تصدر عنهم طول حياتهم بين البشر، إلاّ كمثل رَجُل عَرَفَ مِنْهُ المَلِكُ تمام الكَفاءَةِ، وأحْرَزَ مِنْهُ صِدْقَ الطاعةِ، فأرسلَه سفيراً إلى قوم، يَبُثُّ بينهم الدعاية، ويقوم فيهم بالإرشاد والهداية، وزوّده بمناهج مخصوصة، وألزمه أن لا ينحرف عنه قيد شعرة.
    ولكلّ واحد من الأنبياء والأئمّة سجلٌّ خاصٌّ به، من بدء قيامه بالسفارة والدعوة إلى منتهى أجله، حسب المصالح ومناسبات الظروف الخاصّة، والحِكَمِ التي اقتضت لذلك المَلِك الحَكيم أن يسجّلها على ذلك السفير، مِن قتل، أو سمّ، أو أسر، أو غير ذلك من قضايا التضحية والمفاداة.
    وعبء السؤال وعبء البحث عن تلك الحِكَم والأسرار مطروحٌ عن الرعية، وهو تكلّفٌ زائد، بل ربّما يكون نفس السفير غير واقف عليها تماماً، إنّما يجد في سجلّ أحواله: عليك أن تبذل نفسك للقتل في الوقت الفلاني ; فيقول: سمعاً وطاعة ; وليس له حقّ السؤال والمراجعة عن الحكمة أو المصلحة بعد أن كان من اليقين على مثل ضوء الشمس أن قضايا ذلك الحَكَم(3) وعزائِمَهُ كُلُّها مُنبَعِثَةٌ عن أقصى ما يمكن من الصلاح ومعالي الحكمة، ليس في الإمكان أبدع ممّا كان.
    وكلّ هذه النظريات سلسلة عقائد يبتني بعضها على بعض، وكلّها مدعومة بالحجّة والبرهان ممّا تمخّضت عن عقول الفلاسفة وآراء الحكماء من معاهد العلم والتأريخ، وكلّها فروع أصل واحد، ينتهي إليه البحث والجدل، وتنقطع عن الخصومة.
    وما هو إلاّ إثبات العناية الأزلية والقوّة القاهرة الشاعرة، وأنّها هي المدبّرة لهذه العوامل، لا الطبيعة العمياء والمادّة الصمّاء الفاقدة للحسّ والشعور، وبعد إثبات تلك العناية ورسوخ الاعتقاد بها يهون ويسهل إثبات ما يتفرّع عليها من تلك النظريات.
    وأنّ مِنْ لازم تلك العناية، بعث الهُداة والمُرشدين البالغين أقصى مراتب الكمال البشري ; لتكميل الناقصين من بني جنسهم، ولا يتسنّى التكميل والاهتداء إلاّ بالتسليم والانقياد لهم، واليقين بعصمتهم عن الخطأ والخطيئة، وأنّهم مؤيدون بتلك العناية.
    وبعد الإلزام بكلّ هاتيك المبادئ عن براهينها، لا يبقى مجال للشكّ والارتياب، والنقد والاعتراض في شيء من أعمالها مهما كانت في الفظاعة والاستنكار في مطارح العقول المحدودة والأفكار المحجوبة.
    {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (4).
    ولعلّ إلى ذلك أشاروا سلام الله عليهم بقولهم ـ إنْ صحّ الحديث ـ: « نحن أسرار الله المودعة في هياكل البشرية ; يا سلمان! أنزلونا عن الربوبية ثمّ قولوا فينا ما استطعتم، فإنّ البحر لا ينزف، وسرّ الغيب لا يعرف، وكلمة الله لا توصف، ومن قال هناك: لِم؟ وممَّ؟ وبمَ؟ فقد كفر »(5).
    ولعلّ المراد بالكفر معناه الأوّل، وهو الظلام..
    … *** إنْ صحّ أنّ الليلَ كافِرْ(6)
    يعني: إنْ تعرّضَ لتلك الاعتراضات فقد ظَلمَ وأظلمَ كمن خاض في لُجّ من الظلمات.
    وما ذكرتُ هذ النبذة إلاّ للإشارة إلى جواب ذلك السؤال من الوجهة الدينية محضاً، وإن كنت أعلم أنّ ذلك ممّا لا يُعَوِّل عليه المشكّك الناقد، ولا يعتدّ به المُعْتَرِضُ المُتَحَيِّر، سيّما لو كان ممّن لا يعرف الحسين(ع) كما تعرفه علماء الشيعة وخواصّها، إماماً معصوماً لا يتطرّق إليه العبث والعيث(7)، فضلا عن الغلط والاشتباه، بل غاية ما يقول فيه أنّه من عَلِيّةِ الرجال وأفاضلهم، نسباً ونفساً وشجاعة وبراعة، لكن لا يمنع كُلُّ ذلك مِنْ أنْ يجري عليه ما يجري على غيره مِن نوابغ الدهر، وأفذاذ البشر، من الصواب تارة، والخطأ أُخرى، والاستقامة أحياناً، والالتواء حيناً، وكرم سجاياه وعظم مزاياه لا يقع سدّاً بين العقول وبين النقد عليه في بعض سيرته وسياسته، إن لم يكن في كلّها ; والكمال لله.
    وحينئذ فلنفرض الحسين(ع) ـ كما يفترضه السائل ـ زعيماً من الزعماء يرى نفسه بما أُوتي من شرف الحسب والنسب أَوْلى بالخلافة من يزيد(8)، وأحقّ بالمُلكِ منه، ولا جرم أنّه يبذل كلّ ما في وسعه لاستعادة ذلك الحقّ المغصوب منه ومن أبيه.
    أوّلا:
    فعلى الأقلّ أنّه لا يبايع يزيد ويصير رعية له، مع ما هو المعلوم من المجاهرةِ بإحياءِ كُلِّ رذيلة، وإماتةِ كُلِّ فضيلة.
    وعليه: فالجواب الذي ذكرته إذا كُسي حلّة أُخرى من البيان لم يكن للخصم لو أنصف أن لا يقتنع به.
    وهل من سبيل إلى الكشف عن نفسية يزيد وخسّة طبعه وعدم أهليّته، من حيث لؤم عنصره، وخبث سريرته، وقبح سيرته ـ مع قطع النظر عن الدين والشرع ـ أقرب وأصوب وأعمق أثراً في النفوس عامّة والعرب خاصّة والمسلمين بالأخصّ من هتك حرم النبوّة(ص) وودائع الرسالة، وجلبهم أُسارى من بلد إلى بلد، ومن قفر إلى قفر؟!
    وهل أعظم فظاعة وشناعة من التشفّي والانتقام بالنساء والأطفال بعد قتل الرجال؟!
    وأيُّ ظفر وغلبة على يزيد أعظم من إشهار هذه الجرائم عنه؟!
    أمّا القتل ; فقد كان عند العرب أهون شيء، وهو أمر معتاد متعارف لا شيء فيه من الفظاعة والغرابة، فكان الحسين(ع) أعرف أنّ يزيد وابن زياد من خبث الذات وسوء الملَكة مستعدّان لتلك الجرائم ; فأراد أن يبرزها منهم إلى الوجود وتكون الناس منهم على بيّنة محسوسة، ثمّ يكون الغالب بعدها هو المغلوب، والقاهر هو المقهور.
    نعم، يزيد قتل الحسين(ع) وأنصارَه، ولكنّ الحسين قتل يزيد وكلَّ بني أُميّة بأعظم من قتلهم له بألف مرّة ; قتلهم يزيد يوماً واحداً، وقتلوه وقومه إلى آخر الأبد.
    فأي الظفرين أعظم؟! وأيّ القتلين أكبر؟!
    وهذه الفلسفة قد أدركها حتّى الباحثون من الأجانب عن الإسلام، وقد ألمح إليها المستشرق الألماني ( المسيو ماربين )، حيث قال: « لمّا كان الحسين يعلم عداوة بني أُميّة وبني هاشم، ويعرف أنّه بعد قتله يأسِرونَ عياله وأطفاله، وذلك يؤيّد مقصده ويكون له أثر عظيم في قلوب المسلمين، سيّما العرب، كما وقع ذلك، جلبهم معه وجاء بهم من المدينة...
    إلى أن قال: ولمّا كانت أنظار المانعين محدودة، وأفكارهم قاصرة، ولا يدركون مقاصد الحسين العالية، وآخر ما أجابهم به: إنّ الله شاء ذلك، وجدّي أمرني به(9)، فقالوا: إن كنت تمضي إلى القتل فما وجه حملك النسوة والأطفال؟
    فقال: إنّ الله شاء أن يراهنّ سبايا »(10). انتهى(11).
    أقول:
    وهذا الجواب ليس كما تخيَّلَهُ المستشرق جواباً إقناعياً، ودفعاً وقتياً، بل له مقامه الراهن من الحقيقة، ولعلّ الله سبحانه، وجدّه(ص)، إنّما أمراه بذلك كي يُفتضَح يزيد ويظهر حاله للناس، نحن لا نقول: إنّ الطريق لهتك يزيد انحصرت بهتك العيال ; ولكن نقول: إنّه كان أحد الطرق التي لها التأثير الكبير في المقصود.
    والقول:
    إنّه لا يجوز في الدِّين أن يُعَرِّضَ نساءه للهتك مهما كان الأمر ; فهو منبعث عن البساطة والسذاجة، فإنّ الذي لا يساعد عليه الدِّين، بل ولا تسمح به الغيرة، هو تعريض الإنسان عِرْضَهُ للهتك الموجب لِما يمسّ الشرف، ويخدش رواق العفّة والصيانة، وسرادق النجابة والحصانة.
    أمّا الهتك الذي تستحكم به عرى القدس والطهارة والعزّة والمنعة، فذلك ممّا لا يشين ولا يهين، وتلك الحرائر صلوات الله عليهنّ مهما سَفِرْنَ فَهُنَّ محجّبات، ومهما تَبَذَّلْنَ فهنّ مَصونات، وهنّ بحيث النجم من يد المتناول(12).
    يَشُعُّ على وجهِ البراقِعِ نورُها * فيحسب راء أنَّهُنَّ سَوافِرُ(13)

    والغرضُ:
    إنّ هذا الجواب محكم رصين، وله حظّه من الحقيقة، وإذا لم يقنع به الناقد والمشكّك فهناك:
    وجه ثان وجيه أيضاً، وهو:
    إنّ الحسين(ع) في كلّ أدواره وأطواره، ومنذ نشأ وشبّ إلى آخر نفَس من حياته كانت شيمته الشمم والشهامة، وعزّة النفس والإباء والكرامة، تتجلّى وتشعّ من جميع حركاته وسكناته، وكلّ أحواله وملَكاته، ولو ذهبنا إلى سرد الشواهد على هذا لجاء كتاباً مفرداً، ومجموعاً وافياً.
    ويخطر لي أنّ الحسن(ع) لمّا صالح معاوية على الشروط التي لم يفِ بشيء منها، وكان قد حضر عند معاوية مع خواصّ أصحابه للبيعة، فبايع الحسن ومن معه، وطلب معاوية البيعة من الحسين(ع)، فقال: دعه! فإنّه لا يبايع، ولكن لا يأتيك منه سوء.
    فقال: حسبنا منه ذلك(14).
    وبعد أن تمّ الأمر لمعاوية كان الحسين(ع) إذا اجتمع به في حشد من محافل الشام أو الحجاز يناضله ويناظره فيرضخه من القول بالصَّلادِم(15)، ويصكّ جبهته بما هو أمضّ من الصَّوارِم(16) ـ ورُبّ قول أنفذ من صول(17)ـ ومعاوية يحتمل كلّ ذلك منه لِما يعلم من عزّة نفسه وشدّة شكيمته.
    مرّ على الحسين عشرون عاماً ـ مدّة خلافة معاوية ـ ما ذاق فيها طعم الخضوع والاستكانة، حتّى إذا هلك معاوية وامتنع عن البيعة ليزيد، ورأى من السداد الهجرة عن المدينة ; ليعرف العالم الإسلامي امتناعه عن البيعة، فخرج من المدينة بأهل بيته قاصداً مكّة، ولزم الطريق الأعظم ( الدرب السلطاني )، فقيل له: « لو تنكّبت الطريق كما فعل ابن الزبير؟
    فقال: لا والله لا أُفارقه أو يقضي الله ما هو قاض »(18).
    فالحسين ـ وعلى ذِكره السلام، هو يحمل بين جنبيه هذه النفس الكبيرة ـ لمّا أراد الخروج من مكّة إلى العراق أبت نفسه الكريمة، وأنفت همّته القعساء(19) أن يخرج هو وولدانه وغلمانه على ظهور خيولهم خروج المتشرّد الخائف، والنافر الفزع، ولم يرض لنفسه إلاّ أن يظهر بأسمى مظاهر الأُبَّهَةِ والهَيْبَةِ والجَلالِ والحِشْمَةِ في الموكب الملوكي، وفخامة الملك والسلطان.
    ومن المعلوم أنّ لحمل الحرم والعائلة من لوازم الفخامة والعظمة، وشوكة المناطق والسرادق، ما لا يحصل بدونها، ولو خرج سلام الله عليه من أوطانه وترك عقائله في عقر دارهم لكان خروجه أشبه ما يكون بصعاليك العرب وأهل الغزو والغارات والمتلصّصين، وحاشا لسيّد أهل الإباء أن يرضى لنفسه بتلك المنزلة والخطّة السافلة، بل سار بأهله وذراريه ليكون على مهاد الدعة والسكينة والهدوء والطمأنينة، كَسَيْر أكبر ملك من ملوك الدنيا وأوسعهم في القدرة والسلطان.
    ولا تخالنّ في كلمتي هذه ضرباً من الخيال، أو شيئاً من المبالغة والغلوّ; كلاّ، فإنّك لو نظرت إلى بعض الخصوصيات في سيره لوجدت منها أوثق شاهد لك على ما ادّعيناه.
    أنْعِمِ النظر في قصّة الحرّ التي اتّفقت على نقلها أرباب المقاتل وأُمناء التاريخ والسيَر(20)، حيث التقى بالحسين في قفر من الأرض لا ماء فيه ولا كلاء، وقد أمضّ به وبأصحابه العطش، وَهُمْ زُهاءَ ألف فارس على ألف فرس، فقال الحسين(ع) لفتيانه: « اسقوا القوم وأوردوهم الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً »، ففعلوا وأقبلوا يملأُون القِصاع(21)والطِساس(22) من الماء، ثمّ يدنونها من الفرس، فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه وسقي آخر حتّى سقوها عن آخرها.
    فانظر أوّلاً واعجب ما شئت بهذا الحنان والرحمة والعطف والإشفاق، فإنّ القوم الّذين سقاهم الحسين(ع) كانوا أعداءه، وقد جاءُوا مِنْ قِبَل ابن زياد للقبض على الحسين(ع)، حتّى إنّ عليّ بن طعّان المحاربي ـ وهو عراقي من أصحاب الحرّ ـ لم يعرف كيف يشرب من الراوية(23) وكيف يخنث(24) السقاء كما يفعله الحجازي، فكان يشرب والماء يسيل على أشداقه وثيابه، فنزل الحسين(ع) بنفسه وخنث السقاء حتّى شرب وارتوى(25).
    واعجب ثانياً لإيثاره بالماء في بادية قحلاء وصحصحان أجرد(26)، والماء فيه أعزّ من الذهب، وقد لا يجدونه في يومين أو ثلاثة أو أكثر، فأيٌّ سخاء هذا السخاء؟! وأيُّ نفس تلك النفس؟!
    واعجب ثالثاً ـ وهو محلّ الغرض ـ كم كانت سعة ذلك الموكب السلطاني وإدارة ذلك الركاب الملوكي؟!
    وكم كان يحمل من الماء؟! حيث سقى نفسه وأعداءه، سقى ألف فارس وألف فرس، وعلى أقلّ تقدير أنّ النفوس التي كانت مع الحسين(ع)، من أولاده وأنصاره وعيالاتهم ألف نفس، وحمولهم(27) ( المِكارَهْ ) التي تحمل خيامهم وأمتعتهم، وما إليها من قدور وقصاع وطساس، ونحو ألفين من الخيل والبغال غير الإبل، فتكون النفوس المحتاجة إلى الإرواء بالماء في ذلك الموكب ـ على أقلّ التقادير ـ خمسة آلاف أو أربعة آلاف نسمة، غير الفضلة الاحتياطية التي سقى منها الحرّ وأصحابه وخيولهم.
    فالموكب الذي يحمل من الماء ما يروي ستّة آلاف أو سبعة آلاف نسمة، كم ترى يكون ضخامة ملكه وفخامة سلطانه؟!
    وإذا صحّ ما رواه الطريحي في « مجمع البحرين » من أنّ الحسين(ع) لمّا نزل كربلاء اشترى أرض نينوى والغاضرية من بني أسد بستّين ألف درهم، واشترط عليهم أن يدلّوا زوّاره على قبره ويضيّفوهم ; انتهى بمعناه(28) ; فكم كان معه من الأموال والنقود التي يكون فضلتها ستّون ألفاً؟!
    وأزيدك شاهداً على ذلك من عظمة الملك والسلطان قضية محمّد بشير الحضرمي(29) ـ الذي رواه السيّد ابن طاووس وغيره حين قيل له ليلة عاشوراء ليلة القلق والأرق، الليلة التي كانت المَنايا فيها على الحَوايا(30)، والحِمام يحوم فيها على الخيام ـ قيل له: « إنّ ابنك أُسر في ثغرَي الريّ ; فقال: عند الله أحتسبه ونفسي، ما أُحبّ أن يؤسر وأنا أبقى بعده ; فسمع الحسين(ع) قوله، فقال له: رحمك الله، أنت في حلّ من بيعتي، فاعمل في فكاك ابنك.
    فقال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك.
    قال: فاعط ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه.
    فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار »(31).
    وعليه: فيكون قيمة كلّ ثوب مئتي دينار ( مئة ليرة ذهب ).
    وأنا لا أدري ما كانت تلك الثياب التي قيمة الواحد مئة ليرة؟! وكم كان معه مثلها؟! ولماذا يحملها وأمثالها معه في تلك المراحل؟!
    هذه سؤلة لعلّك في غنىً عن الجواب عنها، ولكن أيّها الناقد المشكّك! أتحسب أنّ الحسين(ع) كان صعلوكاً من صعاليك العرب، ولئيماً من لئامها، كابن الزبير، الذي يقول لجنده: « أكلتم تمري وعصيتم أمري »(32)؟!
    ويقول للوافد عليه، المستجدي منه، بعد أن قال له: إنّ ناقتي قد نقبت(33).
    فقال: ارقعها بهلب(34)، واخصفها بسبت(35).
    فقال الوافد: لعن الله ناقةً حملتني إليك.
    فقال: إنّ وراكبها »(36).
    لا يا هذا! الحسين أكبر ممّا تظنّ، الحسين أكبر من أن يتخلّص من طواغيت بني أُميّة الّذين أرادوا سفك دمه في حرم الله فتنتهك به حرمة الحرم، كما فعل ابن الزبير وفعلوا به، هو أكبر من أن يخلص بنفسه ويترك عياله يشرئبّون إليه ويتطلّعون إلى أخباره ويناشدون الركبان عنه.
    وأمّا ما تخيَّلْتَهُ من أنّ هتك الحريم لا يقدم الغيور عليه مهما كان الأمر، فهو وَهمٌ زائف، وقد عرَّفناك أنّ الهتك المُشين هو الذي يلمس أذيال العفّة، ويمسّ ذلاذل(37) الشرف، لا الذي تستحكم به أسوار الصون وسياج العفاف.
    وبعد هذا كلّه، فهل أقنعك هذا الوجه، وعرفت كيف كانت منزلة الحسين(ع) من عظمة الشأن وسموّ السلطان؟!
    وهناك وجه ثالث لحمل العيال، وهو: كما كانت العرب عليه من أنّهم إذا أرادوا أن يستميتوا في الحرب، ويصبروا للطعن والضرب، جعلوا الحريم خلفهم، واستقبلوا العدوّ، فأمّا الحتف أو الفتح، ويستحيل عندهم النكوص أو الفرار، وترك الحريم للذلّ والإسار، ويشهد لهذا عدّة وقائع لا تغيب عن الضليع في تاريخ العرب(38)، عليه حَمَلَ العيال كي يستميت أصحابه دونها، وينالوا درجة السعادة بالشهادة كما فعلوا.
    وهناك وجه رابع لعلّه أوجه من تلك الوجوه، وأقربها إلى الحقيقة، وإنْ كانت للحسين(ع) ملحوظة وراء التعبّد والانقياد والرضا والتسليم للمشيّة القاهرة، وكانت سياسة عن فلسفة نظرية، وتدابير بشرية، فهي هذه الملاحظة التي سوف نبديها ونشير إليها على الجملة حيث لا سعة للتفصيل.
    تقول أيّها الناقد: « إنّ الحسين(ع) كان يعلم أنّه يقتل »..
    نعم، وأنا أقول كذلك، بل يعلم أنّ جميع مَنْ معه مِن الرجال، بل وكثير من الأطفال يُقتلون حتّى الرضيع(39)، ولا يفلت إلاّ وَلَدهُ زين العابدين من أجل العلّة والمرض.
    فلمّا عَلِمَ ذلك كُلّه، وَعَلِمَ أنّ بني أُميّة وأشياعهم سوف يموّهون، بل كانوا قد موّهوا على المسلمين أنّ الحسين(ع) خارج على إمام زمانه، وهو يزيد المنصوب بالنصّ عليه بالاستخلاف من الخليفة الذي قبله وهو معاوية، فالحسين(ع) بخروجه باغ، وحكم الباغي القتل {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (40)، فتكون هذه الفتوى وهذا التمويه أعظم على الحسين مِن قتله.
    وهذا الطلاء المبهرج، وإنْ كان لا يخفى على العارفين والنياقدة، ولكنّهم بالضرورة خاضعون للسلطة، قد شملتهم الذلّة، وأخملتهم القلّة، وألجمهم الخوف والتقيّة، سيّما بعد الفراغ من أمر الحسين (ع)، فلا رحمة لأحد بعده ولا حرمة، والناس كما قال هو سلام الله عليه يوم الطفّ، وكما هو حالهم اليوم: « عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم »(41)، فمن ذا يقدر أن ينبس(42) بالحقيقة، فضلاً عن الإصحار(43) بها، وسيوف يزيد وابن زياد فوق أرؤسهم، وأموالهم نصب أعينهم؟!
    وتعلم كيف يلعب الرجاء والخوف في النفوس، فحينئذ فلا يمرّ حول أو حولان إلاّ وقد سجّل التاريخ أنّ الحسين (ع) ـ وأستغفر الله ـ باغ عات وقد قُتل بحكم شريعة جدّه.
    وبَعّدَ الناقدُ فريتَه بقوله: هلاّ بايع كما بايع أخوه الحسن (ع) ودفع عن نفسه وأهله القتل؟!
    كيف؟! وقد قال بعض النواصب في القرون الوسطى: إنّ الحسين قتل بسيف شريعة جدّه.
    وهذه عند الحسين ـ وهو عَلَمُ الحقّ، ومنارُ الهُدى، وجسمُ روحِ الغيرة والإباء ـ رزيّة لا رزيّة فوقها، ومصيبة لا مصيبة أعظم منها.
    فعلى من يعتمد الحسين(ع) في دفع هذه الغائلة(44)، وتفنيد هذه الضلالة، وإنقاذ المسلمين من هذه الورطة المهلكة؟!
    أَعَلى رجال وكلّهم سوف يقتلون معه بعلم منه؟!
    أم على زين العابدين، وهو أسير مشغول بعلّته، وقتله أهون عليهم من قتل ذبابة؟!
    فمَن يقوم للحسين بهذه المهمّة بعد قتله؟!
    ومَن ذا يقرع بالحجّة، ويوضح المحجّة، ويكشف الحقيقة، ويتعقّب القضية، ويخطب في النوادي الحاشدة، والجوامع الحافلة، تلك الخطبة البليغة، والحجج الدامغة؟!
    تصوّر ذلك العصر مليّاً، واستوسع التأمّل في تلك الأوضاع، وانظر هل كان من الممكن أن يقوم بشيء من ذلك أكبر رجل باسل؟!
    وهب أنّ الممكن أن يفادي رجلٌ بنفسه للحقّ وإبداء الحقيقة، ولكن هل يمهلوه إلى أن يستوفي الغرض ويبلغ الغاية؟!
    أَوَليس عبد الله بن عفيف الأزدي، ذلك البصير الذي ذهبت عيناه، واحدة يوم الجمل والأُخرى بصفّين ; نعم، ذهبت عيناه، ولكن فتح الله له في قلبه عشرة عيون، وسقط الجهاد عنه بيده، ولكن جاهد في لسانه بعشرة أسياف إلى أن أحرز الشهادة في هذا السبيل.
    فإنّه لمّا سمع خطبة ابن زياد على منبر الكوفة بعد قتل الحسين(ع) وهو يقول: « الحمد لله الذي نصر أمير المؤمنين يزيد وأشياعه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب »، نهضت به الحمية والحماية للحقّ، وفادى بنفسه في ذلك الحشد الرهيب، فقام وقطع عليه خطبته قائلا له: « إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت ومن استعملك يا عدوّ الله، تقتلون أولاد النبيّين وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسلمين.
    فغضب ابن زياد وقال: من هذا المتكلّم؟!
    فقال: أنا المتكلّم يا عدوّ الله!
    أتقتل الذرّيّة الطاهرة الّذين أذهب الله عنهم الرجس وتزعم أنّك على دين الإسلام؟!
    وا غوثاه! أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمّد(ص) (45)؟!
    فازداد غضب ابن زياد حتّى انتفخت أوداجه، وقال: عَلَيَّ به!
    فقام الجلاوزة فأخذوه، وقامت الأشراف من الأزد عشيرته فخلّصوه، وانطلقوا به إلى منزله ».
    ولكن هل خلص ونجا من ذلك الطاغية؟! وهل كان آخر أمره إلاّ أن أُحضر بين يديه فضرب عنقه صبراً وصلب جثمانه في السبخة(46) في قصّة طويلة، وما ظفر ابن زياد به إلاّ بعد حرب سجال وتحريش منه خبيث بين اليمانية والمضرية على قاعدة التفرّق(47).
    نعم، ما أنكر على ابن زياد إلاّ عبد الله بن عفيف رضوان الله عليه، وإلاّ ذلك الصحابي الضعيف بكلّ مواقع الضعف، ألا وهو زيد بن أرقم، فإنّه حين رأى رأس الحسين(ع) بين يدَي بن زياد وهو يضربه بعوده، قال له: « ارفع عودك عن هاتين الشفتين! فوالله لطالما رأيت رسول الله(ص) يقبّلهما.
    ثمّ بكى زيد، فقال له ذلك الخبيث: أتبكي لما فتح الله للأمير؟! لولا أنّك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لأخذت الذي فيه عيناك!
    فخرج زيد وهو يقول: ملَكَ عبدٌ حرّاً، أنتم يا معشر العرب عبيد بعد اليوم، قتلتم ابن بنت رسول الله وأَمَّرْتُم ابن مرجانة »(48).
    ولا أستحضر مُنْكِراً على ابن زياد غير هذين الرجلين، وكلماتهما وإنْ كانت ذات قيمة ثمينة في مثل تلك الأيّام العصيبة والمواقف الرهيبة، ولكن أيّ شيء لها من التأثير؟!
    وما ميلها في تلك التيارات الجارفة والزوابع القاصفة؟!
    وهل هي إلاّ كلمات قيلت وذهبت أدراج الرياح؟!
    وهل كانت تكفي لإيجاد بواعث الثورة، وتكوين الانقلاب على بني أُميّة وتحرير النفوس وغليان الأفكار وتأجيج النار لطلب الثار؟!
    كلاّ ثمّ كلاّ، فإنّ الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك، يحتاج إلى المثابرة والتعقيب في الخطب الرنانة والكلمات المهيّجة، وتشهير المثالب والمساوئ، ونقد السيّئات ونعيها على تلك الدولة الغاشمة والسلطة الظالمة والحكومة الجائرة.
    فإنّ بهذا ومثله تتكوّن في الأُمّة روح ثورة وانفجار يكتسح ظلم الظالمين، وتقتلع عروق الجور والاستبداد.
    قل لي برأيك أيّها الناقد، أيّ رجالات ذلك العصر كان يقدر على القيام بتلك المهمّة، ويقوى على النهوض بذلك العبء؟!
    أليس قصارى أمره مهما كان من البسالة والجرأة أن يقول الكلمتين والثلاث، فيقال: خذوه فاقتلوه فاصلبوه في السبخة أو في الكناسة؟!
    أليس زين العابدين(ع) مع أنّه عليل أسير ـ والأسير لا يُقتل ـ قد أمر ابن زياد بقتله لجواب خفيف وقول طفيف، فإنّ ابن زياد بعد أن فرغ من تحدّي زينب وأخرجته بقوّة العارضة والبيان من الميدان مكعوماً(49)بالخزي والخذلان التفت إلى زين العابدين، فقال: « من هذا؟!
    فقيل له: هو عليّ بن الحسين(ع).
    فقال: أليس قد قتل الله عليّاً؟!
    فقال سلام الله عليه: كان لي أخ يقال له عليٌ قتله الناس.
    فقال ابن زياد: بل الله قتله!
    فقال الإمام: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} (50).
    فقال له: أَوَبـِكَ جرأةٌ على ردّ جوابي؟! يا غلمان! خذوه فاضربوا عنقه!
    فتعلّقت به زينب، وقالت: يا بن زياد! حسبك من دمائنا ما سفكت، فإن عزمت على قتله فاقتلني معه.
    فقال الطاغية: عجباً للرحم! فوالله لَوَدَّتْ أن تموتَ دونه، اتركوه لِما به»(51).
    وما تركه رحمةً لها، ولكن قد رأى أنّ العلّة والإسار والأغلال والجامعة(52) ستقضي عليه وتكفي ابن زياد مؤنة قتله.
    فإنّ سلامة زين العابدين وبقاء حياته كان من خوارق العادة، وعلى خلاف مجاري الأسباب، ولو قُتل أو مات في تلك البرهة لانقَطَعَ نسل الحسين، ولكن مشيئة الله سبحانه وقضاءه السابق بأنّ الأئمّة من ذرّيّته لا يردّ ولا يُغلب، وكانت زينب هي السبب في حفظه على الظاهر.
    فليكن هذا وجهاً خامساً لحمل العيال، فلعلّ الحسين عرف العلّة والمرض لا يكفي في سلامة ولده، وأنّهم قد يقتلونه على مرضه، وأنّ لزينب موقفها الباهر في المفاداة والدفاع عنه.
    وكلّ غرضنا من سحب أذيال هذا المقال، أن يتجسّم لديك كيف كان الحال في كمّ الأفواه، وعقل الألسن، وإرجاف القلوب، ومشق الحسام لضرب الهام على أقلّ الكلام.
    إذاً فمَن يَردّ تلك الأمانة ويؤدّي تلك الوديعة، وديعة الحقّ، وأمانة الصدق، والانتصار للحقيقة، وإزهاق الباطل؟!
    نعم، قُمْنَ بكلّ تلك الوظائف على أوفى ما يرام، وأتمّ ما يحصل به الغرض، قُمْنَ به ودائع النبوّة وحرائر الوحي والرسالة، نهضن بتلك الأعباء الثقيلة التي تعجز عنها الأبطال وأُسود الرجال.
    كأنّ الحسين(ع) علم ـ ولا شكّ أنّه علم ـ أنّه سيُقتل هو وجميع أهل بيته وأنصاره، ولا يبقى رجل يتسنّى له الكشف لجمهرة ذلك الخلق التعس عن فظاعة تلك الجناية وشناعة تلك الجرائم السيّئة، ولو أهمل هذه الناحية المهمّة لذهب قتله سدىً، ولفات الغرض والغاية، فلم يجد بُدّاً من حمل تلك المصونات معه لتكميل ذلك المشروع الذي ابتذل نفسه ونفوس أعزّته في سبيله.
    وعلم سلام الله عليه أنّ بني أُميّة مهما بلغوا في خرق النواميس وهتك الحرمات والتجاوز على الشناشن(53) العربية، والشرائع الإسلامية، ولكنّهم لا يقدرون على قتل النساء ; لا يقدرون على قتل امرأة مصابة مفجوعة تكلّمت بشيء من الكلام تبريداً وتسكيناً للوعتها.
    ويوم الطفّ وإنْ قَتَلَ حزبُ بني أُميّة عدّةً من النساء الوديعات(54)، كما قتلوا الأطفال(55)، ولكنّ الحربَ لها أحكام وشواذّ لا تجري في غيرها.
    لا، وكلاّ، لا يستطيع ابن زياد ـ مهما طغى وتجبّر ـ أن يقتل ساعة السلم امرأة عزلاء، أسيرة بين يديه، لا تحمل من السلاح إلاّ قلبها ولسانها، قلبها درعها، ولسانها ] سيفها وقف الحسين وأنصاره ظهيرة عاشوراء وهم على خيولهم الجياد، وفي أيمانهم البيض الحداد(61)، وعلى متونهم السمر الصِّعاد(62)، قد رفلوا بأبراد العزّ، وتكلّلوا بتيجان الشرف، لا يُقتل منهم واحد حتّى يَقتلوا ألفاً من عدوّهم(63)، وهم ضاحكون مستبشرون، ثقة بما يصيرون إليه بَعدُ من منازل الفردوس الأعلى في دار النعيم.
    كان هذا موقف الحسين وأنصاره يوم الطفّ.
    ووقفت زينب بنت عليّ(ع) والخفيرات من أهل بيتها في مجلس ابن زياد وهم في قيد الإسار، وذلّ الصغار، لا ترى أمام عينها إلاّ عدوّاً شاتماً، أو كاشحاً(64) شامتاً، أو قاتلا لحُماتها وسُراتها، واليتامى والأيامى حولها، كلّ هذه الشؤون والشجون ممّا تذيب القلب، وتذهل اللبّ، وتطيش عندها الأحلام، وتخرس الألسنة، وتموت الفطنة، ولا يستطيع أجلد إنسان أن ينبس بكلمة في مثل تلك الكوارث.
    أفهل تخشى ـ لو تصوّرت مزايا تلك الرزايا لزينب ـ أن تقول: إنّ موقفها عند ابن زياد كان أعظم من موقف أنصار الحسين يوم الطفّ عند جند ابن سعد؟!
    قل ولا تخف، وعلَيَّ الإثبات.
    هل أحسستَ في تلك الساعة الرهيبة من زينب أمام عدوّها القاسي الظالم الشامت الشاتم أن تلجلج لسانها؟! أو اضطرب جَنانها؟! أو ظهر عليها ذرّة من الذلّ والاستكانة؟! أو خضعت فانقطعت؟! أو عجزت عن ارتجال الخطب البليغة التي لو جاء بها الوادع الساكن والمطمئنّ الآمن بعد ليال وأيّام لكانت آية من آيات الإبداع، ورمزاً من رموز البراعة؟!
    فكيف وقد اندفعت بها في حشد الرجال على سبيل الارتجال، وهي على ما عرفتَ من الوضع ; عنه يقال في الشدّة: « بين ذارعي وجبهة الأسد »(65)، تتقاذفها لهوات الكُرب، وتلوكها وتمضغها أنياب النوب، حتّى إنّ ابن زياد أعجَمَ عُودَها(66)، فرآها صلباً مرّاً، لا يلين لغامز، ولا يلذّ لماضِغ، وأنّها لا تنقطع ولا تكلّ، ولا تعرف للرهبة وللخوف معنىً، وخشي أن لا تُبقي من هتكه وفضيحته باقية، وأن تقلب عليه الرأي العامّ، وتُحْدِث في جماعته فتقاً لا يرتق، غيَّرَ من خطّته، وتنازل عن غُلوائه(67) وشدّته، فكان آخر كلامه معها بعد أن شفت غليلها منه: لعمري إنّها لسجّاعة، ولقد كان أبوها أسجع منها(68)؟!
    لا يا بن مرجانة! ما هي بسجّاعة، هي أُمثولة الصبر والثبات، ورمز غلبة الحقّ على الباطل، واحتقار الحكم الزائف والملك الزائل، وسلطنة الخداع والمكر.
    لا يا بن مرجانة! هذه زينب بنت عليّ الذي عَلَّمَ الناس الفصاحة، والبراعة، والشجاعة، والسجاعة.
    هذه زينب بنت الزهراء البتول، لا كمرجانة وسميّة ذوات الأعلام في الجاهلية والإسلام(69).
    هذه زينب بنت الطاهرة العذراء، لا كهند الخرقاء(70)، صاحبة القارعة(71) والفاكّة(72)، التي يقول فيها حسّان شاعر النبيّ(ص) :
    لمنِ الصبيُّ بجانبِ البطحاءِ***..............البيتين(73)
    وما كانت تلك الشجاعة منها سلام الله عليها في مرّة أو مرّتين، بل كانت كلّما ضاق الأمر، واشتدّت المحنة، وتجمهر المتفرّجون عليهم عند دخولهم الكوفة، وعند خروجهم منها، وفي قصر الإمارة، وفي مجلس ابن زياد ; في كلّ ذلك تتحدّى فتُدْهش، وتحتجّ فتُفْلج، وتخطب فتُعْجب، تخطب خطبة البليغِ المُدِرِّ(74)، والمِصْقَعِ(75) المُفَوَّهِ(76) الذي تهيّأت له كلّ أسباب الدِّعَة(77 ) والراحة والفراغ والطمأنينة.
    دخل السبي إلى الكوفة بحال (يذوب الصفا منها ويشجي المحصبُ)(78)، فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون، فقال عليّ بن الحسين(ع) وقد أنهكته العلّة: « تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم، فالحَكَمُ بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء »(79).
    ثمّ تعاظمت الفجيعة فصار الرجال والنساء يبكون معاً، فقال(ع) : « أتبكون وتنوحون لنا؟! فمن قتلنا؟! »(80).
    قال بشر بن خزيم الأسدي(81) : ونظرت إلى زينب بنت عليّ(ع)يومئذ فلم أرَ خفرة قطّ أنطق منها كأنّما تنطق عن لسان أمير المؤمنين (ع)، وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس، وسكنت الأجراس(82)، ثمّ قالت:
    « الحمد لله، والصلاة على أبي محمّد وآله.
    أمّا بعد.. يا أهل الكوفة! يا أهل الختل(83) والغدر! أتبكون؟!
    فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنّما مثلكم كمثل التي {نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} (84).
    واندفعت كالسيل المنحدر، إلى أن قالت:
    أتبكون وتنتحبون؟!
    إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها(85).
    ويلكم! أتدرون أيَّ كبد لرسول الله فريتم؟! وأيَّ كريمة له أبرزتم؟! وأيَّ دم له سفكتم؟!
    أفعجبتم أن قطرت السماء دماءً {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى} (86) وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم الجهل، فإنّه لا يحفزه البِدار(87)، ولا يخاف فوت الثار، وإنّ ربّكم لبالمرصاد.
    قال: فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم، ورأيت شيخاً يبكي حتّى اخضلّت لحيته وهو يقول: بأبي أنتم، كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل، لا يذلّ ولا يخزى »(88).
    ثمّ خطبت أُمّ كلثوم بخطبة بليغة(88).
    ثمّ خطبت فاطمة الصغرى بخطبتها التي تقول في أوّلها: «الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى...»(89) إلى آخر ما قالت.
    هذا كلّه وهم سائرون يساقون في السبي على الهوادج والمحامل، وفي الكوفة، وعند ابن زياد.
    ولكن هلمّ معي ندخل مع هذا السبي إلى الشام وننظر كيف دخوله على يزيد ووقوفهم بين يديه، ولنستبق إلى مجلس يزيد نتبوّأ لنا موقفاً منه قبل ازدحام المتفرّجين وتزاحم النظّارة..
    ووقفنا في حاشية النادي الأُموي نتطلّع
    هذا يزيد جالس على السرير فوق المصطبة العالية، وهو مخمور يرنّح(91) أعطافه(92) من خمرتين: خمرة العُقار(93)، وخمرة الانتصار، ومنتش بنشوتين: نشوة الملك، ونشوة الفتح والظفر(94)، ودونه طواغيت بني أُميّة من الأعياص والعنابسة(95) من بني عبد شمس، وهم على كراسي الذهب والعاج، يرفُلون(96) بحلل الديباج..
    وهذه أقداح الشراب والخمور، ونخب الفرح والسرور تدار عليه وعليهم، والأعواد والمزامير تضرب لديهم..
    فبينما ]همهذا قليل من كثيرِ تلك الخطبة، التي هي آية في البلاغة والفصاحة، ومعجزة من معجزات البيان!
    وهل يختلجك الشكّ والريب بأنّ كلّ فقرة منها كانت على يزيد أشدّ من ألف ضربة؟!
    وهل تشكّ أنّ هذه الخطبة وأمثالها كانت هي الضربة القاضية على مُلك يزيد ومعاوية؟!
    وهل أبقت لهم من باقية؟!
    وهل يبقى لك شكٌّ بعدُ أنّ مواقف زينب وأُمّ كلثوم وفاطمة الصغرى ورباب وسكينة، في الكوفة والشام، بل في كلّ موقف ومقام، كان لا يقصر ـ إنْ لم يتفوّق ـ على موقف حُماتهنّ وسُراتهنّ يوم الطفّ؟!
    وهل تشكّ وترتاب في أنّ الحسين سلام الله عليه لو قُتل هو ووُلْدُهُ ولم يتعقّبه قيام تلك الحرائر في تلك المقامات بتلك التحدّيات لذهب قتله جُباراً(109)، ولم يطلب به أحد ثاراً، ولضاع دمه هدراً، ولم يكن قتله إلاّ قتل عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب وأمثالهما ممّن خَمَدَ ذِكرهم وضاع وترهم؟!
    نعم، لا يرتاب لبيب عارف بأسباب الثورات، وتكوين انقلابات الأُمم، وتهييج الرأي العامّ، أنّ أقوى سبب لذلك هو الخطابة والسحر البياني الذي يؤثّر في العقول وينير العواطف!
    وإذا استحضرت واقعة الطفّ المفجعة وتوالبها(110)، تعلم حقّاً أنّه ما قلب الفكرة على بني سفيان، وانقرضت دولة يزيد بأسرع زمان، إلاّ من جرّاء تلك الخطب والمقالات التي لم يقدر أيّ رجل في تلك الأوقات الحرجة والأوضاع الشاذّة على القيام بأدنى شيء منها، فقد تسلسلت الثورات والفتن على يزيد من بعد فاجعة الطفّ إلى أن هلك.
    بل ما نهضت جمعية التوّابين، وتلاهم قيام المختار لأخذ الثار(111)، وتعقّبتها واقعة الحرّة(112)، التي هلك بعدها يزيد بأيّام قليلة ; ما كان كلّ ذلك إلاّ من أثر تلك المواقف المشهودة لزينب وأخواتها.
    فكان الحسين(ع) يعلم أنّ هذا عمل لا بُدّ منه، وأنّه لا يقوم به إلاّ تلك العقائل، فوجب عليه ـ حتماً ـ أن يحملهنّ معه، لا لأجل المظلومية بسبيهنّ فقط ـ كما شرحناه في الجواب الأوّل ـ بل لنظر سياسيّ وفكر عميق، وهو تكميل الغرض وبلوغ الغاية من قلب الدولة على يزيد، والمبادرة إلى القضاء عليها قبل أن تقضي على الإسلام وتعود الناس إلى جاهليّتها الأُولى!
    فقد أصبح الدين على عهد يزيد هو دين القرود والفهود، دين الخمور والفجور، والضرب بالعود والطنبور، وأوشك أن يذهب دين محمّد(ص) أدراج الرياح، وتكون نبوّته كنبوّة مسيلمة(113) وسجاح(114)، ونظرائهم(115).
    إذاً، فجزى الله تلك الحرائر بحسن صنيعهنّ عن الإسلام أحسن الجزاء، وكلّ مسلم مدين بالشكر لهنّ وللحسين(ع) إذا كان مسلماً حقّاً ويرى للإسلام حقّاً عليه.
    وعلى هذا، فيحقّ للجنس اللطيف ـ كما يسمّونه اليوم ـ أن يفخر على الجنس الآخر بوجود مثل تلك العليّات العلويّات فيه، وقد تجلّى واتّضح أنّ هذا الجنس الشريف قد يقوم بأعمال كبيرة يعجز عنها الجنس الآخر ولو بذل كلّ ما في وسعه، وأنّ له التأثير الكبير في قلب الدول والممالك، وتحوير الأفكار، وإثارة الرأي العامّ.
    وهذه نكتة واحدة من نكات السياسة الحسينية، وغور نظره في الشؤون الدولية لو قطعنا النظر عن الوحي والإمامة، وجعلناه كواحد من الناس قد ثار على عدوّ له متغلّب عليه، يريد الانتقام منه، يريد أن ينقله من عرشه إلى نعشه، ومن قصره إلى قبره، ومن ملكه إلى هلكه، ويريد أن يقضي على دولة أبيه ودولته، ولا يدع حظّاً في الملك لولده وذرّيّته.
    ومن تصفّح سيرة معاوية، وجهوده العظيمة، وتدابيره العميقة مدّة عشرين سنة، يعرف عظيم مساعيه، وكم كان حريصاً على توطيد دعائم الملك ليزيد، وحبسه أبداً عليه وعلى ولده، حتّى دسّ السمّ إلى الحسن(ع) وقتله مقدّمة لاستخلاف يزيد، وكم استعمل العامِلَين القويَّين السيف والدينار، والرغبة والرهبة، في تمهيد عرش يزيد وإعطائه صولجان الملك وتاج الخلافة الذي انتزعه من بني هاشم، وأعمل التدابير المبرمة في أن لا يعود إليهم أبداً.
    ولكنّ الحسين وعلى ذِكره آلاف التحيّة والسلام بتفاديه وتضحيته، وتدابيره الفلسفية، وإحاطته بدقائق السياسة، ثَلَّ(116) ذلك العرش، وهدم ذلك البنيان الذي بناه معاوية في عشرين سنة، هدمه في بضعة أيّام، وما أثمر ذلك الغرس الذي غرسه معاوية ليزيد إلاّ العار والشنار، والخزي المؤبّد، واللعنة الدائمة، وصار معاوية المثل الأعلى للخداع والمكر، والظلم والجور، والرمز لكلّ رذيلة، ومعاداة كلّ فضيلة.
    كلّ ذلك بفضل السياسة الحسينية وعظيم تضحيته، وصار هو وأهل بيته ـ إلى الأبد ـ المثل الأعلى لكلّ رحمة ونعمة، وبركة وسلام، فما أكبره وما أجلّه!
    وقد بقيت هناك دقائق وأسرار لم يتّسع الوقت لنظمها في هذا السلك...، وهذا الذي ذكرنا هنا طرف من سياسة الحسين(ع)، وناحية من نواحيها، ذكرنا منه ما يتعلّق به الغرض في الجواب، ودفع الشكّ والارتياب.
    وفي الختام، أرجع فأقول: ما أدري، هل اندفع بهذه الوجوه الأربعة أو الخمسة اعتراض الناقد أو المشكّك على الحسين(ع) في حمل العيال؟!
    وهل انكشف الستار عن تلك الأسرار(117)؟!
    فإنْ كان كلّ ذلك البيان لم يقنعه، ولم يدفع شكّه وريبه، فأمره إلى الله، ولا أحسبه إلاّ ممّن قال فيه سبحانه: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} (118).

    ويليه الهوامش في
    منقول
  2. بواسطة ياحبيبي ياحسين

    الهوامش
    -----------
    (1) هو الشيخ عبد المهدي بن عبد الحسين مطر، كتب رسالة الى الشيخ (ره) حول بعض المشككين، جاء فيها: ... يسأل المشكّك أو الناقد عمّا إذا كان الحسين(ع) عالماً بقتله في خروجه إلى (كربلاء) وسبي عياله، فقد عرَّضَ بعِرْضِهِ إلى الهتك، وليس في تعريضه هذا شيء من الحسن العقلي المعنوي يوازي قبح الهتك، وكُنْتُ قد أجبتُ: أنّ الهتك فيه مزيد شناعة لأعمال الأُمويّين لم تكن تحصل بقتل الحسين(ع) فحسب، وكانت الغاية للحسين(ع) في خروجه إطفاء نائرة الأُمويّين، والبروز في المظلومين بكلّ مظاهرها، من قتل، وحرق، وسبي.
    غير أنّ المشكّك لم يقنع أن تكون وسائل الإطفاء قد قلّت على الحسين(ع) وهو بذلك المظهر الديني، حتّى احتاج إلى عرض عائلته على الهتك...(المصحح).
    (2) راجع مباحث الإمامة في: دلائل الصدق 4 / 205 وما بعدها.
    (3) كذا في الأصل، والظاهر أنّه تصحيف: « الحكيم »، بقرينة: « الملِك الحكيم » التي جاءت قبل عدّة أسطر.
    (4) النساء: 65.
    (5) اللمعة البيضاء ـ للتبريزي ـ : 64 ـ 65 عن معاني الأخبار، الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة ـ للسيّد عبد الله شبّر ـ : 201.
    (6) عجز بيت من قصيدة للشاعر بهاء الدين زهير، المتوفّى 656 هـ، وتمامه في الديوان، ص 156:
    لي فيكَ أجرُ مجاهِد * إنْ صحَّ أنّ الليلَ كافِرْ

    والكَفر ـ لغةً ـ : ستر النعمة، وأصله الكَفر ـ بالفتح ـ ; أي: الستر، ومنه سُمّيَ المزارع كافراً لستره البذر، وقيل: الليل كافر ; لأنّه يستر بظلمته كلّ شيء، وكَفَر الليلُ الشيءَ، وكَفر عليه ; بمعنى غطّاه.
    انظر: تفسير الطبري 1 / 143، فيض القدير في شرح الجامع الصغير 1 / 22، لسان العرب 12 / 120 مادّة « كفر »، تاج العروس 7 / 452 مادّة « كفر ».
    (7) العَيْثُ: مصدر عاثَ يعيثُ عَيثاً وعُيوثاً وعَيثاناً: أفسد وأخذ بغير رفق، وقيل: هو الإسراع في الفساد. انظر: لسان العرب 9 / 491 مادّة « عيث ».
    (8) هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وُلد سنة 22 وقيل سنة 27 هجرية، ثاني ملوك الدولة الأُموية، ترعرع في تدمر فنشأ نشأة بدوية، وكان دائم الشغل بالصيد والعبث واللهو والشراب، يدخل المغنّين إلى قصر معاوية « الخضراء » في جوف الليل مع علم معاوية.
    أُمّه: ميسون بنت بحدل بن حنيف الكلبية، و « كلب » قبيلة كانت نصرانية، أسلمت بعد الفتح الإسلامي للشام.
    كان يزيد أوّل من سنّ الملاهي في الإسلام، وآوى المغنّين، وأظهر الفسق وشرب الخمر، وكان ينادم عليها جون ـ مولاه ـ والأخطل الشاعر، وظهر الغناء بمكّة والمدينة في أيّامه، وأظهر الناس شرب الشراب، وكان يفعل فعل المجوس من نكح الأُمهات والمحارم، ويتّخذ الغلمان والقيان.
    ذكر المؤرّخون أنّه أمر مسلم بن عقبة باستباحة المدينة ثلاثة أيّام في وقعة الحرّة، وقتل أهلها الأبرياء من أطفال ونساء وشيوخ وحتّى بقيّة صحابة رسول الله(ص).
    وأمر أيضاً الحصين بن نمير بإحراق الكعبة بالمنجنيق ورميها بالنار والحجارة حتّى هدّمت وأُحرقت البنية.
    إضافة إلى كلّ هذه الأفعال الشنيعة، فإنّه ارتكب جريمة يندى لها جبين البشرية ووجه التاريخ إلى يوم القيامة، ألا وهي جريمة قتل سبط النبيّ(ص) وسيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع) وأخذ عياله ونسائه سبايا، فهذه الجريمة النكراء هي وحدها كافية بأن تخرج يزيد اللعين من الدين والملّة.
    انظر: الطبقات الكبرى ـ لابن سعد ـ 4 / 212، أنساب الأشراف 5 / 299 ـ 376، الإمامة والسياسة 1 / 234 ـ 239 و ج 2 / 5 ـ 17، تاريخ اليعقوبي 2 / 154 ـ 168، تاريخ الطبري 5 / 623، الفتوح ـ لابن أعثم ـ 3 / 180 ـ 188، البدء والتاريخ 2 / 241 ـ 244، العقد الفريد 3 / 362، مروج الذهب 3 / 67 ـ 72، الأغاني 8 / 336، البداية والنهاية 8 / 181 ـ 189. وللمزيد من التفصيل راجع: كتاب « يزيد في محكمة التاريخ » لجواد القزويني.
    (9) انظر: البداية والنهاية 8 / 131.
    (10) الملهوف على قتلى الطفوف: 128، بحار الأنوار 44 / 364، ينابيع المودّة 2 / 60.
    وانظر: أُسد الغابة 1 / 498 رقم 1173، ترجمة الإمام الحسين ـ لابن سعد ـ : 59، تاريخ دمشق 14 / 209.
    (11) السياسة الإسلامية ـ لماربين ـ .
    (12) المراد أنّ حرائر الإمام أبي عبد الله الحسين (ع) كالنجم في البعد وعلوّ المرتبة، وفي منزلة يستحيل معها الوصول إليهن أو مسّهنَّ بما يخدش عفّتهنَّ، روحي وأرواح العالمين لهنّ فداء.
    (13) البيت للشاعر جواد بدقت الأسدي، ضمن قصيدة من 35 بيتاً، مطلعها:
    بواعث أنّي للغرام مؤازرٌ * رسوم بأعلى الرقمتين دوائرُ

    إلى أن يقول:
    يطوف على وجه البراقع نورها * فيحسب راء أنّهنَّ سوافِرُ

    ويقول في آخر القصيدة:
    فيا ليت صدري دون صدرك موطئٌ * ويا ليت خدّي دون خدّك عافرُ

    انظر: أدب الطفّ 7 / 144 ـ 151.
    (14) انظر: مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ 4 / 40.
    (15) الصِّلْدِمُ والصُّلادِمُ ـ : الشديدُ الحافر، وقيل: الصِّلْدِمُ: القويّ الشديد من الحافِر، وجمعه: صَلادِم ـ بالفتح ـ، وفرسٌ صِلْدِمٌ ـ بالكسر ـ : صُلْبٌ شديد، ورأسٌ صِلْدِمٌ وصُلادِمٌ ـ بالضمّ ـ : صُلْب. وهي هنا كناية عن قوّة حجّة الإمام الحسين (ع) وبلاغته. انظر: لسان العرب 7 / 387 مادّة « صلدم ».
    (16) أي: أحدّ من السيوف.
    (17) من حِكَمِ الإمام أمير المؤمنين (ع)، انظر: نهج البلاغة: 545 رقم 394.
    (18) مقتل الإمام الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ: 30.
    (19) القَعَس: نقيض الحَدَب، وهو خروج الصدر ودخول الظهر ; قَعِسَ قَعَساً، فهو أقْعَس ومُتقاعس، والمرأة قعساء، والجمع: قُعْس.
    و « همّته القعساء » هنا كناية عن علوّ همّة الإمام الحسين(ع) وارتفاع عزيمته وسموّ شأنه. انظر: لسان العرب 11 / 243 مادّة « قعس ».
    (20)انظر تفصيل الحوار الذي دار بين الإمام أبي عبد الله(ع) وبين الحرّ بن يزيد الرياحي في: تاريخ الطبري 3 / 305 ـ 306 حوادث سنة 61 هـ، مقتل الحسين ـ لابن أعثم ـ: 89 ـ 96، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 1 / 329 ـ 333.
    (21) القَصْعَةُ: الصَّحفة أو الضَّخمة منها تشبع العشرة، والجمع: قِصاعٌ وقِصَعٌ وقَصَعات. انظر مادّة « قصع » في: لسان العرب 11 / 193، تاج العروس 11 / 375.
    (22) الطَّسُّ: الطَّسْتُ من آنية الصفر، أُنثى تُذكَّر، وهي فارسية، والجمع: طِساس. انظر: تاج العروس 3 / 90 مادّة « طست » و ج 8 / 340 مادّة « طسس ».
    (23) الراوية: هو البعير أو البغل أو الحمار يُستقى عليه الماء، والراوية هنا هي المِزادة والوعاء الذي يكون فيه الماء، سمّيت راوية لمكان البعير الذي يحمله.
    انظر: لسان العرب 5 / 380 مادّة « روي ».
    (24) خَنَثَ: ثَنَى وكَسَرَ، خنَثَ فَمَ السِّقاء: ثنى فاهُ وكَسَرَه إلى الخارج، فشرب منه، وإن كَسَرَهُ إلى الداخل فقد قَبَعَهُ. انظر: تاج العروس 3 / 207 مادّة « خنث ».
    (25) انظر: تاريخ الطبري 3 / 305، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 1 / 329 ـ 330.
    (26) الصَّحصحان: ما استوى من الأرض وجَرَد، والجمع: الصحاصِحُ ; والصَّحصحُ: الأرض الجرداء المستوية ذات حصىً صغار، وأرض صحاصحُ وصحصحان: ليس بها شيء ولا شجر ولا قرار للماء. انظر: لسان العرب 7 / 288 مادّة « صحح ».
    (27) الحُمُول: الإبل وما عليها من الهوادج والأثقال. انظر: لسان العرب 3 / 334 مادّة «حمل».
    (28) انظر: مجمع البحرين 5 / 461 مادّة « كربل ».
    (29) كذا في الأصل، والظاهر أنّ كلمة « بن » ساقطة ; لأنّ بعض المصادر التي نقلت القصّة ذكرت أنّه « محمّد بن بشير الحضرمي » ; كما في: ترجمة الإمام الحسين ومقتله ـ لابن سعد ـ: 71، تاريخ دمشق 14 / 182، اللهوف على قتلى الطفوف: 153، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2592، تهذيب الكمال 4 / 483.
    ومصادر أُخرى ذكرت أنّه « بشير بن عمرو الحضرمي » ; كما في: مقتل الحسين ـ لأبي مخنف ـ: 156، تاريخ الطبري 3 / 330.
    وترجم له صاحب « تنقيح المقال » قائلا: « بشر بن عمرو بن الأحدوث الحضرمي الكندي، كان من حضرموت وعداده في كندة، وكان تابعيّاً، وله أولاد معروفون بالمغازي، وكان ممّن جاء إلى الحسين(ع) أيّام المهادنة ». انظر: تنقيح المقال 1 / 173 رقم 1331.
    (30) الحويَّة: كساء محشوُّ حول سنام البعير، وهي السويّة، والحويّة لا تكون إلاّ للجمال، والسويّة قد تكون لغيرها، لذا تقول العرب: المَنايا على الحَوايا ; أي قد تأتي المنيّة للشجاع وهو على سرجه. انظر: لسان العرب 3 / 409 مادّة « حوا ».
    (31) انظر: ترجمة الإمام الحسين ومقتله ـ لابن سعد ـ: 71 رقم 292، تاريخ دمشق 14 / 182، الملهوف على قتلى الطفوف: 153 ـ 154، بغية الطلب في تاريخ حلب 6 / 2592، تهذيب الكمال 4 / 483، بحار الأنوار 44 / 394.
    (32) انظر: شرح نهج البلاغة 2 / 123، تاريخ اليعقوبي 2 / 266.
    (33) النَّقِبْ: رقّة الأخفاف، نَقِبَ البعيرُ ينقبُ فهو نَقِبٌ، بالكسر إذا رقّت أخفافه.
    انظر: لسان العرب 14 / 249 مادّة « نقب ».
    (34) الهُلْبُ: الشَّعر كلّه، وقيل: هو في الذَّنَب وحده ; وقيل: هو ما غلظ من الشعر، والهُلْبةُ شعر الخنزير الذي يخرز به. انظر: لسان العرب 15 / 111 مادّة « هلب ».
    (35) السِّبْتُ ـ بالكسر ـ: جلود البقر المدبوغة بالقَرظ، تحُذى منه النَّعال السبتية.
    انظر: لسان العرب 6 / 140 مادّة « سبت ».
    (36) انظر: الأغاني 1 / 18 ـ 19، تاريخ دمشق 28 / 261 و ج 48 / 285، النهاية في غريب الحديث والأثر 1 / 78، شرح نهج البلاغة 20 / 139.
    وذكر القصّة ابن منظور في لسان العرب 1 / 244 مادّة « أنن » وقال: « إنّ وراكبها » ; يعني: نعم مع راكبها.
    (37) ذلاذل القميص: ما يَلي الأرض من أسافله، الواحد ذُلذُلٌ. انظر: لسان العرب 5 / 57 مادّة « ذلل ».
    (38) انظر: تاريخ الطبري 1 / 476 ـ 482 أحداث معركة ذي قار، و ج 2 / 166 أحداث غزوة حنين سنة 8 هـ.
    (39) انظر: مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ: 140، تاريخ الطبري 3 / 332، الملهوف على قتلى الطفوف: 168 ـ 169.
    (40) الحجرات: 9.
    (41) انظر: تحف العقول: 174، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 1 / 337، كشف الغمّة 2 / 32.
    (42) نَبَسَ ينبسُ نبساً: وهو أقلّ الكلام: وما نبس، أي: ما تحرّكت شفتاه بشيء، وما نبس بكلمة ; أي: ما تكلّم. انظر: لسان العرب 14 / 20 مادّة « نبس ».
    (43) الإصحار: المجاهرة بالشيء، وأبرز له ما في نفسه صَحاراً: أي: جاهره به جهاراً. انظر: لسان العرب 17 / 289 مادّة « صحر ».
    (44) الغائلة: الحِقد الباطن. انظر: لسان العرب 10 / 161 مادّة « غيل ».
    (45) هنا إشارة إلى تفسير الآية الكريمة: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ} الإسراء 17: 60، التي نزلت في بني أُميّة الّذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد، وقد نقلت ذلك كتب التفسير والحديث والتاريخ، انظر مثلا: تفسير الثعلبي 6 / 111، تفسير ابن جزيّ الكلبي 2 / 174، تفسير القرطبي 10 / 183 ـ 184، تفسير الفخر الرازي 20 / 239، زاد المسير 5 / 40 ـ 42، البحر المحيط 6 / 54 ـ 55، تفسير ابن كثير 3 / 48، تفسير البيضاوي 1 / 575، الكشّاف 2 / 455، الدرّ المنثور 5 / 309 ـ 310، تفسير غرائب القرآن ـ للنيسابوري ـ 4 / 361 ـ 362، فتح القدير 3 / 238 ـ 240، فتح الباري 8 / 508 ح 4716، عمدة القاري 19 / 30، لباب النقول في أسباب النزول ـ بهامش تفسير الجلالين ـ: 235، مجمع البيان 6 / 250، شرح نهج البلاغة 9 / 220 و ج 12 / 81، مسند أحمد 2 / 522، مجمع الزوائد 5 / 240 ـ 241، تاريخ الطبري 5 / 621 حوادث سنة 284 هـ، الخلفاء الراشدون ـ للذهبي ـ: 209 و 210، البداية والنهاية 6 / 176 ـ 177 و 182، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ: 16.
    (46) السبخة: أرضٌ ذات ملح ونَزّ، وجمعها سِباخ.انظر: لسان العرب 6 / 148 مادّة « سبخ ».
    (47) انظر: أنساب الأشراف 3 / 413 ـ 415، تاريخ الطبري 3 / 337، مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ: 152 ـ 156، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 58 ـ 62، الردّ على المتعصّب العنيد: 44، الكامل في التاريخ 3 / 436.
    (48) انظر: أنساب الأشراف 3 / 412 ـ 413، تاريخ الطبري 3 / 336، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 58 ـ 62، الردّ على المتعصّب العنيد: 44، الكامل في التاريخ 3 / 436، أُسد الغابة 2 / 21 ترجمة الإمام الحسين، البداية والنهاية 8 / 152.
    (49) الكعام: شيء يجعل على فم البعير، كعم يكعمُ كعماً، فهو مكعوم وكعيم: شدّ فاه، والجمع: كُعُم. انظر: لسان العرب 12 / 110 مادّة « كعم ».
    (50) الزمر: 42.
    (51) انظر: ترجمة الإمام الحسين ـ لابن سعد ـ: 79، تاريخ الطبري 3 / 337، مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ: 150 ـ 151، الكامل في التاريخ 3 / 435.
    (52) الجامعة: الغُلُّ ; لأنّها تجمع اليدين إلى العنق. انظر: لسان العرب 2 / 359 مادّة « جمع ».
    (53) الشِّنْشِنة: الطبيعة والخليقة والسَّجيّة، والشناشن العربية: يعني السجايا والأخلاق والطبائع العربية. انظر: لسان العرب 7 / 220 مادّة « شنن ».
    (54) استُشهدت مع الإمام الحسين(ع) يوم الطفّ امرأةٌ واحدة، هي: أُمّ وهب النمرية القاسطية، ذكر ذلك الطبري في تاريخه، بعد أن سرد قصّة التحاقها هي وزوجها عبد الله بن عمير الكلبي بركب الإمام(ع) يوم الطفّ، وخروج زوجها للمبارزة والقتال بين يدي الإمام(ع)، وخروجها هي أيضاً للقتال شاحذةً همّة زوجها، مناصرةً لإمام زمانها، ولكنّ الإمام(ع) منعها وردّها إلى الخيام، قائلا لها: ارجعي رحمك الله إلى النساء، فإنّه ليس على النساء قتال.
    قال: وخرجت إلى زوجها بعد أن استشهد حتّى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول: هنيئاً لك الجنّة ; فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام له يسمّى رستم: اضرب رأسها بالعمود! فضرب رأسها فشدخه فماتت مكانها.
    تاريخ الطبري 3 / 321 ـ 322 و 326، وانظر: أنساب الأشراف 3 / 398، الكامل في التاريخ 3 / 422، البداية والنهاية 8 / 145.
    إلاّ أنّ ابن أعثم الكوفي وابن شهر آشوب والخوارزمي وابن طاووس رووا أنّها كانت مع ولدها وهب وزوجته، التي حاولت أن تثنيه عن الخروج والقتال مع الإمام أبي عبد الله الحسين(ع) في بادئ الأمر، لكنّ أُمّه كانت تشدّ من أزره وتحثّه على الاستشهاد بين يدي الإمام(ع) ليكون شفيعاً له عند ربّه يوم القيامة، إلاّ أنّ زوجته أخذت ـ بعد ذلك ـ عموداً فأقبلت نحوه وهي تقول: فداك أبي وأُمّي! قاتل دون الطيّبين حرم رسول الله(ص) ; فأقبل ليردّها إلى النساء، فأخذت بثوبه وقالت: لن أعود دون أن أموت معك ; وظلّت تقاتل معه إلى أن ردّها الإمام الحسين(ع) إلى الخيمة.
    انظر: الفتوح ـ لابن أعثم الكوفي ـ 5 / 116 ـ 117، مناقب آل أبي طالب ـ لابن شهر آشوب ـ 4 / 109 ـ 110، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 15 ـ 16، الملهوف على قتلى الطفوف: 161.
    (55) واستُشهد مع الإمام أبي عبد الله الحسين(ع) يوم الطفّ من الأطفال الّذين لم يبلغوا الحلم خمسة، وهم: عبد الله بن الحسين الرضيع، وعبد الله بن الحسن، ومحمّد بن أبي سعيد، والقاسم بن الحسن، وعمرو بن جنادة الأنصاري ; وقد ذكر أصحاب السير والتواريخ كيفية استشهادهم.
    انظر: تاريخ الطبري 3 / 331 ـ 334، الكامل في التاريخ 3 / 428 ـ 433، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ: 2 / 21 ـ 22، مناقب آل أبي طالب 4 / 104.
    (56) انظر: تاريخ الطبري 3 / 337.
    (57) الأرباع: جمع الرَّبْع ; أي المنزل والمحلّة والدار. والأسباع: جمع السُّبْع ـ بالضمّ ـ: وهي جزء من سبعة.انظر: لسان العرب 5 / 115 مادّة « ربع »، تاج العروس 11 / 199 مادّة « سبع ». ورؤساء الأرباع والأسباع كناية عن رؤساء العشائر والأحياء والمجاميع التي كانت حاضرة مجلس ابن زياد حين دخول حرم رسول الله سبايا إلى قصره.
    (58) كذا في الأصل، والظاهر أنّ هناك سقطاً في الفقرة.
    (59) الدِّلاص من الدروع: الليّنة، ودرعٌ دِلاص: برّاقة ملساء ليّنة بيّنة الدَّلَصِ، والجمع: دُلُصٌ. انظر: لسان العرب 4 / 388 مادّة « دلص ».
    (60 ) الفَلْجُ: الظَّفَرُ والفوز، وقد فَلَجَ الرجلُ على خصمه يفلجُ فلجاً. انظر: لسان العرب 10 / 314 مادّة « فلج ».

    (61) البيض الحِداد: السيوف الحداد القاطعة التي شُحذت ومُسحت بحجر أو مبرد.
    انظر: لسان العرب 1 / 555 مادّة « بيض » و ج 3 / 80 مادّة « حدد ».
    (62) الصعدَةُ: القناة، وقيل: القناة المستوية تنبت كذلك لا تحتاج إلى التثقيف، والجمع: صِعاد، وقيل: هي نحوٌ من الألّةِ، والألَّةُ أصغَرُ من الحربة. انظر: لسان العرب 7 / 344 مادّة « صعد ».
    (63) جهة الالتئام دقيقة مع ما سبق : « وقف سبعون رجلاً في مقابل سبعين ألفاً »، بالمبالغة هنا والحقيقة هناك. منه(ره).
    (64) الكاشح: العدوّ المبغض الذي يضمر لك العداوة ويطوي عليها كشْحَهُ، أي: باطنه. انظر: لسان العرب 12 / 99 مادّة « كشح ».
    (65) عجز بيت للفرزدق، وتمامه:
    يا مَن رأى عارضاً أسرَّ به بين ذراعي وجبهة الأسدِ

    انظر: شرح ديوان الفرزدق: 215، كتاب سيبويه 1 / 180، إملاء ما مَنَّ به الرحمن: 480 تفسير الروم، خزانة الأدب 2 / 281 ـ 282. وأورده صاحب مغني اللبيب: 498 رقم 707 وفي ص 809 رقم 1047 دون أن ينسبه لأحد.
    (66) العَجْمُ: عَضٌّ شديدٌ بالأضراس دون الثنايا، وعجم الشيء يعجمه عجماً وعجوماً: عضّه ليعلم صلابته مِن خَورِه ورَخاوَته. انظر مادّة « عجم » في: لسان العرب 9 / 70، تاج العروس 17 / 463. وأعجمَ عودَها: يعني اختبر قوّتها وصلابتها سلام الله عليها.
    (67) الغُلْواء ; سرعةُ الشباب وشِرّته، وغُلَواءُ كلّ شيء أوّلُه وشِرَّته. انظر: لسان العرب 10 / 114 مادّة « غلا ».
    (68) انظر: تاريخ الطبري 3 / 337، مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ: 150، الكامل في التاريخ 3 / 435، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 47 ـ 48.
    (69) سميّة: هي جارية للحرث بن كلدة، الطبيب الثقفي، كانت من البغايا ذوات الرايات بالطائف، وتسكن حارة البغايا خارجاً عن الحضر، وتؤدّي الضريبة للحرث، وكان قد زوّجها من غلام رومي له اسمه: عبيد، وفي أحد أسفار أبي سفيان للطائف طلب من أبي مريم الخمّار بغيّاً، فقدّم له سميّة فعلقت بزياد ووضعته على فراش عبيد سنة إحدى من الهجرة، وكان يُنسب إليه، ألحقه معاوية بأبيه أبي سفيان فقيل له: زياد بن أبي سفيان.
    ومرجانة: هي زوجة زياد بن أبي سفيان، وأُمّ عبيد الله بن زياد.
    انظر: الاستيعاب 2 / 523 رقم 825، أُسد الغابة 2 / 119 رقم 1800، مروج الذهب 3 / 6.
    (70) الخُرق: الجهل والحُمق ; خَرُقَ خُرقاً، فهو أخرق، والأُنثى خرقاء، وامرأة خرقاء: أي غير صَنَاع ولا لها رِفق، فإذا بنت بيتاً انهدم سريعاً.انظر: لسان العرب 4 / 74 مادّة « خرق ».
    (71) قارعة الدارِ: ساحَتها، وقارعة الطريق: أعلاه، وقيل: وسطه، وقيل: هو نفس الطريق.
    وصاحبة القارعة: كناية عن المرأة التي تكثر الجلوس على قارعة الطريق ولا يسلم من لسانها المارّة، ولا تبالي بما يقال فيها. انظر: لسان العرب 11 / 123 مادّة « قرع ».
    (72) الفاكُّ: الهَرمُ من الإبل والناس، فَكَّ يَفُكُّ فكّاً وفكوكاً، وشيخ فاكٌّ إذا انفرج لحياه من الهَرم. انظر: لسان العرب 10 / 307 ـ 308 مادّة « فكك ».
    (73) قال حسّان بن ثابت لهند ابنة عتبة بن ربيعة:
    لمنِ الصبيُّ بجانبِ البطحاءِ ملقىً عليه غَيرَ ذي مَهْدِ
    نَجَلَتْ بِهِ بيضاءُ آنِسَةٌ مِن عَبْدِ شَمْس صَلْتَةُ الخَدِّ
    انظر: ديوان حسّان بن ثابت 1 / 396.
    (74) المُدِرُّ: المكثِر السَّيّال، ودَرَّت السماء بالمطر دَرّاً، إذا كثر مطرها، وسماء مِدرارٌ أي: تدرّ المطر. وهي هنا كناية عن غزارة علم عقيلة بني هاشم السيّدة زينب سلام الله عليها وبلاغتها. انظر: لسان العرب 4 / 324 ـ 326 مادّة « درر ».
    (75) المِصْقَعُ: البليغ الماهر في خُطبته، والجمع: مصاقِع. انظر: تاج العروس 11 / 275 مادّة « صقع ».
    (76) المُفَوَّهُ: الرجل الذي يجيد القول. انظر: لسان العرب 10 / 356 مادّة « فوه ».
    (77) الدِّعَةُ: السكينة والوقار والتَّرَفُّه. انظر: لسان العرب 15 / 250 ـ 251 مادّة « ودع ».
    (78) عجز بيت للشيخ هاشم الكعبي، من قصيدة طويلة يرثي بها الإمام الحسين(ع)في 99 بيتاً، مطلعها:
    مُنى القلب أن تدنو منّي بعولة وللركب قصدٌ دون ذاك ومطلبُ

    إلى أن يقول:
    ورحن كما شاء العدوّ بعولة يذوب الصفا منها ويشجى المحصبُ

    ويقول في آخر القصيدة:
    ولي منك موعودٌ أرجى نجاحه وموعدك الحقّ الذي ليس يكذبُ

    انظر: الديوان: 1 ـ 6، أدب الطفّ 6 / 218.
    (79) الكلام لأُمّ كلثوم بنت الإمام أمير المؤمنين عليّ(ع) كما في: ينابيع المودّة 3 / 86، بحار الأنوار 45 / 115.
    (80) انظر: مقتل الحسين ـ لابن أعثم الكوفي ـ: 147، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 45، الملهوف على قتلى الطفوف: 192.
    (81) كذا في الأصل، وقد اختلف أصحاب السير والتواريخ في ضبط اسمه، ففي بلاغات النساء: 74 ـ 77: حذام الأسدي، ومرّة أُخرى حذيم، وفي الأمالي ـ للشيخ المفيد ـ: 312: حذلم بن ستير، وفي نسخة بدل: حذلم بن بشير، وفي الاحتجاج 2 / 29 و 31: حذيم بن شريك الأسدي، وفي مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 45: بشير بن حذيم الأسدي، وفي الملهوف على قتلى الطفوف: 192 ـ 194: بشير بن خزيم الأسدي، وفي الرجال ـ للشيخ الطوسي ـ: 88 باب الحاء: حذيم بن شريك، وقد عدّه من أصحاب الإمام عليّ ابن الحسين(ع).
    (82) الجَرْسُ والجِرْسُ والجَرَسُ: الصوت الخفي، والحركة والصوت من كلّ ذي صوت، والجَرَسُ: الذي يُضرَب به، والجمع: أجراس. انظر: لسان العرب 2 / 248 مادّة « جرس ».
    (83) الختل: تخادع عن غفلة، خَتَله يختُله ويختِله ختلا وختلاناً، وخاتلهُ: خدعه عن غفلة، والختل: الخديعة. انظر: لسان العرب 4 / 24 مادّة « ختل ».
    (84) النحل: 92.
    (85) الشِّنار: أقبح العيب والعار. انظر: لسان العرب 7 / 211 مادّة « شنر ».
    (86) فصّلت: 16.
    (87) بادَرَ الشيء مبادَرَةً وبِداراً وابتَدَرَهُ وبَدَرَ غيره إليه يَبْدُرُه: عاجَلهُ، ولا يحفزه البِدار ; أي لا تدفعه المعاجلة، والضمير عائد إلى الله سبحانه.انظر: لسان العرب 1 / 340 مادّة « بدر ».
    (88) انظر: الأمالي ـ للشيخ المفيد ـ: 321 ـ 324، الأمالي ـ للطوسي ـ: 91 المجلس الثالث رقم 142، الاحتجاج 2 / 109 ـ 114، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 45 ـ 47، الملهوف على قتلى الطفوف: 192 ـ 194. وقد أورد ابن طيفور الخطبة كاملة، إلاّ أنّه نسبها إلى أُمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع)، فقال: «...، عن حذام الأسدي ـ وقال مرّة أُخرى: حذيم ـ، قال: قَدمْت الكوفة... إلى أن قال: ورأيت أُمّ كلثوم ـ رضي الله عنها ـ ولم أرَ خفرة... إلى أن قال: ورأيت شيخاً كبيراً من بني جعفي، وقد اخضلّت لحيته من دموع عينه، وهو يقول: كهولكم خيرُ الكهول ونَسْلُهُمُ إذا عُدَّ نسلٌ لا يبورُ ولا يُخزى »
    انظر: بلاغات النساء: 74 ـ 77.
    (89) انظر: بلاغات النساء: 74، الملهوف على قتلى الطفوف: 198.
    91) التَّرَنُّحُ: تَمَزُّز الشراب، ورَنَّحَ الرجلُ وغيره وتَرَنّحَ: تمايل من السُكر وغيره.
    انظر: لسان العرب 5 / 331 مادّة « رنح ».
    (92) العِطفُ: المَنكِبُ، منكِب الرجل عطفه، وإبطه عِطفُهُ، والعُطوف: الآباط، وعِطفا الرجل والدابّة: جانباه عن يمين وشمال، وشِقّاه من لَدُن رأسه إلى وركه، والجمع أعطاف وعِطاف وعُطوف: وعِطفا كلّ شيء: جانباه. انظر: لسان العرب 9 / 269 مادّة « عطف ».
    (93) العُقار: الخمر، سُمّيت بذلك لأنّها عاقرت العقل، يقال: عاقره إذا لازمه وداوَمَ عليه، والمعاقرة: إدمان شرب الخمر. انظر: لسان العرب 9 / 317 مادّة « عقر ».
    (94) أقول: نقل لنا أصحاب السير والتواريخ أنّ الله عزّ وجلّ نغّص نشوة يزيد بقتله أبي عبد الله الحسين(ع) في لحظات، ولم يدعه يهنأ بهذه النشوة ; ذلك حين جبهه يحيى بن الحكم أخو مروان، قائلاً:
    لهام بِجَنبِ الطَّفِّ أدنى قرابةً مِن ابنِ زياد العبدِ ذي الحسب الوغلِ
    سُميّة أضحى نسلُها عَدَد الحصى وبنتُ رسولِ الله أضحتْ بلا نسلِ
    وكذلك عندما اعترض عليه أبو برزة الأسلمي صاحب رسول الله(ص)، قائلاً: « ويحك يا يزيد! أتنكث بقضيبك ثغر الحسين ابن فاطمة؟! أشهد لقد رأيت النبيّ يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن، ويقول: أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة، فقتل الله قاتِلَكُما ولعنه، وأعدّ لهم جهنّم وساءت مصيراً ». انظر: أنساب الأشراف 3 / 412، تاريخ الطبري 3 / 338 ـ 341، البدء والتاريخ 2 / 242.
    (95) كان لأُميّة بن عبد شمس من الوَلَد أحدَ عشرَ ذكراً، كلُّ واحد منهم يُكنّى باسم صاحبه، فمنهم: الأعياص، وهم: العاص وأبو العاص، والعيص وأبو العيص، والعويص لا كَنِيَّ له.
    والعنابس، وهم: حرب وأبو حرب، وسفيان وأبو سفيان، وعمرو وأبو عمرو ; وإنّما سُمّوا العنابس لأنّهم ثبتوا مع أخيهم حَرب بن أُميّة بعكاظ، وعقلوا أنفسهم وقاتلوا قتالا شديداً فشُبِّهوا بالأسد، والأسود يقال لها العنابس، واحدها عنبسة. انظر: الأغاني 1 / 17 ـ 18، لسان العرب 9 / 415 مادّة « عنبس ».
    (96) الرَّفْلُ: جَرُّ الذيل ورَكْضُه بالرِّجْل، ورَفَلَ الرَّجُلُ في ثيابه يَرفُلُ إذا أطالها وجرّها متبختراً. انظر: لسان العرب 5 / 275 ـ 276 مادّة « رفل ».
    (7 ) الربقة: الحبل، أو عروة في الحبل تُجعل في عنق الحيوان، والربق بالفتح: مصدر قولك: رَبَقْتُ الشاة والجدي أرْبُقُها وأربِقُها ربقاً، وربَّقها: شدّها في الربقة.
    انظر: لسان العرب 5 / 123 مادّة « ربق ».
    (98) لقد برز عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد يوم بدر إلى القتال، فبرز لهم الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) وحمزة عمّ النبيّ(ص) وعبيدة بن الحارث ; فقتل أميرُ المؤمنين الوليدَ بن عتبة، وقتل حمزةُ شيبةَ بن ربيعة، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكرَّ الإمام عليّ(ع) على عتبة فقتله. وعتبة بن ربيعة، هو والد هند زوجة أبي سفيان، أُمّ معاوية وجدّة يزيد ; لذا هو يستذكر هنا أجداده من مشركي قريش الّذين هلكوا في معركة بدر الكبرى على يد أمير المؤمنين عليّ(ع)، ويعدّ انتصاره على الإمام الحسين(ع) هو أخذٌ بثارات بدر. انظر: تاريخ الطبري 2 / 32.
    (99) صدر بيت للشاعر عبد الله بن الزِّبعْرى من قصيدة قالها يوم أُحد، جاءت في 16 بيتاً، مطلعها:
    يا غرابَ البينِ ما شئت فقلْ إنّما تندبُ أمراً قد فُعِلْ

    ثمّ يقول:
    ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسلْ

    إلى أن يقول:
    بسيوف الهند تعلو هامهم عَلَلا تعلوهُمُ بَعدَ نَهَلْ

    هكذا أوردها ابن هشام في السيرة النبويّة 4 / 92 ـ 93، وانظر نسبة القصيدة وبعض أبياتها في: طبقات فحول الشعراء 1 / 237 ـ 239، الحيوان ـ للجاحظ ـ ج 5 م 2 / 344، مقاتل الطالبيّين: 119، المؤتلف والمختلف ـ للآمدي ـ: 194 ـ 195.
    أمّا بالنسبة للأبيات التي كان يتغنّى بها يزيد ـ ورأس الإمام الحسين(ع) بين يديه مرّة، وأُخرى عندما أرسل مسلم بن عقبة رؤوس أهل المدينة له بعد وقعة الحرّة المشهورة ـ فقد ذكرها الخوارزمي في مقتل الحسين 2 / 65 ـ 66، قال: فكشف عن ثنايا الحسين بقضيبه ـ أي: يزيد ـ فقال له بعض جلسائه: ارفع قضيبك! فوالله ما أُحصي ما رأيت شفتَي محمّد(ص) في مكان قضيبك يقبّله، فأنشد يقول:
    1 يا غراب البين ما شئت فقلْ إنّما تندبُ أمراً قد فُعِلْ

    2 كلّ مُلك ونعيم زائل وبنات الدهر يلعبن بكلْ

    3 ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسلْ

    4 لأهلّوا واستهلّوا فرحاً ثمّ قالوا: يا يزيد لا تشلْ

    5 لست من خِندفَ إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعلْ

    6 لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ

    7 قد أخذنا من عليّ ثارنا وقتلنا الفارسَ الليثَ البطلْ

    8 وقتلنا القرم من ساداتهم وعدلناه ببدر فاعتدلْ

    إنّ الأبيات من 4 ـ 7 المذكورة أعلاه لم ترد في السيرة النبويّة ـ لابن هشام ـ ; لذا ذهب بعض أصحاب السير والتواريخ إلى أنّها من إنشاء يزيد وزياداته على القصيدة:
    * يقول ابن أعثم في مقتل الحسين، ص 160: ثمّ زاد فيها ـ أي في القصيدة ـ هذا البيت:
    لستُ من عتبة إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعلْ

    * ويقول سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ، ص 235: قال الشعبي: وزاد فيها يزيد، فقال:
    لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ

    لست من خِندفَ إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعلْ

    * ويقول ابن كثير في البداية والنهاية 8 / 180: وقد زاد بعض الروافض فيها، فقال:
    لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحيٌ نزلْ

    * وأورد صاحب العقد الفريد 3 / 374 البيتين 3 و 4 المذكورين أعلاه، وعلّق عليهما المحقّق قائلا: بأنّ البيت الثاني من إضافات يزيد.
    * ويقول الطبري في تاريخه 5 / 623: فقال ـ أي يزيد ـ مجاهراً بكفره، ومظهراً لشركه ; وذكر الأبيات 8، 3، 4، 5، 6، المذكورة أعلاه.
    أقول: إنّ قصيدة ابن الزِّبَعْرى هذه كانت من الشهرة بمكان حتّى كان يتناقلها الرواة من قبل أن يتغنّى ويتمثّل بأبياتها يزيد، وبعد أن تمثّل بها يزيد وأضاف فيها ما أضاف من الأبيات ـ في مجالس الشرب والغناء التي كان يقيمها وهو واضع رأس الإمام الحسين(ع) أمامه ـ، تناقلها الرواة كلٌّ حسب هواه، فمنهم من لم يشأ إظهار كفر يزيد بحذفه بعض ما أضافه يزيد من الأبيات، ومنهم من اتّهم بعضَ الشيعة بوضعها، ومنهم من نقلها كما هي أمانةً للتاريخ، مضيفين إليها ما في ذاكرتهم من الأبيات ; ولذا كان هذا الاختلاف في بعض ألفاظ الأبيات التي رويت على لسانه.
    والحاصل: إنّ النتيجة واحدة، سواء كانت الأبيات ليزيد أو لابن الزِّبعرى، فترديد يزيد وتغنّيه بها على إثر ما يعدّه انتصاراً في واقعتين كبيرتين ـ بل في جريمتين كبريتين ـ سوّدتا وجه التاريخ، دليل على كفره وشركه وانحرافه عن الدين والملّة.
    (100) الفِقرة والفَقَرَة والفَقار ـ بالفتح ـ: واحدة فَقار الظهر، وهو ما تنضّد من عظام الصلب من لَدُن الكاهل إلى العَجب، والجمع: فِقَر وفَقار، وقيل: فِقْرات وفِقَرات.
    انظر: لسان العرب 10 / 300 مادّة « فقر ».
    (101) القُلامة: اسم ما قطع من طرف الظفر. انظر: لسان العرب 11 / 291 مادّة « قلم ».
    (102) الروم: 10.
    (103) وسقَ: وسقه يَسِقُه وسقاً ووسوقاً ; أي: ضَمَّهُ وجمعه وحمله، واستوسقت الإبل ; أي: اجتمعت، استوسقَ لك الأمر: أمكنَك، ومستوسقة: مجتمعة. انظر: تاج العروس 13 / 481 مادّة « وسق ».
    (104) آل عمران: 178.
    (105) الكهف: 50.
    (106) مريم: 75.
    (107) أقول: نعم، إنّ شرف الغاية يبرّر الواسطة، ولكن لا يكون ذلك إلاّ لمَن عصمه الباري عزّ وجلّ عن كلّ خطأ وزلل، فتقييم المعصوم لشرف الغاية ونوع الوسيلة يكون تقييماً إلهيّاً لا يستند إلى الهوى والرغبات الشخصية، فكلّ الوسائل التي يتّبعها للوصول إلى الغاية لا تخرج عن كونها وسائل شرعية.
    ولعِلم المصنّف(ره) بأنّ مقولة: «شرف الغاية يبرّر الواسطة» على إطلاقها غير صحيحة; لتعذُّر تشخيص الغاية الشريفة من غيرها ممّن هم دون مرتبة العصمة، الّذين تتعدّد اجتهاداتهم وآراؤهم تبعاً لأهوائهم وتصوّراتهم في تقييم الغايات وتشخيص الوسائل الصحيحة للوصول إليها ; لذا اعترضها بقوله: « كما يقال » ; فلاحظ!
    (108) انظر: بلاغات النساء: 70 ـ 73، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ـ 2 / 74، الاحتجاج 2 / 122 ـ 130 رقم 173، الملهوف على قتلى الطفوف: 215 ـ 218، بحار الأنوار 45 / 134.
    ------------
    (109) الجُبار: الهَدَرُ، ذهب دمه جُباراً ; أي هدراً. انظر: لسان العرب 2 / 168 مادّة « جبر ».
    (110) التولب: ولَد الأتان من الوحش إذا استكمل الحول. وهنا كناية عمّا أولدته واقعة الطفّ من الحروب والثورات التي اندلعت على بني أُميّة بعد استشهاد الإمام الحسين(ع). انظر: لسان العرب 2 / 41 مادّة « تلب ».
    (111) راجع رسالة « أصدق الأخبار في قصّة الأخذ بالثار » للسيّد محسن الأمين العاملي، تحقيق فارس حسون كريم، المنشورة على صفحات مجلّة « تراثنا »، العدد المزدوج 66 ـ 67، السنة السابعة عشرة / ربيع الآخر ـ رمضان 1422 هـ.
    (112 ) هذه الواقعة هي عارٌ في جبين يزيد بن معاوية، وجريمة أُخرى تضاف إلى جريمته الكبرى التي ارتكبها بقتله الإمام الحسين(ع).
    في هذه الواقعة من المآسي والويلات تكاد السماوات يتفطّرن من هولها، فقد استباح مسلم بن عقبة وجنوده وبأمر من يزيد مدينة الرسول(ص) ثلاثة أيّام، واعتدوا على العذارى من بنات المهاجرين والأنصار، وقتلوا الآلاف من الشيوخ والنساء والأطفال اللائذين بقبر سيّد المرسلين(ص)، حتّى إنّه لم يبق بعدها بدريّ، وأمر بعد ذلك بالبيعة ليزيد وعلى أنّهم خَوَلٌ وعبيد له، إنْ شاء استرقّ وإنْ شاء أعتق، فبايعوه على ذلك، وفيهم جابر بن عبد الله الأنصاري وأبو سعيد الخدري وغيرهم من بقيّة الصحابة.
    ثمّ بعث مسلم بن عقبة برؤوس أهل المدينة إلى يزيد، فلمّا أُلقيت بين يديه جعل يتمثّل بقول ابن الزِّبعْرى يوم أُحد:
    ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسلْ

    انظر: أنساب الأشراف 5 / 337 ـ 355، الإمامة والسياسة 1 / 234 ـ 239، البدء والتاريخ 2 / 243 ـ 244، العقد الفريد 3 / 372 ـ 374، تاريخ الطبري 5 / 623، البداية والنهاية 8 / 177 ـ 180، وفيات الأعيان 6 / 276، الفخري ـ لابن الطقطقي ـ: 119، الإتحاف بحبّ الأشراف: 66.
    (113) هو: مُسيلمة بن حبيب من بني تميم، متنبّئ، كان يسجع لقومه السجعات مضاهاةً للقرآن، وضع عنهم الصلاة، وأحلّ لهم الخمر والزنا!
    وُلد باليمامة قبل ولادة والد رسول الله(ص)، كان من المعمّرين، تلقّب بالجاهلية بـ « الرحمن »، وعرف بـ « رحمن اليمامة »، قالوا في وصفه: كان رُوَيْجِلاً، أُصيغر، أُخينس، كان اسمه مَسْلَمة، وسمّاه المسلمون مُسيلمة تصغيراً له، قُتل في غزوة اليمامة عام 12 هـ، وكان عمره آنذاك 150 سنة، انظر: تاريخ الطبري 2 / 199 ـ 200، تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ: 89، شذرات الذهب 1 / 23.
    (114) هي: سجاح بنت الحارث بن سويد، وقيل: بنت غطفان التغلبية التميمية، تكنّى أُمّ صادر، كانت رفيعة الشأن في قومها، شاعرة، أديبة، عارفة بالأخبار، لها علم بالكتاب أخذته عن نصارى تغلب، وكانت متكهّنة قبل ادّعائها النبوّة، وهي مع ادّعائها النبوّة فقد كذّبت بنبوّة مسيلمة الكذّاب، ثمّ آمنت به، فتزوّجها من غير صداق! ثمّ أصدقها بأن وضع عن قومها صلاتَي الفجر والعشاء الآخرة!!
    وقيل: إنّها عادت إلى الإسلام بعد مقتل مسيلمة، فأسلمت وهاجرت إلى البصرة، وتوفّيت بها في زمان معاوية نحو سنة 55 هـ .
    انظر: مروج الذهب 2 / 303، الإصابة 7 / 723 رقم 11361، البداية والنهاية 6 / 239 ـ 241 حوادث سنة 11 هـ، تاريخ الخميس 2 / 159، لسان العرب 6 / 174 مادّة « سجح »، الأعلام 3 / 78.
    (115) من أمثال: طُليحة بن خويلد بن نوفل بن نضلة بن الأشتر الأسدي، شهد معركة الخندق مع الأحزاب، وأسلم سنة 9 هـ، ثمّ ارتدّ وادّعى النبوّة في عهد أبي بكر، ثمّ كانت له وقائع كثيرة مع المسلمين، ثمّ خذله الله وهرب حتّى لحق بأعمال دمشق، ونزل على آل جَفْنَة، ثمّ أسلم وقدم مكّة معتمراً، ثمّ خرج إلى الشام مجاهداً، وشهد اليرموك، وشهد بعض حروب الفرس، وقُتل بنهاوند سنة 21 هـ.
    انظر: الاستيعاب 2 / 773 رقم 773، أُسد الغابة 2 / 477 رقم 2639، تاريخ دمشق 25 / 149 ـ 172 رقم 2992، الإصابة 3 / 542.
    * والأسود العنسي، عيهلة بن كعب بن عوف العنسي المذحجي، قيل: إنّه كان أسود الوجه فسمّي الأسود للونه، متنبّئ مشعوذ، من أهل اليمن، أسلم لمّا أسلمت اليمن، وارتدّ في أيّام النبيّ(ص) فكان أوّل مرتدّ في الإسلام، وادّعى النبوّة، قُتل قبل وفاة النبيّ(ص) بخمسة أيّام، وكان ظهوره في سنة 10 هـ.
    انظر: الكامل في التاريخ 2 / 201، البداية والنهاية 6 / 228.
    (116) ثُلَّ عَرْشُ فلان ثَلاًّ: هُدِم وزالَ أمرُ قومه. انظر: لسان العرب 2 / 123 مادّة « ثلل ».
    (117) ويحتمل البعض أنّ وجه حمل الحسين(ع) للعيال معه أنّه كان يخشى عليهنّ الأسر والسبي لو تركهنّ في بيوتهنّ بالمدينة ; لأنّ بني أُميّة كانوا يتوسّلون إلى أخذ البيعة منه بكلّ وسيلة، وحينئذ فإمّا أن يبايع أو يتركهنّ في الأسر ; فإن صحّ، فهو وجه خامس أو سادس. منه(ره).
    (118) الأنعام: 25.
  3. بواسطة امل

    شكرا اخي ع المجهود
  4. بواسطة مـيـــلاد

    شكرا اخي موفقين ان شاء الله
  5. بواسطة ياحبيبي ياحسين

    نورتن متصفحي كل الود والتقدير
  6. بواسطة محمدخالد

    شكرآ