منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع تقرير عن الامام روح الله الموسوي الخميني بذكرى رحيله"الايستحق ان نفخر به؟"

  1. بواسطة امل

    اولا وكمقدمه مني هو
    روح الله بن مصطفى الموسوي سمي الخميني نسبة الى مدينة خمين التي ولد فيها "في ايران"
    هو الذي وحد المسلمين بجميع طوائفه عندما دعا المسلمين الى ان يجعلوا من الفترة الممتدة من 12 ربيع الاول الى 17 ربيع الاول "وهما تاريخان اختلف فيهما المسلمون ايهما هو مولد الرسول الاعظم " فجعل هذا الاسبوع اسبوع وحدة كي ينمع الغرب من تحقيق غايتهم في تفريق الاسلام فجمع كل الطوائف"وهل قام بهذا العمل غيره " اذن الايستحق ان نفخر به



    ____________________________________________________


    تقرير عنه قدس سره



    من الولادة وحتى الاستقرار في قم
    ولد روح الله الموسوي الخميني في بيت من بيوت العلم والهجرة والجهاد وفي عائلة تشرفت بالانتساب الى آل الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله في مدينة خمين في ايران في العشرين من جمادى الاخرة عام 1320 هجري (24 سبتمبر 1902 ميلادي). وكان الامام الخميني خلفا لسلف بذلوا اقصى مساعيهم في هداية الناس وكسب المعارف الالهية فورثّوه هذه السجايا. وقد عاصر المرحوم آية الله السيد مصطفى الموسوي - والد الامام الخميني - المرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيرازي رضوان الله عليه ودرس العلوم والمعارف الاسلامية في النجف الاشرف لعدة سنوات، وبعد ان بلغ مرتبة الاجتهاد عاد الى ايران ليقيم في خمين ويصبح ملجأ وملاذا وموجها للناس في امور دينهم. لم يتم " روح الله " خمسة اشهر من عمره حتى قام الطواغيت والباشوات المدعومون من قبل عملاء السلطة آنذاك بالرد على مساعي والده في احقاق الحق والوقوف بوجه الظالمين باطلاق النار عليه، فاستشهد على ايديهم الغادرة وهو في طريقه من (خمين) الى (اراك) وقد اصرت عائلة الشهيد على المطالبة بحقها في القصاص من قاتله واجراء العدالة، مما اضطر (دار الحكومة) آنذاك الى النزول عن اصرارهم - بعد مراجعتهم اياها في طهران - وانزال القصاص بحق قاتله. وبذا يكون الامام الخميني قد واجه ومنذ طفولته قسوة اليتم وتعرف على مفهوم الشهادة. وبعد وفاة والده امضى الامام الخميني طفولته في احضان والدته (السيدة هاجر) سليلة عوائل العلم والتقوى فهي من احفاد المرحوم آية الله الخونساري (صاحب زبدة التصانيف) ورعاية عمته الموقرة (صاحبة خانم ) المرأة الشجاعة التقية. لقد درس الامام واتم ومنذ نعومة اظفاره - مستفيدا مما حباه الله به من ذكاء متدفق - قسما من المعارف الشائعة في عصره وعلوم المقدمات والسطوح المعروفة في الحوزات الدينية مثل آداب اللغة العربية والمنطق والفقه والاصول على ايدي معلمي وعلماء منطقته كالميرزا محمود افتخار العلماء، والمرحوم الميرزا رضا النجفي الخميني والمرحوم الشيخ علي محمد البروجردي والمرحوم الشيخ محمد الكلبايكاني والمرحوم عباس الاراكي واخيه الاكبر آية الله السيد مرتضى بسنديده - الذي امضى عنده اكثر وقته المدرسي وسافر بعد ذلك وفي عام 1919 الى اراك ليواصل دراسته في حوزتها.




    ____________________




    السفر الى قم
    وبُعيد انتقال آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي رحمه الله الى قم، انتقل الامام الخميني من اراك الى قم في رجب المرجب عام 1340 هـ(1922ميلادي) فطوى سريعا مراحل دراسته التكميلية في الحوزة العلمية في قم وعلى ايادي اساتذتها. فقد اكمل كتاب " المطول "(في علم المعاني والبيان) على يد المرحوم الميرزا محمد علي الاديب الطهراني، وكما اكمل السطوح على يد المرحوم ا ية الله السيد محمد تقي الخوانساري والمرحوم آية الله السيد علي اليثربي الكاشاني، كذلك فقد اتمّ دروس خارج الفقه والاصول على يد زعيم الحوزة العلمية في قم آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي رضوان الله عليه. ان الروح المرهفة الوثابة التي كان الامام الخميني يتحلى بها دفعته الى عدم الاكتفاء باتقان اداب اللغة العربية والدروس الفقهية والاصولية، عليه فقد توجه سماحته - وفي غضون دراسته للفقه والاصول على ايدي فقهاء ومجتهدين - لدراسة الرياضيات والهيئة والفلسفة على يد المرحوم الحاج السيد ابو الحسن الرفيعي القزويني، ثم واصل دراستها مع العلوم المعنوية والعرفانية على يد المرحوم الميرزا علي الاكبر الحكيمي اليزدي، كما درس العروض والقوافي والفلسفة الاسلامية والفلسفة الغربية على يد المرحوم الشيخ محمد رضا المسجد شاهي الاصفهاني،كما درس الاخلاق والعرفان على يد المرحوم آية الله الحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي ثم درس اعلى المستويات من العرفان النظري والعملي ولمدة ستة اعوام على يد المرحوم آية الله الميرزا محمد علي الشاه ابادي - اعلى الله مقاماتهم اجمعين - وبعد وفاة آية الله العظمى الحائري اليزدي، اثمرت الجهود التي بذلها الامام الخميني مع جمع من المجتهدين في الحوزة العملية في قم في دفع آية الله العظمى البروجردي رضوان الله عليه لتسلم زعامة الحوزة العلمية في قم وخلال هذه المدة التي امضاها الامام الخميني في قم كان قد عرف على انه احد المدرسين والمجتهدين من اولي الرأي في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق، وكان قد شاع عنه الزهد والتواضع والتعبد والتقوى بين القريب والبعيد. ان هذه الخصال والسجايا الرفيعة التي تمكن الامام من اكتسابها عبر سنوات طويلة من المجاهدة والترويض الشرعي وامتحان المفاهيم والاسس العرفانية في حياته العملية الشخصية والاجتماعية، والمنحى السياسي الذي انتحاه والذي اظهر من خلاله اعتقاده الراسخ بحفظ كيان الحوزات العلمية وترسيخ القيادة الروحانية والزعامة الدينية باعتبارها الملاذ الوحيد للناس في تلك الايام المضطربة الخطيرة، جعلته يوظف امكاناته العلمية ويبذل مساعيه وما تميز به من الفضل في تحكيم اسس الحوزة العلمية الفتية في قم، فوقف رغم ما لديه من لياقات - ورغم اختلاف نظرته العلمية عن سائر المجتهدين وقف مع سائر المجتهدين، يدعم مرجعية آية الله العظمى الحائري ثم آية الله البروجردي - اعلى الله مقامهما - وحتى بعد وفاة آية الله البروجردي - ورغم التوجه الواسع من قبل الطلاب والفضلاء والمجتمع الاسلامي نحوه لجعله احد مراجع التقليد - لم يخطُ الامام الخميني اية خطوة يشم منها رائحة السعي لكسب المقام والسلطة فكان يحث محبيه ومريديه دوما على عدم الاهتمام بمثل هذه الامور. بل انه اصرّ على منحاه هذا حتى في الوقت الذي اجتمع حوله اهل الخبرة في المعارف الاسلامية باعتباره المنادي بالاسلام الحق وانه يمثل ضالتهم المنشودة لتحقيق آمالهم لما كان عليه من التقوى والعلم والوعي، فلم يغير من سيرته ومنهجه قيد انملة متمثلا قوله الذي كان يكرره دائما" انني اعتبر نفسي خادما وحارسا للاسلام والشعب." انه ذات الرجل العظيم الذي عاد في 12 بهمن 1357 شمسي(1 شباط 1979 ميلادي) الى ايران ليجد عشرات الملايين من الايرانيين وقد اجتمعوا في اكبر مراسم استقبال شعبي لزعيم سياسي في التاريخ، ثم اجاب ذلك الصحفي الذي سأله عن شعوره وهو يرى هذه الابهة التي تنتظره، بالقول : لا شيء! لقد توهم ذلك الصحفي بأن الامام الخميني كسائر القادة السياسيين الساعين نحو السلطة يصابون في مثل هذه المواطن المثيرة بسكر خاص، تكاد ارواحهم تقفز له فرحا غير ان الجواب الذي سمعه اوضح له بان الامام الخميني من سنخ آخر. "اذن الا يستحق ان نفخر به"


    ______________________




    حياة الإمام العلمية
    مارس الامام - خلال سنوات طوال - التدريس في الحوزة العلمية في قم، فدرس عدة دورات في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان والاخلاق الاسلامية في المدرسة الفيضية والمسجد الاعظم ومسجد محمدية ومدرسة الحاج ملا صادق ومسجد السلماسي... وغيرها. كما مارس تدريس الفقه ومعارف اهل البيت عليهم السلام ـ وعلى ارفع المستويات - في الحوزة العلمية في النجف الاشرف، في مسجد الشيخ الانصاري رحمه الله لما يقارب الاربعة عشر عاما، وفي النجف الاشرف طرح - ولاول مرة - مبانيه حول مسألة الحكومة الاسلامية عبر سلسلة دروس القاها في موضوع ولاية الفقيه. وعلى ما نقله طلابه فان حوزة الامام الخميني كانت تعد من افضل المراكز التعليمية، وقد قارب عدد من يحضرون درسه في بعض الدورات الدراسية - خلال السنوات التي قضاها في التدريس في قم - الالف ومائتي طالب، كان بينهم العشرات من المجتهدين المعروفين والمعترف باجتهادهم، فكانوا جميعا ينتهلون من مدرسة الامام الخميني في الفقه والاصول .

    __________________________________



    عائلته وأبناؤه
    لقد كان لسماحة الإمام الخميني الراحل رضوان الله عليه ثمانية أبناء:
    1ـ الشهيد آية الله السيد مصطفى الخميني.
    2ـ علي، وقد توفي وهو في سن الرابعة.
    3ـ السيدة صديقة زوجة المرحوم آية الله الإشراقي.
    4ـ السيدة فريدة زوجة السيد الأعرابي.
    5ـ السيدة فهيمة (زهراء) زوجة الدكتور البروجردي.
    6ـ سعيدة، وقد توفيت وهي في سن السبعة أشهر.
    7ـ المرحوم سماحة السيد أحمد الخميني.
    8ـ لطيفة، وقد توفيت في طفولتها.
    كان الإمام الخميني سلام الله عليه طوال حياته السياسية والجهادية يعتمد على الله وحده، وبه يستعين، ويتحرك بالاعتماد على إيمانه، لكن الدور الفعال والمؤثر لابنه السيد مصطفى طوال النهضة الإسلامية وإلى جانب والده كان جليا للأصدقاء والأعداء، فمن تنظيم الطاقات الثورية، إلى جمع الأخبار والمعلومات اللازمة، وإيصال الرسائل السرية لقائد الثورة إلى آيات الله العظمى والعلماء وقادة المجموعات السياسية، وإيجاد الارتباط مع العناصر الثورية. تلك الأعمال المهمة التي أدت إلى اعتقاله من قبل عملاء النظام الملكي، لما كانت المؤسسة الأمنية لدى البهلوية تشعر من خطره، فبعد سجنه قاموا بإبعاده إلى تركيا ثم إلى العراق، ثم إلى اغتياله عام 1977ميلادي للقضاء على دوره المؤثر في تنظيم النهضة الإسلامية وديمومتها. شاءت الإرادة الإلهية أن تضع المسؤولية التي كان يتحملها المرحوم السيد مصطفى في يد شاب مدبّر هو أخوه السيد أحمد. وقد كان السيد أحمد قبل هذه الحادثة المرة مشغول ظاهريا بدراسته الدينية، لكنه في الحقيقة كان يتحمل مسؤولية كبيرة في الحوزة العلمية في قم، وفي سائر نقاط البلاد. فعندما كان بيت سماحة الإمام الخميني سلام الله عليه في النجف الأشرف يشكل مقراً لقيادة الثورة كان المرحوم السيد أحمد الخميني يتولى أمر إدارة شؤون بيت الإمام في قم، وتنظيم اللقاءات، وإيجاد الارتباط الضروري للمجاهدين مع القائد في النجف، وإرسال التقارير عن توسيع النشاطات الثورية في إيران، وإبلاغ توجيهات الإمام إلى المجاهدين، وإدارة العلاقة مع الجماعات المجاهدة في الداخل وغير ذلك من المهام. وطوال الأيام الحساسة التي شهدت اتساع نهضة الشعب الإيراني المسلم، وطوال أيام هجرة زعيم الثورة الإسلامية إلى فرنسا، وعند عودته إلى الوطن الإسلامي، وطوال أحداث الثورة بعد انتصارها كان السيد أحمد مستشاراً، ومدبراً، وسياسياً، ومجاهداً لا يكلّ، وحارساً ذكياً، ومعيناً على الأسرار، وعاشقا مخلصا في خدمة والده ساعياً لكسب رضا الله. فأنّ الدور الذي أداه السيد أحمد الخميني إلى جانب المشعل الوضاء للإمام العزيز كان منشأ بركات يمكننا مشاهدة آثارها في كل صفحة من صفحات تاريخ الثورة الإسلامية. وبعد وفاة الإمام الخميني رضوان الله عليه كان لابنه السيد أحمد تواجد فعال في عدة مراكز سياسية وثقافية، فقد قدم التوجيهات، وعمل كأحد الوجوه البارزة للثورة كمستشار لدى سماحة القائد الخامنئي ومسؤولي النظام الإسلامي. وتولى بنفسه مسؤولية الإشراف على مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني رضوان الله عليه وذلك للحفاظ على التراث المكتوب والمسموع لقائد الثورة الإسلامية الكبير ونشر أفكاره وآرائه، إضافة إلى جهوده المضنية لتحويل مرقد الإمام الخميني رضوان الله عليه إلى مصدر الهام لعشاق الثورة الإسلامية، لكنه ما أن بلغ بهذه المؤسسة والمرقد المنزلة اللائقة حتى ألمت به أزمة قلبية توفى على أثرها يوم 7/3/1995ميلادي فأوصى بأن يتولى إدارة المرقد المطهر والمؤسسة ابنه الأكبر السيد حسن الخميني ليبقى بذلك خط الإمام الخميني رضوان الله عليه نيراً، وذكره خالداً.

    ______________________________________________


    ثورة الإمام الخميني وجهاده
    قضى الامام الخميني مراحل شبابه في وقت كانت ايران تمر فيه باقسى ادوار تاريخها. فقد قام رضا خان مير بنج بانقلاب الثالث من اسفند (22 شباط من 1924 ميلادي) معدا ومدعوما من قبل الانجليز وقضى على حكم القاجاريين والخوانين والاشرار. وقد سيطر طوال عقدين من حكمه على نصف الاراضي الزراعية في ايران. وقد اعتمد رضاخان على ثلاثة اصول سياسية في حكمه: الحكومة العسكرية والبوليسية القاسية والمواجهة الشاملة للدين والعلماء والعمالة للغرب. وفي ظروف كهذه سارع علماء الدين الايرانييون للدفاع عن الاسلام وحفظ كيانهم وحيثيتهم. فمارس رضا خان انواع الضغوطات على العلماء فاصدر الاوامر الرسمية بتعطيل مراسم العزاء والخطابة الدينية, ومنع تدريس المسائل الدينية والقرآن وإقامة صلاة الجماعة في المدارس, ونزع الحجاب عن النساء الايرانيات المسلمات. الامر الذي ادى الى ظهور المقاومة من قبل العلماء والجماهير في مواجهة رضاخان الذي سخّر جل طاقاته للقضاء على الاسلام والدين. وهذه كلها تركت الاثر على روح الامام المرهفة الوثابة.
    فقد ادرك الامام الخميني هذه الظروف عميق الادراك من خلال روحه المرهفة الوثابة واطلاعه على حساسية الظروف السياسية ومن مطالعته المستمرة لكتب التاريخ المعاصر والمجلات والصحف الدورية وما كان يقوم به من زيارات متوالية الى طهران والحضور في مجالس العلماء الاعلام من امثال آية الله المدرس (المجاهد الكبير لرضا خان). ولما توفي آية الله البروجردي الذي كان خلفا لآية الله الحائري في مقام المرجعية الكبرى بعد سقوط رضاخان كان الامام الخميني من ابرز الشخصيات العلمية لتسنم مقام المرجعية خلفا لاية الله البروجردي. وفي ظل هذه الظروف وفي 8 تشرين الاول 1962 ميلادي صادق مجلس الوزراء على اصلاح لائحة المجالس المحلية، وتغيير بعض مضامينها - كاشتراط اسلامية المرشحين، والقسم بالقرآن الكريم، واشتراط الرجولة في المرشحين والناخبين، وقد اريد تمرير بعض الاهداف من خلال المصادقة على اشتراك النساء في الانتخابات، كذلك فان حذف وتغيير شرطي الرجولة والاسلام كان يراد منه بالضبط ادخال العناصر البهائية في المراكز الحساسة من هيكل النظام الحاكم. وبمحض انتشار خبر المصادقة على اللائحة المذكورة بادر الامام الخميني ومجموعة من العلماء الاعلام في قم وطهران - وبعد التشاور - إلى الاعتراض العام والشامل على هذا الامر. وقد كان للامام الخميني دور فعال في توضيح الاهداف الحقيقية للنظام الملكي والتنبيه على خطورة دور العلماء الرسالي والحوزات العلمية في تلك الظروف. وادت البرقيات والرسائل المفتوحة المعترضة التي بعث بها العلماء الى الملك والى رئيس الوزراء، الى بث روح الدعم والتاييد في نفوس الجماهير. كما ان برقيات الامام الخميني التي ابرق بها الى الملك ورئيس الوزراء تميزت باللهجة الحادة والحازمة والمحذرة. ونتيجة لذلك فان النظام الملكي قبل بالهزيمة، ففي 28 تشرين الثاني 1962ميلادي، الغت الهيئة الحاكمة اللائحة السابقة، وابرقت للعلماء والمراجع في طهران وقم تعلمهم بالامر. غير ان الامام الخميني اصر مجددا على مواقفه السابقة واعلن في اجتماع ضم العلماء الاعلام في قم بان إلغاء اللائحة بشكل سري امر غيركاف واضاف بان النهضة ستتواصل ما لم يعلن امر الالغاء في اجهزة الاعلام. وواصل الامام الخميني فضح النظام واغراضه ومقاصده من خلال الخطابات والبيانات. فانه كان يفكر دائما باداء تكليفه رافعا شعار"العمل بالتكليف ولو بلغ ما بلغ".
    وفي الثاني من فروردين 1342 شمسي(22 آذار 1963 ميلادي) الذي صادف ذكرى استشهاد الامام جعفر الصادق(عليه السلام) هاجم ازلام النظام المسلحين تجمع طلاب العلوم الدينية في المدرسة الفيضية بقم. فقد دخلت قوات الشرطة المدرسة الفيضية مستخدمين اسلحتهم النارية فقتلوا وجرحوا الكثير من الطلاب. وفي الوقت ذاته تعرضت المدرسة الطالبية في تبريز لهجوم مماثل. وفي غضون تلك الاحداث كان منزل الامام الخميني يستقبل كل يوم مجاميع كثيرة من الثوريين والجماهير الغاضبة التي كانت تأتي للتعبير عن تضامنها وتعزيتها ودعمها للعلماء وللاطلاع على آثار جريمة النظام في قم. وكان الامام الخميني يحمّل الملك شخصيا وبصراحة ـ اثناء خطاباته في الجماهير ـ المسؤولية الكاملة عن تلك الجرائم وعن التحالف مع اسرائيل, ويحث الجماهير على القيام. وكان ينتقد بشدة سكوت علماء قم والنجف وسائر البلاد ازاء جرائم الملك الاخيرة ويقول:"ان السكوت اليوم يعني التضامن مع النظام المتجبر"و"لقد اعددت اليوم قلبي لتلقي طعنات حراب ازلام الملك راضيا بذلك, ولكني لن ارضى بقبول الظلم ولن ارضى بالخضوع امام تجبر النظام".
    وفي عصر يوم عاشوراء لعام 1383قمري 3 حزيران 1963 ميلادي القى الامام في المدرسة الفيضية خطابه التاريخي والذي كان بداية لقيام الخامس من حزيران. وفي فجر يوم الخامس من حزيران داهم المئات من رجال الكومندوس الذين تم ارسالهم من طهران، منزل الامام الخميني لاعتقاله في الوقت الذي كان يؤدي فيه نافلة صلاة الليل وتم نقله على الفور الى طهران ليودع في معتقل باشكاه افسران(نادي الضباط) ثم نقل في غروب ذلك اليوم الى سجن القصر. وبسرعة انتشر خبر اعتقال الامام في مدينة قم وضواحيها، فانطلق الرجال والنساء من القرى من مدينة قم نحو منزل قائدهم وهم يرددون شعار " الموت او الخميني " الذي ملأ ارجاء المدينة وقد بلغ الغضب الشعبي حداً دفع رجال الشرطة في البداية نحو الفرار إلا أنهم عادوا لمواجهة الجماهير بعد أن تسلحوا بمختلف التجهيزات العسكرية وبعد أن استقدمت قوات دعم عسكرية من المعسكرات الواقعة على اطراف المدينة. وبينما كانت جموع الجماهير تغادر حرم السيدة المعصومة (عليها السلام) فتحت قوات النظام التي استقرت خارج الحرم المطهر نيران اسلحتها الاوتوماتيكية، ولم تمض عدة ساعات على المواجهة بين الجماهير وقوات النظام، حتى دار حمام من الدم في المدينة، ولم يكتف النظام بذلك، فقد ارسلت عدة طائرات مقاتلة للتحليق في سماء المدينة واختراق حاجز الصوت لادخال الرعب والهلع على قلوب الجماهير وتم مواجهة الإنتفاضة بالسلاح للسيطرة على الاوضاع. وبعدها بادرت العجلات العسكرية لجمع اجساد الشهداء والجرحى من الشوارع والازقة لنقلهم بسرعة الى اماكن غير معلومة. وفي غروب ذلك اليوم كانت مدينة قم تعيش حالة النكبة والحزن. في صباح يوم الخامس من حزيران كان خبر اعتقال الامام قد وصل الى طهران ومشهد وشيراز وسائر المدن مما فجّر اوضاعا مشابهة في تلك المدن. فقد انطلقت مجاميع الناس من اهالي (ورامين) والمناطق السكنية في ضواحي طهران نحو العاصمة، ولما كانت دبابات النظام والياته وقواته المسلحة قد أحاطت بالعاصمة للحيلولة دون وصول المعارضين اليها، فقد اشتبكت تلك القوات مع تلك المجاميع في تقاطع (ورامين) مما ادى الى سقوط العديد من القتلى والجرحى من الاهالي. كذلك فان تجمعا كبيرا كان قد حصل في السوق المركزي في طهران وفي وسط المدينة مرددا شعار "الموت او الخميني " ثم توجّه الجمع نحو قصر الملك. كما انطلقت سيول الجماهير من جنوب مدينة طهران متوجهة نحو مركز العاصمة. وقد استخدم الملك افضل الخبرات الامنية والسياسية الامريكية آنذاك للقضاء على الانتفاضة. وفي الثلث الاول من عام 1964 تصور النظام بان الشدة التي واجه بها الجماهير في حادثة الخامس من حزيران، قد ادت الى تنبيه الجماهير ودفعت المجاهدين الى اختيار جانب السكوت، لذا فقد حاول النظام الايحاء بان وقائع العام الماضي قد تم نسيانها. وفي مساء السابع من نيسان 1964 م تم - وبلا اطلاع سابق - اطلاق سراح الامام الخميني ونقله الى قم. وبمحض اطلاع الجماهير على الامر عمت مظاهر الفرح مدينة قم باسرها واقيمت الاحتفالات البهيجة في المدرسة الفيضية وسائر الاماكن ودامت عدة ايام. وفي فجر الرابع من تشرين الثاني من عام 1964 ميلادي حاصر رجال الكوماندوس منزل الامام الخميني في قم وتم اعتقال الإمام ونقله مباشرة الى مطار(مهر آباد الدولي) حيث كانت طائرة عسكرية بانتظاره فنقلته الى(أنقرة) وفي عصر ذات اليوم نشر السافاك خبر نفي الامام بتهمة التآمر على النظام! وقد تمّ نفي ولده آية الله الحاج مصطفي الخميني الى تركيا ايضا. وفي الخامس من تشرين الاول من عام 1965 ميلادي تم نقل الامام ونجله آية الله الحاج مصطفي الخميني من تركيا إلى منفاهما الجديد في العراق. ومنذ وصوله الى النجف الاشرف لم يقطع الامام الخميني ارتباطه بالمجاهدين في داخل ايران. فقد اتخذ من المبعوثين والرسائل وسيلة لحفظ ارتباطه ذاك. وقاد الثورة ولو من بعيد. وفي شهر تشرين الاول 1977 ميلادي، تحولت شهادة اية الله السيد مصطفى الخميني والمراسم التأبينية المهيبة التي أقيمت له في ايران الى نقطة انطلاق لقيام الحوزات العلمية مجدداً، ونهضة المجتمع الديني الايراني. ومرة اخرى كانت قم هي فتيل النهضة، ولم تمض سوى مدة قصيرة وفي ظروف تختلف تماما عن الظروف التي انطلقت فيها انتفاضة حزيران 1963 ميلادي حتى تناغمت حركة الجماهير في مختلف انحاء البلاد حيث ادت اقامة مراسم العزاء المتتالية في الثالث والسابع والاربعين من سقوط الشهداء، الى سريان شعلة الثورة الى مناطق اخرى من البلاد كتبريز ويزد وجهرم وشيراز واصفهان وطهران. وطوال هذه المدة كانت البيانات المتواصلة الصدور من الامام الخميني واشرطة تسجيل احاديثه وخطاباته - والتي كان يدعو فيها الجماهير الى الثبات ومواصلة النهضة حتى القضاء على النظام الملكي وتشكيل الحكومة الاسلامية - تستنسخ وتكثر على ايدي مؤيديه وانصاره ويتم توزيعها على مختلف مناطق البلاد. ولم يتمكن الملك - رغم اقدامه على تنفيذ المذابح الجماعية - من إطفاء شعلة الثورة المستمرة، فقد كانت احابيله ودسائسه السياسية ومناوراته العسكرية - وقبل أن تساهم في تهدئة الغضب الجماهيري - تبوء بالفشل نتيجة صدور بيانات الامام التي كانت تكشف الخفايا وترشد الجماهير الى اتخاذ ما يلزم من الخطوات. لقد تزعم الامام الخميني نهضته منذ البدء مستندا الى قوله تعالى"ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم".
    مؤكداً تقديم الثورة الثقافية على القيام بالثورة السياسية والتحول الاجتماعي بواسطة الجماهير. لقد كانت المساجد والمراكز الدينية بمثابة المعاقل الاساسية للثورة الاسلامية الايرانية والمنطلق لتحرك الجماهير وتجمعها. وكانت الشعارات التي ترددها الجماهير مزيجا من التعاليم الدينية وارشادات الامام الخميني. وفي الرابع من ايلول 1978ميلادي، حوصر منزل الامام الخميني في النجف من قبل قوات امن النظام العراقي، مما فجر غضب المسلمين في ايران والعراق وسائر البلدان. فغادر الامام الخميني النجف الاشرف متوجهاً الى الكويت، غير ان الكويت امتنعت عن استقباله بإيعاز من النظام الايراني، فقرر الامام السفر الى باريس، وفي السادس من تشرين الأول عام 1978 ميلادي وصل الامام الخميني الى باريس وانتقل بعد يومين من وصوله الى منزل أحد الإيرانيين المقيمين في نوفل لوشاتو( في ضواحي باريس ). وقد طال منفى الامام ونجله السيد احمد الخميني 14عاما ولا زال الامام كان يقود الثورة الاسلامية خلال هذه السنوات وهي كانت اصعب المراحل في النهضة الاسلامية. وكانت بيانات الامام الخميني التي اكدت على وجوب مواصلة الجهاد احالت بجميع المخططات العسكرية من جانب الحكومة وحولتها الى نقشٍ على الماء. أخيراً وفي مطلع شهر شباط عام 1979 ميلادي وصل الامام الخميني الى ايران بعد اربعة عشر عاماً من فراق الوطن. وقد كان استقبال الجماهير لقائدهم عظيماً ومنقطع النظير الى درجة لم تستطع حتى الشبكات الاعلامية الغربية من انكاره، فقد قدرت وسائل الاعلام الغربية عدد المستقبلين بين (4 ـ 6) ملايين نسمة. وما ان وصل الامام حتى توجهت الجموع من مطار طهران الى مقبرة جنة الزهراء حيث مزار الشهداء، لتصغي لحديث قائدها التاريخي. وفي ذلك الحديث صرح الامام بالقول : "سوف أقوم مدعوما من هذا الشعب، بتشكيل الحكومة."
    "والله متم نوره ولو كره الكافرون"

    ___________________________________________




    الحكومة الاسلامية
    إن تحقق وعود الإمام الخميني رحمه الله وانتصار الثوره الإسلامية في إيران، لم يشكلا حادثة داخلية لتغيير نظام سياسي فحسب، بل كان ذلك زلزالاً مدمراً للعالم الغربي، حسب ما ذكره المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون والأوروبيون في مذكراتهم عن تلك الحقبة.
    فمنذ صبيحة يوم الحادي عشر من شباط عام 1979م بدأوا بمعاداة النظام الإسلامي الفتي عداءاً واسعاً وشاملاً، وتزعمت أمريكا جبهة العداء هذه، وشاركت في حملة العداء كل من بريطانيا وبعض الدول الأوروبية ومعهم سائر الأنظمة العميلة للغرب. وبموازاة العداء الأمريكي الغربي كان الاتحاد السوفياتي وأقماره يعلنون عن امتعاضهم من الحكم الديني في إيران، ويسيرون إلى جانب أمريكا في كثير من الأعمال العدائية وتدعمها.
    انّ الإمام الخميني رحمه الله دعا الشعب الإيراني إلى التعبئة العامة لبناء البلاد وتقديم مثال عالمي عن المجتمع الديني السليم والمتطوّر، فشكل مؤسسة جهاد البناء ليقوم من خلالها آلاف الأخصائيين والثوريين بالتوجه إلى المناطق الريفية المحرومة، حيث قاموا خلال مدة
    قصيرة جدا بتأمين المراكز الصحية ومدّ شبكات الماء والكهرباء وشق الطرق وترميمها.
    ولم يمض إلاّ شهران على انتصار الثورة الإسلامية حتى جرى أول استفتاء شعبي عام وحر، أيد فيه أبناء الشعب الإيراني إقامة نظام الجمهورية الإسلامية بنسبة 2/98% ثم تلاه تدوين الدستور الإسلامي بعد انتخاب أعضاء شورى الخبراء لتدوين الدستور، ثم انتخاب ممثلي الشعب لمجلس الشورى الإسلامي. وبينما كانت تسير قافلة الثورة في طريق الإصلاح والبناء والحرية، كانت أمواج الفتن الداخلية والضغوط الخارجية تتحرك بشكل تصاعدي، فكانت أمريكا تحاول من خلال طابورها الخامس أن تشغل النظام الإسلامي بالمشاكل الداخلية، وتبث الفتن والخلافات محاولة بذلك تهيئة الأرضية لإسقاط هذا النظام الفتي، وكان من أول ما أقدمت عليه أمريكا وأعداء الثورة لإضعاف نظام الجمهورية الإسلامية هو اغتيال الشخصيات البارزة في الثورة، ففي مدة قصيرة جدا تم اغتيال وجوه معروفة كالعلامة الشيخ مرتضى المطهري (عضو مجلس الثورة)، والدكتور الشيخ محمد مفتح، والجنرال قرني رئيس أركان الجيش، والحاج مهدي العراقي، وآية الله‏ القاضي الطباطبائي.
    ومن ناحية أخرى قامت أمريكا بتجميد الودائع الإيرانية في بنوكها والتي تبلغ 22 مليار دولار، ورفضت الطلب الإيراني القاضي باسترداد الملك المخلوع لمحاكمته، وقدّمت الإمكانات الواسعة للفارين من أنصار الملك المخلوع لينظموا أنفسهم في الخارج للعمل لإسقاط النظام الإسلامي، مما فجّر غضب الشعب الإيراني المسلم ضد أمريكا وأعمالها العدوانية، وعندها قام جمع من الطلاب الجامعيين المسلمين باحتلال السفارة الأمريكية في طهران، والقضاء على مقاومة القوات الأمريكية الخاصة ـ التي كانت تتولى حراسة السفارة ـ واعتقال جواسيس أمريكا الذين كانوا يعملون تحت غطاء العمل الدبلوماسي، فدعم الإمام الخميني رحمه الله هذا التحرك الطلابي، واعتبر عملهم هذا ثورة ثانية تضاهي الثورة الأولى.
    وقام الطلاب بنشر وثائق السفارة الأمريكية في مجموعة من خمسين كتاب تحت اسم "وثائق وكر التجسس الأمريكي في إيران". إن هذه الوثائق الدامغة كشفت الستار عن أسرار التجسس والتدخل الأمريكي الذي لا يحصى في إيران وسائر دول العالم، وفضحت أسماء الكثيرين من عملاء أمريكا وجواسيسها وأساليبهم والفتن‏ السياسية الأمريكية في شتى نقاط العالم.
    إن احتلال "وكر التجسس" هذا شكل نكسة للحكومة الأمريكية، وكان من خيرات هذا العمل ضمان استمرار ديمومة الثورة الإسلامية، وتحطيم الأبهة الفرعونية لأمريكا، وزرع الأمل في نفوس شعوب العالم الثالث بإمكانية الوقوف بوجه القوى المستكبرة.
    هنا سعت أمريكا إلى إسقاط نظام المجمهورية الإسلامية من خلال فرض المقاطعة الاقتصادية والسياسية العالمية ضد إيران، لكنها لم توفق في ذلك، ثم نفذت عملية "صحراء طبس" بعد احتلال السفارة الأمريكية، وفشلت فيها. فسعت إلى تجزئة البلاد بواسطة الجماعات والأحزاب المعادية للثورة، ولم تستطع.
    وعندها فكر المسؤولون الأمريكيون بالحلّ العسكري. فخططت أمريكا، وقدمت الدول المتجبرة الدعم، فشن الجيش العراقي هجوماً واسعاً يوم 22/9/1980ميلادي على امتداد الحدود المشتركة البالغة 1280 كلم، وتزامنا مع الهجوم البري الشرس، قامت الطائرات الحربية العراقية في الساعة الثانية بعد الظهر من ذلك اليوم بشن غارات جوية قصفت فيها مطار طهران ومناطق أخرى.
    ورغم أهمية خبر بدء الحرب العراقية ضد إيران، لكن المنظمات الدولية والقوى العالمية أبدت إزاءه صمتا مميتا. لكنّ أول رد فعل أبداه الإمام الخميني رحمه الله وأول خطاب وجهه في هذا المجال اعتبر فيه أن الخير فيما وقع، وأن النصر حليف إيران لا محالة. وأصدر الإمام أمرا بالمقاومة، وجاء في أول تحليل له عن هذه الحرب أن أمريكا هي التي تقف وراء هذه الحرب بشكل أساسي، وهي التي حركت الرئيس العراقي السابق"صدام" ودعمته في حربه هذه، وطمأن الإمام الناس أنهم إذا واجهوا المعتدي من اجل كسب رضى الله وهبوا للقتال عملا بالتكليف الشرعي، فإن هزيمة العدوأمر حتمي. رغم أن الظروف الظاهرية كانت تشير إلى عكس ذلك.
    وفي اليوم الثاني لبدء العدوان العراقي وجّه الإمام الخميني رحمه الله نداءا إلى الشعب الإيراني حدد فيه الخطوط الأساسية السبعة لإدارة شؤون الحرب وأمور البلاد في ظروف الحرب، بشكل مختصر، ولكن بدقة وشمولية.
    ثم وجه عدة نداءات إلى الشعب والجيش العراقي ليتم عليهم الحجة، ثم بدأ بعد ذلك مهمة الإشراف على دفاع طويل دام ثماني سنوات شاقة، أدار خلالها الشعب إدارة قلّ نظيرها.
    وأصدر الإمام الخميني رحمه الله أمرا بالتعبئة وجيش العشرين مليوني، وقد لاقى أمره هذا استقبالاً كبيراً لدى الشبان الثوريين، وكان لتدريب هذه القوات المتطوعة وتوجهها إلى الجبهات أثر مهم، حيث أفضى على إيران روحا معنوية جديدة، وأظهرت الانتصارات المتوالية لجند الإسلام آثار التي ادت الى اندحار جبهة المعتدين. مما اضطر أمريكا وشركائها الأوروبيين إلى الكشف عن وجههم الحقيقي الذي كان مستمرا من قبل، فقدموا لصدام مختلف أنواع الأسلحة المتطورة التي يصعب الحصول عليها حتى في زمن السلم، والتي تعقد من أجلها عادة مفاوضات مديدة، قدّموها لصدام المعتدي في أسرع وقت، ليشن غارات واسعة ومكثفة ضد المدن والقرى والمراكز الاقتصادية في إيران، وليطلق الصواريخ المتوسطة المدى مستهدفا المناطق السكنية والمستشفيات والمراكز الدينية والتراثية، ويقتل ويجرح ويعيق آلاف الأطفال والنساء والشيوخ.
    كل تلك الجرائم كانت ترتكب أمام أعين المنظمات الدولية التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان . لكن الدعم المنهمر من كل صوب لصدام المخلوع لم يؤثر كثيرا على الوضع في جبهات الحرب، حيث كانت كفة الحرب تميل لصالح‏ الجيش الإسلامي، مما دفع أمريكا للتدخل المباشر في الحرب، بعد أن ساهمت مباشرةً في تسعير القصف الجوي للمناطق السكنية وإطلاق الصواريخ المدمرة ضد المدن والمناطق الشعبية.
    فدفعت أمريكا بسفنها الحربية إلى مياه الخليج الفارسي، ومعها كلّ من فرنسا وبريطانيا والاتحاد السوفياتي البائد، فقد كانت أمريكا تعتقد أن الحلّ الوحيد للوقوف بوجه الزحف الإسلامي وإنقاذ صدام يكمن في تدوير الحرب والمواجهة المباشرة بين إيران الإسلام والدول الاخرى. لهذا بدأت بحرب جديدة أطلق عليها فيما بعد اسم "حرب الناقلات" حيث إن أول مهمة أوكلت للسفن الحربية الغربية هي منع تصدير النفط الإيراني، وضبط السفن التجارية وتفتيشها، ومنع وصول السلع الأساسية إلى الجمهورية الإسلامية، وبكلمة أخرى ضرب طوق وحصار بحري ضد الجمهورية الإسلامية، وخلال هذه الجبهة الجديدة أصيبت عدة سفن تجارية ونفطية إيرانية بواسطة الصواريخ التي كانت تطلقها الطائرات والسفن الأمريكية، واعتدت القوات الأمريكية على منصات استخراج النفط وتصديره في الخليج الفارسي وأضرمت النيران في الآبار النفطية الإيرانية.
    وكانت حادثة إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية آخر حلقة في مسلسل الاعتداءات، هذا، حيث أقدمت سفينة"فينسن"الحربية الأمريكية بإطلاق صاروخين "بحر ـ جو" باتجاه طائرة نقل مدنية ايرانية تنقل مئتين وتسعين راكبا معظمهم من النساء والأطفال في شهر تموز عام 1988ميلادي لتسقط قطع هذه الطائرة وتتناثر مع أجساد المسافرين فوق مياه الخليج.
    في تلك المرحلة أيضا ارتكبت قوات آل سعود مجزرة دموية عند ما أقدمت على قتل حجاج بيت الله الحرام داخل الحرم الإلهي الآمن وبشكل فجيع ومخز، وذلك في يوم الجمعة السادس من شهر ذي الحجة الحرام عام 1407هجري وذلك عند ما كان أكثر من مئة وخمسين ألف حاج مؤمن يطوفون في شوارع مكة المكرمة في مسيرة البراءة من المشركين مرددين شعارات الوحدة بين المسلمين، وداعين الله عز وجل إلى القضاء على أمريكا وإسرائيل وتحرير القدس الشريفة من براثن الصهيونية، وكانت قوى الأمن السعودية قد دبرت مؤامرة، فسدت الطريق الأساسي أمام حركة المسيرة، ثم بدأت هجوما وحشيا بالأسلحة النارية والحجارة والعصي، فقتل أثر هذا الهجوم أكثر من أربعمائة حاج من إيران ولبنان وفلسطين وباكستان والعراق ومن دول أخرى، وجرح ما يقارب الخمسة آلاف حاج آخر، فيما اعتقل مئات الجرحى كانوا من النساء والشيوخ الذين عجزوا عن الفرار.
    الحشد البحري الغربي في الخليج الفارسي، وكل الأحداث تلك التي وقعت في أواخر سني الحرب العراقية المفروضة ضد إيران ما كانت لتحصل لولا التفوق الذي سطّره جند الإسلام على المعتدين في جبهات الحرب، حيث كانت القوات الإسلامية حينها قد دفعت بالقوات المعتدية إلى خارج الحدود الإيرانية، وكانت تتقدم لتقضي على أساس الفتنة في المنطقة.
    لكن سقوط صدام على يد القوات الإسلامية كان يعنى لأمريكا والغرب سقوط كل القوى المتجبرة أمام الثورة الإسلامية، ومن أجل هذا تركزت جهود أمريكا ومجلس الأمن على سد طريق تقدم جند الإسلام، والإبقاء على الطاغية صدام الكافر. وبتاريخ 20/7/1988 وافقت الحكومة الإسلامية على القرار 598 الصادر عن مجلس الأمن الدولي الذي كان يحوي بعض الشروط الإيرانية لوقف الحرب، حيث أصدر الإمام الخميني رحمه الله بيانا عدّ فيما بعد أنه من جمله الأعمال المهمة التي تدل على قدرته القيادية الرائدة، حيث سرد فيه تقريرا مهماً عن الحرب المفروضة وأبعادها، وحدّد فيه مستقبل النظام الإسلامي والثورة الإسلامية في جميع المجالات، ومن جملتها المواجهة مع قوى الاستكبار، والاستقامة على القيم وبيّن أهداف الثورة. وبذلك انتهت حرب دامت ثماني سنوات دون أن يحقق المعتدون أيا من أهدافهم المشؤومة، فيما خرج الشعب الإيراني المسلم من هذه الحرب مرفوع الرأس بفضل القيادة الحكيمة للإمام الخميني رحمه الله، مثبتا حقانيته، أما أمل الأعداء بالقضاء على الثورة الإسلامية وتجزئة إيران فقد دفن في قلوبهم.
    لكنّ الجريمة الكبرى والخيانة العظمى التي ارتكبها صدام ومن خلفه جميع الدول التي تدعي الإسلام والعروبة ـ والتي شجعت صدام البائد ودعمته ـ هي هدر الطاقات الإنسانية والاقتصادية العظيمة لإيران والعراق بفرضهم تلك الحرب ضد الجمهورية الإسلامية، إضافة إلى طعنهم للوحدة الإسلامية التي تهيأت ظروفها بعد إسقاط النظام الملكي في إيران، لكنهم بخيانتهم تلك أخروها إلى سنين متمادية.
    وفي تاريخ 3/10/1988م وجه الإمام الخميني رحمه الله نداءا ـ بعد الاستقرار النسبي للسلم ـ حدد فيه لمسؤولي الجمهورية الإسلامية سياسة إعادة بناء البلاد، وإذا أمعنا النظر في توجيهاته تلك، سوف نعثر على عمق نظرة الإمام للأمور، وبعد نظره.
    ومن الخطوات الملفتة للإمام الخميني رحمه الله في الأشهر الأخيرة من عمره الرسالة الهامة التي ارسلها إلى آخر الزعماء السوفيت "ميخائيل غورباتشوف" وذلك بتاريخ 1/1/1989م، حلل فيها تحولات الاتحاد السوفياتي، وأشار فيها إلى عجز نظام الإلحاد الشيوعي عن إدارة المجتمع، وأعلن فيها أن المشكلة الأساسية للإتحاد السوفياتي تكمن في عدم اعتقاد زعماء هذا البلد بالله، وحذرهم من الاستدارة نحو النظام الغربي الرأسمالي والانخداع بأمريكا. وحرك فيها أولئك نحو المسائل الفلسفية والعرفانية العميقة، وأشار إلى عجز الشيوعيين في سياستهم المعارضة للدين، ودعا غورباتشوف إلى التوجه إلى الله وإلى الدين بدلا من التعلق بعبادة المادة الغربية.
    من الأحداث المهمة والوقحة التي وقعت في تلك الأشهر الأخيرة من حياته كان تأليف وطبع كتاب "الآيات الشيطانية" الذي نشرته دور النشر الغربية، بدعم رسمي من الدول الغربية للكاتب "سلمان رشدي"، وهذا الأمر شكل بداية فصل جديد من الهجوم الثقافي الغربي ضد العقائد والقيم الإسلامية. إنّ هذا الكتاب هاجم العقائد والأسس الإسلامية وشكك بالمقدسات التي شكل التمسك بها من قبل‏المسلمين الوحدة في الأهداف وفي أساليب الحركات الأخيرة.
    لكن الإمام الخميني رحمه الله ـ الذي كانت الحمية الإسلامية تغلي دوما في عروقه ـ لم يسكت إزاء ذلك بل أصدر بتاريخ 14/2/1989ميلادي حكما شرعيا يقضي باعتبار "سلمان رشدي" مرتدا ويوجب إعدامه هو وناشري كتابه المطلعين على محتواه الكافر. وذلك استنادا إلى الواقع الموجود، وبناءا على العقائد الإسلامية المتفق عليها بين جميع المذاهب الإسلامية، والتي تتطابق مع ما جاء في كتب جميع الفرق الإسلامية من جميع المذاهب ضدّ هذا الهجوم المخطط له.
    والأحداث التي انتهجتها هذه الحادثة أظهرت وبشكل جلي وجود مجتمع إسلامي متماسك، وأمة واحدة، وأكد أن المسلمين يمكنهم في المستقبل أن يلعبوا دورا أساسيا ومصيريا في العالم إذا تولى قيادتهم قائد حقيقي، ليكونوا السباقين في حركة إحياء القيم الدينية.
    ورغم المؤامرات الكثيرة التي حاكتها أمريكا وأعداء الإسلام بهدف القضاء على نظام الحكومه الإسلامية في إيران، ورغم الحرب التي فرضت على الشعب الإيراني المسلم طوال ثماني سنوات، رغم كل ذلك استطاع الإمام الخميني رحمه الله أن يصدر أحكاما وتوجيهات لتشكيل مؤسسات جديدة وترميم بعض المؤسسات التي خلفها النظام الملكي البائد، وأن ترمّم لتؤمن للشعب الإيراني المسلم خدمات واسعة وقيمة. فشكل كلا من، جهاد البناء ولجنة الإغاثة ومؤسسة 15 خرداد ومؤسسة الإسكان ومؤسسة الشهيد ومؤسسة المستضعفين والمعوقين ونهضة محوالأمية وغيرها من المؤسسات التي امتدت خدماتها لتشمل أقصى النقاط المحرومة في القرى والمدن.
    ومن جملة ما أسسه الإمام الخميني رحمه الله في حياته المباركة هو، لجان الثورة الإسلامية وقوات حرس الثورة الإسلامية وإعادة بناء جيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوات تعبئة المستضعفين. حيث كان لهذه المؤسسات العسكرية والأمنية الدور الأساسي في إقرار الأمن، وصدّ العدوان الغاشم لنظام البعث العراقي، وإفشال مؤامرات الأعداء، وقد شكلت هذه المؤسسات وانجازاتها قصة شيقة وفصلا مشرقا من فصول كتاب الثورة الإسلامية.
    ومن الانجازات الآخرى لسماحة الإمام الخميني رحمه الله كان التحول الإيجابي في الحوزات العلمية الإسلامية، وتجديد النظر في بعض الدروس والكتب للمدارس والجامعات، وإيجاد دورات جامعية جديدة في شتى الاختصاصات، وافتتاح مراكز علوم عليا في المدن المحرومة، وبسط مظلة البث الإذاعي والتلفزيوني إلى أقصى نقاط البلاد وخارجها، وتوسيع شبكة الاتصالات، ومئات المجالات الأخرى التي لا يسع المجال لذكرها. حيث إنه ومع انتصار الثورة الإسلامية أمر بتشكيل شورى الثورة الثقافية، وكلفها بالإشراف على التخطيط والبرمجة للدورات الجامعية، وتدوين الكتب الدراسية الصالحة، وإعداد الأساتذة الجامعيين، وتعديل نظام قبول الطلاب الجامعيين.
    وبعد مرور عشرة أعوام على انتصار الثورة الإسلامية، وكسب تجربة عملية ثرة، وجه الإمام الخميني رحمه الله يوم 24/4/1989ميلادي رسالة إلى رئيس الجمهورية الإسلامية آنذاك سماحة السيد الخامنئي كلّفه فيها بتشكيل هيئة من الخبراء وذوي الرأي، لتتولى هذه الهيئة مسؤولية بحث وتدوين الإصلاحات اللازمة على الدستور ضمن محاور محددة، وذلك بهدف إصلاح وإكمال تشكيلات النظام الإسلامي.
    هذا القرار وما شابهه كلها تدل على الأهمية التي كان يوليها الإمام الخميني رحمه الله لتحكيم وتقوية مباني الحكومة الإسلامية، واستغلاله لكل الفرص من أجل تمهيد الأرضية لإعطاء النموذج الأفضل لتنفيذ الأحكام الإسلامية.


    _____________________________________________________________________________


    رحيله
    لقد بلّغ الامام الخميني قولا - ومارس عمليا - بجميع الاهداف والغايات وكل ما ينبغي عليه قوله او فعله، بل إنه على الصعيد العملي سخر كل وجوده من اجل تحقيق جميع ذلك .وعلى اعتاب منتصف خرداد عام 1368(اوائل حزيران 1989 ميلادي)، هيأ الإمام نفسه للقاء عزيز افنى جميع عمره من اجل كسب رضاه. ولم يحن قامته لغيره ولم يبك سوى له، وأنشد كل اناشيده العرفانية في الم فراقه وبيان عطشه للحظة وصاله. والآن فقد ازف الوقت وحانت ساعة اللقاء الرائع بالنسبة له و العصيب بالنسبة لأنصاره ومحبيه - فهو قد كتب في وصيته يقول : "والان فاني أستأذنكم ايها الاخوات والاخوة لأسافر نحو مقري الابدي بقلب هادئ،وفؤاد مطمئن وروح فرحة وضمير آمل بفضل الله، واسألكم بإلحاح الدعاء بالخير، كما اسأل الله الرحمن الرحيم أن يقبل عذري عن قصوري وتقصيري، وآمل من الشعب أن يقبل عذري لما قصرت أو كنت قاصرا فيه، وان ينطلق الى الامام بقدرة وإرادة وتصميم ". "الايستحق ان نفخر به"
    وحينما تقف الجماهير المحبة للامام بجنب ضريحه، فانها تتمتم للرد على هذه العبارات المتواضعة التي قالها سماحته فتقول : "أيها الإمام ! عن أي قصور أو تقصير تتحدث ؟ فعلى حد علمنا وعلم آبائنا وطبقا لما رأيناه وسمعنا. فانت كنت صلاحا ونورا وطهرا خالصا " اشهد انك قد اقمت الصلاة وآتيت الزكاة وامرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وجاهدت في الله حق جهاده ". الغريب ان الامام الخميني قال في احدى قصائده التي نظمها قبل عدة سنوات من وفاته:
    تمر السنون وتتوالى الحوادث
    وانا انتظر الفرج في منتصف خرداد
    وكانت الابيات التي سبقت هذا البيت من الشعر تتحدث عن الم الهجران والامل بتحقق لحظة الوصال. وهاهي لحظة وصال المحبوب قد حانت في النصف من خرداد.
    منذ عدة ايام سابقة لوفاته كانت الجماهير على علم بمرض الامام وما اجري له من عملية جراحية، وحقاً فان الوضع الروحي للجماهير في تلك الايام كان مما يعجز الانسان عن وصفه، فمراسم الدعاء والتوسل تجري في كل حدب وصوب وفي المنازل وفي الحسينيات وفي التكايا والمساجد وفي مختلف انحاء البلاد، بل في كل مكان من العالم وجد فيه محب للامام. ولعلك في تلك الايام لاتكاد ترى احدا وقد تمكن من اخفاء اثار الحزن والغم عن محياه. فالعيون باكية ، والقلوب هافية لجماران والساعات تمر ببطء شديد، وايران كلها تلهج بالدعاء. ان الفريق الطبي المشرف على علاج الامام استنفذ كل ما في وسعه، غير ان امر الله يدفع المقادير باتجاه اخر
    "يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية".
    وفي تمام الساعة الحادية عشرة وعشرين دقيقة قبيل منتصف الليل من الثالث عشر من خرداد 1368(حزيران 1989ميلادي) حانت لحظة الوصال. وتوقف القلب الذي اضاء الملايين من القلوب بنور الله والمعنوية.
    وفي الايام التي لازم فيها سماحته فراش المستشفى، وضع محبو الامام جهاز تصوير مخفي تم من خلاله تصوير الامام في تلك الايام، اثناء العملية الجراحية، واثناء الساعات التي كان يلتقي فيها بالحق. و حينما بث التلفزيون الايراني في تلك الايام جانبا من حالات الامام المعنوية والاطمئنان الذي كان لديه، كادت القلوب ان تتفجر من الشوق والى الحد الذي لايمكن وصفه الا من خلال الرؤية والمباشرة.
    فالشفاه في ذكر دائم لله، وفي آخر ليلة من عمره، وبينما كانت عدة حقن من المواد المغذية موصولة بذراعيه - قام ليلتها يؤدي نافلة الليل ويتلو القرآن. وبدت على محياه في الساعات الاخيرة طمأنينة وهدوء ملكوتيين، وكان يردد الشهادة بوحدانية الله ويقرّ بالاعتقاد برسالة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله حتى حلقت روحه العظيمة نحو الملكوت الأعلى. فكانت الرحلة التي خلفت في القلوب نارا لاتنطفئ. وحينما اذيع خبر ارتحال الامام، حدث ما يشبه وقوع زلزال عظيم فتفجرت الاحزان وانفجرت الدموع في وقت واحد من جميع العيون في ايران وفي كل مكان وجد فيه من عرف الامام وانتهل من فيض هدايته.
    وراح المحبون يلطمون الرؤوس والوجوه... وتعجز الاقلام، بل يعجز اي بيان عن تصوير أبعاد ما حصل وما تدفق من أمواج من الاحساسات المتلاطمة.
    وللشعب الايراني وللمسلمين الثوريين الحق في الضجيج بتلك الصورة - التي لم يسجل التاريخ نموذجا يضاهيها بالشدة والعظمة - فهم قد فقدوا عزيزا اعاد لهم عزتهم المهدورة، وكفّ ايدي الملوك الظالمين و الناهبين الامريكان والغربيين عن اراضيهم ، واحيا الإسلام وحقق للملسمين المجد و العزة، واقام الجمهورية الاسلامية،و وقف بوجه جميع القوى الشيطانية في الدنيا بثبات ليواجه مئات المؤامرات الهادفة لإسقاط النظام، والطروحات الهادفة لقلب نظام الحكم او اثارة الفتن في الداخل والخارج وعلى مدى عشرة اعوام، وقاد الدفاع المقدس لثمانية اعوام في جبهة واجه فيها عدواً كان يتمتع وبوضوح بدعم القوى الشرقية والغربية الكبرى.
    لقد فقدت الجماهير قائدها المحبوب ومرجعها الديني والمنادي بالاسلام الاصيل ، لعلّ اولئك العاجزين عن درك واستيعاب هذه المفاهيم، يقفون حيارى حينما يشاهدون حالة الجماهير - التي عرضتها الافلام التلفزيونية - اثناء مراسم توديع وتشييع ودفن الجثمان الطاهر للامام الخميني، و لعلّهم يدهشون حينما يسمعون بوفاة العشرات الذين لم يتمكنوا من تحمل ثقل الصدمة، فتوقفت قلوبهم عن العمل، او بسقوط العشرات الاخرين مغشيا عليهم نتيجة شدة الحزن وانتقالهم من يد الى يد فوق امواج هائلة من البشر لينقلوا الى المستشفياتَ.. الى غير ذلك...
    لكن اولئك الذين يعرفون معنى العشق والذين امتحنت قلوبهم لذته، يرون كل ذلك امرا طبيعيا، والحق أنّ الجماهير الإيرانية كانت عاشقة للإمام الخميني، وما اجمل الشعار الذي رفع في الذكرى السنوية لوفاته " عشق الخميني عشق لكل ما هو جميل".
    في يوم وليلة الخامس من حزيران 1989 ميلادي تجمع الملايين من ابناء طهران والمعزون من ابناء المدن والقرى، في مصلى طهران الكبير ليلقوا النظرة الاخيرة على الجثمان الطاهر لرجل اعاد لقامة القيم والكرامة المهطعة في عصر الظلم الاسود استقامتها بقيامه وثورته، وفجر في الدنيا نهضة من التوجه لله والعودة نحو الفطرة الانسانية.
    لم يكن هناك من إثر للمراسم الرسمية الخالية من التوجه، فكلّ شىء كان جماهيريا تعبويا وعشقيا. وكان جثمان الامام الموشّح باللون الاخضر موضوعا على دكة عالية يتحلق حولها الملايين من اصحاب العزاء ويضيء كدّرة نفيسة. وكان كل واحد من ذلك الجمع الغفير يتمتم بحزن مع امامه الفقيد ويذرف الدموع. وامتلأ المكان وحتى الطرق السريعة المؤدية الى المصلى بالجماهير الموشحة بالسواد. ورفعت اعلام العزاء على الابواب والجدران وانطلق صوت القرآن من جميع المساجد والمراكز والادارات والمنازل وما إن هبط الليل حتى اوقدت الاف الشموع تذكيرا بالمشعل الذي اوقده الامام، واضاءت منطقة المصلّى وما حولها. وتحلقت العوائل المفجوعة حول شموعها وقد تعلقت انظارها بذلك المرتفع النوراني الذي رقد فيه امامهم المحبوب. وكانت صرخات " ياحسين " التي تنطلق من التعبويين الذين شعروا باليتم قد احالت المكان الى عاشوراء جديدة. فقد قصمت الظهور، هل حقيقة ان هذا الصوت الرباني لن ينطلق مجددا من حسينية جماران ؟... وبقيت الجموع المفجوعة تندب فقيدها حتى الصباح.
    وفي أول ساعات اليوم السادس من حزيران، أدت الملايين صلاة الميت على جثمانه الطاهر بامامة اية الله العظمى الكلبايكاني.
    إن من المواقف التي اثبتها التاريخ، يوم 12 بهمن 1357(1شباط 1979 ميلادي) ويوم تشييع الامام اذ تكرر في اليومين اجتماع الملايين وانطلاق مختلف المشاعر الحماسية والمعنوية. لقد قدر مراسلو وكالات الانباء عدد المستقبلين للامام في عام 1979 بستة ملايين شخص كما صرحوا بان عدد المشيعين قد تجاوز التسعة ملايين شخص، والحال ان الدول الغربية والشرقية تحالفت خلال الاحد عشر عاما التي امضاها الامام الخميني في الحكم ومارست مختلف انواع المؤامرات وحمّلت ايران حربا ضروسا دامت ثمانية اعوام، والمئات من المخططات الخبيثة التي كان يهدف من خلالها صد جماهير الشعب عن الالتفاف حول قائدها، غير ان ذلك لم يتحقق رغم مئات المشاكل التي تحملها ابناء الشعب، ورغم ما قدّموه من الشهداء وذلك نتيجة للتربية العقائدية التي مارسها الامام الخميني، فالشعب المجيد كان يعتقد برسوخ بمقولة الامام الخميني " ان القدرة على تحمل المصائب والمصاعب والمحرومية والتضحية بالأنفس انما تتناسب مع حجم الهدف وعلو مرتبته".
    بدأت مراسم التشييع، فانطلقت الجموع الغفيرة من المصلى الى مرقد الامام - بجوار مقبرة جنة الزهراء (مزار الشهداء) وضجت الجموع اطفالا ونساء ورجالا وكانت ارواحهم تخلع من ابدانهم. مرت ساعات دون ان يتمكن الجمع من التقدم نتيجة اضطراب الاحاسيس، وبالنتيجة تم حمل الجثمان الطاهر بطائرة عمودية لينقل الى المثوى الاخير.
    ورغم انه قد تم وضع عوائق عالية للحيلولة دون ازدحام المعزّين في محل الدفن، الا انه ما ان حطت الطائرة على الارض، حتى اضطرب كل شىء، فقد تأججت نار الفراق في القلوب وأدّى الإحساس بالفراق الطويل إلى تصاعد الحزن والغضب والى الدرجة التي جعلت كل جهود المأمورين - لاتمام عملية الدفن - تذهب سدى.
    ثم وبصعوبة بالغة تم استرداد الجثمان من ايدي الجماهير، واعيد الى الطائرة وحمل من جديد نحو حسينية جماران.
    ان اولئك القابعين في مغرب الارض، أو في ظل الفكر الغربي، ممن يرون أن الحياة عبارة عن نافذة تطلّ على المال والهوس - وممن لا يتمكنون ونتيجة حياتهم الصاخبة المكتظة بالأصوات المدمرة للماكنة والآلة ، الغافلون عن الاصالات والعشق الحقيقي والقيم لايمكنهم أن يدركوا أبعاد ما يشاهدونه من الصور التي نقلتها الافلام عن يوم دفن جثمان الامام...



    _________________________________

    اذن الا يستحق ان نفخر بأن في ديننا مسلم مثله؟


    نعزي صاحب العصر والزمان بذكرى رحيل الامام روح الله الموسوي