منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الحوراء زينب اكملت النهضه لحسينيه

  1. بواسطة بنت الهدى العراقيه

    [صورة]
    لم يكن موقف ابن زياد من سبايا الحسين سلام الله عليه موقف الرجل الذي يحمل في عرقه شهامة ورجولة، فلقد بلغ بهذا الوغد الحقد، والخسة ان عمل مع آل رسول الله صلى الله عليه وآله كلما توصل ذهنه وفكره، وكلما حاول المتحدث أن يصف هذا الموقف الجائر لخجل القلم من الاسترسال، ووقف واجماً حزيناً.
    مرارة السبي

    يقول الراوي:
    ان ابن زياد عقد مجلساً خاصاً مع شمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي وعمرو بن الحجاج لعائن الله عليهم وجماعة تداول فيه كيفية ارسال السبايا إلى دمشق، ومع من؟ وتم الاختيار أن يكون زجر بن قيس، وأبو بردة بن عوف، وطارق بن أبي ذبيان لعنهم الله تعالى قادة الموكب، وما ولدت أم شراً من هؤلاء الثلاثة، وأمر على الموكب شمر بن ذي الجوشن، ومعه جماعة من اتباعه، ممن باعوا ضمائرهم لأبن زياد، وسلبت الرحمة من قلوبهم.
    ولم يكن السفر من الكوفة إلى الشام بالسهل اليسير، فقد عرف الطريق بالوعورة والمصاعب، ولم يكاد السائر فيه يبلغ الشام حتى يقطع من عمره اكثر من شهر على الابل الصابرة المجدة. ولكن ابن زياد أراد أن يكون الطريق بأقل كثير من هذه المدة ليضرب عصفورين بحجر واحد: أولا ـ الامعان في اجهاد السبايا، واذلالهم، وثانياً تفادياً لكل الاحتمالات التي تنشأ من تنقل الموكب ـ حسب طبيعته في القرى والمدن التي يمر بها، وخشية ردود الفعل فيها، قال الراوي:
    «لقد كان مسيرة الطريق شهر للابل ذوات الصبر والقوة، ولكن الحداة الغلاظ ارهقوا قدرتها، وأوجعوا صبرها، فقطعت الإبل في عشرة أيام أو دونها ما كان عليها أن تقطعه في شهر أو أكثر، وكأنما سالت امام الابل عثرات الطريق لتحط عن قريب بعض أوزار القوم، ولو لا أنها كانت تحمل عفافاً طهراً ليس مثله في الارض عفاف وطهر، لألقت بأحمالها حين كانت تفزعها أصوات الحدا، وكأنها حست بما تحمل، وحنت لرنة الحزن من فوقها فسارت وأسرعت، كأنها لم تسمع من قبل برنة حزن كما سمعت في هذا البكاء.
    وسير بالسبايا في اعتساف وارهاق ليل نهار، وسير بهن من خلف الرؤوس كلما كان يسار بالسبايا من الحروب، وكان سير شمر بن ذي الجوشن أميراً لهذا الركب سبباً في أن يصوم أهل البيت عن الكلام، فما نبست منهن نابسة بكلمة ولا أشارت واحدة منهن باشارة، وكان إذا حدث أحد نفسه بالكلام أو علا صوته بالبكاء قرعه الفرسان بالرماح.

    التضليل الأموي

    وجعل ابن ذي الجوشن كلما مر ببلد أرسل اليه قبل أن يدخله أنه موكب رجل خارجي خرج على أمير المؤمنين، فإذا جازت الكذبة على القوم مرّ بالبلد، وإذا لم تجز الكذبة، أو خيف البلد مال منه، ولم يعرج عليه.
    وطالما مال الركب عن الطريق التي تسلكها الابل، وخاصة البرية والرمال خوفاً من غصب الناس إذا علموا فثاروا، فإذا خرج ابن ذي الجوشن من بلد وقربه ليلاً أصبح يتفقد أثواب الركب، فلعل أهل البلد جاءوا بشيء زائد فيأخذه منهم».
    وعلى هذا اللون من العنت والجهد، طوى الركب الفيافي والقفار، حتى لاحت الشام وبدأت مشارف عاصمة الأمويين، ولم يكن بالسهل على زينب سلام الله عليها وبنات الرسالة على أن يدخلن بلد أعدائهن على هذه الحالة التي هي فيها ووددن أن تنشق الأرض، وتبتلع الركب، ولا يتشمت بهن يزيد وأتباعه.

    لعنك الله ياشمر

    وفكرت أم كلثوم بنت علي أن تعمل على ابعاد الانظار عنهن، فأرسلت إلى شمر بن ذي الجوشن ـ بصفته قائداً الجيش تسأله أن يدخلهم عن طريق قليل النظار، وأن يأمر حملة الرؤوس أن يخرجوا من بين المحامل لكي لا يشتغل الناس بالنظر اليها، فقد خزيت بنات الرسالة من كثرة النظر اليهن.
    والغريب أن تفكر أم كلثوم بأن ابن ذي الجوشن رجل له ضمير وأخلاق فتطلب منه هذا الطلب، وتناست ان هذا الرجل الممسوخ، قد انتزعت الرحمة من قلبه، فلم يعد يعرف معنى القيم الانسانية والأخلاقية، فهو فظ غليظ يقطر لؤماً، وينفث حقداً، فقد كان بامكانه ان لا يستجيب لطلب ابنة علي، وحفيدة رسول الله، لكنه دفعه لؤمه وحقده، بأن يمعن في ايذاء هذه السبايا، ويتوغل في هتكهن بكل ما يستطيع، والاناء ينضح بما فيه... فقد أمر شمر حاملي الرؤوس أن يرفعوها على أطراف الرماح، وأن يتفرقوا في وسط المحامل بما يجلب النظر اليها، ثم أمر أن يأخذ الركب طريقاً يغص بالناس، كي يزيد الإذى على بنات علي.
    إن هذا الوحش كان يتحرى الفرصة في إيلام السبايا بكل ما يتوصل اليه حقده ولؤمه، ويكفي أن أحد زملائه يسأله فيقول له: يا ابن ذي الجوشن، هل شفيت قلبك من الحسين وآله... وبكل صلافة. قال لا، وحتى لو قتلت هذا الركب كله، ولم ابق لآل علي ذكرى، فإن كرهي لهم لم يجف.
    لعنك الله يا ابن ذي الجوشن، فأي أم ولدتك، وأي أب قذفك في لجة الظلام، فخرجت للدنيا، وانت لم تفتح عينيك على نور، وانما بقيت في ظلامك الدامس تمزق السنين بأنيابك لتكون حجارة جهنم في آخرتك وحربة مسمومة في دنياك»...

    السبايا في دمشق

    ومر الموكب في شوارع دمشق العامة حتى بلغ قصر يزيد، وهو يعلم ان الموكب على مقربة منه. فجلس مزهواً مفتخراً تماماً كما فعل واليه ابن زياد في الكوفة ـ وكلاهما من طينة واحدة ـ وحوله الأنجاس وكبار الحكومة، وأخذ ينشد أمام هذه الجموع.



    لما بـدت تـلك الحمـول وأشـرفت

    تلك الـرؤوس علـى شـفا جـيرون



    نعب الغراب، فقلت: قل أو لا تقل

    فـلـقد قـضيت من الرسول ديوني





    ولم تخف أقوال الجلاوزة ان هذه السبايا من الترك والديلم، فقد دب الهمس هناك وهناك بأن آل بيت الرسالة هم السبايا.. وأدخلت بنات محمد على مجلس يزيد، وقد اكتض بالجموع الحاشدة، وفيها من رأى الحسين سلام الله عليه، وسمع حديثه ووضعت الرؤوس بين يدي خليفة معاوية الملعون، وممثل المجد الأموي. وساد وجود كثيف واشرأبت الأعناق، وحملقت العيون إلى الرؤوس والسبايا وهي بين يدي طاغية ابن طاغية، قد أخذ النصر منه مأخذاً فراح يترنح فرحاً ونشوة. ولكن سرعان ما طاف في المجلس وجوم غريب، وذهول سيطر على الجالسين، وقطع حبل الصمت شامي قام في المجلس وخاطب يزيد:
    يا أمير، هب لي هذه الجارية، وأشار إلى فاطمة بنت الحسين.. وارتعدت فرائص فاطمة، ولاذت بعمتها زينب مذعورة.
    فقالت له زينب: كذبت والله ولؤمت، ما كان لك ذلك، ولا لأميرك.
    وبهذا الجواب القاسي لفتت أنظار الجالسين، وجلبت انتباههم أكثر من ذي قبل، وشعر يزيد بالهوان، واراد أن يداري خزيه فالتفت بغضب قائلاً:
    لو أردت ذلك لفعلت.

    زينب تفضح الأمويين

    وهنا لاحظت عقيلة بني هاشم أن الوقت حان لتكشف الحقيقة للناس، فإن المعركة بدأت، وكل الجالسين كأن على رؤوسهم الطير، يسمعون هذا الحوار الدائر بين خليفتهم، وبين هذه السبية الجريئة... إن زينب كانت تعلم أن السواد الأعظم من الناس يعرفون عن هذا السبي انه من الترك والديلم، والقليل يعرف واقع الأمر، وهذا القليل لا يستطيع أن يتصرف، فيزيد لا يهمه أن يقتل أو يسجن في سبيل إتمام شوطه، والتضليل مهما طال لا بد أن ينكشف، ولا يوجد خير من هذه الفرصة، فلتمسك بزمام الموقف، لهذا ما ان رد عليها يزيد بأنه لو شاء أن يفعل لفعل، ردت عليه بصرامة وصلابة: «كلا ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج عن ملتنا، وتدين بغير ديننا».
    وهذه بداية ثورة البركان.. وطغى تساؤل على الشفاه، لكنه سرعان ما ذبل وغاب خوفاً وخشية.. أي عبارة هذه تلقيها السبية على الخليفة الأموي «الا ان تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا». ولا بد أن يكون وراء الاكمة شيء لهم ويخترق الاسماع صوت يزيد وهو في غضب مستعر يقول للسبية.
    انما خرج من الدين ابوك وأخوك...
    وهذا ما كانت تريده زينب، فقد جرته للمصيدة، ووقع بها من دون أن يشعر، فيزيد كانت تعوزه لباقة أبيه معاوية في مثل هذه المواقف فقد كان يتمكن من التحايل والخروج من المأزق لكن المغرور الصلف ولده لم تعد له تلك القابلية، ولهذا انهت زينب المعركة، وفجرت القنبلة، فردت عليه بالسرعة وبكل جرأة، وباصرار الأبطال: «بدين الله، ودين جدي، وأبي وأخي اهتديت انت وجدك، وأبوك ان كنت مسلما».
    وساد وجوم على المجلس برهة من الوقت، فقد انكشفت الحقيقة جلية دون لف ودوران، إن هذه السبايا لم تكن من الترك والديلم ـ كما يقولون ـ انما هم من بنات الرسالة، وأخذت الأذهان تستوعب ما وراء الحوار العنيف الذي دار بين يزيد والسبية.

    سوّد الله وجهك يايزيد

    ولم يكن يزيد من تغيير الموقف، فقد اتضح الأمر رويداً رويداً، وصار يغلي كالمرجل من الغضب، وبدأ الصمت يسيطر على المجلس، وكأنه غاب كل واحد في تفكير عميق يستجلي ما وراء الحوار... وكأن الشامي الذي أثار هذه المشكلة لم يشأ السكوت والا كتفاء بما حدث، بل قام ثانية يسأل خليفته بأن يهبه هذه الجارية، فما كان من يزيد أن زجره، ونهره، وصاح به:
    أغرب وهب الله لك حتفاً قاضياً. تعلم من هذه؟
    فيقول الشامي: أليست سبية من الترك والديلم:
    وبصلافة يقول له: انها فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيدة رسول الله...
    فبهت الشامي، وعلته الصفرة، وقال وصوته مشوب بالبكاء ـ سود الله وجهك تقول انهم سبايا من الترك والديلم، بماذا أعتذر غداً لرسول الله.. وكاد المجلس يضطرب، فيأمر يزيد باخراجه من المجلس.
    وعاد الصمت إلى المجلس، وشاء يزيد أن يظهر للناس قوته وكبريائه، فأخذه عصاه وانثنى على ثنايا أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه ينكثهما، ويهز عطفيه نشوة، وطرباً معرباً عن كفره وأنشد:


    ليت أشياخي بـبـدر شــهدوا

    جزع الخزرج من وقع الاسـل



    لأ هـلـوا، واسـتهلـوا فـرحــا

    ثم قالــوا يا يـزيــد لا تــشــل



    لعبـت هاشـم بالـمــلـك فـلا

    خــبـر جــاء ولا وحــي نــزل




    الحوراء تزلزل عرش الطاغي

    وطاف همس بين الجالسين، ثم صار لغطاً وحديثاً، ورأت زينب ان الساعة قد حانت لإداء الرسالة، فانتفضت واقفة، وقد لاثت خمارها عليها، ووجهت حديثها إلى الطاغية بكل صمود وثبات.
    «الحمد لله رب العالمين، وصلى الله علي رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوء ان كذبوا بآيات الله، وكانوا بها يستهزئون».
    «أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، ان بنا هوانا على الله، وبك عليه كرامة، وتوهمت ان هذا العظيم خطرك، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا، أنسيت قول الله تعالى: «ولا يحسبن الذين كفروا، انما نملي لهم خيراً لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثماً، ولهم عذاب مهين».
    «أمن العدل يا بن الطلقاء، تخديرك حرائرك واماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس من رجالهن من ولي، ولا من حماتهن حمي، وكيف يرتجى مراقبة ابن من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر الينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:



    لاهلو واستـهلوا فرحـا

    ثم قالوا يا يزيد لا تشل





    «منحنياً على ثنايا أبي عبد الله، سيد شباب أهل الجنّة تنكثها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشآفة باراقتك دماء ذرية محمد، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب، وتهتف بأشياخك، زعمت انك تناديهم، فلتردن وشيكا موردهم، ولتودن انك شللت وبكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت.
    «فو الله يا يزيد ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله بما تحملت من دماء ذريته، وانتهكت من حرمته في عترته و لحمته، حيث يجمع الله تعالى شملهم ويلم شعثهم، ويأخذ بحقهم، «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياء عند ربهم يرزقون».
    «وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد خصيماً وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا».
    «ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، اني لأستصغر قدرك، وأستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون، عبرى، والصدور حرى ».
    «إلا فالعجب كل العجب، لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدى تنطف من دمائنا، والأفواه تحتلب من لحومنا، وتكل الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل.
    «ولئن اتخذتنا مغنماً، لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، وإلى الله المشتكى، وعليه المعول».
    «فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وايامك الا عدد، وجمعك الا بدد.. يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
    «اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا.. والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، انه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
    ثم هدأ البركان.. وسكتت زينب، ويزيد مطرق برأسه إلى الارض، وكل من كان معه مطرق، كأن على رؤوسهم الطير.

    وغام عهد الأمويين

    ولقد كانت زينب موفقة في خطبتها كل التوفيق، فقد عرف الناس أن المتكلمة من هي، وكشفت الجانب الاول من أسباب النزاع بين الحق والباطل، وأوضحت العوامل الأساسية لهذه المعركة الدامية التي أغرق يزيد فيها نفسه بدافع الضغينة الجاهلية والنعرات القديمة، والتي اكلت قلب جده أبي سفيان، وأبيه معاوية، ثم أتت عليه.
    ومهما حاول يزيد أن يخفي الحقيقة فقد وضحتها هذه الخطبة بكل صراحة وجد، والحق لا يمكن اخفاءه مهما دامت صولة الباطل، وهي بالنهاية لن تدوم، ويوم الظالم آت مهما امتد أمده، وحشرجة المظلوم أجراس الثورة والفداء مهما بعدت.
    ولقد كشفت النقاب بهذه الخطبة النارية أبعاد النهضة الحسينية، وان ذكراها لن تنمحي مهما استطال الزمن وأشرقت الشمس.
    ولم تكن هذه الخطبة إلا الشعلة الوقادة التي أذكت القلوب، وهزت المشاعر وأيقظت النفوس ضد يزيد وسلطانه ثورة عارمة أتت بعد فترة على مجد الأمويين ومحته حتى من الذكرى.
    وهذه هي المهمة الخطيرة، ونتائجها المثمرة التي اسندها الامام الحسين لأخته من بعده لتربط نتائج النهضة الحسينية الخالدة بالشعور العام، وتجندهم لثورة عارمة ضد الباطل.
    وفعلا كانت البداية فرغم أن الشام عاصمة الأمويين، ومجد خلافتهم فقد سرت البلبلة ـ بعد خطبة زينب ـ فيها ـ وكثر اللغط بين الناس، واضطر يزيد بأن يلفلف أمر السبايا، ويتظاهر لهم بشيء من العطف، حتى يذكرها الراوون بأن يزيد أخذ يلعن ابن مرجانة، بأنه هو الذي تعجل بهذا الأمر.
    هيهات أن يكون الأمر كذلك، فحقد الأمويين أمر لا يمكن المغالطة فيه، ومع أن ابن مرجانة، حاقد ولئيم، ولكن ما كان ليقدم على كل ذلك أوامر سيده وخليفته يزيد، وكان وبلوعة التعبير ينتظر هذا اليوم الذي يرى فيه انه شفي من رسول الله ديونه.. ديون قديمة انحدرت اليه ارثاً من جده أبي سفيان، وأبيه معاوية، وجدته هند عليهم لعنة الله... ولكن لم تدم الفرحة، فقد انحسر الضباب، وغام عهد الأمويين..

    مرارة الذكرى

    لقد كان لخطاب زينب صدى عميقاً في نفوس الناس، فقد الهبت المشاعر، وأثارت الأحاسيس، وكشفت النقاب بأن السبايا لم يكونوا من الترك والديلم، وإنما هم آل بيت رسو الله صلى الله عليه وآله قتل يزيد رجالهم، وسبي نساءهم، ولم تعد تنطلي على كثير من الضالعين في ركاب يزيد حيل الحفدة بأن هؤلاء خرجوا على الخليفة فكان جزاؤهم كما كان، وأين الثريا وأين الثرى؟ حتى أولئك المرتزقة الملتفين حول مائدة خليفة الأمويين، كانت في أعماق نفوسهم من يزيد عوامل تغلي عليه كالمرجل، ولعل أبسط مثال كما يذكر موقف زوجة يزيد، بعد أن علمت أن السبايا هم بنات الرسالة خرجت إلى المجلس غاضبة مكشوفة الرأس، فحاول يزيد أن يسترها فردته بعنف:
    أخذتك الحمية علي، ولم تأخذك على بنات رسول الله، والله لا ألبس خماري حتى تحمي هذه الرؤوس من عيون الناس، وتستر هذه النسوة...
    واضطر أن يأمر بالسبايا أن ينزلوا في خربة من الشام ـ كما يقولون أو مكان قصي عن الناس، ريثما يتم أمر ترحيلهم، فلقد بلغه ما كان من الاحتكاك واتصال هذه الأسرة بالناس، وتأثيرهم عليهم.
    وندب يزيد النعمان بن بشير، وأمره أن يصطحب الموكب العائد الحزين إلى مدينة الرسول، دون أن يجهدهم وأن يرفق بهم، ويكون امامهم، وان يتفرق وأصحابه لحمايتهم.
    أمر بهذا كله معتقداً أنه يستطيع أن يتلافى الماضي المخزي الذي سود وجه الأمويين، ويذكر الراوون انه قال: وهو يخاطب علي بن الحسين:
    لعن الله ابن مرجانة، اما والله لو اني صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيته اياها، ولدفعت الحتف عنه، بكل ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي ولكن قضى الله ما رأيت.
    وهل يجدي الحديث، ويقبل العذر، وممن؟ من يزيد وهو القائل ولقد قضيت من الحسين ديوني.
    وإذا حاول ابن معاوية أن يخفف ردود الفعل التي حدثت عند الناس بعد ان انكشف أمر هذه السبايا، فأخذ يختلق الأعذار، ويفتعل العواطف ليخفف غلواء المتأثرين، ولكن هيهات، فقد تكشفت الحقيقة بكل جلاء ووضوح، ولم ينفع معها كل عذر.

    الموكب الحزين يعود إلى كربلاء

    وسار الموكب الحزين عائداً إلى الكوفة، ومنها إلى المدينة، وليس من السهل على زينب أن تمر بالمدن والقرى جيئة وذهابا، وإن كانت هذه المرة أخف من سابقتها.
    وبلغت أخبارهم مسامع الكوفة، ومهما كان من موقف الكوفيين على الحسين عليه السلام في هذه المأساة، فإن الذهول بدأ يتقشع عنها، وتعود لبعض صوابها، وتحرك بعض الناس، ممن استيقظت ضمائرهم لتصحيح المسيرة، وشعر ابن زياد ما يدور في نفوس الناس، وخاصة بعد أن بلغ ابن زياد، وابن سعد أن يزيداً القى باللائمة عليهما، وانما تسرعا في قتل الحسين، ودب ذعر خفي في نفوسهما، وصار كل منهما يتهم صاحبه بالتسرع في ذلك، حتى ذكر ان ابن سعد أرسل كتاب ابن زياد الذي وجهه اليه بأمره بقتل الحسين إلى المدينة ليبرر موقفه عند أهلها، بعد أن كثر عليه اللغط والذم، وأكثر من هذا وذاك، أن النزاع بين الرجلين ابن سعد وابن زياد بلغ صريحاً، وفي هذا الحال وصل الموكب الحزين إلى مشارف الكوفة، وقد تبدلت الكوفة قرابة شهر فبعد ان كانت كتلة متراصة ضد الحسين وأهل بيته، أصبحت اليوم حزينة دامعة العين عليه ولم يشأ الركب أن يستريح كثيراً في هذه المدينة فإن هول الذكريات قض مضجع زينب واخوات زينب سلام الله عليها.
    وطلبت زينب من النعمان قائد الموكب، أن يمر بهم على كربلاء ليجددوا عهداً بقتلاهم، فظل الكوفة ثقيل عليهم، ورغم قصر المدة التي مكث فيها الموكب، وهو يتجه إلى كربلاء، فقد غلت هذه المدينة، وتركتها ابنة علي شعلة ثأر للثورة.

    العقيلة تستعيد الذكريات الحزينة

    وبدت كربلاء بوجهها الدامي، قفراء موحشة، وعلت وجه الموكب صفرة الالم، وحشرجة الموت، هذه الذكريات الحزينة تنهال على زينب وعلي بن الحسين وغيرهما من آل بيت الرسالة، وقد مرت الأيام ـ ساهمة الأضواء مضرجة الأفق، صارخة القلب، جازعة النجوم.
    وانساب الموكب نحو وادي الموت، يزرع في كل قطعة من شلة الفداء لم تمر الأربعون يوماً على هذه المأساة، وقد أسدلت الستارة على كل ما جرى وصار، لا.. أبداً.. انها ترآت لزينب وآل زينب، وكأنها في يومها الدامي الحزين، ابن سعد، وابن ذي الجوشن، والعتاة القساة من أهل الكوفة يحصدون تلك النفوس الأبية حصداً دون رحمة وشفقة، ومادت الأرض بهم، ودرت العيون دموعاً، وتفجرت القلوب آهات، والقبور المنتثرة هنا وهناك تكاد تصعد بالأجسام الثاوية فيها لتحتضن الركب المجهد العائد من رحلة الحزن..
    فلم تكن هذه المشاعل المتأججة من هذه القبور، إلا شموس نداء تنير الطريق للثائرين عبر السنين والتاريخ.

    حبيب لا يجيب حبيبه

    وفي ذلك اليوم تشاء الصدف أن يلتقي بالموكب الحزين في وادي الموت، وعند قبر الإمام أبي الشهداء جابر بن عبد الله الأنصاري، وجماعة من بني هاشم ورجال من آل رسول الله قد وردوا لزيارة الحسين، وتجديد الذكرى به...
    وجاشت النفوس حزناً ووقف وسط الجمع المفجوع جابر بن عبد الأنصاري وهو الصحابي المعروف، وبعين ملؤها الحزن والأسى قائلا:
    «يا حسين.. حبيب لا يجيب حبيبه، وانى لك بالجواب، وقد شحطت أوداجك على أثباجك، وفرق بين رأسك وبدنك، فأشهد انك ابن خاتم النبيين، وابن سيد المؤمنين، وابن حليف التقوى، وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء وابن سيد النقباء، وابن فاطمة الزهراء، سيدة النساء، ومالك لا تكون كذلك وقد غذّتك كف سيد المرسلين، وربيت في حجر المتقين، ورضعت من ثدي الايمان، وفطمت بالاسلام، فطبت حياً، وطبت ميتاً. ان قلوب المؤمنين غير طيبة بفراقك، ولا شاكة في الخيرة لك، فعليك سلام الله ورضوانه وأشهد انك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا».
    ثم صمت جابر قليلاً، وأجال بصره حول القبر وقال: «السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلت بفناء الحسين، وأناخت برحله، أشهد انكم اقمت الصلاة وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين.
    والذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله بالحق نبياً، لقد شاركناكم، فيما دخلتم فيه، وإنا لله وإنا إليه راجعون»...
    رجوع مخدرات الرسالة إلى المدينة

    وتشرق شمس اليوم الرابع على بقاء الموكب في كربلاء، ويأمر علي بن الحسين بالرحيل، فتلملم زينب أحزانها، وتجمع النسوة، ويعود الركب سيره نحو مدينة الرسول، وليكون له آخر المطاف، ويطوي الفيافي والقفار، ما أثقل الذكريات تمر على زينب كلما لاح موقع نزلوا فيه مع الحسين والأقمار من أهل بيته. في طريقهم إلى كربلاء وكلما اقتربوا من المدينة، تعالى أنين النساء، وحنين الأطفال، لقد بلغ أو شارف إلى منتهاه وبالأمس القريب غادر موكب الحسين مدينة الرسول واليوم يعود موكبه، وفي الذهاب والاياب بون شاسع.
    وسبق بشر بن حذلم إلى المدينة ينعى الحسين، وهزع الناس لاستقبال الموكب المثكول، ولكن زينب لم يقف بها السير، رغم تهافت العلويات عليها حتى وصلت إلى باب مسجد جدها رسول الله، فأخذت بعضادتيه، وصاحت: يا جداه ناعية اليك أخي الحسين وأهل بيته.. وخنقتها العبرة، وماتت الكلمات.
    ولم تهدأ نفوس الهاشميين، ولا جفت لهم دموع فالحزن يخيم عليهم، والأسى يقطع قلوبهم.
    وكانت المآتم في كل بيت من بيوت الهاشميين. وكان بيت عبد الله بن جعفر ـ زوج زينب ـ مأتم هز النفوس، وأثمرت هذه المآتم فقد أوقدت في أعماق الناس الثورة على الباطل، ومجابهة حكامه. كما رواه لنا التاريخ فيما بعد.

    ام المصائب تؤلّب الامة على الأمويين

    ولم تخمد الجذوة.. ولم تغف الأيام. «ولم يجف الدم.. ولم تغرب الأنوار فزينب الهبت الأجواء ضد البيت الأموي، ومن ضلع في ركابهم، وكشفت حقائق نهضة الحسين عليه السلام وملئت آفاق المدينة ثورة، فضاق الوالي الأموي بذلك ذرعاً.
    وكتب إلى يزيد كتاباً يقول فيه:
    «ان وجود زينب ابنة علي بين أهل المدينة مهيج للخواطر، فانها فصيحة عاقلة لبيبة، وقد عزمت هي ومن معها على القيام للأخذ بثأر الحسين، فعرفني رأيك».
    ولم يكن عمرو بن سعد الأشدق بالكاذب على أميره يزيد:
    فان ابنة علي أخذت تؤلب الأمة على الحكم الأموي، بما أوتيت من قابلية وامكانية بيانية فكتب اليه يزيد أن يفرق بينها وبين الناس.
    ان السنوات التي قضتها زينب بعد مقتل أخيها الحسين، ـ على اختلاف المؤرخين فيها من السنين إلى الأربع ـ قلّت أو كثرت، فقد كانت لسان صدق في تبليغ الدعوة، واستمرارية رسالة جدها.
    وعندما طلب منها عمرو بن الأشدق الوالي الأموي أن تترك المدينة كي لا تثير عليه البلد، ردت عليه بكل قوة وجرأة.
    «قد علم والله ما صار الينا. قتل خيرنا، وسقنا كما تساق الأنعام، وحملنا على الأقتاب، فو الله لا أخرج وان أريقت دماؤنا».
    واشتد الموقف بين الوالي وآل البيت، وزينب مصممة على ارادتها تريد أن تؤدي رسالتها مهما كلفها الأمر، وقد لا تعلم نساء آل أبي طالب انها مكلفة من أخيها أبي الشهداء بالنهوض برسالة جدها في هذه الفترة وكلمتها نساء بني هاشم بمغادرة المدينة، كي لا تجدد المأساة على العلويين. والأمويين لا يتورعون عن ارتكاب أي جريمة في سبيل توطيد حكمهم، وكان من جملة من كلماتهن لزينب بنت علي بن أبي طالب.
    «زينب: قد صدقنا الله وعده، وأورثنا الأرض نتبوء منها حيث نشاء، وسيجزي الله الظالمين. أتريدين بعد هذا هوانا ارحلي إلى بلد آمن».
    ولم يكن لزينب بدّ من الأخذ برأي الهاشميين من آل علي حفظا لهم، وقررت السفر، لتهدء فورة الأمويين الخائفين من وجودها، فان زينب تمكنت أن تؤدي رسالتها الجهادية، فألغمت الآفاق المضرجة بدماء الشهداء، وغذت النفوس المتدفقة بحب آل البيت، فلم تمض سنوات قليلة قد لا تزيد على الأربع سنوات على أبعد الأقوال، حتى كانت الثورة تندلع في وجه الأمويين، تقض مضجع يزيد، وتقلق مروان وأمثاله، وتنذر المرتزقة بالدمار.
    وصدى كلمات زينب في مجلس يزيد ترن في الأذان:
    «يا يزيد: فكد كيدك، وأسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا تدحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك الا بدد... يوم ينادي المنادي الا لعنة الله على الظالمين».
    وداعاً مدينة جدّي

    وفي صبح استعر نوره الماً، وقف موكب زينب على عتبة مسجد الرسول يودعه بقلب حزين، وحوله الهاشميون رجالاً ونساء، وكثير من الاصحاب منها زينب ستغادر المدينة، منفية، أقض وجودها نفوس الأمويين فان الدنيا على وشك الانفجار، وحكم يزيد بدء يلوح بالأفول، ويحاول الأمويين ترميم هذا المظهر، لكن هيهات، فابن فاطمة الزهراء قد أثارها حرباً شعواء على الأمويين بعد مقتله، وقد ثاب الكثير إلى رشده، وانجابت الظلمة عن عيونهم، ومهما توغل آل أبي سفيان في حصد علي وآله وأصحابه بكل ما يقشعر له الانسان، ويطير صوابه، حتى انهم ـ وفي حسابهم اجتاحوا كل الرجال، ولم يبق إلا النساء والصبية والأطفال ـ تفننوا في القتل والدمار لكن النور يزحف مهما كانت كثافة الظلمة.
    وكان وداع زينب في المدينة مظاهرة صاخبة، شدت الثائرين لدم الحسين ودعوة الحق إلى الجهاد والتضحية، ورغم أن الأمويين تظاهروا بالفرحة والأطمئنان وهم يشهدون موكب زينب يودع مدينة الرسول، لكن قلوبهم مضطربة، وأفكارهم شاردة، ونفوسهم هالعة، فان سوط الانتقام يلوح لهم في الأفق، وابنة علي لم تترك وسيلة لافهام الجماهير بحقيقة الأمر الا وسلكتها سراً وعلنا.
    ومرت القافلة على المدن والقرى، وهي تستقبل زينب، وتسمع منها وتوزع في نفوسهم الثورة، رغم مقاومة الأمويين لهذا التيار، لكن زينب صعدت الاحساس والثورة من مرحلة التفكير إلى مرحلة التنفيذ.

    ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره

    وسواء انتهى المطاف بعقيلة الهاشميين إلى دمشق أو مصر ثم غربت الشمس، لكن أشعة تلك الشمس الرائعة لم تخبو مدى الزمان.
    وعجز الموت أن يلف ذلك الصدى المدوي في سماء العقيدة في كلمتها الخالدة، وهي تهدد مجد الأمويين ـ الباطل كل الباطل ـ في أي زمان كان، ومكان كان.
    «فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك امدنا» وتوالت الثورات العلوية تطرز التاريخ شرفا، وتنظر الأيام كرامة وتحرر الانسان من ظل العبودية والاستهتار.
    ولن يدون الباطل مهما امتد زمنه، فقد انهار الصرح المشاد على اشلاء الفداء وجماجم العقيدة، ويوم الباطل مهما دام لا بد أن يزول.
    ويبقى ذكر زينب وآل زينب مشعلاً ينير الطريق للاجيال الحرة عبر السنوات من أجل العقيدة، وكرامة الانسانية.
    هكذا كان كما قال الله سبحانه:
    «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون».
  2. بواسطة Ali Al-misana

    [صورة]
  3. بواسطة امل

    شكرا ع المجهود في ميزان حسناتج