منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع دور العبادة في أسلوب الحياة، للأستاذ بناهيان

  1. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم هو ملخص الجلسة الأولى من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ.

    إن شهر رمضان ليحدد لنا أسلوبا في الحياة/ لقد باتت وجبات السحور والإفطار أحد مراسمنا وشعائرنا في هذا الشهر

    أحد المفاهيم التي اشتهرت على ألسن الناس في الآونة الأخيرة، والذي يقتضي الالتفات إليه هو مفهوم «أسلوب الحياة». وأسلوب الحياة ببيان بسيط يعني أنك كيف تبرمج وترتّب سلوكك في الليل والنهار في حياتك الشخصية والاجتماعية. إن العادات السلوكية والنشاطات والهوايات التي يقوم بها الإنسان في سلوكه، مضافا إلى تنزهاته وتساليه والآداب والأعراف الاجتماعية كلها تنضوي تحت عنوان أسلوب الحياة.
    إن شهر رمضان المبارك يحدد لنا أسلوبا في الحياة. فعلى سبيل المثال عندما نستيقض لتناول السحور، هذا ما يغير برنامج نومنا ويقضتنا. كما أن وجبة الإفطار باتت تظهر كمراسم وسنّة تقام في جميع بيوتنا تقريبا.
    أتذكر سابقا في أحد الأفلام اليابانية، أن اليابانيين كانوا يقيمون مراسم معيّنة ويمارسون آدابا خاصة في شرب الشاي. وفي المقابل إن مائدة الإفطار لدينا أيضا تحضى بآداب ومراسم خاصة؛ حيث فيها الذكر والدعاء، أو لا تخلو من الخضرة عادة وهو أمر مستحب. أو كثير من الناس يشربون كوبا من الماء الفاتر أو الشاي قبل أن يتناولوا الطعام، وعلى أيّ حال، إنه يحظى بآداب معيّنة. وكذلك في مائدة السحور حيث إن الأسر يمارسون فيها برامج وآداب غير باقي وجبات الطعام طوال أيام السنة.

    إن لشهر رمضان تأثيرا في علاقاتنا الأسرية والاجتماعية/ يتطور ويرتقي أسلوب حياة الناس في هذا الشهر المبارك

    عادة ما نرى الأسر يجتمعون معا على مائدة الإفطار بحساسية بالغة وهذا ما يترك أثره الإيجابي في العلاقات الأسرية لمدّة ثلاثين يوما. فتنفتح في هذا الشهر أبواب الضيافة وعزائم الإفطار على مصراعيها ما لم يخل من التأثير الإيجابي في علاقاتنا الاجتماعية.
    ومن جانب آخر تزدهر مساجدنا بالمصلّين في هذا الشهر وأحيانا تقدّم فيها مائدة الإفطار. فلا يختلف الناس إلى المساجد في هذا الشهر بغرض إقامة الصلاة وحسب، بل تارة يأتونه لتناول الإفطار أيضا. وهذا ما يدلّ على تغيير أسلوب الحياة حتى في كيفية الاختلاف إلى المساجد.
    لا يوزع في الدوائر شاي بعد، ويحذف التقديم في الجلسات الإدارية ولا يعترض أحد على هذا الأمر إذ كل الموظفين صائمون بطبيعة الحال. ومجرد حذف وجبة الغداء يسبب فسحة في فرصة الموظفين، فإذا كان الغداء يقتضي استراحة قليلة بعده، تنتفي هذه الحاجة في هذا الشهر وإن اقتضت الحاجة إلى الاستراحة فهي بسبب الصيام.
    تعقد جلسات ختم القرآن في كل مكان، ومتابعو برامج التلفاز يتابعون مسلسلات شهر رمضان في كل ليلة. وأولئك الذين أرفع منهم مستوى وأهل المعرفة والمعنوية يحضرون ثلاثين ليلة في برامج الذكر والمناجاة والمحاضرات وذكر مصائب الحسين (عليه السلام)، وكل هذا يحكي عن هذه الحقيقة وهي أن أسلوب حياة الناس يتطور ويرتقي في هذا الشهر المبارك.

    الصلاة نفسها تنظم أسلوب حياتنا أيضا/ إن الصلوات اليومية الخمس تنجي حياة الإنسان عن عدم الانتظام

    ليس شهر رمضان المبارك هو العامل الوحيد الذي يطور أسلوب حياتنا ويرفع مستواها، بل الصلاة أيضا تحدد لنا أسلوبا في الحياة. إن الصلاة تنظم جزء من حياة الإنسان، يعني نحن مضطرون إلى تكوين برنامج ثابت لأداء صلواتنا الخمس خلال 24 ساعة، والله يعلم كم لهذا البرنامج الثابت اليومي من تأثير في إنقاذ حياة الإنسان من عدم الانتظام وكم هو ينقذ الإنسان والمجتمع البشري من الفراغ وانعدام الشخصية. فتصوروا لو لم تكن هذه المساجد في أطراف وأكناف المدينة، كم كانت المدينة عندئذ فارغة ومنعدمة الروح.
    ثانيا إن الصلاة تأتي بالطهارة والوضوء إلى حياة الإنسان الفردية، وهذه الطهارة قضية مهمّة جدا، حيث إنها تترك بعض الآثار في سلوكنا وتصبح جزء من أسلوب الحياة.

    العبادة ترمي إلى تغيير سلوكنا وأسلوب حياتنا/ نظموا برنامجكم اليومي مع الصلاة وبرنامجكم السنوي مع شهر رمضان

    يبدو أن العبادات الدينية ترمي إلى تغيير سلوكنا وجَعْل أسلوب حياتنا متأثرا منها. المهم هو أن نعتزّ بشهر رمضان ونسمح له بتغيير أنفسنا. فنحن إن فسحنا المجال للعبادة واستأنسنا بها، عند ذلك يتضاعف مدى تأثيرها في حياتنا.
    نحن إن نظّمنا برنامجنا اليومي مع الصلاة وبرنامجنا السنوي مع شهر رمضان، سوف يجرّ هذا السلوك إلينا بركات كثيرة. من هذا المنطلق تجد بعض الناس قد جعلوا رأس سنتهم الخمسيّة ليلة القدر، ويقولون باعتبار أن ثواب الأعمال وأجرها يتضاعف في هذه الليلة، فنحن نخمّس أموالنا في هذه الليلة.
    إن تأثير الصيام على أسلوب حياتنا من الأهميّة بمكان بحيث لا يعيّن الحاكم الشرعي حدّا على تارك الصلاة وحتى على تارك الصيام، ولكن من يفطر أمام الناس وبمرآهم في هذا الشهر لابدّ أن يجلد إذ هو يخرّب الأجواء الاجتماعية التي وفّرها شهر رمضان. لقد أراد هذا الشهر المبارك أن يغير سلوك الناس وأسلوب حياتهم وحتى أجواء المجتمع، والذي يفطر علنا في الواقع يقضي على كل هذه النتائج.
    حتى أنه جاء في الروايات أن لا يتنازع الإنسان في هذا الشهر أو لا يشتم شاتمه احتراما لمقتضى الصيام. يعني أن يتنازل الناس في الخلافات للطرف الآخر ويبتعدوا عن الجدال. كما أن الضعف الناشئ من الصيام يساعد الإنسان في الابتعاد عن هذه النزاعات.

    يتبع إن شاء الله...

    . وَ قَالَ النَّبِيُّ ص‏ مَا مِنْ عَبْدٍ صَائِمٍ يُشْتَمُ فَيَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ سَلَامٌ عَلَيْكَ لَا أَشْتِمُكَ كَمَا تَشْتِمُنِي إِلَّا قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اسْتَجَارَ عَبْدِي بِالصَّوْمِ مِنْ شَرِّ عَبْدِي قَدْ أَجَرْتُهُ مِنَ النَّارِ.
  2. بواسطة Rain

    ان شاء الله ربي يتقبل صيامنا وقيامنا
    واكيد الانسان لا شئ دون العباده لله تعالى
    وهذه العباده هي اشرف مايقوم فيه الانسان في حياته
    شكرا اخي العزيز على مواضيعك القيمه
    وبأنتظار المزيد
    تحياتي
  3. بواسطة خادم الحسين

    شكرا جزيلا
    عاشت أياديكم على مشاركتكم الحلوة
    أعدكم إن شاء الله بمواصلة الموضوع
    ونقل الجديد
  4. بواسطة حكايا الورد

    كل الشكر لك اخي الكريم على هذا المجهود القيم
    وفقك الله لكل خير
    تحياتي
  5. بواسطة خادم الحسين

    حياك الله وبياك أختنا الفاضلة
    وشكرا جزيلا لك على هذه الكلمات الطيبة
    وفقك الله لكل خير
  6. بواسطة خادم الحسين

    العبادة والبرنامج العبادي يمنح حياتنا أسلوبا


    إن العبادة ترتبط كثيرا بسلوك الإنسان. فعلى سبيل المثال يقول الأطباء أن الصلاة مع ما تحمله من آثار معنوية كبيرة جدا، هي رياضة في نفس الوقت. وكذلك يقول بعض الأطباء أن النشاط الذي يمنحه الوضوء للإنسان يعادل من بعض الجهات الاستحمام الكامل أو السباحة في المسابح.
    العبادة والبرنامج العبادي له تأثير واسع على حياة الإنسان ويمنح هذه الحياة «أسلوبا» خاصا. فقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يبرمج حتى لعزائمنا وولائمنا، ولهذا جاءتنا وصايا في صلة الرحم في خصوص هذا الشهر. لقد وصانا النبي الأعظم(ص) بالأيتام مرتين في خطبته الشعبانية. فإن عُمِل بوصيته، يصبح شهر رمضان المبارك عيدا لأيتام هذه الأمّة.

    من شأن العبادات أن يلتذ ويتمتع بها الإنسان، ولكننا نؤديها وكأنها ضريبة علينا!

    يقول الإمام الصادق(ع): «قَالَ اللَّهُ تَبَارَکَ وَ تَعَالَى یَا عِبَادِیَ‏ الصِّدِّیقِینَ‏ تَنَعَّمُوا بِعِبَادَتِی فِی الدُّنْیَا فَإِنَّکُمْ تَتَنَعَّمُونَ بِهَا فِی الْآخِرَةِ. الكافي/ج2/ص83».
    وقال الشيخ بهجت(ره): «يبدو من هذا الحديث أن من شأن العبادات هو أن يتنعم بها الإنسان ولكننا نؤديها وكأنها ضريبة علينا، كأنها دواء مرّ نشربه مضطرين.» إذن ليست العبادة بتكليف إجباري أكره عليه الإنسان بالسوط. بل بإمكاننا أن نلتذ بالصلاة ونتمتع بها. فنحن إن فسحنا المجال للعبادة، تأت العبادة عندئذ وتنظم وتطور سلوكنا.

    تغيير الزيّ قليلا في الصلاة، يعين الإنسان على استشعار مزيد من المعنوية والروحانية أثناء صلاته/ أثر ارتداء العباءة في الصلاة

    لقد جرت عادة بعض المصلين أن يرتدوا عباءة أثناء الصلاة. وهذا يعني أن زيّه قد تغير أثناء الصلاة وتأثر بها. فإن مارستم هذا السلوك فترة سوف تشعرون بجماله وتتعلقون به ما قد يجعلكم لا تستطيعون أداء الصلاة بلا عباءة.
    إن هذا السلوك، أي ارتداء زيّ خاص أثناء الصلاة هو جزء من أسلوب الحياة. وكثير من المساجد قد وفّروا عباءات لهذا الغرض وهذا عمل جميل.
    بمجرد أن يعمل الإنسان تغييرا قليلا في زيه أثناء الصلاة، هذا يعينه على ازدياد حضور قلبه واستشعار أجواء معنوية أفضل في الصلاة.

    لماذا تريد العبادة وبإصرار منها أن تدير وتغيّر سلوكنا بشكل دائم؟/ لأن «للعمل والسلوك» أثرا كبيرا على «هواياتنا» و«عقائدنا» و«علمنا».

    لماذا تريد العبادة وبإصرار منها أن تدير وتغيّر سلوكنا بشكل دائم؟ لماذا تحرص العبادة على أن تعطي سلوكنا اتجاها إلهيا وأن تترك فيه آثارها؟ فيا ترى كم لسلوك الإنسان وأسلوب حياته من أهمية؟
    لماذا يحظى أسلوب الحياة بهذه الأهمية بحيث تحرص العبادة على أن تترك آثارها الإيجابية على أسلوب حياتنا؟ لأن أساسا للعمل والسلوك أثرا كبيرا جدا على هواياتنا وعقائدنا وعلمنا ومعرفتنا ولكن للأسف قل ما يعار اهتماما لهذه القضيّة. يعتقد كثير من الناس أن الطريق الوحيد لتعزيز عقائدنا هو أن الحضور في الدروس العقائدية، طبعا وبالتأكيد إن لها دور في ذلك ولكن ليس لها كل الدور، بل العمل هو الذي يلعب الدور الرئيس في تعزيز العقائد.

    نستطيع أن نغير رغباتنا وأحوالنا بأعمالنا وسلوكنا/ يمكن استئصال جذور حب الدنيا بالعمل

    إذا تلاحظون أثر العمل، تجدونه ذا أثر على رغباتكم وهواياتكم. لا يستطيع الإنسان أن يتحكم في رغباته بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال إن سأل أحد: «كيف أستطيع أن لا أكره الدنيا مع أني أحبها؟ وكيف أقدر على قلع حب الدنيا من قلبي؟» الجواب هو أنه: «أصلح عملك، وغض النظر قليلا عن زخارف الدنيا، وأكثر من التصدق بمالك، وأكثر من البذل والعطاء، فإنك قادر على تغيير نزعاتك وأحوالك القلبية بعملك».
    فلا يخرج حب الدنيا من قلب الإنسان بالكلام والموعظة وحسب، طبعا إن للموعظة والتذكار أثرا لا شك فيه، بيد أن استئصال حبّ الدنيا من القلب والقضاء عليها إنما يمكن بسلوك الإنسان نفسه.

    يحصل العلم والمعرفة بالعمل أيضا/ فإن عملتم بما تعلمون يرسل الله إليكم العلوم والمعارف من السماء

    إذا أردنا أن نزداد حظا من المعرفة، لابدّ أن نعرف أن العلم والمعرفة إنما يحصلان بالعمل. قال رسول الله(ص): «مَنْ‏ عَمِلَ‏ بِمَا عَلِمَ‏ وَرَّثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ یَعْلَم‏؛ الخرائج و الجرائح/ج3/ص1058» وقال الصادق(ع): «مَنْ‏ عَمِلَ‏ بِمَا عَلِمَ‏ کُفِیَ مَا لَمْ یَعْلَم‏؛ توحید الصدوق/ص416». فإن عملتم بما تعلمون ينزل الله إليكم العلم والمعرفة من السماء وكأن الملائكة تأتيكم لتزيدكم علما.

    يتبع إن شاء الله...
  7. بواسطة خادم الحسين

    لماذا كان النبي(ص) لا يقوم من مجلس مع أصحابه إلا ويستغفر الله 25 مرة؟

    إن أثر العمل عال جدا. فلماذا كان النبي(ص) يهتمّ بالاستغفار بهذا القدر، بينما نحن لا نهتمّ به بهذا القدر؟ فقد روي عن أَبِی عَبْدِ اللَّهِ(ع)‏: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(ص) کَانَ لَا یَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ وَ إِنْ خَفَّ حَتَّى یَسْتَغْفِرَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَمْساً وَ عِشْرِینَ مَرَّةً؛ کافی/ج2/ص504».
    ومما لا شك فيه لم يكن في جلسات النبي(ص) شيء من الغيبة ونحوها، بل كانت كلّها ذكرا وصوابا، ولكن مجرد هذا الجلوس والتحدّث مع الناس، من شأنه أن يقلق الإنسان من هفوة أو سلوك صدر منه وأبعده عن رضا الله، ولهذا كان يستغفر الرسول(ص). هذا يحكي عن مدى أهمية عمل الإنسان، بحيث حتى ولو صدرت منه خطأة صغيرة جدا، يحتاج إلى استغفار بهذا الكمّ.

    إن سمحنا للإسلام وفسحنا له المجال، سوف يترك أثره حتى في تصاميم وألوان أزيائنا وبيوتنا ومدننا.

    نحن إن سمحنا لإسلامنا العزيز وفسحنا له المجال، سوف يترك أثره حتى في تصاميم وألوان أزيائنا. وإن سمحنا له بالتدخل سوف يحدد هندسة بيوتنا أيضا. كما سوف يترك أثره الجميل في هندسة مدننا وأزقتنا وسوف يقدم لنا منهجا سلوكيا شاملا وكاملا.

    إنما السلوك الدائم ولا المؤقت هو الذي يتحول إلى أسلوب الحياة!

    إن لسلوكنا تأثيرا كبيرا في الحياة. ولكن ليس مجرد السلوك هو الذي يحدد أسلوب الحياة، بل إنما ذاك السلوك الذي يمارس بشكل دائم، هو الذي يتحول إلى أسلوب الحياة. فعندما ننظر إلى الروايات، نجد أن أثر السلوك والعمل المستمر أكثر مما كان مؤقتا مقطعيا، حتى ولو كان ذاك العمل المؤقت أفضل وأكبر. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «قَلِیلٌ مَدُومٌ عَلَیْهِ خَیْرٌ مِنْ کَثِیرٍ مَمْلُولٍ مِنْه‏؛ نهج البلاغه/الحکمة 444».

    إن أثر السلوك المستمر على الإنسان كثير جدا، ولو كان عملا قليلا

    اعملوا بعمل جيد بدوام واستمرار، فحتى لو كان هذا العمل صغيرا في ظاهره، سوف ترون كم له من أثر كبير على أنفسكم. فإنكم لو تقرأون زيارة مفصلة للحسين في يوم واحد، لا يبلغ أثرها الحسن إلى ما لو تقولون: «السلام عليك يا أبا عبد الله» مرة واحدة ولكن بدوام في كل يوم، فإنكم لو داومتم على هذا العمل الصغير سوف يترك أثرا أكبر وأعمق من عمل مفصل لمرة واحدة.
    إن للسلوك الدائم تأثيرا كبيرا على الإنسان ومن هذا المنطلق تجد الإسلام يهتمّ كثيرا بأسلوب الحياة ولهذا نجده يعيننا على تصميم أسلوب لحياتنا. فبالإضافة إلى جميع الأعمال والبرامج التي وضعها كبرنامج في الحياة، أدرج بعض العبادات المحورية والرئيسة كالصلاة والصوم في برنامج حياتنا حيث إنها بمثابة خيط السبحة تنظم وتنسق باقي أعمالنا وسلوكنا في الحياة في منظومة واحدة.

    طوبى لأولئك الذين ينطوي أسلوب حياتهم على برنامج دائم ومستمر باسم «ذكر مصيبة الحسين(ع)»

    طوبى لأولئك الذين ينطوي أسلوب حياتهم على برنامج دائم ومستمر باسم «ذكر مصيبة الحسين(ع)»، فيذكرون مصيبته ويبكون عليه دائما. والله يعلم كم لذكر مصائب الحسين(ع) من تأثير عميق على روح الإنسان وازدياد نوره ومعنويته. حيث إن أهل المعرفة والمعنى حتى وإن كانوا بدرجة قليلة في رتبتهم يستطيعون أن يشخصوا أهل ذكر مصائب الحسين بأول نظرة ولقاء.
    كم هو جميل فيما إذا أضاف الإنسان هذا الأسلوب في حياته، وراح يتردد على أهل البيت(ع) ولا سيما أبا عبد الله الحسين(ع) بشكل دائم.

    إن دعاء كميل كان هدية أمير المؤمنين(ع) لكميل بسبب كثرة معاشرته لأمير المؤمنين(ع)/ فلنقرر في هذا الشهر أن نذكر الحسين(ع) يوميا

    إن شهر رمضان المبارك له ارتباط كبير بأمير المؤمنين(ع). ذات يوم سأل كميل أمير المؤمنين (ع) أن يعلمه دعاء الخضر (وهو نفس الدعاء المشهور بدعاء كميل اليوم) فقال له أمير المؤمنين(ع): «اجْلِسْ یَا کُمَیْلُ إِذَا حَفِظْتَ هَذَا الدُّعَاءَ فَادْعُ بِهِ کُلَّ لَیْلَةِ جُمُعَةٍ أَوْ فِی الشَّهْرِ مَرَّةً أَوْ فِی السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ فِی عُمُرِکَ مَرَّةً تُکْفَ وَ تُنْصَرَ وَ تُرْزَقَ وَ لَنْ تُعْدَمَ الْمَغْفِرَةَ؛ إقبال الأعمال/2/706» وقال له أمير المؤمنين(ع): «یَا کُمَیْلُ‏ أَوْجَبَ‏ لَکَ‏ طُولُ‏ الصُّحْبَةِ لَنَا أَنْ نَجُودَ لَکَ بِمَا سَأَلْتَ ثُمَّ قَالَ اکْتُب‏...؛ إقبال الأعمال/2/706)».
    فإذا أكثرنا من الصحبة مع أهل البيت(ع)، سوف يرون من واجبهم أن يلطفوا بنا ويسددونا.
    كم هو جميل أن نقرر أن نتوجه في جميع أيام هذا الشهر إلى الحسين(ع) ونقول: «صلى الله عليك يا أبا عبد الله(ع)». فلنسأل الإمام الحسين(ع) أن يغير أسلوب حياتنا في شهر رمضان كما قد غيره في محرم. فإن كان محرّم وأيام عزاء الحسين(ع) لا تزيد عن عشرة أيام لبعض الناس، فلنحاول أن نذكر الحسين في جميع أيام شهر رمضان.
  8. بواسطة امير الحب

    عاشت الايادي
  9. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الثانية من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ.

    إن الإنسان ليأنس بأسلوب حياته/ إن عدم الثبات والاضطراب في أسلوب الحياة يترك آثارا سلبية كثيرة في روح الإنسان

    إن الإنسان ليأنس بأسلوب حياته، وتارة يصل تعلقه إلى درجة من الشدة بحيث إن سلبت منه أسلوب حياته، قد تلحق به صدمات وعوارض نفسية وعصبية كبيرة. فعلى سبيل المثال يقول البعض في خصوص كبار السن أنهم إذا انتقلوا من منطقتهم وبيتهم فجأة، هذا ما يؤدي عادة إلى بعض المشاكل لهم من قبيل مرض النسيان.
    لقد أجري إحصاء قبل كم سنة على المتقاعدين من أحد المشاغل، وإذا بالنتائج تقول أكثر من خمسين بالمئة من هؤلاء المتقاعدين قد وافاهم الأجل في نفس سنة تقاعدهم، وهذا ما يدلّ على مدى تعلق الإنسان بأسلوب حياته.
    فإن بات الإنسان يتنقل من مكان إلى مكان ومن بيت إلى بيت، فهذا ما سوف يلحق به بعض العوارض بطبيعة الحال. فإذا لم يحظ الإنسان بثبات في عمله وحياته وعلاقاته وفي كلمة واحدة في بعض أسلوب حياته، فإن هذا الاضطراب وخاصة في أيام الكبر قد يؤدي إلى كثير من التداعيات السلبية.

    نحن نأنس بحياتنا بطبيعة الحال، فلابد أن نخطط لما نريد أن نأنس به

    إنّ أحد أسباب تسمية الإنسان بالإنسان هو أنه أهل الأنس، فنحن نأنس بالأشياء التي حولنا كما نأنس بعاداتنا السلوكية وقد يصعب علينا تركها. ولهذا فلابدّ أن نخطط مسبقا لما نريد أن نأنس به.
    ما أحلى أن يستأنس الإنسان بأمثال هذه الأعمال: بأن يستيقض مبكّرا مثلا، أو أن يتوضأ مباشرة بعد ما استيقض، أو يصلي صلاة الصبح في أول وقتها، أو يذهب إلى المسجد و... فإن هذه الأعمال من أهمّ أدوية روح الإنسان من أجل القضاء على جميع الأمراض.
    في يوم القيامة أو بعد الظهور حيث يتطوّر العلم في ذاك الزمان، سوف يتضح أن برنامج الصلوات اليومية التي فرضها الله علينا وأكّد علينا أن نقيمها في المسجد جماعة، كم هي مفيدة وضرورية لروحنا. وسوف يتّضح وقتئذ كم هي نافعة لصحّة روحنا ونفسيتنا بغضّ النظر عن بُعد الارتباط بالله الذي يصحب شعيرة الصلاة.

    إن صحة روحنا تستلزم رياضة «مستمرّة» متناسبة مع اقتضاءات روحنا

    كما أننا بحاجة إلى تمارين رياضية يومية في سبيل حفظ صحة جسمنا، وكما أنه يجب لهذه التمارين أن تكون مستمرّة ومتناسبة مع جسمنا لتترك أثرها الإيجابي على جسمنا، كذلك من أجل صحة الروح لابدّ أن نمارس رياضة متناسبة مع مقتضياتنا الروحية بشكل مستمر.
    لو كنا نقدر على إنتاج فيلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني، بحيث يجسد هذه الحقيقة للمشاهد أن روح الإنسان بحاجة إلى الأنس بعبادة كالصلاة وهي بحاجة إلى التعلق بالمسجد والحضور في صلاة الجماعة باستمرار وعلى الدوام، لكثر عدد المصلين في المجتمع بسرعة.

    لماذا لم يقل أئمتنا أن لا تصلّوا فيما إذا لم تتوجهوا في صلواتكم؟! لأن مجرد هذه الصلاة العارية من حضور القلب هي مما يحتاجها روح الإنسان

    أحد أسباب أهمية أسلوب الحياة هو أن الإنسان يستأنس بأسلوب حياته ويتعلق به تلقائيا. لماذا لم يقل أئمتنا أن لا تصلوا فيما إذا لم تتوجهوا في صلواتكم؟ أحد الأسباب هو أن مجرد هذه الصلاة العارية من حضور القلب والتوجه هي مما يحتاجها روح الإنسان.
    هل أن الله قد فرض الصلاة للارتباط به وحسب، وليس لها أي أثر على روحنا؟ إن سائر آثار الصلاة الاجتماعية والروحية والجسمية من القوّة بمكان بحيث قد نستطيع ألقول بأنها لا تقل عن أثر الصلاة في تكوين الارتباط مع الله. فإن الآثار الروحية والنفسية للصلاة مهمة جدا وجديرة بالالتفات، ولكننا نغض الطرف عادة عن هذه الآثار الإيجابية المترتبة على الصلاة، حيث لم يأت علم النفس لخدمة الدين وكشف أسراره وأبعاده النفسيّة بعدُ. وما إن دخل علماء النفس في هذا الميدان وخاضوا في آثار عبادة الله والارتباط بالله والعقائد الدينية ذهلوا وانبهروا بنتائج دراساتهم.

    ليست العادة مذمومة إن حمت الإنسان من السقوط، بل تصبح عندئذ من أوجب الواجبات

    أحد الأخطاء الرائجة هي ما يقال: «العادة أمر مذموم، ولا ينبغي للإنسان أن يعتاد». نعم، فإن كانت هذه العادة تحجز الإنسان عن تطوره وارتقائه فهي أمر مذموم، أما إذا منعته من السقوط، فلم تكن مذمومة بل تصبح عندئذ من أوجب الواجبات. فعلى سبيل المثال إن اعتاد أحد على استماع مصائب الحسين(ع) والبكاء عليه، ما جعلته يتوتر ويفقد راحته إن طالت به الأيام ولم يبك فيها على الحسين(ع)، فإن هذه العادة تحميه من السقوط. وكذلك الحال في تعوّد الإنسان على الصلاة، فإن هذا التعوّد من أسباب عدم ترك الصلاة وعدم حرمان الإنسان من الفوائد الروحية والجسمية الكامنة في الصلاة. فحتى لو كانت صلاته بلا حضور وتوجّه، مع ذلك سوف يحظى المصلّي بالحدّ الأدنى من فوائدها.
    قال أمير المؤمنين(ع): «عَوِّدُوا أَنْفُسَکُمْ‏ الْخَیْرَ؛ الخرائج و الجرائح/ج2/ص596». فإن اعتاد الإنسان على عمل حسن ما، عند ذلك لا يتركه بسهولة، كما أن هذه العادة السلوكية الحسنة لتترك أثرها الإيجابيّ على روحه بشكل مستمرّ.

    يتبع إن شاء الله...
  10. بواسطة يوسف الموسوي

    موفق اخي الكريم
  11. بواسطة حكايا الورد

    [صورة]
  12. بواسطة خادم الحسين

    شكرا جزيلا
    عاشت أياديكم على مشاركتكم الحلوة
    أعدكم إن شاء الله بمواصلة الموضوع
  13. بواسطة خادم الحسين

    إن أسلوب الحياة هو الذي يكوّن شاكلة روحنا وإن فائدة هذه الشاكلة الروحية في الواقع هي في حياتنا الأخروية الأبدية.

    إن هذه الفترة المحدودة التي نعيش فيها في هذه الدنيا هي في الواقع مرحلة تمهيدية لتكوين وبلورة روحنا ونفسيتنا وشخصيتنا للعيش في تلك الحياة الأخروية الأبدية. فمن هذا المنطلق لابدّ أن نصبّ اهتمامنا بدراسة الآثار الأبدية التي يتركه سلوكنا على روحنا في الحياة الأخروية الأبدية أكثر من أن نهتم بنتائج سلوكنا على الجانب الشخصي والنفسي في هذه الدنيا، إذ أن أصل الحياة هي الحياة في ذاك العالم الأبدي وكل ما نعيشه الآن في الواقع إنما هو تمهيد لتلك الحياة الأبدية.
    إن ساعة استيقاظنا من النوم، وطريقة كلامنا، وأسلوب زيّنا كلها لها أثار ونتائج، ولكن لا تظهر هذه الآثار هنا بوضوح، بل ستظهر في عالم الآخرة. لأن أسلوب الحياة يكوّن شاكلة روحنا وله أثر عميق على روحنا، وإنّ فائدة هذه الشاكلة الروحية في الواقع هي في حياتنا الأخرويّة الأبدية وسوف تظهر هناك. فعلى سبيل المثال روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «يُحْشَرُ الْمُؤَذِّنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طِوَالَ الْأَعْنَاق‏؛ المحاسن/ج1/ص49»، وهذا امتياز في عالم الآخرة.
    أحد أسباب اهتمام الله سبحانه وتعالى وحساسيته بجزئيات حركاتنا أثناء العبادة، هو ما تتركه هذه الأعمال من أثر عميق وثابت على روح الإنسان. فعلى سبيل المثال ما أهمية الابتداء باليد اليمنى في الوضوء أو صبّ الماء من أعلى اليد إلى أسفلها إلى غيرها من أحكام وتفاصيل؟ كل هذه الأعمال تشكّل أسلوب الحياة وعادات الإنسان السلوكية ولها آثار على روحنا وجسمنا. فكم من فرق كبير وبون شاسع بين من يغسل وجهه فجر كل يوم لأجل الله فيتوضأ ويصلّي، وبين من يغسل وجهه صبيحة كل يوم لا لأجل الله.
    فهذا الإنسان الذي لم يصم شهر رمضان ـ لا عن مرض أو مبرر آخر بل عن عدم اكتراث ـ من المؤكد أنه لا يستطيع أن يدرك لذة صلاة عيد الفطر، فإن في هذه الصلاة لذة خاصة بالصائمين، ولن يستطيع من لم يصم أن يعوّضها بأيّ لذة أخرى. فإن الإنسان بعد ما صام شهرا كاملا وتحمل عناء الجوع والعطش فيه يصل إلى إحساس وشعور لا يوصف. هذا هو الأثر الذي يتركه العمل في روح الإنسان.
    يعتاد روح الإنسان على بعض الأشياء شاء أم أبى، فلا بدّ أن نراقب ما يعتاد عليه. فتصوروا إذا اعتاد إنسان على قراءة القرآن، فأي حدث رائع سوف يحدث له؟! فعلى سبيل المثال كانت من عادات الدكتور حسابي (أبو الفيزياء والرياضيات الحديثة في إيران) تلاوة القرآن ولعلّه كان يرى الآثار الروحية والنفسية الناتجة من تلاوة القرآن.
    ولا شكّ في أنّ الإنسان الذي لم يتعوّد على الصلاة ولم تستأنس روحه بتلاوة القرآن، تتشوه روحه بطبيعة الحال وسوف لا يجد بدا سوى أن يقضي مليارات السنين في حياته الأخروية بهذه الروح المشوّهة.

    إن الاستمرار على العمل من أهم مقومات أسلوب الحياة/ سوف تظهر آثار أسلوب الحياة في حياتنا الأخروية بشكل واقعي وكامل

    إن الاستمرار على ممارسة سلوك ما هو من أهم مقومات أسلوب الحياة. فإذا استمرّ الإنسان على عمل ما، هذا ما يترك آثارا عميقة في روحه ولا يظهر من هذه الآثار في الدنيا إلا جزء يسير منها، أما باقي الآثار فتظهر بتمامها في الآخرة.
    لماذا يجب أن نهتمّ بأسلوب حياتنا؟ إن سببه الرئيس هو أن أسلوب حياتنا سوف يترك أثره الحقيقي في حياتنا الأخروية، مع كونه لا يخلو من أثر في الحياة الدنيا، ولكنه أثر غير معتدّ به ولا يأتي في الحسبان في مقابل الأثر الأخروي. إذ أن أقصى ما سوف نعيشه في هذه الدنيا هو حوالي مئة سنة أو قل ألف سنة. ولكننا في عالم الآخرة سوف نعيش مليارات السنين وإلى الأبد.

    إن الله قد تفضل علينا بفرض بعض الأعمال العبادية/ فلو كان الأمر بيدنا لما أدركنا ضرورتها

    في الواقع، إن الله قد تفضل علينا ومنّ علينا بفرض بعض الأعمال العبادية الخاصة كالصلاة والصوم والحج وأمثالها، فهو قد نظّم أسلوب حياتنا بهذا التوجيب، إذ لو كان الأمر بيدنا لما أدركنا ضرورة هذه الأعمال والعبادات لروحنا وما تترك فيها من أثر عميق، ولما قمنا بها أبدا.

    إن هذه الدنيا كمعسكر للتدريب، في سبيل أن نعيش في الآخرة حياة أفضل

    لا يترك أسلوب حياة الجنود في المعسكرات وينظم على أساس برنامج دقيق، وإن استفسر أحد عن بعض الممارسات يقال له: «لا سؤال في الجيش». فيجبرون الجنود على تجربة الركض وأنواع الزحف والرمي والحرب الليلية والإزعاج الليلي والعيش في الظروف الصعبة، ليكونوا على استعداد فيما إذا اقتضت الحاجة إلى الذهاب إلى ساحة الحرب الحقيقية.
    فإن سأل الشبابُ مدرّبهم الذي عاش أجواء الجبهة والحرب والآن يتشدّد عليهم في معسكر التدريب، واستفسروه عن سبب تشدّده، يجبهم حينئذ ويقول: إنكم لم تشهدوا جبهة الحرب الواقعية، وإلا لعرفتم أنكم سوف تحتاجون كل هذه الأعمال في ساحة القتال. وبعد ذلك إن ذهب هؤلاء الشباب إلى ساحة القتال سيقولون: يا ليتنا تدربنا أكثر من هذا على تلك الحركات وتعاملنا معها بمزيد من الجدّ.
    إن حياتنا كلها هي دورة تمرين في معسكر، وهذا المعسكر ليس بمحل راحة ودعة، بل غايته هي أن نتهيأ ونتمهد للحياة الأفضل في عالم الآخرة. إذ أن أصل الحياة هناك. إنّ جميع أعمالنا وسلوكنا ولا سيما تلك الأعمال المداوم عليها التي تكوّن أسلوب حياتنا لها تأثير في تحسين حال حياتنا الأخروية ولهذا تمّ هذا التأكيد عليها في معارفنا الدينية.

    يتبع إن شاء الله...
  14. بواسطة احمد ابو سجاد

    جزاك الله خيرا على الموضوع
  15. بواسطة خادم الحسين

    شكرا جزيلا
  16. بواسطة خادم الحسين

    إن كان أسلوب حياتنا فاشلا في هذه الدنيا، سوف يقصر مدى تحليقنا في الجنة وحياتنا الحقيقية
    إن تصوّر كثير من الناس عن عالم الآخرة والجنة هو أنه ليس لهم في الجنة إلا أن يجلسوا على عرش ويطاف عليهم بأكواب من لبن وعسل وأطباق الفواكه! فيتصورون أنه ليس لنا أي نشاط في الجنة سوى أن نجلس ونتمتع، بينما الأمر ليس كذلك. فسوف نعيش ونحيى في الجنة بكل معنى كلمة الحياة، فتكون هناك لنا مختلف النشاطات والعلاقات مع باقي أهل الجنان، والأمر الوحيد الذي يسقط عنا هناك هو «التكليف». ولهذا فنحن بحاجة إلى كل خصائص الإنسان في سبيل تجربة حياة راقية جدا، ولكننا قد نكون محدودين في التحليق والطموح لما أسلفناه في الدنيا من أسلوب حياة فاشل.
    فإن أصلحنا أية مفردة من أسلوب حياتنا على أساس ما أمره الله سبحانه وتعالى، سوف نجني ثماره في عالم الآخرة. ولهذا نرى علماءنا وأولياء الله كانوا حريصين على أسلوب حياتهم وتنظيمه على أساس شريعتنا الإسلامية.

    أردت أن لا تنعقد المائدة دون مراعاة سنة النبي(ص)في ما يتربط بأهمية مراعاة أسلوب الحياة الإسلامية، ينقل آية الله بهجت هذه الحكاية فيقول: كان قد دعي السيد القاضي، أحد كبار العلماء في النجف مع غيره من العلماء على مائدة الإفطار. فعندما اكتملت المائدة وأقبل الضيوف عليها لتناول الإفطار، قال السيد القاضي: ليس في المائدة ملح. ولم يمدّ يده إلى الطعام، وكذلك أمسك باقي الحاضرين عن الطعام احتراما له، فتأخر إحضار الملح نسبة ما وبقي الضيوف ممسكين لمدّة. فبعد انتهاء جلسة الضيافة قال له أحد العلماء: «سيدنا، إن كنتم بهذه الدرجة من الاهتمام والتقيّد بهذه السنّة ما يجعلكم لا تبدأون الطعام قبل الملح أبدا، فلا بأس في مثل هذه المناسبات أن تحملوا معكم شيئا من الملح كي لا تأخروا باقي الناس.» فأخرج هذا الأستاذ من جيبه كيسا صغيرا من الملح وقال له: «كان لي ملح ولكن أردت أن لا تترك سنّة رسول الله في جلستنا».

    صلى الله عليك يا أبا عبد اللهإن الإنسان إذا راقب إسلوب حياته ونظمّه على أساس أسلوب أولياء الله وأئمته، يصل به الأمر إلى عشق هذا الأسلوب. كنت أقول في مسيرة زيارة الأربعين لإخوتي ورفقائي في المسير أن انظروا كيف قد نظّم الإمام الحسين(ع) أسلوب حياتنا، وانظروا كيف قد وفّر لنا أسباب نزهتنا وابتهاجنا. فقد سألتهم هناك أن لو لم يكن الإمام الحسين(ع) وما كانت هذه الزيارة وهذه المسيرة، فما هي كانت نزهتنا وبهجتنا. ألم تكن زيارة الحسين والمشي إلى كربلاء أيام الأربعين هي أعظم ترفيه لقلوبكم في أيام السنة؟! وهل يعادل لذةَ هذه الزيارة شيء آخر من لذات الدنيا وفرحاتها؟! فكان الشباب يصدقون كلامي ببكائهم الشديد ودموعهم الجارية...
    الحيوانات وفي بعض الروايات حتى الجمادات تستأنس وتعتاد على بعض الأعمال أو على ما يجري حولها من صوت أو عمل، فما بالك بك أيها الإنسان فانظر بماذا تعتاد وتستأنس ليكون معك إلى أبد الآبدين.
    طوبى لمن استأنس بذكر الحسين(ع) في كل يوم أو يلتفت إلى قبر الحسين(ع) ليلة الجمعة وينادي ثلاث مرات: «صلى الله عليك يا أبا عبد الله». فما يدريك فلعلك تسجّل بهذا السلام في قائمة زائري قبر أبي عبد الله(ع).
    إن من خصائص ذكر الحسين هو أن الإنسان سريع التعلق به، فإن تعلق به وتعوّد عليه لم يعد يستطيع تركه لفترة طويلة. ساعد الله قلب الحوراء زينب حيث إنها قد تعلقت بالحسين نفسه... فيا ترى ماذا جرى على قلبها حينما جاء أخوها الحسين ليودعها متجها لمصرعه ومقتله... ألا لعنة الله على القوم الظالمين.
  17. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الثالثة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ.

    إن لم نبرمج أسلوب حياتنا بأيدينا، فهناك من يبرمج ويخطط لتغيير وإفساد أسلوب حياتنا.

    إن عدم مبالاة الإنسان بأسلوب حياته وأن يتعاطى هذا الموضوع بغير جدّ واكتراث، فهذا ما قد ينجر إلى كارثة في حياة الإنسان. فنحن إن لم نبرمج أسلوب حياتنا بأيدينا ولم نعر اهتماما بالغا بهذا الموضوع، يوجد هناك من يهتمّ بأسلوب حياتنا فيبرمج له ويتصدّى لتغييره وهدمه.
    ثم لا يقتصر أسلوب الحياة على الحياة الاجتماعية أو الفردية وحسب، بل هو يشمل جميع أبعاد الحياة حتى تلك المقاطع التي نرتبط فيها مع الله ونعبد ربّنا.

    «العادة» تمثل عنصرا رئيسا في أسلوب الحياة/ وقد أتتنا أحاديث مهمة عن أئمة الهدى(ع) في مجال العادة

    هنا بودّي أن أتطرق إلى أحد العناصر الرئيسة في موضوع أسلوب الحياة وهو «العادة». فإن الاستمرار على سلوك ما والذي ينجر إلى تبلور العادة يعدّ من أهم أركان أسلوب الحياة.
    لا تخلو حياتنا من ثوابت في أعمالنا وأقوالنا والألفاظ التي نستخدمها دائما. فإنكم إن قمتم بعمل ما لمرة واحدة أو أكثر من ذلك، أو كنتم تمارسون عملا ما في بعض الأحيان بشكل مقطعي غير مستمر، لا يمكن أن نعتبر هذا العمل الخاص داخلا في أسلوب حياتكم. فعلى سبيل المثال إن صرختم ذات يوم أو عطفتم على أحد أو بذلتم من مالكم لمرة واحدة، فهذا لا يمكن أن يعتبر من أسلوب حياتكم. أما إذا قام الإنسان بعمل على دوام ما أصبح هذا العمل من عاداته ودأبه، عند ذلك يدخل في نطاق أسلوب حياته. وبإمكان من ينظر إلى حياتنا من الخارج أن يشخص دأبنا وعاداتنا السلوكية.
    قد يكون أسلوب الحياة مفروضا علينا كرها أو يكون مختارا، ولكن على أي حال إن أعمالنا المستمرّة هي التي تحدّد أسلوب حياتنا وهي التي تتحول شيئا فشيئا إلى عادة. لم يرد في رواياتنا مصطلح «أسلوب الحياة» ولكن هناك أحاديث مهمة جاءتنا عن أئمة الهدى(ع) في مجال العادة، فنشير إليها هنا إن شاء الله.

    نحن كالأسرى والعبيد في قبضة عاداتنا/ لابد أن نكون على حذر مما نعتاد عليه/ إن تغيير العادة كالمعجزة!

    أي عادة نعتاد عليها نحن البشر، فسوف تتسلط علينا ونصبح بيدها كالأسرى والعبيد كما أنّ تغيير العادة من الصعب جدا. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «لِلْعَادَةِ عَلَى کُلِّ إِنْسَانٍ سُلْطَان؛ غررالحکم/ ص544/ الحدیث10». فمن هذا المنطلق لابدّ أن نكون على حذر ونرى ما الذي نسلطه على أنفسنا، فإن الهروب من قبضة هذا السلطان صعب جدا، إذ سوف يصبح الإنسان أمام عاداته كالعبد الذليل أمام سيّده.
    وقد قال أميرالمؤمنين(ع) في حديث آخر: «رَدُّ الْمُعْتَادِ عَنْ‏ عَادَتِهِ‏ کَالْمُعْجِزِ؛ تحف العقول/ ص489». لهذا حريّ بالإنسان أن يكون على حذر مما يعتاد عليه من سلوك وأعمال مما يتحول إلى إسلوب حياته، إذ إنه سوف لا يقدر على تغيير هذا الأسلوب وما اعتاد عليه.

    فلنراقب عاداتنا وأسلوبنا في الكلام/ فقد اعتاد البعض على تتبع العيوب والتشاؤم

    فعلى سبيل المثال لابدّ للإنسان أن يرى أيّ أسلوب من أساليب الكلام راح يصير جزء من أسلوب كلامه. فقد اعتاد البعض على أن لا ينظروا سوى السلبيات والثغرات، فتراهم دائما يتذمرون ويتشاءمون. فلابدّ أن نحذر حتى لا يتحول التفاتنا إلى بعض السلبيات والثغرات. فعلى سبيل المثال إن كان جاركم سيئا وتكلمتم عن سلبياته، فإنكم أن داومتم على ذمّه يصبح ذمّ الآخرين واغتيابهم من عاداتكم شيئا فشيئا وهذا غير مطلوب جدا. فلنراقب ولا نسمح لأنفسنا أن نتعود على مثل هذه العادات.
    سأل رجل الإمام الصادق(ع) عَنِ الْإِقَامَةِ بِغَیْرِ أَذَانٍ فِی الْمَغْرِبِ؛ يعني استأذنه هل لي أن أكتفي بالإقامة قبل صلاة المغرب دون الأذان، فَقَالَ: «لَیْسَ بِهِ بَأْسٌ وَ مَا أُحِبُّ أَنْ یُعْتَادَ؛ تهذیب الاحکام/ج2/ص51»

    إن أقرباءنا ومشاكلنا في الحياة قد يصيرون سببا لأن نكسب عادات سيئة

    يبتلى الإنسان أحيانا بولد غير صالح أو زوجة سيئة الأخلاق، فتجده دائما ينصحهم وينتقدهم، فإنه إن اعتاد على هذا الأسلوب يصبح إنسانا يابسا مرّا لدى الآخرين. وهذا يعني أن مشاكل الحياة والأقرباء قد تصير سببا لأن يكسب الإنسان عادات سيئة. ولهذا لابدّ أن نكون على حذر مما نعتاد عليه.
    لابدّ للإنسان أن يراقب عاداته بشدّة، فيحاول أن لا يعتاد على السيئات من جانب، وأن يعتاد على الأعمال الصالحة من جانب آخر وأن يخطط في سبيل التعوّد على الأعمال الصالحة.

    يتبع إن شاء الله...
  18. بواسطة احمد ابو سجاد

    شكرا لك اخي
  19. بواسطة Ali Al-misana

    [صورة]
  20. بواسطة خادم الحسين

    شكرا جزيلا لكم
  21. بواسطة خادم الحسين

    التعود على إفشاء السلام مدعاة إلى زوال كثير من السلبيات


    كم أن أحكام الإسلام من الوسعة بمكان وكم حاولت أن تعوّدنا على العادات الجيّدة. فعلى سبيل المثال كم جاءتنا وصايا في إفشاء السلام. فقد قال الإمام محمد الباقر(ع): «إن الله عز وجل يحب إفشاء السلام»(الكافي/ج2/ ص645). فإن هذه العادة بحد ذاتها تحمل آثارا وبركات كثيرة وتستطيع أن تقضي على الكثير من السلبيات الأخلاقية والعلاقات الاجتماعية والمشاكل النفسية في الإنسان. فإنكم إن تعوّدتم على إفشاء السلام، واعتراكم غرور من جانب، تأتي عادتكم هذه ولن تسمح بالغرور أن يظهر على سلوككم فتفرض عليكم أن تفشوا السلام بتواضع. فهذه العادة البسيطة في الواقع وقفت مانعا أمام ظهور الغرور وبالتالي سوف يضعف غروركم تلقائيا عندما لا يجد سبيلا لظهوره.

    كل الخير والصلاح في حسن العادة/ لقد اشتهر بيننا مع الأسف أن العادة غير مطلوبة

    يقول أمير المؤمنين(ع): «کَفَى‏ بِفِعْلِ‏ الْخَیْرِ حُسْنُ‏ عَادَة» (غررالحکم/ص520/حدیث36) وهذا ما يحكي عن أن الخير كله ينال بحسن العادة.
    وقال أمير المؤمنين(ع) في حديث آخر: «عَوِّدْ نَفْسَکَ‏ السَّمَاحَ‏ وَ تَخَیَّرْ لَهَا مِنْ کُلِّ خُلُقٍ أَحْسَنَهُ فَإِنَّ الْخَیْرَ عَادَةٌ» (تحف العقول/ص86). فبالرغم من كثرة الروايات التي أكّدت على كسب العادات الحميدة ولكن للأسف قد اشتهر بيننا أن «العادة غير مطلوبة أو عندما يتحول سلوك ما إلى عادة فهو أمر غير ممدوح». نعم! إنّ كسب العادة السيئة عمل سيئ بلا ريب، وحتى بعض العادات الجيدة قد تشكّل مانعا أمام الإنسان من التطور والارتقاء، ولكن يفترض في بداية الأمر أن نلتفت إلى الجوانب الإيجابية وبركات العادات الحسنة، وبعد ذلك نتطرق إلى آفاتها الاحتمالية.

    إحدى العادات السيئة الرائجة هي التذمّر والتأكيد على تدهور أوضاع المجتمع وأنها تذهب من سيئ إلى أسوأ!

    الإنسان أسير عاداته حقا. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «لِسَانُکَ یَسْتَدْعِیکَ مَا عَوَّدْتَه» (غرر الحكم/ ص572/ الحديث25). فترى لسان بعض الناس لا ينفكّ عن الجرح والنتر حتى في مزاحه، وترى بعض الناس قد اعتادوا على استخدام بعض العبارات وتعودوا على إيذاء الغير بلسانهم.
    ومن طبيعة الناس هي أنهم ينجرون من حيث لا يشعرون إلى ما اعتاد عليه لسانهم، فأسلوب تفكيرهم يتبع أسلوب كلامهم وهكذا الحال في روحياتهم فإنها تنظّم على أساس كلامهم وتفكيرهم. فلسان كلّ امرئ يجره إلى نفسه. فعلى سبيل المثال إن عوّدنا لساننا على التذمّر والذمّ والانتقاد، سوف يجرّنا لساننا إلى التشاؤم في مقام التفكير. ولهذا تجدون كثيرا من الناس قد اعتادوا على مشاهدة سلبيّات المجتمع وحسب، فكل ما جلسوا في مكان كالتكسي أو شاحنة المسافرين يبدأون بالانتقاد وأن الأوضاع متدهورة وتذهب إلى الأسوأ يوما بعد يوم! إن هذه لعادة وتمثل أحد أنواع أسلوب الحياة في الكلام.

    مع الأسف إن أسلوب حياة أكثرنا جعلنا نبدأ الكلام بالانتقاد والكلام السلبي تجاه المجتمع/ ومن طبيعة هذا الأسلوب أن يلحق بنا الحزن والهمّ

    إن هذا الأسلوب من الكلام الذي يتعاطاه البعض من أن أوضاع المجتمع في تدهور وسقوط، إنما هو تشاؤم وضرب من الأمراض اللسانية التي قد تؤدي إلى مرض نفسي. فهذا يحكي عن أن نظرة هذا الإنسان إلى أوضاع العالم نظرة سلبية. بينما لا يحكي مجمل أوضاع المجتمع بشكل عام عن أنها ذاهبة إلى الدمار والخراب، بل بالعكس فإنها في تحسّن وتطور دائم. ولا يعني هذا الكلام أننا لا نعاني من مشاكل. نعم، نحن نعاني من بعض المشاكل والتحديات ولكن على رغم هذه المصاعب والمشاكل نجد أن حركتنا تتجه صوب التكامل والتطوّر. ومن جانب آخر صحيح أن أسعار البضائع تحكي عن وجود غلاء وتضخم ولكن قد ارتفع المستوى المعيشي للناس نسبة إلى ما كانوا عليه سابقا.
    فمع الأسف أصبح أسلوب حياتنا هو أن نبدأ الحديث بالتذمر والتشاؤم. فهذا ما سوف يؤثر على روحيتنا ويلحق بنا الحزن والهمّ. فلابد أن نقول إلى هؤلاء المتشائمين: افرحوا وابتهجوا بقدر ارتقاء مستوى معيشتكم واحزنوا بقدر مشاكلكم. فافرحوا بقدر ما تحظون به من إمكانات ووسائل الرفاه واحزنوا على ما حرمتم منه. ولكن ترى هؤلاء المتشائمين في حزن وهمّ دائم بسبب عادتهم على الانتقاد الكثير والتأكيد على السلبيات والنواقص.

    ترى كثيرا من الناس لا يتحرك لسانهم في الحديث عن إيجابيات المجتمع ونقاط قوته ومحاسنه/ حتى في الدعاء يفترض أن نبدأ بحمد الله وشكر نعمه ثم ننتقل إلى ذكر الحاجات وعرض المشاكل

    ترى كثيرا من الناس ـ وللأسف ـ لا يتحرك لسانهم في الحديث عن إيجابيات المجتمع ونقاط قوته ومحاسنه، فكأنه قد اعتلّت وسقمت رؤيتهم. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: «وَ قَلیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ»(سبأ/13). يعوّدنا إسلامنا العزيز على أن نرى نعم الله وفضله علينا في بادئ الأمر لا أن ننظر إلى النواقص والمشاكل. ولهذا قد وصّونا أئمتنا في آداب الدعاء أن ابدأوا دعاءكم بشكر نعم الله عليكم وبعد ذلك اطلبوا حاجاتكم.

    الدعاء غير المسبوق بشكر النعم قد يجرنا إلى عادة سيئة

    إن الدعاء عمل صالح بطبيعة حاله، أما إن لم يؤدّ بالشكل الصحيح قد يجرنا إلى عادة سيئة. فعندما يكثر الإنسان طلب الحاجات عند الله سبحانه بلا أن يشكر نعمه عليه أثناء الدعاء، فدائما يقول: «إللهم أخرجني من فقري وأزمتي المالية، وشاف طفلي وحلّ مشكلتي و...» فإن داوم الإنسان على هذا السلوك وهذا النمط من الدعاء قد يؤدي به إلى عادة التشاؤم والنظرة السلبية تجاه أوضاع الحياة.
    فمن أجل أن لا نتورّط بهذه العادة إثر عرض المشاكل إلى الله سبحانه، علّمنا أهل البيت(ع) أن نبدأ الدعاء بالشكر واستعراض ما رزقنا الله من النعم المادية والمعنوية. وهذا من آداب الدعاء. كما في دعاء الإمام السجاد(ع) المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، نجد المقاطع الأولى من الدعاء حمدا لله؛ «الْحَمْدُ لِلَّهِ‏ الَّذِي‏ أَدْعُوهُ‏ فِيُجِيبُنِي‏ وَ إِنْ كُنْتُ بَطِيئاً حِينَ يَدْعُونِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي وَ إِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي وَ أَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَدْعُو غَيْرَهُ وَ لَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَرْجُو غَيْرَهُ وَ لَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجَائِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي وَ لَمْ يَكِلْنِي إِلَى النَّاسِ فَيُهِينُونِي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَ هُوَ غَنِيٌّ عَنِّي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْلُمُ عَنِّي حَتَّى كَأَنِّي لَا ذَنْبَ لِي فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْ‏ءٍ عِنْدِي وَ أَحَقُّ بِحَمْدِي...‏» وكذلك الحال في باقي أدعية أهل البيت(ع) حيث نجد أنها مليئة بحمد الله. فمن أروع مصاديق حمد الله في الدعاء هو ما نجده في دعاء الإمام الحسين(ع) في يوم عرفة، حیث ابتدأ دعاءه بهذه العبارات: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَيْسَ لِقَضَائِهِ دَافِعٌ وَ لَا لِعَطَائِهِ مَانِعٌ وَ لَا كَصُنْعِهِ صُنْعُ‏ صَانِعٍ‏ وَ هُوَ الْجَوَادُ الْوَاسِعُ فَطَرَ أَجْنَاسَ الْبَدَائِعِ وَ أَتْقَنَ بِحِكْمَتِهِ الصَّنَائِعَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الطَّلَائِعُ وَ لَا تَضِيعُ عِنْدَهُ الْوَدَائِعُ أَتَى بِالْكِتَابِ الْجَامِعِ وَ بِشَرْعِ الْإِسْلَامِ النُّورِ السَّاطِعِ وَ هُوَ لِلْخَلِيقَةِ صَانِعٌ وَ هُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى الْفَجَائِعِ جَازِي كُلِّ صَانِعٍ وَ رَائِشُ كُلِّ قَانِعٍ وَ رَاحِمُ كُلِّ ضَارِعٍ وَ مُنْزِلُ الْمَنَافِعِ وَ الْكِتَابِ الْجَامِعِ بِالنُّورِ السَّاطِعِ‏ وَ هُوَ لِلدَّعَوَاتِ سَامِعٌ وَ لِلدَّرَجَاتِ رَافِعٌ وَ لِلْكُرُبَاتِ دَافِعٌ وَ لِلْجَبَابِرَةِ قَامِعٌ وَ رَاحِمُ عَبْرَةِ كُلِّ ضَارِعٍ وَ دَافِعُ ضَرْعَةِ كُلِّ ضَارِعٍ فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَ لَا شَيْ‏ءَ يَعْدِلُهُ وَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ الْبَصِيرُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِير».

    يتبع إن شاء الله...
  22. بواسطة خادم الحسين

    أحد أسباب التأكيد على «حمد الله» هو أهمية النظرة الإيجابية والابتعاد عن التشاؤم/ أراد الله أن نعتاد على النظرة الإيجابية، بيد أننا عوّدنا أنفسنا على النظرة السلبية والتشاؤم/ السورة الوحيدة الواجبة في القرآن هي سورة الحمد


    أحد أسباب تأكيد الإسلام على الشكر وإظهار الشكر باللسان وتکرار ذكر «الحمد لله»، هو أهميّة النظرة الإيجابية والتفاؤل بالخير وعدم التعوّد على التشاؤم والنظرة السلبية في الحياة.
    لقد أراد الإسلام أن نعوّد لساننا على ذكر الخير وتسليط الضوء على المحاسن والإيجابيات وحمد الله. السورة الوحيدة الواجبة في القرآن الكريم هي سورة الحمد التي تجب قراءتها في الصلاة يوميا. وقد سميت هذه السورة بسورة «الحمد» وتبدأ بآية «الحمد لله رب العالمين». وهذا يدلّ على أنّ الله ليعوّدنا من خلال هذه السورة على الشكر والنظرة الإيجابية، بيد أنّنا وللأسف نعوّد أنفسنا على التشاؤم والرؤية السلبية.
    فقد يتصور البعض أنهم لو شكروا الله بألسنتهم، سيتصوّر الله أنه لا مشكلة لهم وعليه فلا يعينهم على حلّ مشاكلهم! بينما الأمر بالعكس تماما. فعندما نشكر الله سبحانه وتعالى: يقول الله لملائكته أن عبدي قد شكرني بالرغم من معاناته كلّها، فيأمرهم بتخفيف بعض المشاكل عنّا. إذ أن الله هو أعلم منا بما نعاني منه من مشاكل، فإن التزمنا بأدب العبوديّة وشكرنا الله سبحانه في خضمّ المشاكل، سوف يزيدنا الله سبحانه من فضله وعونه. ولهذا يقول: «وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّکُمْ لَئِنْ شَکَرْتُمْ لَأَزیدَنَّکُمْ»(إبراهیم/7).

    إن لم نراقب ما نكسبه من عادات، سوف يُشقينا الشيطان بالعادات السيئة

    إن لم يبرمج الإنسان لعاداته فقد دخل في مخاطرة كبيرة جدا. فإننا إن لم نبرمج لعاداتنا ولم نكترث بهذا الموضوع يهلكنا الشيطان بتعويدنا على العادات السيئة. فإن الشيطان يقول مع نفسه: يكفي لهذا الإنسان أن يمارس العمل السيئ لعدّة مرات، فعند ذلك لا يستطيع التخلّص منه ويشقى.
    يتورّط الإنسان ببعض العادات السيئة ـ مع الأسف ـ بسبب الغفلة وعدم الالتفات. فعلى سبيل المثال قد يعتاد البعض على التلهّي بالنظر فإنه لم يعد يشعر باللذة بعد ما تعوّد على هذا العمل، ولكنّه يبقى يمارس هذا السلوك لعادته فقط، فتلحق هذه العادة به أضرارا وصدمات فادحة. وكذلك ترى بعض الفتيات قد تعودن على عدم الالتزام بالحجاب الكامل، فإنهن عندما تعوّدن على هذا السلوك، يصبح الحجاب أصعب عليهنّ. فقد يكون هذا الإنسان المعتاد على هذه العادات السيئة إنسانا صالحا وذا قلب نقيّ وباطن طاهر، ولكن بضع عادات سيئة في اللسان والبصر والسمع بإمكانها أن توقع الإنسان في متاهات وتلحق به أضرارا لا تجبر.

    أسلوب الحياة مما يأنس به الإنسان/ تكفي بضع عادات سيئة لتَعَس الإنسان/ وكذلك من شأن بضع عادات حميدة أن تنقذ الإنسان من مهالك

    لماذا أسلوب الحياة أمر مهمّ جدا؟ لأن أسلوب الحياة يعني تلك الأعمال التي يقوم بها الإنسان بشكل مستمرّ وهذا الاستمرار يؤدي إلى تبلور العادات. فأسلوب الحياة مما يأنس به الإنسان، فإننا إذا استأنسنا أسلوب ما في الحياة وكان هذا الأسلوب ينطوي على بعض السلبيات والثغرات، سيفرض هذا الأسلوب بعض العادات السيئة علينا وهي بحد ذاتها كافية لتَعَس الإنسان. ومن جانب آخر إن كان أسلوب حياتنا ينطوي على بعض العادات الحميدة في السلوك أو الكلام أو النظر، سوف تقدر هذه العادات الحميدة على إنقاذنا من بعض المهالك.

    كل إنسان سوف يبحث عند موته عمّا اعتاد عليه في حياته

    ترى بعض الناس قد اعتادوا على بعض الأذكار، فعلى سبيل المثال تجدهم يكررون أسماء أهل البيت(ع) عند النوازل والمصائب فيرددون ذكر «يا زهراء» و«يا علي(ع)» و«يا حسين(ع)» دائما، وهذه من العادات الجميلة جدا.
    في لحظات آخر عمرنا وعند سكرات الموت سوف نعجز عن كلّ شيء ولا يصدر منّا وقتئذ إلا ما اعتدنا عليه طول حياتنا. فسوف تسكن جميع قوانا وإراداتنا إلا ما أنسنا به فلم نعد نقدر على أي عمل آخر. ولهذا ترى بعض الناس عند نزع روحهم يداومون على ذكر «یا حسین(ع)» إذ قد تعوّدوا طيلة حياتهم على أن ينادوا الحسين عند المحن والمصاعب والوحشة.
    فكل إنسان سوف يبحث عند موته عمّا اعتاد عليه وأنس به في حياته. فإن أنس أحد بأمير المؤمنين(ع)، حينئذ يأتي إليه أمير المؤمنين(ع) عند مماته ويخرجه من وحشته. حيث قال أميرالمؤمنين(ع): «مَنْ‏ أَحَبَّنِی‏ وَجَدَنِی‏ عِنْدَ مَمَاتِهِ حیْثُ یُحِب‏»(صحیفة الإمام الرضا(ع)/ص86).
    إن شاء الله عند مماتنا وفي تلك اللحظات الأخيرة التي يهشّ قلب الإنسان إلى ما تعلق به واستأنس به، يضيق صدرنا شوقا إلى جلسات مصائب الحسين(ع)، وإلى المسجد وإلى الصلاة.
    ذات يوم في الجبهة كنت أنظر إلى أحد الشباب المجاهدين، وإذا بطلقة تصيب في قلبه، فما أن أصيب بقلبه وراح يفارق الحياة نادى ثلاث مرات، علي علي علي، ثم استشهد. هذا هو دور عاداتنا وأنسنا في آخر لحظات الحياة.
    كانت الزهراء قد فارقت الحياة بحسب الظاهر، فما أن جاءها أمير المؤمنين(ع) أخذ رأسها وتركه في حجره وناداها يا زهراء فلم تكلمه، فناداها يا بنت محمد المصطفى فلم تكلّمه...إلى أن قال لها يا فاطمة كلميني فأنا ابن عمّك عليّ بن أبي طالب، فما إن سمعت فاطمة باسم عليّ، فتحت عينيها ونظرت إليه، وبكت ثم أوصته بالبكاء عليها وولديها الحسن والحسين فقالت: ابكني إن بكيت يا خيرَ هادِ/ واسبل الدمع فهو يوم الفراقِ/ يا قرين البتول أوصيك بالنسلِ/ فقد أصبحا حليفَ اشتياقِ/ ابكني وابكِ لليتامى ولا/ تنسَ قتيلَ العِدى بطفِّ العراقِ. فكأنها أقامت مجلس عزاء في آخر لحظات عمرها، ولعلها كانت تريد أن تخفّف من غليل زوجها حيث كانت تعلم أن لن يتسنّى لعليّ البكاء بسهولة بعد رحيلها، فأين يبكي بعدها أفي المسجد أم في البيت عند أطفاله، أين يبكى علي حزنا على فراق فاطمة؟... ألا لعنة الله على القوم الظالمين.
  23. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الرابعة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. وهي وإن كانت تنطوي على بعض الأبحاث الخاصة في شهر رمضان ولكنّها لا تخلو من الكثير من المفاهيم العامّة والمفيدة لجميع الأزمنة، كما إنها تذكّرنا بأيام شهر رمضان والأجواء الروحانية التي كنا نعيشها في تلك الضيافة الرائعة.

    ما يقال بأني لا أريد أن أتعود على العمل الصالح الفلاني فليس بصحيح/ بل لابد أن نتعوّد على الأعمال الصالحة


    ليست العادة أمرا مذموما على الإطلاق، فما يقوله البعض من أني لا أريد أن أعتاد على هذا العمل الصالح أو ذاك فليس بقول صحيح. بل بالعكس، حيث تؤكّد الروايات على ضرورة تعوّد الإنسان على الأعمال الصالحة. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «عوّدوا أنفسكم الخيرَ»
    طبعا وبالتأكيد لابدّ أن نحترز عن العادات السيئة، كما أن التعوّد على الأعمال الصالحة لا يخلو من بعض الآفات والسلبيات وسوف أشير إلى بعض هذه الآفات في تكملة البحث.

    هناك جهات تبرمج لمختلف عاداتنا من الزيّ والطعام والكلام والعلاقات إلى غيرها من العادات

    إن لم نبرمج لعاداتنا بأنفسنا، فهناك جهات أخر وراء الكواليس تبرمج لعاداتنا من إبليس الرجيم إلى الصهاينة وباقي شياطين الثقافة الذين يبرمجون لعاداتنا وأسلوب حياتنا في مختلف أرجاء العالم.
    فترى في كثير من الأفلام يحاولون أن يعوّدونا على بعض الأعمال الباطلة والفارغة التي نحن أجلّ شأنا منها. إنهم يخططون ويبرمجون بشكل جادّ من أجل أن نتعوّد على بعض الأزياء وبعض الأطعمة وبعض العلاقات وبعض أساليب الكلام.
    فإن لم نبرمج لعاداتنا السلوكية التي هي أحد وجوه أسلوب الحياة، تأتي جهات أخرى وتقوم حينئذ بهذا المهمّ. وحتى بغض النظر عن تلك الجهات ولا سيما الصهاينة الذين يخططون في سبيل حرف أسلوب حياة شعوب العالم إلى ما يشاؤون، فحتى لو لم نأخذ هذا العامل بعين الاعتبار، إن نفسنا الأمارة بحدّ ذاتها مستعدة لتعودينا على بعض السيئات.

    لابد أن نكون في مقاومة مستمرة أمام تبلور العادات السيئة في وجودنا

    لابدّ أن نكون في مقاومة مستمرّة أمام تبلور العادات السيئة في وجودنا. حيث تتبلور بعض العادات في نفوسنا تلقائيا ولن نقدر على اجتثاثها بعد، فنصبح كالأسرى بيدها. فإن أهمل الإنسان نفسه، تتبلور العادات في كيانه بلا إرادة. وإذا لم نراقب أنفسنا ما هي إلا فترة وإذا بالعادات السيئة والخاطئة نجدها تحيط بنا وتكوّن شخصيتنا بمقتضاها.
    فعلى سبيل المثال ما أكثر الأشخاص الذين لا يقدرون على دفع التثاؤب عن أنفسهم بسبب عادتهم فلا يستطيعون أن يسيطروا على أنفسهم أمام الآخرين، ولكن ينقل عن الإمام الخميني(ره) أنه لم ير أحد تثاؤبه أبدا، فإنه كان قد سيطر حتى على تثاؤبه.

    العادات السيئة تقف مانعا أمام التوبة الصحيحة، إذ تفرض على الإنسان أن يرجع إلى ما تعوّد عليه/ إن ترك العادة أشبه بالمعجزة

    أحيانا نجتنب عن بعض السيئات مخافة أن يلحق بنا ضررها الأخروي أو خشية على سمعتنا، وكلا الدافعين جيدان. ولكن هناك دافع آخر حري بنا أن نجتنب السيئات بسببه، وهو أن نجتنب السيئات مخافة أن نتعوّد عليها. فإذا اعتاد الإنسان على سيئة ما، سوف لا تكون توبته عنها توبة صحيحة، وإذا تاب يرجع إلى تلك المعصية مرة أخرى، إذ قد تعوّد عليها.
    إن حياتنا مليئة بمختلف العادات، فحري بنا أن نكون على حذر شديد من التورط بالعادات السيئة إذ إن ترك العادة أشبه بالمعجزة «ردُّ المُعتادِ عَن عادَاتَهِ كالمُعجِز».

    بعض العادات الشائعة

    من العادات السيئة التي تورط بها كثير منا هو أننا اعتدنا على أن ننام حتى يوقظنا أحد أو يوقظنا جرس الساعة، وكذلك تعودنا على أن نأكل حتى نشبع تماما. أو أننا اعتدنا على أن نستمع أيّ حديث فقد أطلقنا سراح سماعنا ليسمع ما يشاء. أو اعتاد بعض الناس على مشاهدة أي فيلم ومسلسل، بينما ينبغي للإنسان أن يرى هل هذا الفيلم صالح وهل ينفعه أم لا، وهل هناك ضرورة لمشاهدته أم لا، أوليس له عمل أكثر ضرورة من الفيلم. وهل هذه الساعة هي ساعة استراحته ونزهته، فلابدّ أن نأخذ بعين الاعتبار كثيرا من هذه الملاحظات.

    إن ترك العادات السيئة من أفضل العبادة/ لابدّ أن نبرمج من أجل ترك العادات السيئة


    يقول أمير المؤمنين(ع) في أهمية مواجهة العادات السيئة: «أفضَلُ العِبادَةِ غَلبَةُ العَادَةِ» إذن لابدّ أن نسعى ونكسر عاداتنا الباطلة، وإن كسر هذه العادات التي هي من الصعوبة بمكان حيث عبروا عنها بأنها كالمعجز، أفضل عبادة.

    يتبع إن شاء الله...
  24. بواسطة خادم الحسين

    لابدّ أن نبرمج في سبيل ترك عاداتنا السيئة. لابدّ أن نتعرف على عاداتنا السيئة ونشخصها أولا، وبعد ذلك نسعى لمحاربتها وتغييرها. فليستعن الرجال والنساء بأزواجهم في مسار ترك عاداتهم السيئة. وليستعن الأولاد بآبائهم وأمهاتهم في سبيل ترك عاداتهم السيئة.
    يقول أمير المؤمنين(ع): «خالِف سوءَ عادَتِكَ تَزْكُ نَفْسُك» وأنتم تعلمون أن تزكية النفس تمثل أحد الأهداف العالية في رسالة الأنبياء. وفي المقابل إن لم يحارب أحد عاداته السيئة ولم يهذب نفسه، تفضحه عاداته السيئة وتذهب بماء وجهه. «مَنْ لم یُهَذّبْ نَفْسُهُ فَضَحَهُ سُوءُ العَادَة»

    إن الجوع لنعم العون على كسر العادات والسيطرة على النفس/ يتيسر لنا تغيير عاداتنا وأخلاقنا السيئة في شهر رمضان

    من هنا بودّي أن انطلق إلى موضوع دور العبادة ولا سيما الصيام في عاداتنا وأسلوب حياتنا لأرى ما هو دورها في أسلوب الحياة. يقول أمير المؤمنين(ع): «نِعمَ العَونُ على أسرِ النَّفسِ وَكَسْرِ عادَتِها التجوّع».
    إن الصوم يمنح الإنسان قوّة يقدر بها على تغيير عاداته. ولهذا يتيسر لنا تغيير عاداتنا وأخلاقنا السيئة في شهر رمضان.
    إن صوم شهر رمضان والضعف الذي يلحق بالإنسان إثر ذاك الجوع يعين الإنسان على تغيير عاداته الكلامية والسلوكية. كما أن أجواء شهر رمضان وخصائصه الأخرى أيضا تعيننا في هذا المسار، فعلى سبيل المثال من المحبّذ جدا أن تكون وجبة طعامنا في أول الليل وبعد المغرب مباشرة، إذ إن الأكل في آخر الليل مضرّ جدا. ويا حبّذا لو احتفظنا بهذه العادة بعد شهر رمضان أيضا ونتعشّى في أول الليل.

    إن حذف وجبة الغداء من برنامج الطعام اليومي من العادات الحسنة التي يعطيها لنا شهر رمضان/ على أساس رواياتنا تكفي جسم الإنسان وجبتا الفطور والعشاء في الصبح والمساء

    من العادات الحسنة التي يعطيها لنا شهر رمضان هي أنه يمنعنا من تناول الطعام أثناء النهار ويحذف وجبة الغداء من البرنامج، فيا حبذا لو استمرنا على هذه العادة بعد شهر رمضان أيضا وحذفنا وجبة الغداء من البرنامج، فنكتفي بأكل بعض الفواكه ظهرا؛ حيث قد جاءت بعض التوصيات في الروايات أن اكتفوا بوجبتي الصبح والعشاء «شَکَوْتُ إِلَى أَبِی عَبْدِ اللَّهِ ع مَا أَلْقَى مِنَ الْأَوْجَاعِ وَ التُّخَمِ فَقَالَ لِی تَغَدَّ وَ تَعَشَّ وَ لَا تَأْکُلْ بَیْنَهُمَا شَیْئاً فَإِنَّ فِیهِ فَسَادَ الْبَدَنِ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ یَقُولُ- لَهُمْ‏ رِزْقُهُمْ‏ فِیها بُکْرَةً وَ عَشِیًّا». كما جاء في رسالة توضيح المسائل للإمام الخميني(ره) في المسألة 2636: «...الخامس عشر: أن يأكل في أول النهار وأول الليل ولا يأكل بين النهار وبين الليل شيئا». ولكن قد اعتدنا مع الأسف على أن نأكل ثلاث وجبات في اليوم وتعوّدنا على وجبة الغداء ونتصور أن جسمنا بحاجة إليها.
    واحدة أخرى من العادات الحسنة التي يقدّمها لنا شهر رمضان، هي الاستيقاظ عند السحر. طبعا لعلّ أكثر ما يوقظنا عند السحر في شهر رمضان هو تناول السحور، ولكن يا حبّذا لو استمرنا على هذه العادة بعد هذا الشهر المبارك حيث إنها سوف تجلب لنا بركات كثيرة جدا.

    الإنسان الأكّال عاجز في عملية تغيير عاداته السلوكية/ إن الجوع بحدّ ذاته يقوي الروح على مجابهة العادات وتغييرها

    إن شهر رمضان وعبر تغييره المباشر لبرنامجنا اليوميّ، بات يصلح بعض عاداتنا الخاطئة، ولكن مضافا إلى هذا نفس الجوع ذاته سواء أكان جوع الصيام أو غيره يقوّي روح الإنسان ويمكّنه من تغيير عاداته. فإن الإنسان الأكّال عاجز في عملية تغيير عاداته السلوكية.
    إن الجوع يزيد من قوة روح الإنسان ويعينه على تغيير عاداته. قللوا من أكلكم لفترة وشاهدوا آثاره على أنفسكم. هناك وصيتان رائعتان وصلت إلينا في هذا المجال وهي أن لا يأكل الإنسان ما لم يجع، ويكفّ عن الطعام قبل أن يشبع. فقال أمير المؤمنين (ع): «لا تجلس عن الطعام إلا وأنت جائع ولا تقم عن الطعام إلا وأنت تشتهيه.»

    لقد بلغ التعود على الشبع لدى البعض إلى درجة بحيث يغضب وتسوء أخلاقه إن جاع

    إن الإنسان العاجز عن تحمل الجوع لا يقدر على تغيير عاداته الأخلاقية والسلوكية والكلامية. فتجد بعض الناس ـ وللإسف ـ قد بلغ به التعود على الشبع إلى درجة بحيث يغضب وتسوء أخلاقه إن جاع! وكأنه لم ينو في طول عمره أن يجرب الجوع ويتحمّله. بينما حري بالإنسان أن يرحّب بالجوع ويشكر الله على توفيق الجوع في ضيافة شهر رمضان.

    يدفع الجوع كثيرا من سموم البدن

    بغض النظر عن الآثار والبركات التي يتركها الجوع في روح الإنسان، إنه مفيد لجسم الإنسان أيضا ولا سيما في أيّام الصيف الطويلة حيث إنه يدفع كثيرا من سموم البدن ويطهّره من كثير من التلوثات. يقول بعض الأطباء: إن رائحة فم الصائم علامة لدفع كثير من سموم البدن. وقد قال رسول الله(ص): «صوموا تصحّوا» وقد تحدث الأطباء كثيرا ولا سيما في الآونة الأخيرة عن فوائد الجوع على جسم الإنسان.

    حققوا جيدا وتأكدوا من كون الصيام مضرا لكم/فعسى أن يكون الصيام سببا للشفاء من أمراض كثيرة

    ينبغي للإنسان المريض أن يحقّق ويتأكد من كون الصيام مضرّا لمرضه ولا يكتفي بقول طبيب واحد. إذ في كثير من الأحيان ليس الجوع والصيام مضرا للمريض فحسب بل إنه مفيد، وعسى أن يكون سببا للشفاء من أمراض كثيرة. فقد قال الإمام الرضا(ع): «الحمية رأس كل دواء». ولهذا إذا منعكم الطبيب عن الصيام، ينبغي لكم أن تحققوا في الموضوع أكثر فلعلّ طبيبا آخر لا يمنعكم عنه بل يعتبره مفيدا لمرضكم.
    حتى سمعت بعض الأطباء أنّ مشكلة الكلى ليست من قلة شرب الماء والعطش، بل لها أسباب أخرى. طبعا وبالتأكيد إن منعكم الطبيب من الصيام واطمأنتم بصحة قوله لا يجوز لكم الصيام وهذا هو حكم الإسلام. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بالصحة والعافية لئلا نحرم من بركات الصوم وإذا كان لابدّ من الأمراض فأسأله أن يجعل شفاءها في الصوم والحمية.

    يتبع إن شاء الله...
  25. بواسطة Ibn Babil

    شكرااااااااااااا للمجهود المميز اخي
    بارك الله بيك
  26. بواسطة خادم الحسين

    إن من يعجز عن ترك عاداته السيئة في الجوع الحاصل من الصيام، هل يقدر على ذلك في حال الشبع؟!


    كما أن جوع الصيام يعين الإنسان على صحته وقوّته البدنية، كذلك يقوّيه على المستوى الروحي، فيقوى بذلك على تغيير عاداته.
    إن من صام في شهر رمضان المبارك ثلاثين يوما ولا سيما في هذا الصيف اللاهب، ثم لم يستطع أن يغيّر أخلاقه في هذه الفرصة النادرة، فهل يقدر على تغيير نفسه في غير هذا الشهر المبارك؟ ومن عجز عن ترك عاداته السيئة في الجوع الحاصل من الصيام، هل يقدر على ذلك في حال الشبع؟!

    إن ترك العادات السيئة بحاجة إلى جهاد

    أساسا لابدّ أن نعدّ برنامجا من أجل تغيير عاداتنا، بل يا حبذا لو نبّهنا إخواننا وأحبائنا على عاداتهم السيئة. من جملة هذه العادات السيئة هي أن يتعوّد الإنسان على عدم إكمال أعماله وعدم إنجازها بشكل كامل. فعلى سبيل المثال ينبغي لطلاب المدرسة والجامعة أن يتعودوا على إنجاز تكاليفهم وواجبهم بشكل كامل ويحاولوا منذ البداية أن لا تحصل لديهم هذه العادة السيئة.
    فمن أجل ترك العادات السيئة لابدّ للإنسان أن يجاهد ويتحمل المصاعب. يقول الإمام الصادق(ع): «بِالْمُجَاهَدَةِ یُغْلَبُ سُوءُ الْعَادَة»

    آية الله العظمى البروجردي(ره): إذا غضبت مرة أخرى أصوم ثلاثة أيام.

    من جملة ما كان يمارسه الأولياء هو أنه عندما كانوا يعزمون على ترك عادة ما، كانوا يشترطون على أنفسهم بعض العقوبات. فعلى سبيل المثال ينقل عن السيد البروجردي(ره) أنه كان يغضب أحيانا على بعض تلاميذه إذا سألوا سؤالا غير مربوط. فعهد على نفسه أن يصوم ثلاثة أيام إن غضب مرة أخرى، وكان يعمل بعهده.

    اجعلوا ترك الشهوات أجمل عاداتكم

    يقول أمير المؤمنين(ع): «تَرْکُ الشَّهَوَاتِ أَفْضَلُ عِبَادَةٍ وَ أَجْمَلُ عَادَةٍ»، فيا حبّذا لو جعلنا ترك الشهوات أجمل عادتنا، فنتعوّد على ترك الشهوات وما تشتهيه الأنفس؛ لا أن نتعوّد على تلبية الرغائب ونيل اللذائذ.

    نماذج من جهاد الإمام الخميني(ره) لنفسه

    يوجد هناك من لا يستمع الموسيقى حتى الحلال منها لأنه يستلذّها. ينقل عن الإمام الخميني(ره) أنه كان يحب مرقة السبزي كثيرا. ذات يوم قدموا له هذه المرقة مضافا إلى الخبز واللبن. فرأوا الإمام لم يمدّ يده إلى المرقة وبدأ بالخبز واللبن. فقالوا له: ألا تحب هذه المرقة فلماذا لا تأكل منها؟ فقال: تركتها لأني أحبّها! وكذلك نجل الشيخ آية الله البهجت(ره) قال: كان أبي صديق الإمام كثيرا. فطلبت من أبي ذات مرّة أن ينقل لي عن الإمام شيئا. فقال لي: كنت ضيفا عند الإمام وكان قد قدم لنا مرقة السبزي ولكنه لم يذقها. فسألته عن السبب. فقال لي: أحبّها كثيرا فأردت أن لا أذقها. (لقاء حجة الإسلام علي بهجت مع وكالة فارس للأنباء بمناسبة الذكرى الرابعة لارتحال الشيخ بهجت(ره))

    إن من تعوّد على ترك الشهوات، سيزيده الله حلاوة في حياته

    إذا تعوّد الإنسان على ترك الشهوات وراح يبتعد عن اللذائذ والرغائب، سوف تحلو حياة هذا الإنسان. إذ قد قدر الله سبحانه أن يزيد حياته حلاوة ورغدا، ولكن الله يحلّي حياة هذا الإنسان بطريقته وأسلوبه. فلعله يحلّي حياته بفتح باب مناجاة هذا العبد مع ربّه، كما نقول في أسحار شهر رمضان: «مَوْلَایَ‏ بِذِکْرِکَ‏ عَاشَ‏ قَلْبِی»
    إلهي حلّ وأرغد حياتنا بذكرك. إلهي أذقنا مرارة كل حلاوة غيرك. اللهم لا تجعلنا ممن خدعه الشيطان.

    صلى الله عليك يا أبا عبد الله

    هل تصدقون أنّ سيد الشهداء(ع) الذي استشهد من أجل عزته وقال: «هیهات منا الذلة»، يسأل عدوّه شيئا؟! فليس هو ممن يسأل العدوّ إلا أن يضطر لأمر مهمّ جدّا. لقد سجل التاريخ للإمام أن سأل أعداءه مرتين، إحداهما قطعية والثانية غير قطعية. السؤال الأول الذي لا شك فيه هو أنه قال لأخيه العباس: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُؤَخِّرَهُمْ إِلَى الْغُدْوَةِ وَ تَدْفَعَهُمْ عَنَّا الْعَشِيَّةَ لَعَلَّنَا نُصَلِّي لِرَبِّنَا اللَّيْلَةَ وَ نَدْعُوهُ وَ نَسْتَغْفِرُهُ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أُحِبُ‏ الصَّلَاةَ لَهُ وَ تِلَاوَةَ كِتَابِهِ وَ الدُّعَاءَ وَ الِاسْتِغْفَارَ». ولعل أبا عبد الله الحسين(ع) كان قد لاحظ قلب الحوراء زينب في هذا السؤال والطلب وأراد لها أن تودّعه وداعا كاملا في تلك الليلة فهي آخر ليلة تسمع فيها صوت الحسين(ع) إذ يتلو القرآن. إن حلاوة العبادة والصلاة وقراءة القرآن قد تبلغ بدرجة من الشدة ما قد تجعل الإمام يستمهل عدوّه ليلة شوقا إلى الصلاة والعبادة.
    وهناك سؤال آخر سجلته بعض الأخبار ولعله لم يحدث، وهو عندما اشتدّ العطش بولده الرضيع، خاطب القوم وقال: «أما ترونه يتلظى عطشا». وحاشا الإمام أن يذلّ نفسه أمام أعدائه، ولكنه أراد أن يتمّ الحجة عليهم. فكأنه أراد أن يقول لهم: لقد حاربتموني وقتلتموني مخافة أن تتكرر عليكم حكومة علي(ع)، ولكن ما عداؤكم لهذا الطفل الرضيع؛ «إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل». فاختلف العسكر فيما بينهم ولأول مرة تقع مثل هذه الفتنة بينهم، فصاح ابن سعد في حرملة بن كاهل: اقطع نزاع القوم. قال فوضعت السهم في كبد القوس وقلت: أللوالد أم الولد؟! قال: بل الولد. فرميته وهو في حجر أبيه فذبحته من الوريد إلى الوريد.

    ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

    . وهي من الأمراق الإيرانية اللذيذة وتشبه مرقة الإسبيناغ العراقية بلونها وطعمها.
  27. بواسطة حب الحسين اجنني

    [صورة]
  28. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الخامسة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. وهي وإن كانت تنطوي على بعض الأبحاث الخاصة في شهر رمضان ولكنّها لا تخلو من الكثير من المفاهيم العامّة والمفيدة لجميع الأزمنة، كما إنها تذكّرنا بأيام شهر رمضان والأجواء الروحانية التي كنا نعيشها في تلك الضيافة الرائعة.

    إن دور العبادة في تكوين أسلوب حياة الإنسان كدور الهيكل الحديدي للبناء

    إن دور العبادة في تكوين أسلوب حياة المسلم كشأن الهيكل الحديدي أو الكنكريتي بالنسبة إلى البناء. فباقي أجزاء البناء من اللَبِنات والأبواب والشبابيك وإن كان لها شأنها في إكمال البناء، أما استحكام البناء فهو على عاتق الهيكل الحديدي أو الكنكريتي في البناء. فإذا كان الهيكل محكما، يمكن ترميم باقي الأجزاء وتجديدها حتى وإن مرّ على عمر البناء مئة سنة. وإن لم يكن كذلك، فلابدّ من هدم البناء من الأساس إن أردنا تجديده.

    إن الصلاة هي التي قادرة على حفظ سائر أجزاء الحياة في الزلازل والهزائز والأزمات التي تعتري حياة الإنسان

    لاشك في أن العبادة هي جزء من حياتنا ولا تشملها بشكل كامل. فتنطوي حياتنا على أجزاء أخرى من قبيل النوم وأكل الطعام والعمل والنزهة والضيافة وغيرها. ولكن العبادة هي أكثرها استحكاما ومتانة، فإذا اعتنى الإنسان بالعبادة جيدا، فكأنه أقام هيكلا حديديا محكما بين جميع أجزاء حياته، فإذا ابتلت حياته بزلزلة أو أزمة، سوف يحافظ هذا الهيكل على باقي الأجزاء.
    إن الصلاة هي التي قادرة على حفظ سائر أجزاء الحياة في الزلازل والهزائز والأزمات التي تعتري حياة الإنسان. فإذا تغيّرت أو هدّمت بعض أجزاء حياة الإنسان، لن يفقد شخصيته ما دام الهيكل محكما. ولهذا نرى البعض يصاب بمرض النسيان ولكن يبقى نبها لصلاته وهي آخر ما ينساه من شؤون حياته، فتحافظ صلاته على قوام شخصيته لفترة طويلة.

    إن جميع الصائمين الذين يقيمون مراسم عيد النوروز يعلمون أن لا قياس بين أثر مائدة سبع سينات وبين سفرة الإفطار في تعزيز الروح/ أثر العبادة في استحكام شخصية الإنسان وترسيخ هويته

    إن مختلف أجزاء حياتنا ليست سواء في قيمتها وأثرها على استحكام شخصية الإنسان وترسيخ هويته. إن الصلاة تشكل الهيكل الحديدي أو الكنكريتي الذي يمسك باقي أجزاء البناء. وكذلك صيام شهر رمضان حيث إنه يشكل جزء من هذا الهيكل المحكم.
    إن جميع المؤمنين الصائمين الذين يقيمون مراسم عيد النوروز يعلمون جيدا أن مهما تقيدوا بمائدة سبع سينات (هفت سين)، لن تشقّ هذه المائدة غبار مائدة الإفطار ولا يمكن قياسها بأثرها الراسخ في الروح. فكثير من الذين يبسطون مائدة سبع سينات يجلسون حولها بضحك ومزاح ولا يشعرون أنها مائدة مباركة، ولكنهم عندما يجلسون حول مائدة الإفطار يذكرون الله ويشعرون بأنهم يقومون بعمل مستحب ذي أجر عظيم.

    إن كان لابدّ من وجود قسم ثابت في حياتنا، فلمَ لا تشكل العبادة هذا القسم؟!

    بعد أن دخلنا في هذا العالم، يبدو أن لا مناص لنا من الحياة ولابدّ من تنظيمها. ومن جانب آخر لا يمكن أن تكون جميع أجزاء الحياة متغيرات لا ثابت فيها، إذ عند ذلك سوف يشعر الإنسان بالحيرة وانعدام الهوية. إذن لابدّ أن تكون بعض أجزاء حياتنا ثابتة مستحكمة بلا تغيير.
    فإذا كان لابدّ من وجود بعض الأجزاء الثابتة في حياتنا، فلم لا تكون العبادة هي الجزء الثابت والمحكم في حياتنا الذي سوف نتّكل عليه كثيرا بمقتضى ثباته واستحكامه؟

    إن ما يترتب على الصلاة والعبادة من أثر فوري وسريع على المستوى الحياة الدنيا ليس بهيّن أبدا

    إن ما يترتب على الصلاة ـ حتى هذه الصلاة العارية من حضور القلب ولا يدرى هل ستُقبَل أم لا ـ من أثر فوري وسريع على امطئناننا الروحي في هذه الدنيا ليس بهين أبدا. إنها تمنح الإنسان اطمئنانا واستقرارا يقدر بهما على الحياة.
    طبعا إثبات هذه الحقيقة تجريبيا بحاجة إلى دقة وتعمق كثيرين، ولابدّ من وجود أجهزة دقيقة جدا من أجل كشف الفارق الكبير بين حياة الإنسان المصلّي وحياة التارك للصلاة. ولهذا فإن أراد أحد أن يقارن بين الحياتين بسذاجة وسطحية، قد ينكر هذا الفارق الكبير ويقول حتى البهائم يعيشون بلا مشكلة فما بالك بتاركي الصلاة فما الداعي لها؟

    يتبع إن شاء الله..
  29. بواسطة خادم الحسين

    يعتقد علماء النفس اليوم أن نزعة العبادة لدى الإنسان هي نزعة مستقلة إلى جانب سائر غرائز الإنسان


    لقد توصل علماء النفس اليوم إلى نتائج لطيفة في نزعة العبادة لدى الإنسان، حيث يعتبرونها نزعة مستقلة إلى جانب سائر غرائز الإنسان الطبيعية وهو بحاجة إليها. طبعا لم يبالوا هؤلاء العلماء بأدلة العبادة وأنه عمل صالح أم لا، بل قد جربوا هذه الحقيقة في حياة الناس ولمسوها عبر تجاربهم. فخرجوا بهذه النتيجة وهي أن هذا الإنسان الذي درسنا أحواله سيزداد هدوء واطمئنانا فيما إذا كان لديه برنامج عبادي.
    وقد زاد علماء النفس على ذلك وقالوا إذا كان لديك برنامج ثابت عبادي يوميا أو اسبوعيا، ففي تلك الساعة المعينة التي تباشر فيها بعبادتك، يرسل دماغك إيعازا فتخرج إفرازات مهدئة في الدم كالنوكيتين مثلا وهذا ما يسبب راحة جسم الإنسان واستقراره. فالبرنامج الثابت العبادي يؤدي إلى ارتياح جسم الإنسان فضلا عن روحه. لعلكم تتساءلون لماذا أن الله سبحانه وتعالى قد أكد على أوقات الصلاة بهذا القدر؟ ولماذا أعدّ لنا برنامجا أسبوعيا للعبادة؟ أو لماذا يجب أن نتوجه إلى الكعبة أثناء الصلاة؟ فلعلّ أحد أدلته ـ على أساس مقالات بعض المحققين ـ هو أن الكعبة لها ارتباط فسلجي بجسم الإنسان.

    إن العبادة تنظم روح الإنسان ونفسيته وترشّد حياته

    إن العبادة تنظم روح الإنسان ونفسيته وترشّد حياته. والمقصود من تنظيم نفسية الإنسان، هو الآثار العصبية التي يتركه سلوك الإنسان على روحه ونفسيته. فمن بين جميع الأفعال الدائمية واليومية التي نمارسها، تؤدي العبادة دورا رئيسا ومهما جدا في ترسيخ دعائم حياة الإنسان واستقراره الروحي وحتى صحته الجسميّة.
    إن موقع عباداتنا الأساسية والمحورية بالنسبة إلى سائر أعمالنا اليومية الثابتة كشأن أركان البناء. فمن هذا المنطلق تمثل الصلاة في حياتنا دور الركن والعمود، ومن ترك الصلاة ستختلّ أجزاء مهمّة من حياته في هذه الدنيا فضلا عن الآخرة.

    إن إسلوب الحياة يمنح الإنسان هوية وثباتا كما يقوم بتنظيم حياته/ إن للعبادة موقعا أساسيا في أسلوب الحياة

    بغض النظر عن الآثار الأخروية والمعنوية والروحية التي تتركها العبادة وأسلوب الحياة، إن أسلوب الحياة يمنح الإنسان هويّة وثباتا كما يقوم بتنظيم حياته. فمن هذا المنطلق إذا كان أسلوب حياتنا غير صائب، عند ذلك تتّجه حياتنا إلى غير صواب بطبيعة الحال، فتعتلّ شخصيّة الإنسان وتضطرب نفسيته. وللعبادة موقع أساسي في أسلوب الحياة.

    لماذا نجد كثيرا من عباداتنا تكرارية ودائمية

    لماذا نجد كثيرا من عباداتنا تكرارية ودائمية؟ فقد جعلت كذلك من أجل أن تقدر على أداء دورها المهمّ في أسلوب حياتنا. وهنا لابدّ لي أن أشير إلى بعض المسائل حتى نعرف قيمة الصلاة أكثر؛ حيث إننا لا نستطيع أن نؤدي شكر نعمة وجوب الصلاة، ولهذا لا ينبغي أن تنسوا سجدة الشكر بعد كلّ صلاة.
    إن العمل المداوم هو الذي يدخل في منظومة أسلوب حياتنا وهو الذي سوف يؤثر أثرا عميقا في هويتنا وشخصيتنا. وقد بلغتنا روايات كثيرة عن أئمة الهدى(ع) تؤكّد على دوام العمل الصالح. فقد روي عن الإمام الباقر(ع) أنه قال: «مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ‏ عَمَلٍ‏ يُدَاوَمُ‏ عَلَيْهِ‏ وَ إِنْ‏ قَلّ» فعلى أساس هذه الرواية، إذا تعوّد أحد على دفع الصدقة كلّ ليلة جمعة، كان عمله أحب عند الله من الآخر الذي يتصدق في كل سنة مرة واحدة، حتى وإن كان مبلغ صدقته أضعاف مبلغ الأوّل. فإن الله لا يبالي بالأسلوب الثاني ولا يعتني كثيرا بكميّة المبلغ بقدر ما يهتمّ بدوام العمل والتعوّد عليه.
    وكذلك قد ترى البعض يقرأ زيارة مفصلة طويلة كزيارة الجامعة مثلا بين حين وأخرى ولا على الدوام، وفي المقابل يلتزم أحد آخر بأن يسلّم على أبي عبد الله الحسين(ع) يوميا ويقول: «صلى الله عليك يا أبا عبد الله». أو يقول: «السلام علیکم يا أهل بيت النبوة». فلا شك في أن عمل الثاني أعظم عند الله، حيث إنه مداوم عليه وإن قلّ.
    وكذلك روي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «إياك أن تفرض على نفسك فريضة فتقارقها إثنى عشر هلالا». فإذا أراد الإنسان أن لا يستمرّ على عمل طيلة حياته، لابدّ أن لا يقطعه قبل سنة، فلعل السبب في ذلك هو أنّ العمل الصالح لا يؤثر تأثيره في روح الإنسان ما لم يداوم عليه عاما كاملا.
    و قد أشار الإمام الصادق(ع) في حديث آخر إلى حکمة المداومة سنةً فقال: «إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَلَى عَمَلٍ فَلْيَدُمْ‏ عَلَيْهِ‏ سَنَةً ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَنْهُ إِنْ شَاءَ إِلَى غَيْرِهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ يَكُونُ فِيهَا فِي عَامِهِ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ.».
  30. بواسطة تقوى ألقلوب

    بوركت أياديك على تلك الجهود القييمة ...وفقت لكل خير
  31. بواسطة المرهفة

    شكرا للطرح الرائع
    عاشت الايادي
    ودي
  32. بواسطة Ibn Babil

    بارك الله بيك أخي ... وجعله الله في ميزان حسناتك
    :1 (51):
  33. بواسطة خادم الحسين

    شكرا جزيلا
    أحمد الله على هذا التوفيق وكون الموضوع قد نال إعجابكم
    تقبلوا تحياتي
  34. بواسطة خادم الحسين

    فلأضرب لكم مثلا: إذا صببتم خزانا من الماء على صخرة بدفعة واحدة، ماذا سوف يحدث عندئذ؟ سوف لا يحدث شيئا سوى أن تبتلّ الصخرة. أما إذا قلّلتم مقدار الماء إلى نصف أو ربع أو أقل من ذلك ولكن قطّرتم الماء قطرة قطرة على الصخرة وداومتم على العمل، سوف تترك القطرات أثرا في هذه الصخرة. وهذا هو أثر العمل المداوم في الروح.
    فانظروا إلى أثر الصلاة الهائل في روح الإنسان، حتى وإن كانت هذه الصلاة بلا حضور وتوجه، فما بالك بالصلاة مع حضور القلب، فلا توصف حينئذ آثارها. فينبغي للإنسان أن يشعر أثناء الصلاة بأنه يقوم بعمل مهم وذي أثر كبير جدا، وهذا الشعور بحد ذاته يزيد من نور الصلاة وأثرها في القلب. ومن هذا المنطلق يجب أن نشكر الله تعالى على توجيب الصلاة فلولا هذا الوجوب والتبشير بالجنة والتهديد بالنار لما قمنا بهذه الصلوات. ولكنّه سبحانه قد أوجبها علينا ونظم أسلوب حياتنا بها فيا لها من نعمة عظيمة.

    لماذا لم تؤسّس روضات الأطفال بجوار المساجد؟

    إحدى المبادرات التي إن حققناها تؤدي إلى تطوّر برنامجنا في الحياة وترفع من مستوى حياتنا هي أن نؤسس روضات الأطفال بجوار المساجد.
    إنّ روضات الأطفال اليوم تحت إشراف منظمة الرعاية الاجتماعية، وكذلك الحال في دور المجانين والمكفوفين حيث إنها تحت إشراف الرعاية الاجتماعية أيضا. فهل هذا أمر صحيح؟! يعني هل ينبغي لأطفالنا الذين هم في أوج نضارتهم وفي بداية حياتهم أن يكونوا هم والمصابون في عقلهم وذكائهم تحت إشراف منظمة واحدة؟!
    ومن جانب آخر لماذا لم نؤسس روضات الأطفال بجوار المساجد، حتى يدع الآباء أولادهم في مكان بجوار المسجد ويذهبوا إلى مشاغلهم؟ هل تعلمون ما هي الآثار والبركات التي سوف تظهر في المستقبل إن ترعرع الجيل المستقبل بجوار المسجد وفي ظل أجوائه النورانية؟
    هناك الكثير من الأمهات لا يقدرن على الحضور في المساجد والانتفاع بصلوات الجماعة والجلسات والمحاضرات التي تعقد هناك، وذلك بسبب انشغالهنّ بطفلهن حيث لا يجدن أحدا يدعن طفلهن عنده. فإذا كانت روضات الأطفال بجوار المساجد، لاستطاعت الأمهات أن يدعن أطفالهن في هذه الروضات ويذهبن إلى المسجد ببال مرتاح وينتفعن بأجوائه الروحانية.

    صلى الله عليك يا أبا عبد الله

    اللهم عوّدنا على عبادتك، حتى نعبدك حتى في آخر لحظات عمرنا وعند آخر أنفاسنا. أسأل الله أن لا ننسى الصلاة حتى وإن نسينا الأكل والشرب في آخر لحظات الحياة. أسأل الله أن لا نعجز عن الصلاة عندما نعجز عن كثير من الأعمال.
    عندما سقط الحسين(ع) على الأرض وكان يلفظ آخر أنفاسه سمعوه يناجی ربه یقول: «رضا بقضائك تسليما لأمرك لا معبود سواك يا غياث المستغيثين»، وكأنه جالس بين يدي ربه في أحد أسحار شهر رمضان، وكأنه وجد فرصة في خضم الحرب والقتال وأخذ يناجي ربه بعيدا عن أعدائه. فلا أدري كم كان يلتذ الإمام الحسين(ع) بمناجاة ربّه حيث لم يترك المناجاة حتى في آخر لحظات حياته.
    نتعود إن شاء الله على ذكر الحسين، حتى نناديه وقت الرحيل وفي سكرات الموت ولا ننسى أن ننادي «یا حسین» و «يا علي». فقد تعودنا منذ الصغر أن نصيح «يا علي» إذا سقطنا وهوينا، فلا ننسى ـ إن شاء الله ـ عليا وأمّنا الزهراء عند سقوط الروح في سكرات الموت وسقوطنا في القبر. فإن ذكرناهم عند الموت ننجو من العذاب إذ يدلّ ذلك على أننا تعودنا عليهم وأنسنا بذكرهم طيلة حياتنا. فهم لا يتركون من أنس بذكرهم كما قال أمير المؤمنين(ع): «یَا کُمَیْلُ‏ أَوْجَبَ‏ لَکَ‏ طُولُ‏ الصُّحْبَةِ لَنَا أَنْ نَجُودَ لَکَ بِمَا سَأَلْتَ».
    إن لديكم الفرصة اوالأمان لذكر الحسين(ع) فاغتموا هذه الفرصة. ساعد الله قلب أطفال الحسين حيث كانوا يساقون إلى الشام وما تدمع من أحدهم عين إلا ويقرع رأسه بالرمح.. فطيلة فترة أسرهم لم يُسمح للسبايا بالبكاء على أبيهم وأحبّتهم حتى عندما افتضح يزيد وأظهر الاحترام لهم وخيّرهم بالبقاء في الشام أو الرجوع إلى المدينة قالوا: نحب أولا أن ننوح على الحسين(ع)، فلأول مرة أخليت لهنّ الحجر والبيوت في دمشق ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا ولبست السواد على الحسين وندبوه وبكوا عليه، فيا ليت كانت الرقيّة بنت الحسين حاضرة في ذاك المجلس...

    ألا لعنة الله على القوم الظالمين.
  35. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة السادسة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. وهي وإن كانت تنطوي على بعض الأبحاث الخاصة في شهر رمضان ولكنّها لا تخلو من الكثير من المفاهيم العامّة والمفيدة لجميع الأزمنة، كما إنها تذكّرنا بأيام شهر رمضان والأجواء الروحانية التي كنا نعيشها في تلك الضيافة الرائعة.

    من أجل الحصول على الجواهر المعنوية الثمينة التي من الصعب أن نحصل عليها، لأبدّ من الاستعانة بالعمل المداوم عليه.

    من أهمّ الأدلّة على أهميّة أسلوب الحياة هو أن العمل والسلوك ولا سيما العمل المداوم عليه له تأثير كبير على الإنسان كما أنه ينظّم روحيات الإنسان وأفكاره. فإذا كان العمل المداوم يحظى بهذه الدرجة من التأثير فحري بنا أن نستعين به في سبيل الحصول على الجواهر المعنوية الثمينة التي من الصعب أن نحصل عليها.

    لماذا عشق الله أمر صعب جدا؟

    إن عشق الله صعب جدا وهو أقرب بالمستحيل، خاصة ونحن لا نراه، مضافا إلى أنّه قد خلقنا في عالم مليء بالمحن والصعاب والآلام، ثم إنه سوف يحاسبنا في الآخرة. فإن هذه العوامل تجعلنا لا نتمكن من حبّ الله بسهولة. ومن جانب آخر وإن كانت تأتينا ألطاف الله ورحمته ولكننا لا نراها في كثير من الأحيان فهي ليست ملموسة وملحوظة بشكل واضح. فعلى سبيل المثال نرى نعمة الصحة والأمان ونتمتع بهما ولكننا لا نلتفت إليهما. حيث إنه يلطف بنا كثيرا وخاصة عندما نطيعه بالصلاة والصيام ولكنه يلطف بأسلوب خفيّ، فلا نستطيع أن نشعر بمحبته وألطافه بسهولة. ولكن نرى المحن والبلايا التي قدرها الله سبحانه لنا وكذلك نعلم بأنه قد حكم على الجميع بالموت، فإنه سوف يقبض أرواحنا جميعا لندفن في القبر... فيا ترى كيف أستطيع أن أحب الله وأعشقه؟!

    ما الداعي لعشق الله؟!

    لعلّ بعضكم يتساءل ما الداعي لعشق الله وهل هناك ضرورة تقتضي أن نحب ربّنا ونعشقه؟! والجواب هو أنه لا يمكن لنا أن نحبّ شيئا آخرا بعمق وشدة حبّ الله. وإذا جرّدت الإنسان من الحبّ والعشق فيتحول إلى موجود شقيّ تعيس. فنحن بأمسّ الحاجة إلى حبّ الله وإن هذا الحبّ هو العامل الوحيد الذي يسهّل علينا سكرات الموت، ويهوّن علينا مشاكل الحياة. ثم إنك سوف تتحول بعشق الله إلى قوة عظمى تتهافت أمامك المشاكل. أفليس من الضروري أن نعشق الله ونحبّه أشدّ الحبّ؟!
    ثم إن الله يقضي على كلّ ما نهواه ونعشقه لتخلو الساحة لعشق الله. هذه هي الفلسفة والحكمة من كل أنواع الفشل والخيبة والخسارة والملل التي نواجهها في كل أبعاد حياتنا ومجالاتها. فإن كل هذه الإحباطات والخيبات جاءت لتؤيسنا من المحبوبات والمعشوقات الكاذبة وتأخذ بيدنا إلى عشق الله.

    الدليل الروائي على صعوبة عشق الله

    ولكن عشق الله أمر صعب جدا. وإذا أردتم دليلا روائيا مضافا إلى الدليل الذي أقتمه عليكم في صعوبة عشق الله، فاعلموا أنه إن كان في قلب الإنسان ذرة من حبّ الدنيا لا يدخل فيه ذرّة من حبّ الله. «لَا یَجْتَمِعُ لَکُمْ حُبُ‏ اللَّهِ‏ وَ حُبُ‏ الدُّنْیَا». ولا يمكن قلع جذور حبّ الدنيا من القلب ببساطة وسهولة. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «النَّاسُ أَبْنَاءٌ الدُّنْیَا وَ الْوَلَدُ مَطْبُوعٌ عَلَى حُبِّ أُمِّه‏».

    فمع وجود كل هذه الموانع في حركتنا صوب عشق الله، كيف يتسنى لنا أن نعشقه؟/ الطريق الرئيس المؤدي إلى عشق الله هو الدوام في العبادة/ فإذا دخلت العبادة في أسلوب حياتنا، حينئذ نعشق الله شيئا فشيئا

    في هذه الظروف التي يبدو حبّ الله وعشقه فيها صعبا جدا، كيف نستطيع أن نوجد هذا الحبّ في قلوبنا؟ ومع وجود كل هذه الموانع في حركتنا صوب عشق الله، كيف يتسنى لنا أن نعشقه؟ إن الطريق الرئيس الذي يؤدي إلى عشق الله هو الدوام في العبادة.
    بإمكاننا أن نستخدم عنصر العبادة في أسلوب حياتنا وبهذا الطريق نجعل من أنفسنا عشّاقا لله شيئا فشيئا. فلا يمكن أن نفرض على قلب الإنسان أن يعشق الله رغما عليه، حيث إنه لا يسمع كلام أحد وتغيير القلب أصعب من إزالة الجبال. فقد قال الإمام الصادق(ع): «إزالَةُ الجِبالِ أهوَنُ مِن إزالَةِ قَلبٍ عَن مَوضِعِهِ» .

    العامل الوحيد الذي يسوق الإنسان إلى عشق الله هو الدوام على العبادة

    إذا أردنا أن نغيّر قلوبنا لابدّ لنا من عمل مستمر مداوم عليه. كما أن من يعزم على تقوية جسمه وأراد أن يحدث بعض التغيير في عضلاته وهيكله لابدّ أن يتمرّن أشهر في سبيل ذلك، وكذلك في سبيل تقوية الروح وإيجاد بعض التغيير فيه ولا سيما في مثل هذا الموضوع المهم أي عشق الله سبحانه، لابدّ من عمل مستمر مداوم عليه.
    إن عشق الله بحاجة إلى الدوام في العبادة، وهو العامل الوحيد الذي يسوق الإنسان إلى عشق الله. فمن هذا المنطلق لابدّ أن نراقب صلواتنا ونؤديها في أول أوقاتها مع مراعاة الأدب وبحفظ التوجه وحضور القلب مهما أمكن حتى يدخل حبّ الله في قلوبنا. فإذا استمرنا على هذا السلوك حينئذ نعشق الصلاة أيضا.

    يتبع إن شاء الله ...
  36. بواسطة خادم الحسين

    لماذا لا نستخدم أسلوب الحياة والدوام في العمل في سبيل نيل أسمى الأهداف وهو عشق الله سبحانه؟!


    لماذا لا نستغل فرصة أسلوب الحياة والعمل الدائم والسلوك المستمر في الأوقات المعيّنة في سبيل نيل أسمى الأهداف وهو عشق الله سبحانه؟!
    فأغلب العرفاء قد سلكوا هذا الطريق نفسه ولم يكونوا ممّن طوى درب الكمال بين ليلة وضحاها. طبعا كان هناك بعض الأشخاص الذين حظوا بفرص خاصة وطووا هذا الدرب بليلة واحدة، كالشهداء الذين نالوا هذه الفرصة في خضم الجهاد في سبيل الله، ولكن أكثر الصلحاء والعرفاء قد اجتازوا هذا الطريق الطويل بالعمل المستمر والجهاد المتواصل. ومن أروع نماذج هؤلاء الصلحاء هو إمامنا الخميني(ره)، فإذا وجدناه في عمر السبعين والثمانين والها في عشق الله ولم ير سوى الله، فإنه قد جاهد في هذا الطريق منذ شبابه وداوم على العبادة مع مراعاة آدابها حتى نال هذا المقام وإلا فلم يكن الإنسان يصل إلى تلك الدرجات في ليلة واحدة.
    يقول أمير المؤمنين(ع): «دَوَامُ‏ الْعِبَادَةِ بُرْهَانُ‏ الظَّفَرِ بِالسَّعَادَة».

    حاولوا أن لا تتركوا العبادة إن استمرتم عليها وإلا فقد يعتريكم بلاء

    فلنسأل الله أن يوفقنا للدوام في العبادة. ولكن إذا استمرنا على عبادة ما لابدّ نحافظ عليها ولا ندعها ونتركها أبدا. فقد نهت رواياتنا عن ترك العبادة بعد ما داومنا عليها. روي عن رسول الله(ص): «مَا أَقْبَحَ‏ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى‏... وَ أَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الْعَابِدُ لِلَّهِ ثُمَّ يَدَعُ عِبَادَتَهُ» .
    حتى في مجال الرياضة يقول المتخصّصون إذا استمرّ الإنسان على رياضة ثقيلة لفترة من الزمن ثم يتركها فجأة يصاب جسمه بصدمات ويواجه مشاكل، وهذه ظاهرة يعاني منها الكثير من الرياضيين المحترفين بعد ما يتركون نشاطهم الرياضي. هذا على صعيد جسم الإنسان حيث إنه يصاب ببعض الأضرار بعد ما يترك الرياضة، فما بالك بروحه فكم تتضرر حينما يترك الإنسان عبادة بعد ما داوم عليها لفترة من الزمن!
    فواظبوا على برنامجكم العبادي الثابت ولا تتركوا ما داومتم عليه من عبادة، وإلا فلعلكم تصابون ببلاء لا سامح الله. فعلى سبيل المثال إن كنتم مواظبين على عقد مجلس عزاء على الحسين شهريّا أو سنويّا، فلا تتركوه أبدا فسوف تبتلون وتتورطون بمشاكل وحوادث لا تحمد عقباها. وإني قد رأيت نماذج كثيرة ممن تورطوا بمشاكل كثيرة بعد ما اعتادوا بعمل ما ثم تركوه.

    لا ينبغي أن نفرض على أنفسنا برنامجا عباديا ثقيلا بالنحو الذي لا نطيق على الاستمرار عليه/ أثناء ما نخطط البرنامج العبادي لابد أن نأخذ بعين الاعتبار الأوقات والأيام التي ليس لنا إقبال فيها إلى العبادة

    من السيئ جدا أن يداوم الإنسان على عبادة ما ثم يتركها. فإذا عزمتم على الاستمرار بعبادة ما، لابدّ أن تعدوا برنامجكم بالنحو الذي تتمكنوا من الالتزام به والدوام عليه. وعليه فأثناء ما نخطط البرنامج العبادي لابدّ أن نأخذ بعين الاعتبار الأوقات والأيام التي ليس لنا إقبال فيها إلى العبادة.
    ليس من المطلوب أن تتخذوا لأنفسكم برنامجا عباديا ثقيلا وبعد ذلك تسأموا منه وتتركوه. فإذا كنتم تعرفون بأنّكم سوف تصلون إلى هذه المرحلة فلا تبدأوا بهذا البرنامج الثقيل من الأساس وابدأوا ببرنامج خفيف لا تعيون عن مواصلته بعد فترة. فعلى سبيل المثال إن كنتم لا تقدرون على قراءة زيارة عاشوراء يوميا، فاكتفوا بالقول يوميا ثلاث مرات: «السلام عليك يا أبا عبد الله»، أو إن كنتم لا تقدرون على زيارة الجامعة في كل أسبوع مرة واحدة، فاكتفوا بالسلام الأول فيها وقولوا: «السلام عليكم يا أهل بيت النبوة».
    ما إن بدأنا بعبادة على سبيل الدوام والاستمرار، لابدّ أن نواظب عليها ونخشى أن نتركها. فقد قال رسول الله(ص): «إنَّ النَّفسَ مَلولَةٌ و إنَّ أحَدَکُم لا یَدرى ما قَدرُ المُدَّةِ، فَلْیَنظُرْ مِنَ العِبادَةِ ما یُطیقُ، ثُمَّ لِیُداوِمْ عَلَیهِ»، ثم يكمل الرسول حديثه مشيرا إلى أهمية العمل المستمر ويقول: «فإنَّ أحَبَّ الأعمالِ إلَى اللهِ ما دِیمَ عَلَیهِ و إن قَلَّ». وقد أشار النبيّ(ص) إلى هذه الحقيقة أيضا عند ذكره للعبادات والأعمال الصالحة كالتصدّق مثلا.

    من أساليب الشيطان أن يؤيّسك من العبادة أو تشجيعك على العمل الكثير الذي لا تطيق الدوام عليه

    من أساليب الشيطان هي أنه عندما يراك تزعم على العبادة والصلاح وفعل الخيرات، يأتي ويؤيسك من هذا الطريق فينفث في قلبك أنك لا تقدر على هذه الأعمال وأنت لست من رجال الخير وأنت لست ممن يقدر على العبادة وترك المحرمات حتى يجعلك تترك العبادات كلّها. فإذا إثيرت حفيظتك وعزمت بشدة على مقاومته وعمل الخير، يشجعك ويطبطب عليك ويقول لك: التزم بصلاتك مع نوافلها وتعقيباتها ومقدماتها وآدابها و... ففي هذا الأسلوب أيضا يريد أن يؤيّسك من الصلاة والعبادة.

    إن أيسر الأعمال مداومة هو ذكر الصلوات

    إن أيسر الأعمال للمداومة والالتزام بها هو الصلوات على محمد(ص) وآل محمد(ع). إن هذا الذكر ثمين جدا وهو أشرف مما عداه من أدعية وأذكار. فلنعزم على الالتزام بهذا الذكر الشريف والمداومة عليه فإن فيه آثارا وبركات عجيبة.
    فمن آداب شهر رمضان المبارك والذي قد أشار إليه النبي(ص)، هو الإكثار من الصلوات على محمد وآله، ولا أدري ما السرّ في هذه الصلوات حيث جعلها النبي من آداب شهر رمضان. كما وصانا النبي أن نرفع أصواتنا بالصلاة عليه فإنها تذهب بالنفاق من القلب وتتضاعف آثارها حينئذ. أسأل الله أن يدخل هذا الذكر الشريف في أسلوب حياتنا ونستأنس به أكثر من قبل.
    عندما يذكر اسم النبي محمد(ص) فإنك بصلواتك عليه وعلى آله تعلن لله بإنك من أتباعه ومحبّيه وهواته وشيعته وأمّته وروّاده. فتزداد قدرا وشأنا عند الله ويرفعك الله إلى المقامات العليا وسوف ترى قدر الصلوات وثقلها عند الميزان ووزن الأعمال وتتحسّر من كونك لم تجهد في أيامك وفراغك بالصلوات على محمد وآل محمد.

    صلى الله عليك يا أبا عبد الله

    ولا يخفى عليكم أن النبي(ص) قد نهى عن الصلوات عليه بلا أن نصلّي على آله وسمى هذه الصلوات بالصلاة البتراء. حيث قد أمره الله أن يطالب الأمة بأجر الرسالة وهو مودة آله وذريته؛ (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏). ولكن يا حسرتا على الحسين(ع) حيث وصل الأمر به يوم عاشوراء في كربلاء أن أقبل ينادي القوم بأعلى صوته: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدي رسول الله؟... أنشدكم الله هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت محمد؟!... هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب؟!... أنشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها؟!...

    ألا لعنة الله على القوم الظالمين...
  37. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة السابعة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. وهي وإن كانت تنطوي على بعض الأبحاث الخاصة في شهر رمضان ولكنّها لا تخلو من الكثير من المفاهيم العامّة والمفيدة لجميع الأزمنة، كما إنها تذكّرنا بأيام شهر رمضان والأجواء الروحانية التي كنا نعيشها في تلك الضيافة الرائعة.

    ينبغي أن يكون أسلوب حياتنا بالنحو الذي لا يسهل فيه الظلم والتعدي مع بعض

    إذا أردنا أن نرى الأخلاق ذات صلة بأسلوب الحياة وعاداتنا السلوكية وتقاليدنا الاجتماعية، فلابدّ أن نستخدم أسلوب حياتنا في سبيل إصلاح أخلاقنا وروحياتنا الأخلاقية والمعنوية. وينبغي أن لا نسمح لأسلوب حياتنا أن يسهل فيه الظلم والتعدي وإساءة بعضنا إلى بعض. يجب أن يكون أسلوب الحياة وسلوك أفراد المجتمع والآداب الاجتماعية بالنحو الذي لا يتسنى لأفراد المجتمع أن يظلموا الآخرين أو يسيئوا إليهم.

    ينبغي أن يكون الفارق بيننا وبين الأوروبيين هو قلة حاجتنا إلى القانون والقضاء والشرطة

    إن الحكمة من وجود القوة القضائية وبعض أقسام القوة التنفيذية والتقنينية هي أن يقفوا أمام بعض الممارسات المخالفة والجرائم في المجتمع، بينما يمكن الوقوف أمام الكثير من هذه الجرائم والمخالفات عبر أسلوب الحياة الجيّد.
    لا ينبغي لنا أن نقلّد الأوروبيين ونذهب إلى ما ذهبوا إليه من سلوك ومنهج وأساليب. إن القوة القضائية في بلادهم قوة كبيرة جدا ولديهم الكثير الكثير من السجون والسجناء، كما تتّصف الشرطة في تلك البلاد بالعنف والكثرة البالغة، فهل ينبغي لنا أن نتصرف مثلهم ونقلدهم في هذه الأمور؟ وكذلك في بلدانهم الكثير من القوانين المخالفة للشؤون الإنسانية في المجتمع، فهل لابدّ لنا أن نقلّدهم في هذه الجوانب؟
    ينبغي أن يكون الفارق بيننا وبينهم هو أن لا نكون بحاجة إلى القضاء والشرطة والقوانين والمؤسسات الرقابية في سبيل تكوين مجتمع صالح بهذا القدر الموجود هناك. طبعا إن القانون أمر جيّد وحسن، ولكن ينبغي أن يكون أسلوب حياة الناس بالنحو الذي لا يحتاجون إلى القانون في كثير من الأحيان. فترى الكثير من الناس قد وقّعوا على بعض البنود المدرجة في وثيقة عقد زواجهم، ثم ضمّوها في صندوق بيتهم ولم يحتاجوا إليها بعد. فهل أنتم تراجعون وثيقة زواجكم يوميا وتتعاملون وتتفقون على أساس ما ذكر فيها من بنود؟!

    يودّ الناس أن يعيشون على أساس الأخلاق والمودة لا على أساس فرض القانون/ فإذا أقمنا حياتنا على أساس المودّة والأخلاق، عند ذلك لا نحتاج إلى إكراه القانون

    يود الناس أن يعيشون على أساس الأخلاق والمودة لا على أساس فرض القانون؛ لا أنّهم يريدون أن يخالفوا القانون أو يعيشوا بلا قانون. ولكننا إذا أقمنا حياتنا على أساس المودّة والأخلاق، عند ذلك نكون بغنى عن فرض القانون وشدّة الشرطة. فقد قال أمير المؤمنين(ع): «وَ لَا تَکُونَنَّ مِمَّنْ لَا تَنْفَعُهُ الْعِظَةُ إِلَّا إِذَا بَالَغْتَ فِی إِیلَامِهِ فَإِنَّ الْعَاقِلَ یَتَّعِظُ بِالْآدَابِ وَ الْبَهَائِمَ لَا تَتَّعِظُ إِلَّا بِالضَّرْب»

    إن المجتمع الذي لا يطبق القانون لولا وجود الشرطي فهو مجتمع ضعيف/ ينبغي أن يرتفع مستوى ثقافتنا بحيث يعطّل نصف القوة القضائية

    لا ينبغي أن تكون شخصيتنا بالنحو الذي نحتاج إلى وجود شرطي في كل مفترق طرق حتى نطبّق القانون. فإن المجتمع الذي لا يطبّق أحد فيه القانون لولا وجود الشرطي فهو مجتمع ضعيف. إن المجتمع الذي يكثر فيه المراجعون إلى مراكز القضاء فثقافته سيئة. ينبغي أن يرتفع مستوى ثقافتنا بحيث يعطّل نصف القوة القضائية. طبعا وبالتأكيد لابدّ أن يكون قضاؤنا قويّا ومنصفا وسريعا ودقيقا، ولكن في بعض المجالات الخاصة وبالنسبة إلى من يتعدى على حقوق الآخرين. أما بالنسبة إلى باقي المسائل والخلافات التي تحدث بين أبناء المجتمع فلا ينبغي أن تعالج عبر محاكم القضاء. فإن القوة القضائية لا تخفض كميّة الاعتداءات والجرائم في المجتمع، بل إنما هي من أجل الدخول في بعض الملفات والجرائم الخاصة لا في كل صغيرة وكبيرة تحدث في المجتمع.
    إن الكثير من القوانين المصوّبة هي من أجل سدّ إمكان التحايل والسرقة. بيد أن أغلب هذه القوانين تفترض أن جميع الناس هم سرّاق إلا من خرج بالدليل. فإذا لم يكن الإنسان طامعا بما ليس من حقّه، لا يحتاج بطبيعة الحال إلى هذه القوانين وهذه الكمية الكبيرة من المؤسسات الرقابية.

    لابدّ أن يقلّل أسلوب حياتنا إحصائيات الجرائم والمخالفات/ إن أسلوب الحياة الروحانية في شهر رمضان، بات يخفض من عدد الجرائم

    لابد أن نسيطر على حياتنا بثقافتنا وأسلوب حياتنا، وذلك يعني أن نشيع بعض مصاديق السلوك والعادات بين عامة الناس ما يؤدي إلى انخفاض إحصائيات الجرائم تلقائيا. فعلى سبيل المثال تحكي الإحصاءات عن انخفاض عدد الجرائم في شهر رمضان، لأن أسلوب حياة الناس الروحانية بات يقلّل من الجرائم.

    ينبغي لأسلوب حياتنا أن يكون هو صاحب الدور الرئيس في منع الجرائم بدلا عن الشرطة

    أحد الآثار الأخلاقية المترتبة على أسلوب الحياة السالمة هو أن تقلّ عدد الجرائم والإساءات فيه. فالأسلوب الصحيح هو أن يتكفل أسلوب الحياة نفسه بدفع أكثر الجرائم والمظالم، لا أن تكون المسؤولية الكبرى على عاتق قوات الشرطة وأجهزة الأمن.
    وكذلك في مجال تربية الأولاد يقال أن ربّوا أولادكم بإعطاء الكرامة لهم واحترام شخصيتهم لا عبر السيطرة والرقابة الشديدة. فإن نثق بولدنا ونحترم شخصيته، عند ذلك حتى وإن استغلها أحيانا، يندم بسرعة ويؤنبه ضميره بعد ما وجد منا التعامل الكريم تجاهه.
    ينبغي مهما أمكن أن تتمّ السيطرة على سلوك أفراد المجتمع بلا حاجة إلى قانون ورقابة منفذي القانون. طبعا لابدّ من وجود القانون والقضاء والشرطة إذ هناك أقلية ممن لا يتورع عن الاعتداء والسرقة، ولكن لا ينبغي أن نعمّم نظرتنا السلبية على الجميع ونفترض أن جميع الناس غير متدينين وغير مؤمنين.
    فإذا احترمنا شخصية الناس وحفظنا كرامتهم، سوف نجد بعض المخالفين يندمون من أعمالهم ويتوبون بدافع من أنفسهم. وأساسا بهذا الأسلوب سوف تستقرّ وتترتب أوضاع المجتمع بشكل أفضل.
    فإحدى النتائج التي يؤول إليها أسلوب الحياة الإسلامية هو تحسّن المجتمع في الجانب الأخلاقي وهبوط مستوى الظلم والإجرام فيه.

    يتبع إن شاء الله...
  38. بواسطة خادم الحسين

    إن الصلاة تقلل الحاجة إلى الشرطة لما تنتجه من سلب الكبر/ إن أكثر السجناء الذين ارتكبوا جرائم كبيرة لم يكونوا من المصلّين

    إن الله قد خصّص قسما من حياة عبده للعبادة. فحينما يضطر العبد أن يصلي لربه خمس مرات في اليوم، يتضاءل كبره ويخشع. فمثل هذا العبد سوف لا يتبجح على الآخرين ويبعد عنه احتمال ارتكاب مخالفة أو جريمة. وحتى إن عثر عثرة واجترح مخالفة ما فحسبه أن يقال له أن عملك هذا لا ينسجم مع صلاتك حتى يرجع إلى نفسه ويعيد حساباته.
    إذن نستطيع القول بأن الصلاة والعبادة تقللان من حاجة المجتمع إلى الشرطة. وكذلك الحال بالنسبة إلى الصوم، فبرأيكم إن هذا الإنسان الصائم الذي عفّ عن الطعام الحلال بسبب صيامه، هل سوف يمدّ يديه على الحرام؟ إن أثر العبادة في أسلوب الحياة أثر رهيب، حيث إنها تذلل العبد بين يدي ربّه وأغلب المجرمين هم من الشريحة التي لا علاقة لها بالعبادة، كما تحكي الإحصائيات أن أكثر السجناء الذي دخلوا السجن بسبب إجرامهم ـ لا لإسباب وطوارئ أخرى ـ كانوا غير مصلين.

    إن العبادة تقف سدا أمام النفس الأمارة/ إن أهل العبادة لا يميلون إلى الجرائم

    أحد أدوار العبادة في أسلوب حياتنا هي أنها تقف سدّا أمام أهوائنا النفسانية، فعلى سبيل المثال إن مجرّد التزامنا بوجوب الاستيقاض وأداء صلاة الصبح هو جهاد ضدّ أهواء النفس بحد ذاته. ولذلك إن من يلازم العبادة سوف يحظى بشخصية متينة عالية تأبى عن ارتكاب الجرائم والمخالفات.
    لو يتم إنتاج أفلام معدودة تجسد الأثر التربوي للصلاة وما لها من تأثير على شخصية الإنسان، سوف يتضاعف إقبال الناس على الصلاة، إذ لا علم لكثير من الناس بجمال الصلاة وآثارها وبركاتها.
    إن كِبر الإنسان وتبختره بحاجة إلى موقع ومقام خاص ليتهافت، وإن الله قد أعد الصلاة لهذا الغرض. فالذي يركع ويسجد لله يوميا، فإنه بطبيعة حاله يبتعد عن ممارسات التفرعن والتبختر والغطرسة في المجتمع. ولهذا نجد أن الله قد أدرج الصلاة في أسلوب حياتنا اليومي حيث لا تنفك عن حياتنا إن التزمنا بها فإنها عمل دائمي مستمر وله آثار واسعة.

    إن العبادة الداخلة في أسلوب حياتنا الإسلامية، تؤدي دور الأستاذ الأخلاق لباقي أعمالنا

    إذا أراد مجتمع أن يجعل أسلوب حياته إسلوبا إسلاميا أخلاقيا، لابدّ أن يعرف أن هذه العبادات الداخلة في أسلوب الحياة من شأنها أن تؤدي دور أستاذ الأخلاق تجاه غيرها من الأعمال. فعلى سبيل المثال عندما تحضر في جلسة ضيافة وأنس وسَمَر مع أصدقائك وأقربائك، وفي الأثناء يرتفع صوت الأذان ويحين وقت الصلاة، فإن مجرد تلبية نداء الأذان ومغادرة تلك الجلسة لأداء الصلاة هو جهاد للنفس بحد ذاته وله أثر أخلاقي حميد على الجميع.

    إن أعلى نسبة لاعتناق الإسلام سنويا في فرنسا هي في شهر رمضان المبارك

    لقد قال لي أحد أساتذة الجامعة المسلمين في فرانسا الذي أصله جزائري وكان قد تقاعد من منظمة اليونسكو: إن أعلى نسبة لاعتناق الإسلام سنويا في فرنسا هي في شهر رمضان المبارك. فحينما يرى الفرنسيّون أنّ هناك مسلمون قد صاموا في هذا الشهر وكفّوا عن الطعام امتثالا لأمر ربهم، ينجذبون إلى الدين ويعتنقون الإسلام.

    يسلب الله طغيان الناس من خلال بعض العبادات كالصلاة والصوم فتجد المصلي الصائم ليّنا متواضعا في المجتمع

    إذا أعرنا اهتماما بالعبادة، سوف تقل حاجة المجتمع إلى القضاء والقوات الرقابية. إن الله يسلب طغيان الناس من خلال بعض العبادات كالصوم والصلاة والحج، فتجد المصلي الصائم ليّنا متواضعا في المجتمع. (وَ عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذینَ یَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً).

    إن علاج طغيان الناس هو الأنبياء لا الشرطة

    إن علاج طغيان الناس هو الأنبياء لا الشرطة. ولا شك في أننا لسنا بغنى عن الشرطة إذ لهم شأنهم ودورهم الخاصّ.
    في أولى الآيات التي أنزلها الله على نبيّه(ص) قال فيها: (کَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَیَطْغى‏* أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنى‏). فكأنه قال لنبيه أن اذهب إلى قومك فإنهم طغوا. فيأتيهم النبي(ص) ويحرضهم على الصلاة، إذ أنها تسلب الطغيان وتقف أمام أسلوب الحياة التي تجرّ صاحبها إلى الطغيان. ولهذا يقول الله سبحانه: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْکَر).

    وهناك عامل آخر يسلب عنّا الطغيان وهو ذكر مصاب سيد الشهداء(ع)

    ومضافا إلى العبادة بمعناها الخاصّ، هناك عامل آخر في أسلوب الحياة الإسلامية يجرد الإنسان عن الطغيان ويلحق به الخشوع، وهو ذكر مصاب أبي عبد الله الحسين(ع). فما أن يتذكر الإنسان تلك اللحظات التي سقط فيها الحسين(ع) على رمضاء كربلاء يخشع ويتهافت. كما عندما يتذكر أطفال الحسين(ع) إذ يطاردون بالسياط والرماح يفقد ما اعتراه من عجب وغرور. إنّ ذكر مصاب الحسين(ع) يسقط حبّ الدنيا من قلب الإنسان، وهذا هو أثر دماء الشهداء بشكل عام فما بالك بسيد الشهداء. فما إن يذكر اسم الحسين ويقام مأتم الحسين تجد الناس يبذلون من أموالهم وأوقاتهم في سبيل مجالس الحسين. فإن له أثر عظيم على القلوب.
    لا أدري هل ذهبتم إلى زيارة الأربعين أم لا، فإن العراقيين يبذلون كل ما وفروه وجمعوه طوال السنة في خدمة زوار أبي عبد الله ويجسدون مشاهد رائعة وصورا عظيمة. هذا هو أثر مصيبة الحسين(ع)، فإنه ينزع من قلبك حب الدنيا ويسقطها من عينك، فيسهل عليك حينئذ أن تبذل وتعطي وتضحي من أجله.
    وإن هذا الأثر لا يختص بنا العوام، فحتى الإمام الحسين(ع) الذي هو من أكبر أولياء الله في هذا العالم عندما سمع بخبر استشهاد مسلم بن عقيل قال: لا خير في العيش بعد هؤلاء. عندما شاهد علي الأكبر وقد قطعوه القوم بسيوفهم أربا أربا، قال: على الدنيا بعدك العفا.
    إن أسلوب حياتنا ينطوي على إكسير عظيم الذي لا يحظى به غيرنا وهو أننا اعتدنا في مجالسنا واجتماعاتنا أن نذكر مصاب الحسين(ع) ونبكي عليه فاعرفوا قدر هذه النعمة. وسوف نلتقي يوم القيامة ونرى أن صلاتنا كانت رهينة مجالس عزائنا، حيث قال إمامنا الخميني(ره) أن كل ما عندنا من محرم وإن محرم وصفر ومجالس الحسين هي التي أبقت الإسلام وحافظت عليه.
    صلى الله عليك يا أبا عبد الله عندما استشهد علي الأكبر وقطعوه القوم بسيوفهم إربا إربا شدّ الحسين عليه السلام نحوه حتى وقف عليه، ووضع خدّه على خدّه، وقال: قتل الله قوما قتلوك، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول(ص)، بني على الدنيا بعدك العفا. فخرجت هنا زينب مسرعة نحو الحسين وولده تنادي: يا حبيباه يا ثمرة فؤاداه يا نور عيناه فجاءت وانكبت عليه، فلعلها خشيت على الحسين أن يفارق الحياة حزنا وحسرة على ولده، فإنها في الواقع جاءت وصرخت لتنفذ الحسين من شدة لوعته وحزنه فما كان الحسين برافع وجهه من وجه ولده عليّ لولا ما سمع صوت زينب. فقام الحسين بعدما سمع نحيبها وأخذ بيدها وأرجعها إلى الفسطاط.

    صلى الله عليك يا مظلوم يا أبا عبد الله
  39. بواسطة Ibn Babil

    جزاك الله خير أخي
    في ميزان حسناتك
    مودتي :t4409:
  40. بواسطة خادم الحسين

    بين يديك أيها القارئ الكريم ملخص الجلسة الثامنة والأخيرة من سلسلة محاضرات سماحة الشيخ بناهيان في موضوع «دور العبادة في أسلوب الحياة» حيث ألقاها في مسجد الإمام الحسين عليه السلام في مدينة طهران، في شهر رمضان عام 1434هـ. وهي وإن كانت تنطوي على بعض الأبحاث الخاصة في شهر رمضان ولكنّها لا تخلو من الكثير من المفاهيم العامّة والمفيدة لجميع الأزمنة. والحمد لله على توفيقي لإكمال هذه السلسلة العطرة وإنهاء ترجمتها.

    حاجتنا إلى الهوية الاجتماعية/ أحيانا ما يشكّل أسلوب حياتنا هويتنا الاجتماعية/ لا هوية للمجتمع الذي لا يحظى بما يفتخر ويباهي به في أسلوب حياته


    لا ينفك الإنسان الذي يعيش في المجتمع عن الحاجة إلى هوية وشخصية اجتماعية، وعادة ما يكوّن هذه الشخصية بشغله وأسرته أو عشيرته. فالذي لا يحظى بهذه الهوية فإنه مجهول وضائع لدى نفسه فضلا عن الآخرين ويتعرض لصدمات شخصيّة فادحة. فعلى سبيل المثال إذا عاش الإنسان بين قوم أو في مدينة ولم يجد فيها أحدا يفتخر به فقد تلحق بشخصيته صدمة كبيرة. كما أن بعض أبناء بلاد الغرب الذين لا يعرفون آباءهم، فإنهم يصابون بصدمات فادحة في شخصيتهم.
    تارة أسلوب حياتنا هو الذي يكوّن هويتنا الاجتماعية؛ وهذا يعني أن الإنسان قد يستخدم سلوكه وأسلوب حياته في سبيل التعريف بهويته القومية والشخصية. فيقول: «إن من أعرفانا أن نفعل كذا...»، إذ إن هذه الهوية الاجتماعية تمدّ الإنسان طاقة وهي مما يباهي به الإنسان ويعتزّ به.
    عندما نريد أن نحدّد هويتنا نسلط الضوء عادة على خصالنا الثابتة والتي هي مدعاة للفخر والاعتزاز. فعلى سبيل المثال نقول: «نحن الإيرانيون شجعان» أو نقول: «نحن أهل الرحمة والرأفة والكرم». وهذا يعني أننا نذهب إلى بعض عناصر أسلوب حياتنا من أجل التعريف بهويتنا الاجتماعية. ولهذا فالذي لا يملك أسلوبا في حياته أو لا يجد في أسلوب حياته خصلة ثابتة تدعو للفخر والاعتزاز فهو في الواقع مجهول الهوية، إذا لا يحظى بشيء في حياته بحيث يلتزم به إلى آخر عمره.

    سوف نُعرَف يوم القيامة بهويتنا الاجتماعية/ سوف يُعرَف كل واحد بإمامه

    ثم لا تقتصر هويتنا الاجتماعية بهذه الدنيا وحسب، إذ سوف نُعرَف يوم القيامة بهذه الهويّات أيضا. فكلّ من يريد أن يعرّف نفسه في عرصات المحشر ويعبّر عن هويته سوف يعرف نفسه بإمامه؛ إذ إنّ معرّف الإنسان يوم القيامة إمامه وسوف يعرفوننا بإمامنا وأئمتنا. (یَوْمَ نَدْعُوا کُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِم) . يسألوننا يومئذ من إمامك؟ فسوف يجيب البعض يوم القيامة أننا من أتباع الإمام الحسين(ع) أو أننا من خدّام الإمام الرضا(ع).

    إذا أراد واحد منا أن يفتخر بهويته، فليفتخر بعبوديّته/ إن المحطة المعرفية الأولى لهويتنا هي العبودية

    نحن نعرف في هذه الدنيا بهويتنا، وكذلك في يوم القيامة عندما نريد أن نعرّف أنفسنا، لابدّ أن نعرّف أنفسنا بأحد العناصر الرئيسة في أسلوب حياتنا وهو «العبودية». ففي الواقع تتمثل هويتنا الحقيقية في عنوان «العبد». فنحن عبادا قبل أيّ عنوان آخر.
    إنّ العبودية مدعاة لفخرنا، حتى أن رسول الله(ص) قبل أن يكون رسوله هو عبده؛ «وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». فيا ليت أننا ندرك معنى كوننا عبادا ونفتخر بهذا العنوان ونعتزّ به.
    ترى الكثير من الناس غير ملتفتين إلى كونهم عبادا لله، فلعلهم يعتقدون بوجود الله، ولكنّهم لا يعتبرون أنفسهم عبادا. فإن هؤلاء حتى وإن كانوا في حال الدعاء كأنهم يتفاوضون مع الله! أي ينظرون إلى الله بصفته موجودا مقتدرا في هذا العالم، فيتحدثون معه ويعرضون له بعض حاجاتهم دون أن يشعروا بكونهم عبادا أو عبيدا له.
    لم يتفطّن كثير من الناس إلى معنى «العبد» بشكل دقيق ولم يدركوا هوية «العبودية» بشكل صحيح. فعلى سبيل المثال يتصور أن العبد بمعنى ذاك الإنسان الذي يمارس بعض الطقوس ويؤدي بعض العبادات، بينما كلمة العبد والعبودية تحكي عن تلك العلاقة الخاصة بين العبد وسيده الذي اشتراه. فلابدّ أن تكون علاقتنا مع الله تشابه تلك العلاقة التي كانت تقوم بين العبد وسيده.
    لماذا أصبحت الصلاة عمود الدين؟ فأحد أسبابه هو أن الصلاة تجسّد أعلى صور عبوديّتنا. فحينما يخرّ الإنسان ساجدا ويضع وجهه على التراب، يكون في أنسب حال العبد تجاه مولاه. كما أن الله الذي هو سيدنا ومولانا لا يشرح لنا الحكمة من أحكام الصلاة، فلا يطلعنا على سبب عدد ركعات الصلاة وأحكامها وتفاصيلها، كما يتعامل السيد مع عبده، فهو غير مجبور على إقناع عبده بما يأمره وينهاه.
    عندما يكون صلحاء العالم وأولياء الله عبادا لله، يتّضح تكليفنا عندئذ ونعرف بأن لا مناص من العبودية أبدا. ما لم يصبح الإنسان عبدا حقيقة فهو ليس بشيء ولا هوية له، إما إذا أصبح عبدا بمعنى الكلمة حينئذ يكسب قدرا ويكون له شيء من الاعتبار. إن من تحلّى بالعبودية وصار عبدا لله، يصبح سيدا على العالم سوف يعطيه الله زمام أمور العالم. فمن هذا المنطلق من أراد أن يفتخر بهويته، فليفتخر بعبوديته، فإن المحطة المعرفية الأولى لهويتنا هي العبودية.
  41. بواسطة خادم الحسين

    إن محور العبودية قائم على أن يكون الإنسان خاضعا لـ«إمام»/ «إمامنا» هو المعرِّف لنا يوم القيامة

    يقول الإمام الرضا(ع): «أَنَّ الْعِبَادَةَ عَلَى‏ سَبْعِینَ‏ وَجْهاً فَتِسْعَةٌ وَ سِتُّونَ مِنْهَا فِی الرِّضَا وَ التَّسْلِیمِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِأُولِی الْأَمْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَیْهِمْ» . فمن كان عبدا لله واقعا، يدرك هذه الحقيقة جيدا أن لسيده ومولاه خليفة على الأرض ويكون خليفة الله مولاه وسيّده أيضا بعد الله سبحانه. ولذلك قال أمير المؤمنين(ع): «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِنْ‏ عَبِیدِ مُحَمَّدٍ ص» .
    إن محور العبودية قائم على أساس أن يكون الإنسان خاضعا لـ«إمام». ومن هذا المنطلق عندما نريد أن نعرّف هويتنا في يوم القيامة، لابدّ أن نقول من هو إمامنا.
    يقول الإمام الصادق(ع): «أَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَامَ‏ لَیْلَهُ‏ وَ صَامَ نَهَارَهُ وَ تَصَدَّقَ‏ بِجَمِیعِ‏ مَالِهِ وَ حَجَّ جَمِیعَ دَهْرِهِ وَ لَمْ یَعْرِفْ وَلَایَةَ وَلِیِّ اللَّهِ فَیُوَالِیَهُ وَ یَکُونَ جَمِیعُ أَعْمَالِهِ بِدَلَالَتِهِ إِلَیْهِ مَا کَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ حَقٌّ فِی ثَوَابِهِ وَ لَا کَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِیمَانِ».
    وكذلك قد بيّن الإمام الصادق(ع) أنّ من شروط المعرفة التي لابدّ منها للإنسان العامل هي المعرفة بالإمام ولولاها لم ينفعه عمله شيئا؛ «وَ لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ عَمِلَ أَعْمَالَ الْبِرِّ كُلَّهَا وَ صَامَ دَهْرَهُ وَ قَامَ لَيْلَهُ‏ وَ أَنْفَقَ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ عَمِلَ بِجَمِيعِ طَاعَاتِ اللَّهِ عُمُرَهُ كُلَّهُ وَ لَمْ يَعْرِفْ نَبِيَّهُ الَّذِي جَاءَ بِتِلْكَ الْفَرَائِضِ فَيُؤْمِنَ بِهِ وَ يُصَدِّقَهُ وَ إِمَامَ عَصْرِهِ الَّذِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَيْهِ طَاعَتَهُ فَيُطِيعَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عَمَلِه».

    سوف نسأل عن هويتنا في ليلة دفننا/ ولا شك في أن مصيرنا الأبدي سوف يتعين حسب الإمام الذي اقتدينا به واتبعناه

    إن دور الإمام في تعيين هويتنا دور بارز جدا. فإن مصيرنا الأبدي متعلق تماما بالإمام الذي اقتدينا به وأصبحنا من أمته. ولذلك نسأل في أول ليلة دفننا عن ربنا ونبينا وإمامنا، ففي الواقع إنما نسأل في تلك الليلة عن هويتنا.
    فمن هذا المنطلق لابدّ أن نكثر التفكير في إمامنا. وبالتأكيد إنه لا يغفل عنا ولا ينفك عن ذكرنا، أما نحن الذين يجب أن نزداد معرفة به ونتوجه إليه ونذكره دائما ونسعى أن نوثق علاقتنا به ونستأنس بذكره والمناجاة معه.

    إن الإمام يغيّر كل شيء في أسلوب حياتنا

    لنرَ ماذا يترك الإمام من تأثير في أسلوب حياتنا؟ يمكن أن نقول بشكل موجز بأن الإمام يدخل جميع المحاسن والفضائل والإيجابيات في أسلوب حياتنا.
    فكما أشرنا سابقا أن الصلاة بمثابة الهيكل الحديدي لبناء أسلوب حياتنا؛ يعني أنها برنامج مستمر ورئيسي في صلب حياتنا وتنظم جميع ما سواه من أبعاد الحياة بتبعها. كذلك نقول إن «الإمام» يغيّر كلّ شيء في أسلوب حياتنا وبه يتبلور معنى الحياة. يعني أننا نستأنس بذكر الحسين(ع) فتصير زيارته أكبر نزهتنا خلال السنة. وكذلك بعد أن يولد لنا ولد، نحاول أن نذهب به إلى مرقد الإمام الرضا(ع) قبل أيّ مكان آخر. وإذا اشترينا سيارة ندشّن أول سفرة بها بسفرنا إلى مشهد الرضا(ع). إن الإمام أساسا يترك أثره الرائع في جميع أبعاد حياتنا ويمنحها حلاوة خاصة.
    إن الإمام هو الذي يكوّن هوية الإنسان فمن لم يوجد علاقة مع أهل البيت(ع) في حياته فهو فاقد الهوية. إن أهل البيت(ع) هم الذين ينظمون أسلوب حياتنا مع جميع تفاصيله وبهم تتبلور معنى الحياة.

    صلى الله عليك يا أبا عبد الله

    لقد ذكرت لكم سابقا ولا بأس بالتكرار وهو أن الإنسان عندما يمشي في الطريق باتجاه قبر الحسين(ع) يشعر بلذة ما بعدها لذة، ولهذا تجدون هذا الكمّ الهائل من الناس كيف يتحملون مصاعب الطريق ويسيرون على أقدامهم لهفة إلى الحسين(ع). يصل الإنسان إلى ذروة الشعور بالسعادة في مقامين؛ الأول هو عندما تطوف حول الكعبة في بيت الله الحرام أو تسعى ماشيا بين الصفا والمروة أو تقف في عرفات، ففي تلك البقاع الشريفة تشعر بأنك في محلك ومكانك الذي يليق بك وتشعر بسعادة عجيبة، والثاني هو في أيام زيارة الأربعين إذ تسير مع ذاك السيل الجارف من الناس إلى كربلاء الحسين(ع).
    يعجز كثير من المسلمين عن فهم مناسك الحجّ والاستئناس بها، ولكنكم تستطيعون أن تدركون مضمونها ومعانيها بعد ما أنستم بذكر مصائب الحسين(ع) طوال عمركم. فبعد ما تقضي ساعة في الطواف حول الكعبة في ذاك الجوّ اللاهب، يستحب أن تشرب من ماء زمزم لتخفّف من عطشك وتبرّد به كبدك، ثم يجب عليك أن تذهب إلى المسعى وتسعى بين الصفا والمروة إذ قد طوتها «أمّ» سبع مرات خشية على ولدها الضمآن. ثم يستحب أن تهرول في الأثناء إذ كانت تسمع هذه الأم الحنون صوت بكاء ولدها فتهيج لوعة وشفقة وتهرول بحثا عن الماء. لا أدري كم قد أشفق الله على هاجر أمّ إسماعيل بحيث فرض على المليارات من المسلمين إلى يوم القيامة أن يسعوا ويهرولوا في نفس المكان تقديرا لموقفها وإحياء لذكرها.
    فلو كان الله قد أراد أن يفرض مناسك على المسلمين مواساة لحال الرباب أمّ عبد الله الرضيع، ماذا كان يفرض من مناسك؟! وأيّ شعيرة تستطيع أن تنهض بهذه المهمّة؟! فلعلّ الله أراد أن يرينا مدى تقديره واحترامه لتلك الأمّ التي خشيت على ولدها وهرولت سبع مرات بين الصفا والمروة فأمر الناس إلى يوم القيامة بالسعي والهرولة في نفس المكان لنعرف عظم موقعها لدى الله، ثم ننتقل إلى كربلاء ونتصور شأن الرباب عند الله، فلا سبيل لمعرفة قدرها عبر المناسك التي يفرضها الله على المسلمين، حيث لا يمكن أن يؤسس الله مناسك تنسجم مع عظم اللوعة التي تحملتها الرباب زوج الحسين.
    لقد أوجب الله على جميع المسلمين أن يقدموا الفدي في منا، مواساة لذاك الشيخ الكبير الذي جاء بولده الشاب ليذبحه بأمر الله. فوإن لم يذبح ابنه وذبح شاة بدلا عن ولده، ولكن أوجب الله على جميع البشر إلى يوم القيامة أن يحيوا ذكره ويقدّروا موقفه بهذه المناسك.
    سلام الله على قلب الحسين فأين موقف إبراهيم من موقف الحسين الذي فدى بأولاده وإخوته وأولاد أخيه وأولاد أخته وأخيرا فدى بنفسه في سبيل الله.

    ألا لعنة الله على القوم الظالمين