منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الزوجة ستر وجمال

  1. بواسطة بهلول الرشيد

    [صورة]

    يعتبر القرآن فلسفة حياة كاملة ، قال تعالى : { ونزّلنا عليكَ الكتابَ تبياناً لكلِّ شيء } سورة النحل آية 89؛ لأنه يراعي في الإنسان متطلباته الروحية والجسدية ، ويستند إلى قوة أزلية
    لا تتغير ، وهذه العناصر الثلاثة هي التي تشكل السعادة الكاملة للإنسان لأنه روح وجسد ، ولكل واحد منهما متطلبات ، إضافة إلى شعور الإنسان بالثقة والاطمئنان لأن تلك المتطلبات مستندة إلى قوة أزلية حكيمة وعالمة بما يحتاجه .
    ومن القضايا المهمة التي نظَّمها الإسلام ، العلاقة بين الرجل والمرأة ؛ فقد تناولت الكثير من آياته تلك العلاقة ، وبينت حدودها الشرعية ، ومن تلك الآيات قوله تعالى :
    { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } سورة البقرة آية 187 .
    سبب النزول : روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : ( كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم ، وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان ، وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له مطعم بن جبير ، شيخا ضعيفا ، وكان صائما ، فأبطأت عليه أهله بالطعام ، فنام قبل أن يفطر ، فلما انتبه قال لأهله : قد حرم علي الأكل في هذه الليلة ، فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه ، فرآه رسول الله ، فرقَّ له ، وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان ، فأنزل الله هذه الآية فأحل النكاح بالليل في شهر رمضان والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر ) .
    من سبب النزول المتقدم يتضح أن النكاح كان محرما في ليالي شهر رمضان إضافة إلى نهاره ، وأن الأكل والشرب كانا محرمين في الليل أيضا بعد النوم ، ولعل ذلك التدرج في الأحكام المتعلقة بالصوم كان اختبارا للجيل الإسلامي الأول وإعدادا له كي يتقبل أحكام الصوم الثابتة .
    تقول الآية الكريمة : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } ، فالإحلال بمعنى الإجازة ، وهذا يقتضي تحريما متقدما أزيل عنهم ، وليلة الصيام هي الليلة التي يكون في غدها الصوم ، والمراد ليالي الشهر كله ، وإنما وحده لأنه اسم جنس يدل على الكثرة .
    وقال الزجّاج : الرفث هو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة ، وهنا لنا وقفة مع بعض الالفاظ القرآنية والتي يستخدم بها القرآن اسلوب الكناية .
    الكناية في القرآن
    تعتبر الكناية من أبواب البلاغة العربية ، وهو أن يُذكر لفظ معين ويكون المقصود لازم معناه ، وقد استعمل القرآن الكريم بعض التعابير الكنائية تعبيرا عما يريده ، لأن الكناية عندها ستكون أكثر تأثيرا من التصريح ، وأحيانا تستخدم الكناية في المواضيع التي يستقبح التصريح باللفظ فتكون الكناية أكثر أدبا وحشمة ، يقول ابن عباس : ( إن الله سبحانه حيي يكنّي بما شاء ) .
    فقد دأب القرآن الكريم على الكناية عن العلاقة بين الزوجين بكلمات توحي ولا تصرح منها : المسّ في قوله تعالى : { لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } ، المباشرة في قوله تعالى : { فالآن باشروهن } ، الإتيان في قوله تعالى : { فأتوا حرثَكُمْ أنّى شِئتُمْ } ، القرب في قوله تعالى : { ولا تقربوهنَّ حتى يطهُرن } ،اللمس في قوله تعالى : { أو لامستُمُ النّساءَ } ، ومنها كلمة الرفث المستخدمة في هذه الآية والذي أصله الكلام الفاحش .
    ثم تبين الآية الكريمة علّة وسبب هذا الحكم فتقول : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } ، فإن كثرة ملابسة الزوجين ومخالطتهما مع بعضهما تجعل هذا الحكم شاقا عليهما مما أدى إلى وقوع البعض بالمحذور الشرعي وهو ما عبرت عنه الآية ب{ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } ؛ فتختانون من الخيانة ولكن التعبير فيه زيادة وشدة ، ويعني تظلمون أنفسكم بتعريضها للعقاب ، وتنقيص حقها من الثواب ، أو بمعنى الخيانة للأوامر الإلهية ، لأن شرع الله أمانة بأعناق المكلفين ومخالفته خيانة .
    والله تعالى - بلطفه ورحمته - قد وسع على المسلمين الأمر وخففه ، وجعل فيه رخصة كي لا يتلوثوا بالذنوب ؛ فأباح لهم المعاشرة الزوجية في ليالي الصيام ، وأزال التكليف الشاق ، والأكثر من هذا فقد تاب عليهم ، وعفا عن مخالفتهم السابقة ، وأزال أثرها .
    لا تقربوا حدود الله
    بعد أن ذكرت الآية الكريمة بعض أحكام الصوم والاعتكاف ، عبرت عن هذه الأحكام بالحدود الإلهية ، وهي الحدود بين الحلال والحرام ، بين الممنوع والمباح ، ومن الملفت للنظر أن الآية لم تقل لا تتجاوزوا هذه الحدود ، بل قالت : { فَلَا تَقْرَبُوهَا } ؛ فالإنسان باقترابه منها قد تسوّل له نفسه فيزاد بذلك احتمال وقوعه بالإثم ، وقد يؤدي أحيانا إلى تجاوز هذه الحدود .
    لذلك نهى الإسلام عن الولوج في مناطق تؤدي إلى انزلاق الإنسان في المحرمات ، كالنهي مثلا عن الاشتراك في مجالس شرب الخمر حتى مع عدم تعاطيها ، أو النهي عن الاختلاء بالمرأة الأجنبية ، فقد وروي عن المعصومين عليهم السلام : ( ما خلا رجل وامرأة إلَّا كان ثالثهما الشيطان ) .
    هذا النهي ورد في النصوص الإسلامية تحت عنوان ( حماية الحمى ) ؛ فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : ( إن حمى الله محارمه ، فمن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) ؛ من هنا فالمتقون لا يجنّبون أنفسهم الوقوع في المحرمات فحسب ، بل يسعون إلى عدم الاقتراب من حافة الحرام .
    المرأة والرجل كل منها لباس للآخر
    لقد شبهت الآية الكريمة كل من الرجل والمرأة بأنه لباس لصاحبه ، وبالرغم من أنها كانت تبيّن حكما خاصا بالصيام ، إلا إن هذا التشبيه يرسم صورة لطبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة ، والملاحظ أن الآية لم تقل إنهما ( كاللباس ) ، بل قالت { لباس } ، وهذا من أبلغ أنواع التشبيه حيث حذفت أداة التشبيه ، ولو أردنا التأمل في وجه الشبه لخرجنا بحصيلة كبيرة تبين عمق العلاقة بين الرجل والمرأة ، وتشعّبها ، وتجذّرها ، وعدم استغناء أحدهما عن الآخر .
    فاللباس يحفظ الجسم من الحر والبرد وأنواع الأخطار من جهة ، ويستر عيوب الجسم من جهة أخرى ، ويوفر له السكن والراحة ، كما وصف القرآن الليل بأنه لباس { وجعلنا الليل لباسا } أي سكنا لأجل الراحة ، واللباس زينة للإنسان ، فالإنسان من عادته انه يحب اختيار الجميل والفاخر من الملابس ليتجمّل بها ، ويفخر بها ، إضافة إلى إن اللباس هو أكثر الاشياء التي يستخدمها الإنسان قربا منه والتصاقا بجسده ، ولا بسْتُ فلانا اي خالطته فالإنسان في مخالطة دائمة لثوبه لا يتركه ولا يستغني عنه ، وعلى الإنسان الاهتمام بنظافة وطهارة ثوبه ولا يتركه رثا أو قذرا ؛ وتشبيه الزوجين باللباس يشمل كل هذه الجوانب :
    فالزوجان يحفظ كل منهما الآخر من الانحراف والوقوع في الإثم ، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله : ( من تزوج فقد أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر ) ، ويوفر كل منهما سبل الراحة والسكن والطمأنينة للآخر ، وكل منهما زينة للآخر ؛ فالمرأة المؤمنة مدعاة لفخر زوجها ، والرجل المؤمن فخر وزينة لزوجته ، وعلاقة الزوجين ببعضهما من أوثق وأقرب العلاقات الإنسانية حيث لا يستغني أحدهما عن الآخر ، وعلى كل من الزوجين اختيار الشريك الطاهر المؤمن الذي يضمن معه الحياة المستقرة والتي تحقق الهدف من الزواج .
    وكثير من المعاني الأخرى يمكن ان نستوحيها من هذا التعبير القرآني الجميل الذي يوضح غاية الارتباط المعنوي بين الرجل والمرأة ومساواتهما في هذا المجال ، فالتعبير جاء للرجل كما جاء للمرأة بدون تغيير .
    إن القرآن الكريم بهذا التعبير : { هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } يؤسس لثقافة زوجية رفيعة المستوى ، ويرسم صورة متكاملة الأبعاد للعلاقة بين الزوجين كل ذلك بتعبير غاية في البلاغة والجمال رغم إيجازه وهذا وجه من وجوه الإعجاز .