منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع المرأة التي قتلت شاعر غريبة الروح

  1. بواسطة بهلول الرشيد

    صباح علال زاير

    قبل احد عشر عاما نشرتُ في احدى الصحف العراقية انذاك موضوعاً عن الشاعر جبار الغزي استدعى شد الرحال الى مدينته في ناحية الفجر بقضاء الرفاعي كي التقي بأصدقاء طفولته وأقاربه الذين مازالوا يتذكرون تفاصيل دقيقة عن حياته، وهي ذات المدينة التي عاش فيها الشاعر عريان السيد خلف قبل اكثر من خمسين عاما.

    علمت حينها أن جبار الغزي أحبّ في مطلع شبابه فتاة في قمة الجمال والأخلاق والسمعة وبادلته المشاعر متأثرة بشخصيته العاطفية وإحساسه كشاعر حيث كان يقوم بتضمين رسائله اليها بقصيدة تفيض عذوبة، مما جعلها تتعلق به أكثر فأكثر وتعهدت ان تكون له رغم كل الظروف، ليبدأ خلال الستينات بلملمة اوضاعه المادية عسى أن يضفر بحياة أبدية تكون بديلا عن لقاءات الخوف في تاليات الليل بباب الحبيبة لا يجني خلال مجازفته تلك بأكثر من كلمة دافئة يصنع منها فيما بعد قصيدة جديدة، لكنه لم ينجح في تحقيق ما كان يحلم به حين اصر اهلها على رفضه رغم كل ما بذله من جهد للزواج منها، ليبدأ الغزي رحلة الغربة والعذابات التي استمرت طيلة السنوات اللاحقة، الأمر الذي جعله يودع ملامح مدينته مرغما عسى ان تنسيه بغداد وملذاتها وصخبها انهيار حبه الأول، الا أنه، كما هو واضح في شعره، ازداد وجعاً بعد أن رأى أن الوجوه غريبة ليس فيها من أحب، والشوارع لا تحمل أثراً لذكرياته التي حزّتها سكاكين البعد، فيستعيد الماضي بحلوه ومرّه وجوره، بقصيدته التي ابدع الملحن الكبير محسن فرحان بتحويل كلماتها الى لوحة مليئة بالشجن العذب...

    غريبة الروح لا طيفك يمر بيها ولا ديره التلفيها

    صفت وي ليل هجرانك ترد وتروح

    عذبها الجفه وتاهت حمامة دوح

    ويشتد في روحه شيئا فشيئا الحنين الجنوني للحبيب الذي رحل في احضان غيره مرغما، حنين يمتزج بكبرياء الجنوبي الذي يتحمل الجرح بمكابرة ربما لا تقل قسوة عن ما مضى لكنه في هذه المرّة مخيّر في أمره وليس مسيّراً مثلما في الأحداث السابقة، فتزداد دعوته كي تأتيه امرأته هنا وسط درابين بغداد وحاناتها حتى وأن كانت كأي غريب، فالانتظار لم يبق فيه شيئا..

    تحن مثل العطش للماي تحن ويلفها المكابر

    ويطويها وانت ولا يجي ببالك

    تمر مرة غرب بيها واهيسك جرح بجروحي

    يمرمرني وتحن روحي

    ويبدو أن الأعياد التي تنتظرها الناس آتية لا محال الا هلال جبار الغزي لم يعد يرسم له اثرا في اقاصي الآفاق، معتقدا أن السنين أرحم ممن أحبها..

    جم اهلال هلّن وانت ما هلّيت

    جثيرة اعياد مرّن وانت ما مرّيت

    سنين الصبر حنّن وانت ما حنّيت

    ترف ما حسبت بيه وآنه وغربتي وشوكي

    نسولف بيك ليليه نكول يمر.. نكول يحن

    وتظل عيونه ربيّه يلمامش الك جيّه

    وحكى لي الصديق والفنان الكبير حسين نعمة بشيء من الحسرة حين اتصل به جبار الغزي عندما كان يسكن فندقاّ داخل كرادة مريم مطلع السبعينات فيما يسكن حسين نعمة في شقة بنفس المنطقة انذاك، يقول علمت أن صاحب الفندق سجّل دعوى قضائية بحق الغزي لعدم دفعه مستحقات مبيته وقد حضرت الشرطة لإلقاء القبض عليه، وبعد تدخلي ودفعي المبلغ تم حسم الموضوع وأخذت ابن مدينتي معي الى شقتي في كرادة مريم وكان في حال يرثى له بعد أن أدمن الخمر والنوم على أرصفة شارع الرشيد.

    لم يستطع جبار الغزي تجاوز محنته، فالهجر يرافقه إينما حل، وجفاء الحبيبة يرن في روحه كأجراس الكنائس الممتدة في شارع الرشيد والباب الشرقي والكرادة..

    ولكن كيف للحزن أن يغادر الشاعر وقد ادمنه منذ أن اغتالوا حبه الأول، والحزن الذي لم يتذوقه فحسب بل وصل فيه الشبع حد التخمة لم يترك له أي بارقة فرح ما وأن هذه الهلوسة بتمني الفرح لم تكن سوى صحوة سكر عابرة، وتلك الدعوة الى العودة مجرد كذبة يحاول جاهدا تصديقها.

    يكولون غنّي بفرح وآنه الهموم اغناي

    بهيمه ازرعوني ومشوا وعزّوا عليّه الماي

    نوبه انطفي ونوبه اشب وتايه بنص الدرب

    تخيّل جبار الغزي أن تلك الجنوبية لا تتردد في التحدث مع من تشاء الا معه فيسألها عن الذي عوّدها ان تنساه..

    يحاجي الناس كلها وما يحاجيني

    يداري اهروش غيري وما يداريني

    كلي اشعودّك يا ترف تنسانه

    تجي وتروح ما جن عينك بعيني

    لم يحالفه الحظ بالزواج من أي امرأة بغدادية بعد ان رأى فشل الكثير من تجارب الحب والزواج التي اقدم عليها اقرانه من الفنانين الجنوبيين، اضافة الى أنه كان منشغلا عن فكرة الزواج والفرح بمداواة جرحه النازف رغم انه بلغ الأربعين من العمر، فظلت عيناه نذراً للحبيبة.

    لعيونك الحلوات عمري وشبابي

    واعلك الدنيه شموع من تدك بابي

    تبتعد لو تشتاك لتصدك انساك

    دنيه وجزاها العيد روحي بلياك

    حبس عاطفته فيما بعد حين اعتبر ان تلك الشابة التي ابتعد عنها قبل عشرين عاما عالمه الوحيد ودنياه التي لا تغيم بغير العافية رغم كل الويلات التي جناها في رحلته معها.

    وحين القت السماء امطارها في ليلة مظلمة عام 1985 لم تتدثر جثّة جبار الغزي بغطاء بل اغتسلت بتلك المياه ثم عادت لتنشف من جديد لأكثر من ليلة، ومن ذا الذي بوسعه أن يتعرف على شاعر غيّرت ملامحه سنوات الصبر والتشرد، فكان غريبا لوحده تحت جسر الجمهورية وسط بغداد وظل كذلك في وحشة الطبابة العدلية بباب المعظم مدة عشرة ايام وربما كان يستمع حينها وسط غربته تلك لرائعته..

    غريبة الرووووووح لا طيفك يمر بيها

    ولاديرة التلفيها...

    مات جبار الغزي بعد ان كتب اخر بيت دارمي يعاتب فيها من يعاتب ليقول..

    بسّك تره اتعدّيت حد الجفه اوياي

    اعطش واضوك الموت وبجفّك الماي

    لكن عينه لا اعتقد انها فعلا تنتظر بعد ان اغمضها الموت والعراء وبقايا الاتربة ودموع لم تجد من يمسحها فكل الذين مروا بجثته لم تكن بينهم القاتلة التي أحبها.
  2. بواسطة مرتجى العامري

    الله الله
    عشت ابو زهراء على النقل

    شكرا جزيلا لك
  3. بواسطة حروف ضائعة

    شكراااا على النقل^_^
  4. بواسطة العراقي راقي

    [صورة]
  5. بواسطة بهلول الرشيد

    شكرا لكم جميعا