منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع جــــايا أسطورة جــايا

  1. بواسطة شـ,ـهـ,ـد

    لالآف السنين نظر الفلكيون إلى السماء و أذهلهم منظر النجوم و الكواكب. أدركت الحضارات القديمة بأن الأجسام الموجودة في السماء تظهر و كأنها تتحرك بطريقة منتظمة, و استخدمت العديد من المجتمعات النجوم من أجل معرفة مواعيد الزراعة المناسبة و مواعيد حصاد محاصيلهم.
    و هكذا بدأ أقدم فروع علم الفلك – القياسات الفلكية (astrometry) – و هي تعني دراسة العلاقات الهندسية بين الأجسام في السماء و حركاتها الظاهرية و الحقيقية. للعديد من القرون, كرّس الفلكيون وقتهم لدراسة المواقع النسبية للنجوم, و هو أمر أساسي من أجل فهرسة سماء الليل.

    كان الفلكي الإغريقي هيباركوس الرائد الحقيقي في علم القياسات الفلكية, فقد قام في العام 129 قبل الميلاد و بالاعتماد على العين المجردة و الهندسة البسيطة فقط بتصنيف المواقع النسبية لحوالي 1000 نجم. قام بتحديد لمعانها النسبي و المواقع النسبية لها بدقة بلغت حوالي درجة واحدة (الزاوية المكافئة لطول رجل يقف على بعد حوالي 100 متر).

    إن التطور في زيادة دقة قياس الزوايا لم يتسارع إلا في القرن السادس عشر بواسطة الفلكي تيخو براهة الذي أجرى مراقباته الفلكية بالاعتماد على التسديس و التربيع.تمكن براهة من تحديد مواضع النجوم بدقة بلغت حوالي نصف دقيقة قوسية (تساوي الدقيقة القوسية الواحدة 1/60 درجة).
    في العام 1609, تم اختراع التلسكوب و لاحقا في نفس القرن تم اختراع أجهزة أمكن استخدامها مع التلسكوبات من أجل تحديد الزوايا في الفضاء. في النهاية, تمكن الفلكيون من تحديد الزوايا بدقة أكبر بكثير من تلك التي تستطيع العين المجردة القيام بها.

    بحلول القرن الثامن عشر, تحسّنت الدقة و وصلت إلى مرتبة الثانية القوسية, و بعد ذلك بحلول القرن التاسع عشر, تطورت الدقة إلى أجزاء من الثانية القوسية.
    مكّن هذا الأمر في النهاية الفلكيين من قياس الاختلاف في المنظر, أي التغير الظاهري في موقع النجم عندما يتم النظر إليه من موقعين منفصلين عن بعضهما البعض بمسافة كبيرة. على سبيل المثال, عندما يتم النظر إلى النجم من الأرض بفاصل زمني يبلغ 6 أشهر خلال دوران الأرض حول الشمس. باستخدام هندسة المثلثات, يمكن تحويل زاوية الاختلاف إلى مسافة دقيقة جدا. و لإن هذه الزاوية صغيرة جدا – فحتى أقرب النجوم يمتلك زاوية اختلاف أقل من ثانية قوسية واحدة -, فإن هذا القياس صالح من أجل النجوم الأقرب إلينا و بالاعتماد على أجهزة دقيقة جدا.

    أكثر من ذلك, فإن هذه القياسات التي تستخدم الاختلاف بالمنظر تكون مقيدة بالقدرة على النظر عبر الغلاف الجوي للأرض, حيث يقوم الغلاف الجوي بتشويه النتائج و يضع حدا علويا لدقتها. و بالتالي فإن القياس من الفضاء سيكون الطريقة الوحيدة في الواقع لتحقيق قياسات دقيقة.

    في العام 1989, و بعد أكثر من 2000 عام على النظرة الأولى لهيباركوس إلى السماء, أطلقت وكالة الفضاء الأوروبية مهمة تكرّم هذا الفلكي و تحمل اسمه, القمر الصناعي لجمع بيانات الاختلاف بالمنظر عالية الدقة. كان القمر الصناعي هيباركوس أول الأقمار الصناعية على الإطلاق التي تم تكريسها لعلم الفلك, و حققت ثورة في مجال الزيادة العالية في دقة هذا العلم, و تحسين الدقة في القياسات الأرضية إلى مستوى وصل حتى 100 ضعف, و زادت الدقة لتصبح جزءا من الميلي ثانية قوسية.

    في العام 1997, تمّ نشر البيانات التي جُمعت بالاعتماد على هيباركوس بين العامين 1989 و 1993 ضمن فهرس هيباركوس. تحتوي تلك البيانات مواقع, أبعاد و تحركات – بدقة تجاوزت القياسات السابقة بـ 200 ضعف – حوالي 120000 نجم. كان هذا الفهرس ثاني أكبر الفهارس – و أكبرها كان فهرس تيخو براهة الذي احتوى بيانات 2.5 مليون نجم و لكن عند دقة أقل بكثير. كانت تلك الفهارس سابقة لا مثيل لها في تحديد مواقع النجوم و استمر استخدامها في أبحاث علم الفضاء و في ملاحة المركبات الفضائية.

    سوف تُكمل جايا (Gaia) الإرث النبيل لأوروبا في مجال وضع مخططات للنجوم. و هدف هذه المهمة هو وضع فهرس لمليار نجم, قياس موقع كل نجم و حركته بدقة تتجاوز تلك الموجودة في مهمة هيباركوس بـ 200 ضعف, بالإضافة إلى إنتاج بيانات تتجاوز تلك التي أنتجتها هيباركوس بحوالي 10000 مرة.
    مُسلحين بمعرفة موقع كل نجم و سرعته, سيتمكن الفلكيون من تعقب المسارات السابقة للنجوم, و في النهاية حل لغز تاريخ مجرتنا درب التبانة.

    تمثل الدقة الفائقة و غير المسبوقة لـ Gaia حلم الفلكيين على مدى التاريخ, و سوف تجلب إلى بقعة الضوء إجابات عن العديد من الأسئلة التي تم طرحها على طول الطريق.