منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع كليوباترا وكهرمانة

  1. بواسطة العراقي راقي

    كليوباترا وكهرمانة


    أستيقظ مذعوراً من نومه قبل طلوع الشمس، ليس كعادته بعد أن نام ليلته الماضية مقهوراً لنفاذ شحن شريحة هاتفه الجوال وحساب الإنترنيت منذ عدة أيام، وما عاد يمتلك مالاً لدفع مستحقاتهما، إضافةً إلى طعامه ومصروفه وإيجار شقته الواقعة في الطابق الخامس ضمن عمارة سكنية قرب جامعة القاهرة التي يدرس فيها، لم يعرف الأسباب الموجبة التي منعت وصول الحوالة المالية البريدية من بغداد حتى الآن.
    أكمل هندامه على عجل من دون أن يشطف وجهه، التقط بعض الكتب وأدواته الهندسية، خرج من شقته مرتبكاً، قفل بابها بهدوء، حابساً أنفاسه، تجاوز الطوابق الثلاثة بنجاح والطابق الأرضي الذي يسكن فيه صاحب العمارة، زفر شهيقه الساخن، ورغم تنفسه الصعداء، لكنه مازال مضطرباً، تمنى أن يطير بجناحين خجلاً، فهناك من لم يدفع له الديون المترتبة عليه أيضاً، ضمن الدكاكين الواقعة في العمارة ذاتها، منهما البقال الحاج متولي، وحسنين صاحب كشك الأكلات السريعة،،اللذان يبدآن عملهما مبكراً، ولأنهما طيبان وكريمان معه فقد تفهما وضعه جيداً، أسرع الخطى و حال وصوله مخرج بوابة العمارة، حاول عبور الشارع متحاشياً رؤية أحدهما، لكنه لم يفلح حينما صاح به الحاج متولي:
    - أيه يا أحمد، لا أحِم ولا دَستور، مفيش حتى صباح الخير لعمك متولي...
    - اعتذر عمو، صباح الخير، والله دايخ بزماني، ما أعرف شَسوي، والديّانة كثروا، وأهلي لا خبر منهم ولا الحوّالة، على أساس دبروا المبلغ، بس انكطعت أخبارهم من يومين والقاهرة مثل ماتشوف صايرة نار مثل بغداد يوم سقطت بيد الأمريكان ..
    قاطعه الحاج متولي:
    - لا لا يا أحمد، الدنيا لِسه بخير، عدرك مِش مقبول، هي الدنيا طارت ولا طارت ..
    - عمي الناس حقه تريد فلوسهه، هاي صار شهرين، البارحة رحت لمكتب الحوالات بالجامعة، رؤوف أفندي خلاني أيأس من كل شي ... بس ما أيأس من رحمة الله ... كلي عمو شسوي؟
    - والنعم بالله .... ما كل شي إتطع بعد الاعتصامات والتظاهرات، المطار بقالوا تلات أيام مّسكَر، ودا إلي تسموه الانترنيت سمعت من الولاد بردو إتقطع، مبعرفش حيتقطع إيه و اللا إيه .... حنشوف كمان وكمان ... يبني المحروسة بتحترق...
    - يا عمي الحاج: عود انهزمت من بغداد، حسبالي ارتاح بمصر وأكمل دراستي وآني حكيت لك شلون ماتت أختي بتفجير جامعة بغداد حتى ما عثرنه أثر لجثتها، حظي أسود و مسدود بوجهي وين ما روح....
    - لا حول ولا قوة إلّا بالله، جت الحزينة تفرح ....، معلشّ يَبني كُل عقدة ولها حلّال، روح لسيدنا الحسين واللا السيدة زينب، فضفض شوية، ربنا يفتحها ف وشك و يفرجها عليك آدر،كريم ......
    سكت الحاج قليلاً ثم سأله هامساً:
    - مش عاوز حاجه يَبني ؤول متكسفش أنا برده ف مآم والدك..
    - لا حجي ما قصرت.. الله يطّول عمرك ويعافيك ..
    سار في حال سبيله نحو الجامعة، وفي عينيه دمعه، زاد قنوطه شيئاً فشيئاً، بكي هامساً، كان يفكر بشيء ما يساعده في مأزقه، خصوصا وأنّه اقتنع تماماً بأمر صعوبة وصول الحوالة، و لم يفكر أبداً باقتراض المال من أحد حتى من زملائه العراقيين، هم أسوأ منه حالا، لمحت له فكرة بيع ساعته الثمينة لكن مَن يشتريها منه في هذا الوقت الصعب وتلك الظروف التي تمر بها مصر! بكل الأحوال، تبدو فكرة بيعها مقبولة حتى لو بالتقسيط المريح ...
    أشرقت الشمس ومعها ازداد ضجيج السيارات وزحمة الناس، وروائح الأطعمة الشهية، شعر بالجوع عندما رأى عربة الفول المدمس متوقفة على أحد الأرصفة، خصوصا انه لم يذق الطعام منذ ظهيرة أمس، مد يده في جيبه، باحثاً عن بعض القروش المتبقية لديه، ضرب فخذه بيده عندما تذكر أنّهُ قد وضعها في جيب البنطلون الجينز، استمر في مشيه، لاحت له علبة عصير معدنية مطروحة جانباً قرب كراسي انتظار سيارات الأجرة، انتشلها خلسة، شعر ببرودة في منتصفها، ارتشفها بجرعة واحدة، علق في فمه عقب سيجارة كان مغموساً داخل العلبة، رماها غاضباً في منتصف الشارع من دون شعور منه، لاحت على مسمعه شتيمة من سائق سيارة مسرعة، زادت من غضبه وتذمره، أخذ يجوب الشوارع بغير هدى، جاءته فكرة العمل بأيةِ وظيفة حتى لو كانت مهينة، لكن، استدرك في نفسه صعوبة ذلك و في هذا الوقت بالذات .
    بدت له قبة الجامعة عن قرب، كأنها تمثال أبو الهول، شامخة، ساحرة، ازدانت في قلبه مسرة، عله يجد أحداً من زملائه يقترح حلاً لمصيبته، أسرع بخطاه نحو مساطب الحديقة المقابلة لمكتب البريد في الجامعة والذي لم يفتح بعد، انتظر طويلا ً، لاحت له وردة جوري حمراء يانعة، قطفها خلسة، تظاهر بشمها، طأطأ رأسه، علسها، كتيس جائع، رغب بقطف أخرى، لكن ميرفت زميلته، جاءت مبكرة ليست كعادتها، تبادلا التحية، سر برؤيتها كثيراً،سألها:
    - خير ماكو شي، جاية من وكت ...
    - لا يا حمادة، أنا طُول الليل سهرانة مع زَمايلِي في المخيم اللي عاملينه ف ساحة المظاهرات، الواد علي زميلنا العرائي كان معانا، طيب ؛ أنا رايحه دلوقتِ أراجع الدروس ف المدرج ... بالمناسبة، أظن مِن بُكره، مَحدِشّ حَيجي الجامعة، أوكي .. باي ..
    - الله وياج .
    ظل صامتاً هنيهات من الوقت ما لبث أن ترك المسطبة، متجها نحو مكتب بريد الجامعة، أشارت قصاصة ورقية ملصقة على النافذة الزجاجية مُوقّعة من قبل رؤوف أفندي إلى غلق المكتب حتى إشعار آخر لظروف أمنية، وعلى الرغم من يقينه بمصير الحوالة، لكنه شعر بانهيار كبير في قواه، وأن ساقيه لم تعودا تستطيعان حمله، ارتشف قليلاً من ماء النافورة، شاطفاً وجهه بقليل منه ..

    خرج من الجامعة مكتئباً، ضجراً، أراد الرجوع إلى شقته، ود لو تطوى الأرض ليصل إليها، غير أنّهُ استدرك الذل و الإهانة،اللتين من الممكن أن يتعرض لهما هناك، احتار كثيراً، خاصة والنهار في أوله، لمح ميرفت تسرع بخطواتها نحو موقف (الأوتبيس)، صاح بها بعد أن غمرته الفرحة لرؤيتها ثانية، توقفت متأنية:
    - ها وين رايحة، مو عندج امتحان ..
    - امتحان أيه ياحمادة، هُوَّ فيه حَد ف الجامعة، اِظاهر خلاص عزِّلوا ...
    - لا، موخوش خَبر ... صُدك، آني صرت مثل هذا القاعد على البعير وعضه الكلب..
    - أنا رايحه المخيم تيجي معايا ..
    صمت قليلاً، يعلم جيداً انه لا يحمل مليماً واحداً في جيبه، ومن المعيب أن تدفع له ميرفت الأجرة، لكن بالوقت نفسه، إنها فكرة لا بأس بها لتقضية بعض الوقت، تعذر بذكاء، مقترحاً لها الذهاب إلى المخيم سيراً على الأقدام، للرياضة والحديث معاً، رحبت ميرفت بمقترحه، فتحت حقيبتها، ناولته قطعة من الكاكاو، فرح بها، تمشيا بهدوء تام، كأنهما عاشقان،سألها:
    - ميرفت انتم شتريدون من الحكومة؟
    - يا حمادة، الحكومة بقت عامله زي بطليموس الثالث عشر، مبتاخدش رأي حد، خايفه على الكرسي و متبته فيه، سابت الناس اللي مرميه في كل حته، من غير مكان يتاويهم، ولّا حتى شغلانة، و مش لاقيين اللقمة بعد ما بقى سندويتش الفول بالشيء الفُلاني، والأحزاب عاملة زي كليوباترا السابعة، بيدوروا على قيصر تاني علشان يزيحوا بيه بطليموس عن البلاط، دا هو اللي حاصل، لكن شعب مصر مش حيسكت يا احمد، دي مصر، أم الدنيا، كفيانا ظلم وخوف، ووووو .. حقولك إيه بس و اللا إيه، ما أنت عارف كل حاجه، بقالك دلوقت تلت سنين معانا ..
    - لا .. لا طبعاً أعرف كلش زين، بس آني خايف عليكم، يتكرر مثل ما صار بالعراق، والله هذا الربيع خايف منه، وتلعنوا اليوم الأسود الصار بيه الربيع ..
    - لا يا احمد، متقولش كده، الشعب هو السيد، والعالم معانا، صدقني، أنا مستعدة أموت مِيت مرة علشان مصر وأهلها الطيبين ...
    صمت قليلاً، قارن حديثها بحاله وما يجري في بلده، هي ليست وطنية أو تحب بلدها أكثر منه، أراد غلق الموضوع، لكنها بادرته بسؤال:
    - أيه أخبار أهلِنا في العراء، عاملين أيه؟
    - ميرفت، العراق و ما أدراك ما العراق، مشكلتنا أحنا نعرف وين ألحرامي و منو يسرق البيت، نحتاج إلى كهرمانة تصب الزيت على الجرار، بس لحد الآن ما ظهرت كهرمانة، صارت الوطنية بس سوالف، مثل قصص ألف ليلة وليلة .
    - طيب و الاختلاف اللي حاصل بين المذاهب!
    - لا هاذا مثل مشكلة الأقباط والمسلمين عدكم، تمثيلية سوّاها الحاخام، أعطيج مَثَل، آني من طائفة وأمي من طائفة أخرى، وزوجة أخوي كردية، بس ما اخفي عليج هذا الأمر راح يتوسع ويصير بكل البلدان، لأن أكو من يريد يخرب إذا بقى شي من عروبتنا المهزومة ..
    ردت ميرفت بنكته لتضفي بعض المرح:
    - يعني عاملين زي عيلتنا بالضبط، بابا زملكاوي، وماما أهلاوية، وانا مرة مع دول ومرة مع دول ...
    قهقها، طيَّب الحديث من خاطر أحمد بعض الشيء، حتى استكان من همه قليلاً ..إلى أن وصلا المخيم الذي تحشد فيه جمعٌ غفيرٌ من الناس، شيب وشباب ونسوة، يحملون رايات ولافتات مختلفة الألوان والشعارات، انغمسا معهم، ما لبثا قليلاً حتى أحاط رجال الأمن بالمخيم من كل اتجاه، جذب وشد، لم تكن نية أحمد التواجد إلّا للفضول وتمضية بعض الوقت، لكن الحماسة التي رآها من المتظاهرين ووطنيتهم العالية حفزت إحساسه الوطني وشعوره بالتقصير تجاه وطنه بعد أن هجره، حتى نسي تماماً أمر الحوالة، كل ذلك دفعه لأن يصرخ قوياً، أشد صراخاً من المتظاهرين المصريين، ويُنشد معهم هتافاتهم وأغاني الحرية في الصفوف الأمامية.
    هاجم رجال الأمن المخيم، تفرق الجمع، سقط مضرجاً بالدماء تحت أقدام المعتصمين، قبضوا عليه، سحلوه، أوسعوه ضرباً بالهراوات والركلات، صاح بهم وبأنفاس مخنوقة:
    - آني عراقي، اتركوني ...
    - بتؤول عرائي ... أيه اللي حدفك علينا، هي نائصاك يابن الكلب!
    رموه داخل سيارة (البوكس. ومعه عدد من المتظاهرين، أغمي عليه، يجر أنفاسه ببطء شديد، أخذ يهذي، وبين كل لحظة وأخرى يرفع كلتا يديه أمام وجهه، كأنه يحاول حمايته، يصيح بصوت متهدج:
    - عوفوني، عوفوني، لا .. لا .. لا تضرب آني عراقي.
    وبينما كان محرك سيارة (البوكس) يزمجر إلى جهة مجهولة، غير أن طبطبة يد ثقيلة على خديه عادت له وعيه:
    - يا أحمد، يا أحمد إيه اللي جابك الساعة دي..
    فتح عينيه بتثاقل:
    - منو رؤوف أفندي!
    - أيوه، عمك رؤوف ..
    أخذ رؤوف أفندي يمسح الدم والتراب عن وجه أحمد بمنديل له، وضع رأسه في حضنه و استدرك قائلاً:
    - رحت فين أمبارح يا بني، دورت عليك في كل حته ف الجامعة لما دُخت، م الحوالة وصلت بعد ما سبتني على طول!

    رعد الفندي
    العراق

    18 شباط 2014
  2. بواسطة شـ,ـهـ,ـد

    قصه رائعة
    عاشت الايادي يغالي