منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الغرفة رقم 01

  1. بواسطة العراقي راقي

    الغرفة رقم 01

    خطوات فقط تفصلني عن باب الدخول، بينما أكثر من ربع قرن من الزمن تمتد بيني وبين السنين الأربعة عشرة التي عشتها في هذا المكان .

    عشتها؟ هل قلتُ عشتها؟ عفوا كنت أقصد عشتُ فيها موتي .
    سرت بمحاذاة السور بخطىً بطيئة . توقّفت عند البوابة الحديدية الضخمة . رفعت رأسي صوب الطابق الثاني.. ماذا لو أن للأماكن ذاكرة؟ ماذا كانت ستروي عنا؟ وبأية صورة سوف ترانا؟
    نغادر الأماكن ولا نحمل في حقائب الذكرى سوى القليل من ملامحها والتي تبهت بمرور الأيام , بينما تحتفظ هي بنا.. نجدنا فيها، كلما جاء ذكر اسمها أو ارتسمت في خيالنا خرائطها، أو حملتنا خطانا، مرة أخرى، إليها.
    أكيد أنّ الغرفة رقم 01 لا تزال في ذلك الطابق، في نهاية الرواق .. بنفس مقاسات الطول والعرض . ربما تغيّرت فيها بعض التفاصيل فقط ... الطلاء أو الأثاث أو اتجاه الأسرّة والطاولة والخزائن لكنّها تحتفظ بي أكيد . لعلّ جدرانها الباردة ما تزال تلتحف دموعي وابتساماتي، وزواياها الصامتة تروي تفاصيل أيامي وليالي، وذرات هوائها يتراقص فيها رنين ضحكاتي وهواجسي وأحلامي .
    من هنا أستطيع رؤية نافذتها المستطيلة، المطلّة على الشارع الرئيس المزدوج، حيث كنت أقف لساعات في محاولة يائسة لاستنطاق السماء والسحاب والطريق والرصيف والمارّة وأعمدة الإنارة، في محاولة تقبّل ذاتي والبحث عن أجوبة مقنعة لأسئلتي الحارقة المدبّبة .
    ما إن لمحتني مديرة الميتم قادمة حتى هبّت لاستقبالي، مرحّبة، باسمة .
    كنت قد التقيت بها صدفة في حفلٍ خيري، وقبل أيام هاتفتها أعلمها برغبتي في زيارة الميتم وبالتحديد الغرفة رقم 01 وكنت قد تبرّعت لها بمبلغ مالي محترم، وأعربت عن نيّتي في مساعدة الميتم ماديا والتكفّل بكل مصاريف المناسبات والأعياد .
    - محمود ..تعال .. رافق السيدة إلى الغرفة رقم 01 .
    قالت مشيرة إلى حارس عجوز يجلس في مدخل الرواق .
    بقيتُ لثوانِ متسمّرة. ثم انتبهت ..
    آه .. " السيدة " هي أنا ..
    و كأنّك لم تصدّقي بعد إنّك " السيدة ".. حصلت عليها تلك الوثيقة منذ سنوات، انظري داخل حقيبة يدك الآن لتتأكّدي لو أردت .. ورقة لا تعني شيئا للعالم وهي كل عالمك، وريقة تافهة رثّة باستطاعة قطرة ماء أن تمحو حروفها أو رياح خفيفة أن تذروها إلى ما وراء الشمس ..ورقة بلا حياة هي كل حياتك، ورقة استطاعت أن تزيح ضباب الغبش عن صورتك في مرآة ذاتك، أن تزيل وصمة العار التي حفرتها السنين في جبينك فلم تعودي مجبرة على خفض رأسك وغرس نظرتك في الأرض حين يقابلك السؤال من أنت؟ أو ما اسمك؟
    ورقة صغيرة استطاعت لملمة أربعة عشرة سنة من روحك المبعثرة .
    لكن ماذا يبقى لك منك حين تقضي نصف عمرك هائما في رحلة بحث عن ذاتك، تائها في صحراء الأسئلة، مشرّدا بلا دليل، متسوّلا الحقيقة على أرصفة الأحزان؟
    سرتُ خلف العجوز الأشمط وقد كرهته من أول نظرة إلى وجهه . ذكّرني حاجباه بزوج " خالتي أنيسة "، المرأة الطيبة التي تبنّتني قبل أن أدخل الميتم .. حاجبان كثيفان بدرجة تلفت الانتباه، أشيبان ملتصقان في الوسط .. لو أنّ للشيطان حواجب لكانت مثل تلك تماما ..أشعر بالتقزّز وبرغبة في التقيّؤ كلما قفزت أمامي ملامحه البشعة .. ويده الخشنة التي كنت أرى الموت يطوف بي كلما طافت بأظافرها الغليظة الوسخة فوق براءتي .
    سنون طويلة انقضت على مغادرتي المكان .. ولقد تعلّمت في غمرة الأيام المتلاحقة بأنّ كل شيء يمضي، يأخذ وقته ويمضي ..الحزن، الفرح، الألم، البكاء، الغضب، الحنق، الحقد، وبأنّ المشاعر مثل المواسم، تأتي بما لها وما عليها ثم تغادر .. إلا الاحساس بالضياع، لا نتحرّر منه تماما مهما مرّ من الزمن،، إلا الشعور بالخوف لا تمحى آثاره مهما تهيأ لنا ذلك .
    المشكلة مع الخوف أنه حتى حين يتبدّد تماما ولا تعود تخاف شيئا، فإنك تخاف ضياع الأمان والسقوط في بئر الخوف من جديد.
    ذلك ما حدث معي حين دخلت الغرفة . شعرت بالخوف من ..الخوف .
    وجدت طعما مرّا عالقا بحلقي وأحسست في صدري جهة اليسار وخزا يشبه الخدر المؤلم ..
    وكأنّ الغرفة ما تزال تسكنُني رغم مرور كل تلك السنوات . وكأنّ الخوف لم يغادر .
    بعض الأماكن تصبح جزءاً منا، تلتصق بتاريخنا .. فيها ينسج القدر أطول فصول مآسينا وفيها يكتب أقسى أجزاء ذاكرتنا .
    تقتسم الغرفة فتيات ثلاث.. وحيدة ونوارة ورفيقة ..في نفس السن تقريبا إلا أنّ وحيدة تبدو أصغر بوجهها المستدير الطفولي وضفيرة شعرها الأسود الكثيف .لا أدري لمَ أحسست بأنها تشبهني ..حتى أنها تشغل نفس الجهة في الغرفة، نفس السرير الذي كان لي وبجانبه طاولة صغيرة تراكمت فوقها كتب ومجلات .
    يبدو إنها مثلي تعشق المطالعة .
    مر تيار المودة بيني وبين الفتيات بيسر وسرعة عجيبة . حكت لي كل واحدة شذرة من حياتها أو بالأحرى مأساتها ..
    ثلاثة أرواح اختلفن في النشأة والمصير واشتركن في الحزن والضياع والألم .
    رفيقة قالت لي " أنا أجدُّ في المدرسة، أريد أن أكون مدرّسة ."
    نوّارة أسهبت في التعبير عن طموحها بأن تسافر وتدور العالم وتصبح عارضة أزياء.. !
    أما وحيدة فتردّد بنبرة تقطر حزنا " لا أريد شيئا من الدنيا ..فقط أن أعرف من يكون أبواي ولماذا تخلّيا عني ."
    مثلك أنا يا صغيرتي، يوم كنت هنا . كان ذلك همّي الوحيد .. ولكن لا تحزني فللأقدار خرجات لا يحتويها منطق ولا يدركها عقل .. لو أن الموت لم يمهل جدّتي لأبي يومين فقط لماتت حقيقتي إلى الأبد، ولو أنّ قريب أبي العجوز لم يجتهد في البحث عني ولم يتصل بي ليخبرني بأن حقيقتي وحياتي ووجودي في ورقة مطوية داخل ثياب جدتي لما كنت اليوم على ما أنا عليه ولقضيت عمري بلا هوية ولا نسب ولا روح .
    لم أشعر بالوقت يمر . ثرثرت مع الفتيات في أمور عديدة . كنت أغالب حزني كي لا تفتح الغرفة في قلبي وروحي جراحا التأمت . استطعت في وقت قليل أن أكسب ثقة البنات وميلهن، ربما لأني أخبرتهن بأني ذات زمن كنت هنا، مثلهن، وكان هنا أيضا ذلك الشعور بالغربة والتيه والحزن، وبأنّ كل ذلك لا وجود له الآن .
    أحببت أن أحقن قلوبهن البائسة بشيء من الأمل والفرح .
    لا أحد يدري ما تخبّئه الأقدار والأماني الجميلة تتحقق أيضا .
    كانت بي رغبة شديدة في أن لا يتوقفن عن الكلام ولا أتوقف عن الاستماع إليهن ..
    كنت أريد أن أحضنهنّ وأبكي، لساعات، لأيام، لشهور .
    قبل أن أغادر، ضممتهن إلى صدري وهمست " انتبهن لأنفسكن ..سأزوركنّ من حين لآخر.. لا تسمحن لــ " حواجب الشيطان " بأن يقترب منكن ."
    أكيد لم يفهمن، ولكن شيء ما لحظتها جعلني أعتقد بأنهنّ فهمنني وعرفن ماذا أعني ومن أعني بالضبط . عبرت الشارع . ركبت سيارتي وانطلقت .
    رباه .. ماذا سيكون مصير " نوّارة " و" رفيقة " و" وحيدة " والأخريات في الغرف الأخرى؟ هل سينجون ؟ هل ستكون الحياة يوما ما أكثر لطفا بهن؟
    ابتلعت أسئلتي جميعها وأنا أفكّر : ما جدوى الأسئلة إذا كانت الأجوبة نفسها بلا جدوى





    آسيا رحاحليه