منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع من العجائب إلى الخراب

  1. بواسطة Abbas Al-iraqi

    [صورة]


    حسن النوّاب

    1

    رواية عجائب بغداد، أشعرتني بتعب ذهني ومرارة ورعب متواصل من حياة مراسل حربي يصل الى بغداد في ذروة حرب طائفية وتحديدا بعد تفجير قبة الأمام علي الهادي (ع)، واذا كان كاتب الرواية وارد بدر السالم قد قطع نحيب وأنين وشهقات الرواية الى فصول، فلقد وجدتها عبارة عن تقرير دموي طويل لا أظنه يُبلى بسهولة من الذاكرة عن بشاعة تلك الحرب الأهلية وتناقضاتها وفنطازيتها التي هي اقرب الى الحقيقة من الخيال، من خلال جسد مقطوع الرأس بسيف الزرقاوي حيث يعقد مؤتمرا صحفيا في قاعة الشيراتون وسط ذهول المراسلين من اصقاع العالم وكان ينوب عن الجسد الذبيح بالرد على الأسئلة أخوه الذي جاء برفقته، او من تداعيات كف الإرهابي التي حملها بعض الصبيان الى المراسل الحربي والتي مازالت تتنفس؟؟

    بعد ان فجر الإرهابي محلا لبيع المشروبات، ويصل الراوي بدر السالم الى ذروة غرابته التراجيدية بإصبع شقيق الفنان المسرحي الذي يعقد صداقة معه، حين تكون الإصبع في جيب صديقه ككائن حي عاد من القبر اشتياقا لعائلته، هذا المراسل الحربي القادم من مدينة دبي الساحرة يفرد لها سطورا للتغزل بها، ويضع فارقا موجعا بينها وبين بغداد التي تكاد تختنق من الغواط؟!

    ولا يتوانى السارد وارد من كشف القبح لدى بعض الناس المشوهين اخلاقيا وروحيا وعلاقات الربح التافهة التي يرسمونها مع مراسلين شاذين جنسيا، بالوقت الذي يطلعنا على نافذة بمنتهى الرقي والبراءة نرى من خلالها علاقته مع مراسلة حربية من البي بي سي او الفتاة المسيحية التي لا تنقطع رسائلها المشتعلة بالوجد اليه والتي ترسلها عبر النت او الهاتف النقال من دبي، يحدث ذلك الصفاء الغرامي ان صح التعبير وسط مجزرة بشعة من جثث مجهولة الهوية حين يذهب مع مراسلة لندن الى مشرحة الجثث او حين يبصر من نافذة الهمر شرطيا يحترق جسده كدمية بلاستيكية. رواية مليئة بسياحة ساحرة وخاطفة في مدن آسيوية كتايلند والهند زارهما المراسل الحربي قبل قدومه الى مجازر بغداد البشعة، مثلما تجد الحكم العميقة والواخزة بين ورقة واخرى من الرواية منها على سبيل المثال حين يقول: الكتابة مثل المرأة الحائض تحتاج الى ايام لامتصاص الدورة الشهرية منها كي يكون جسدها نظيفا ومهيأ المزاج، عجائب بغداد هي عجائب وارد بدر السالم الذي نجح الى حد بعيد من نقل فجائعها الى القارئ بقلم يسيل ألما وندما ولوعة ومرارة ورعبا وشهادة مذبحة في زمن مات فيه كل شيء .

    2

    بوهيما الخراب رواية الصديق صلاح صلاح التي صدرت عام 2007 والتي لم تصل الى يدي إلا قبل اسابيع، قرأتها بمتعة يشاطرها الوجع، وجع تلك الذكريات المتشابكة كجذور شجرة الصفصاف والتي حسبتها طمرت مع مرور السنوات، بيد ان قلم صلاح صلاح الجريء تمكن من ايقاظ تلك الذكريات المريرة من سباتها واعاد الحياة لها مرة اخرى، ولكن اية حياة مشوهة كانت؟!

    ولم يكتف بذلك انما ترك تلك الأيام العصيبة بحرمانها وجوعها وتشردها وخوفها واسرارها الدفينة تنهمر كشلال من العبرات والاحتجاجات النازفة صدقا ووضوحا وصراحة متناهية .

    يستهل الروائي صلاح خرابه المثير باستدراج القارئ عبر لغة شفيفة الى منطقة آمنة يصف فيها علاقته بالنهر وبعض المباني التراثية في سوق السراي، مستحضرا ذكرى السهروردي وابن جريح والجنيد البغدادي على ايقاع مطر غامض ينهمر على احلامه المتشردة، حتى يباغتنا فجأة بلغة شرسة وصادمة لا تعرف الخجل، وقحة للحد الذي تجعل القارئ يشعر بالارتباك من هذا التحوّل الفجائعي والغريب بنسيج السرد، والذي يأخذنا عبر تداعيات مؤلمة ومستفزة أجنحتها الصدق الى طقوس الوسط الثقافي في تلك الفترة الحرجة التي اجتمعت في بوتقتها نيران الحروب والحصار القاسي وخبث ومكر وزيف بعض المريدين من الأدباء، تشعر ان الرائي لم يكتب بالحبر انما بالقيح الذي ينز من كل مسامة في جلده، لم يترك أديبا إلا ونال إدانة او شجبا وحتى شتيمة في أحايين كثيرة من شرر قلمه الباسل، ولم يسلم حتى كاتب هذه السطور من تهكمه الحقيقي والموجع برغم العلاقة الوطيدة التي تربطه بصلاح صلاح، ذلك الكائن الرقيق الذي عرفته من قبل يرفل بوداعة حانية وعذوبة لا حدود لها، رأيته عبر سطور الرواية ذئبا جريحا وكاسرا يحاول تدمير وتمزيق كل الزيف والخديعة التي كانت تحيط بجسده المغتصب، ولذا كانت بوهيميا الخراب التي اتصفت بشجاعة نادرة مصدر ازعاج لكثير من الأدباء، لأنه جاء بصدق لا يستكين وصراحة موجعة ومواجهة شرسة لم يكن يتوقعها اقرب الأصدقاء اليه، ان تصدر من كائن مسالم يتردد من قتل ذبابة فيما مضى، لكنه في بوهيميا الخراب كشف عن روح نافرة مليئة بالدهشة والسحر مثلما تحمل النقد اللاذع وكراهية دفينة لكنها مبررة بالوجه الثاني منها.

    بوهيميا الخراب رواية كشفت عن الذات المتخفية خلف أقنعة شتى، تضع القارئ امام حقيقة الوسط الثقافي بقبحه وكذبه وتملقه وخبثه وحتى جرائمه الكيدية التي أخذت أنقى الأدباء الى منصات الإعدام، رواية مكتوبة بقلب ثابت وأصابع واثقة وعقل راجح وروح وثابة وتحيط بتلك المواصفات شجاعة نادرة لم أرَ مثيلا لها لدى الرواة الآخرين.

    إنها رواية تعلمنا الشجاعة دون تريث، وتفضح بلباقة وقناعة عن وجوه ثقافية التبس علينا امرها من قبل، وهي بوهيميا خراب تلك النفوس الهشة وشاهد إثبات معزز بالبراهين والأدلة قالت الحقيقة دون مجاملة ومن دون خوف.

    ولذا ليس عجبا ان يشجبها ويرجمها بعضهم كثيرا عسى يتمكن من تدميرها ولكن هيهات.
  2. بواسطة عطر الامير

    جهود مميزة الف شكر