منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع محطات متعاقبة

  1. بواسطة العراقي راقي

    محطات متعاقبة

    وصل العجوزان إلى القطار متأخرين قبل موعد انطلاقته بدقيقتين يلهثان تعباً، يجران حقائبهما بصعوبة، ساعدت العجوز زوجها على حشر حقيبتيهما في السلة التي تعلوهما مباشرة، تنفسا الصعداء، تليا دعاء السفر، سبق اهتزاز انطلاقة القطار صفارته التي أزعجتهما كثيراً، لم تبد العجوز وهي الأقرب للنافذة مطمئنة من موقع جلوسها، بعد أن تراءت لعينيها عبر انعكاس زجاج النافذة تعابير وجهيهما الشاحبين الموحيين باليأس والمرارة، شعرت بالرهبة، التفتت نحو زوجها، هامسة:

    - لدي شعور دائم، كأنني سمعت صوت القطار وأنا في القماط.
    رد عليها العجوز ساخراً:
    - حينها لم تكن سمّاعتا الأذن محشوة في أُذنيك.
    انطلق القطار مسرعاً حال خروجه من المحطة الرئيسة، ينفث ببخاره الأبيض وصوت صفارته المتكررة، موحياً للجميع أن الرحلة قد بدأت، رافقت سير القطار أسراب من الطيور المهاجرة، متخذة تشكيل رأس رمح بزاوية منفرجة، كما بدت الأشجار والمزروعات الخضراء، المنتشرة بين الحقول والمراعي رائعة الجمال، ومازالت الشمس تزين السماء بحمرتها، مقتربة نحو أفق التلال والروابي البنية اللون، حتى أمسى المنظر مدهشاً، يبعث إلى العجوزين رسائل البهجة والحب والحياة، وكأنهما تلميذان في سفرة طلابية، رغم ذلك ظلت العجوز يغشاها القلق؛ حينما وشوشت بإذنه اليسرى:
    - لا أعلم لِمَ جعل مهندسو القطارات النوافذ مغلقة الإحكام هكذا، بعد أن كانت متحركة، ينساب منها الهواء العليل، أحس أن هذه العربة ضيقة الأرجاء، منخفضة السقف، باتت لحداً يعصرني بقوة، يخنقني رغم التكييف، أتَذكُر، حينما كنا نستقل القطار، نقطع تذاكر الأمل بسرور غامر وكأنه بساط الريح يأخذنا إلى حيث ما نريد نحو محطات السعادة، كأننا نطير معه خارج مقاييس الزمن المادية، غالباً ما تكون البدايات جميلة، كم هو رائع مرحنا في الصغر، نجري وراء المهر الأبيض حتى يأخذنا التعب، حينها نستظل بشجرة التوت البري التي تلوذ بين أغصانها العصافير الملونة، تغني لنا بزغاريدها أناشيد الحب، نأكل ونلعب حتى المساء؛ ياه، كنت أكره المساء كثيراً؛ يشعرني بالغثيان، والآن؛ بت انتظره بلهفة، لا أفهم هذه الدنيا ! تأخذنا إلى ما لا نريد، ونحن نتمسك دوما بما نريد، كلعبة جر الحبل....
    استمرت العجوز بحديثها الطويل، بينما زوجها لم يعقب، مكتفيا بإيماءات رأسه عند كل كلمة تطلقها، شارد الذهن بعيداً، ما لبث أن انتبه قائلاً وهو يتنحنح:
    - أترينا على حق بأننا لم نُشعر أحبتنا بموعد السفر سلفاً، أنتِ من ورطني بتلك الفكرة، كان علينا إشعارهم قبل وقت مبكر؛ لا نعلم أية ظروف قد تحيط بهم..
    - لا عليك، أحياناً تجري الأمور بسرعة خارج إرادتنا، سيتفهمون الأمر، ما يقلقني تلك المسافة الطويلة التي سيقطعها القطار حتى المحطة الأخيرة، ما هو الوقت التقريبي للوصول؟
    - لا أعلم، يعتمد ذلك كثيراً على سرعة القطار وجودة ماكينته..
    - ثمة شيء غريب يحدث، ألم تنتبه.. وكأننا وحدنا في هذا القطار؟
    - لا... يتهيأ لكِ ذلك، المقصورات محشوة بالناس؛ لكن أرقام الماكينة الالكترونية وضعتنا في هذه العربة الفارغة، بعيداً عنهم..
    - على قولك، كثيرة هي الأمور التي لا دخل لنا بها، تسير بنا حيث لا نريد.
    بدأ القطار يتسلق سكته نحو المرتفعات بسرعة كبيرة، تاركاً خلفه دخاناً كثيفاً يتلاشى تدريجياً مع هبوب الريح، لم يستطع العجوزان تمييز الأشجار المتراصة المتوازية مع حافة السكة؛ تزداد كثافة كلما تسلق القطار المرتفعات، تتعانق الأغصان الخضراء فيما بينها، كأن أحدهما يقترن بالآخر؛ ربما زرعت لتحجب الوديان المخيفة الملاصقة للحضيض.
    نهض العجوز من مقعده، ملتفتاً خلفه نحو الوديان العميقة الواضحة عبر النوافذ حتى اختفت عن ناظريه وكأن سفوح الجبال قد ابتلعتها تماما، لم ترق للعجوز حركته، مستفسرة عن سبب وقوفه:
    - لا، ليس هناك أي شيء مهم؛ لفتت انتباهي تلك الوديان، مهما ابتعد القطار عنها، لكنها ستكون أكثر خطورة من ذي قبل؛ فيما لو تأرجح القطار من أعالي القمم..
    - أَخفتَنِي كثيراً، لِمَ تقول ذلك؟
    - لا، ولِمَ القلق والخوف، هو مجرد كلام ليس إلّا.
    عاد إلى مقعده محيطاً بذراعه اليمنى كتف عجوزه التي تفاعلت مع الوضع بابتسامة مصطنعة لتخفي قلقها..
    - هل تذكرين كفاحنا منذ أيام الكلية؟ عندما نحتنا الصخر بأظافرنا سوية، آه يا لذلك الشباب، كما لو كنا نتسلق جبلاً أجرد من دون أية مساعدة، نجري بلا هوادة على سفوحه لندرك القمة، لم ننظر إلى الوادي أبداً، كان هذا مرتكز الخطأ الأساسي الذي فينا؛ كنا نعتقد أن القمم خالية من الأفاعي، و مع ذلك كنتِ لي ذلك الترياق المشفي من تلك اللدغات، أنتِ شمعة عمري الدائمة التي أنارت ظلمة دربي.
    احتضنها، واضعاً رأسه على صدرها، حتى غرقا في نوم عميق. أيقظهما صرير العجلات وهدير مفاصل سكة الحديد كما أن إذاعة القطار الداخلية أعلنت عن الوصول إلى محطة القمة، هناك صفوف كثيرة من المسافرين والمستقبلين والمودعين، فُتحت الأبواب، تسارع النازلون والصاعدون، ازدادت أصوات الباعة خارج القطار، لاح لهما من عبر النافذة عروسان يترجلان القطار، يتلقفهم بعض المحتفلين بالموسيقى والهلاهيل وبالقرب منهم رجال يحملون جنازة لحشوها في عربة الحمولة، وأطفال صغار تقودهم امرأة شابة موشحه بالسواد يتبادلون الحديث مع ثلة كبيرة من الرجال، تأبطوا بمزاليج طويلة، بدت الفوضوية واضحة في تلك المحطة، ابتسمت العجوز بسخرية:
    - يا عزيزي، أترى مثلما أرى، اغلب النازلين في تلك المحطة من الشباب وهم بغاية السعادة، وبنفس الوقت هناك الوجوه المصفرة من الصاعدين إلى القطار كأنها أوراق الخريف المبعثرة، منهم مَن اكتفى إلى هذا الحد من السفر إلى المحطات، وآخرون يحملون زلاجات، رغبة في الانحدار، يا للسخرية، أطوار مجنونة متعددة لا يفهمها الكثيرون؛ كيف تجتمع الابتسامة مع الدمعة في محطة واحدة بل في جسد واحد؟
    نعق القطار منذراً بالحركة، تزداد سرعته كلما أخذ بالانحدار، باتت (الكابينات) مظلمة بعض الشيء بعد أن أصبحت الشمس متوارية خلف الجبال، شعر العجوز بالجوع، سائلاً عن متاعهما، صمتت العجوز قليلاً، صفعت خدها، ثم ردت عليه بحذر:
    - قبل أن احزم أمتعتنا بالسيارة التي أقلتنا إلى المحطة، شعرت أن هناك شيئاً ما ينقصنا؛ وأنت تعرف أنني أمسيت كثيرة النسيان، آسفة، أرجوك سامحني!
    استشاط غضباً، فاتحا عينيه على سعتهما:
    - وما فائدة المسامحة ! كثيراً ما أقول لكِ، لست مهتماً بالطعام؛ بقدر ما أريد تناول دوائي بالوقت المناسب، لِمَ لا تفهمينني؟ يكاد رأسي أن ينفجر، الله يسامحك، كررها عدة مرات..
    ظلت العجوز صامتة، أشاحت بوجهها عنه، لكنها لم تبد احتجاجاً، بينما أردف قائلاً:
    - عزيزتي، السفر مقرون بالتزود الكامل للقوت؛ كيف للمرء أن ينسى قوته وهو على سفر بكل الأحوال؟ إذن، سأضطر للنزول في المحطة القادمة؛ لشراء قليل من الماء والطعام، لأنني أجهل موقع مقصورة المطعم في هذا القطار الطويل، هل ارتحتِ؟
    شعر العجوز بألم في صدره وقشعريرة تنتابه بين حين وآخر، حاولت العجوز تدفئته بجزء من شالها الطويل، أمست الكابينة أكثر عتمه حينما دخل القطار النفق القريب من المحطة القادمة، خافت العجوز كثيرا، حضنت زوجها المتألم، اخذ أحدهما يواسي الآخر، لاح بصيصٌ من الضوء الخافت عبر النافذة، وصفير القطار يزداد عند كل تقاطع؛ أيقنا أن القطار قد تجاوز النفق، سرعان ما بدأ القطار يخفض من سرعته؛ عندما وصل محطة بداية الوادي الذي تصل نهايته إلى المحطة الأخيرة. لا يظهر من عبر النافذة أي شيء يوحي بالحياة، بالعكس تماما ما كان يحدث لمن كان خارج القطار يرى ما بداخله بوضوح رغم الإنارة الباهتة، جعلت الأصوات التي تنفذ من الأبواب المفتوحة قليلاً من الحياة، تتراءى لهما عربات الحمولات المصفوفة بلونها البني كأنها توابيت متراصة..
    نزل العجوز رغم ما ألمَّ به للتسوق، متعثراً بأقدامه التي تقرقع باضطراب على الرصيف، أكثر بالنظر ورائه، الوقت يمر على عجوزه بسرعة، بات القلق والخوف يرهقانها كثيراً، مشت نحو الباب، وهي تنتظر زوجها على أحر من الجمر، صرخ القطار ناعقاً بالحركة، غلقت الأبواب، خض القطار العجوز وهي غير متشبثة بمسند ما، سقطت على وجهها، نهضت بصعوبة وهي تنظر من عبر النافذة، أين حل الدهر بزوجها المسكين؟ رأت شبحاً ما يلوح بيديه وكأنه يناديها:
    - لا تجزعي فالوقت قصير لنلتقي مهما بُعدت المحطات...
    بدأت صورة الشبح تختفي تدريجياً، انعدمت حدود رؤيته، حتى ابتلعه الظلام، لا تعرف ماذا ستفعل، زادَ القطار من سرعته مع ازدياد حيرتها، والانحدار بات شديداً هذه المرة لكن ليس أشد من خوفها، حاولت الوصول إلى أقرب كرسي للجلوس، جلست بصعوبة، بكت بصوت عال من دون أن يسمعها أحد في الداخل، ولاشيء عبر النوافذ سوى البق والحشرات الميتة التي بات لون لزوجتها أصفر داكنا كالقيح عندما يصطدم بالنوافذ....
    ادلهمَّت العربة إلًا من بصيص نور شاحب ينبعث من مصابيح السقف الداخلية، وكأنه يشق مشيمة الخوف والذهول الذي أنتاب العجوز المتحيرة...
    خفض القطار من سرعته حتى توقف برجة شديدة، أيقظ العجوز من ذهولها، انفتحت الأبواب، دق ناقوس المحطة عدة رنات، ينذر الجميع بالنزول، إنها المحطة الأخيرة كما كررتها إذاعة القطار، كانت الأضواء منيرة واضحة للجميع مَن كان بداخل القطار وخارجه، نزلت العجوز من القطار بصعوبة، فاقدة القوى، متراخية الجسد، تجر حقيبتها التي لا تقوى على حملها، تنتظر من يساعدها، التفتت يميناً وشمالاً، لم يكترث لها أحد، كان الجميع مشغولين بحمل حقائبهم.

    رعد الفندي