منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع حفلة يوم الهدايا

  1. بواسطة العراقي راقي

    حفلة يوم الهدايا

    الروائية راشيل جويس
    ترجمة: صالح الرزوق
    كانت الأرض موحلة ولا يمكن العبور من الحقول ولم يكن لدى البنات سيارة. ولم يتبق أمامهن خيار إلا شق الطريق من خلال الزواريب الخلفية، مع أن هذا سيضيف ساعة أخرى للرحلة. كانت الأرض تلمع بلون أزرق رطب تحت ضوء القمر كما لو أن لونها قد لحق به البرد. وأحيانا كن ترين ضوءا بعيدا ولكن غالبا ساد الظلام والبرد. كان العدد عشرة بنات، ضمنا التوأم، وقد سرن بخط مستقيم.. بنت واحدة يليها إثنتان. وبعضهن حملن مصابيح البارافين. ولكن حملت باتي دريسكول مشعلا. وبين حين وآخر كان صوت يهيب بهن للمحافظة على الإيقاع، تقول إحداهن " نظر إلينا الملك الطيب وينسيسلاس "(1)، فترد الأخريات بقولهن " في عيد ستيفين (2) ولكن بنشاز لا يندمج مع نبرة اللحن تماما.

    وكن قد حملن أفضل أحذيتهن في أكياس وتمسكن بالمعاطف التي ترتدينها فوق أرديتهن القصيرة. ووقفت مورين في نهاية الطابور. وأناملها مخدرة بسبب الوحدة والبرد وكذلك قدماها. ولكنها لم تكن حزينة. كان هناك شيء في الفضاء. بإمكانها أن تشعر به. قالت باتي دريسكول:" هل وصلنا؟". قالت إيستير هيوز: " ليس بعد". مثل باتي، كانت تتكلم دون أن تلفظ حرف " t". عاشت مورين في القرية طوال عمرها ولا تزال غير قادرة على اكتساب اللهجة. ومهما بذلت من جهد، لا تزال لهجتها غريبة. " ليلة صااااامتة" أنشدت البنات حتى صاحت إحداهن تقول : "ليلة باردة مرعششششة". ثم أنشدن معها وغيرن الكلمات السابقة. حسنا، كان الطقس باردا. والغيوم لم تكن تزيد على شريط ضعيف تحت هالة فضية براقة تشع من القمر. أما النجوم كانت نقاطا ترعى في السماء.
    وكانت الأغنام رمادية كالحجارة التي تراها في الحقول. وحطت العصافير على أغصان الأشجار السود. كل شيء كان منفصلا وينتظر، وهادئا كأنك تمسك أنفاسك. تخيلت مورين فأرا، نصف متجمد، مستتر في حفرة تحت الأرض. هناك توجد فئران، وجرذان الحقول وزبابات(3) وديدان وعناكب وأرانب وغريرات(4). وحتى الثعالب. تحت قدميها تماما. تماما حيث لا يمكنها أن تراها. كلها متهيئة وتنتظر. صاحت باتي دريسكول تقول:" سأخنقها- حتما" وتابعت المشي فابتسمت مورين، ولكن لنفسها فقط، فهي مع أنها غريبة تعرف تماما أنه لا يمكنك أن تضحك على باتي دريسكول. وشعرت بالحب يفيض عليها، لقد أحبت الجميع في تلك الليلة، ولا يمكنك أن تستثني باتي.
    كانت بنات المصنع تراقبنها يوميا وهي في طريقها إلى المدرسة. لم يكن مسموحا لها الاختلاط بهن. ليس وهي طفلة. ولذلك كانت تعرف بعضهن بالشكل فقط- مثلا التوأم، وإيستير لأنها حنطية داكنة وطويلة، تقريبا لها مظهر التي تتضور من الجوع. وباتي دريسكول. أحست مورين بعيونهن تتحراها وهي تمر من قرب موقف الحافلة في الصباح بينما هي منكمشة داخل معطفها المدرسي.
    ثم فجأة في أحد الصباحات صحن لها:" هاي، أنت!". وسألنها هل تريدين بطاقة لحفلة يوم الهدايا. واعتقدت أنها نكتة. وافترضت أنهن يسخرن منها. واحدة من البنات قالت لها:" جميعنا هناك. ستكون أفضل ليلة في العام". قالت لهن:" كلا. كلا. شكرا". ولكن بعد أن دخلت الفكرة إلى رأسها لم تتمكن من التخلص منها. فوالداها لن يوافقا. ستقول أمها:" لا أحبذ الفكرة. لن أوافق". وحينما نادت البنات عليها وسألنها نفس السؤال بعد أسبوع وافقت. نعم، هي ترغب بالحصول على بطاقة. خرجت الكلمات من فمها قبل أن تتمكن من التفكير والرفض. قالوا لها:" قضي الأمر إذا. سنرافقك يا مورين". وعلمت أنهن تعرفن اسمها. إنهن لا يسخرن منها. وأخفت البطاقة في جيب معطفها. ربما لن تذهب. فبنات من شاكلة مورين لا تذهبن إلى حفلات يوم الهدايا. ولكن ها هي الآن. تهزها الإثارة وتدق في قلبها دقات خفيفة. كما لو أن شيئا مختلفا سيقع لها.
    ربما كانت الجرعة التي قدمتها إيستير من قارورة جن هي البداية. لم تتذوق مورين الجن من قبل في حياتها ولا تزال تشعر بلدغته. مثل حفرة حارة في مؤخرة البلعوم. ثم إن هبة ريح مفاجئة رفعت معطف البنت كأنها رجل عجوز سيء الأخلاق فشهق الجميع. " انصرفي من فضلك!"" هل سيكون شعرك في فوضى شاملة حين نصل إلى هناك" قالت باتي دريسكول. في هذه المرة كان من الممكن أن تضحك لأن باتي كانت قد أنارت وجهها وما فوق فمها بمشعلها وأظهرت جرحا تحت عينها اليسرى وسنا مكسورا. كانت محقة حيال شعرها. لقد تدلى من بين الحباسة وتبعثر كخصلة على رقبة حيوان. وربطت بعض البنات جدائلهن بشريط. ولكن إيستير هيوز وضعت ربطات الشعر مثبتة بأرض رأسها. وكانت قد عقدت العزم أن تواظب على هذه الطريقة إلى آخر دقيقة. " لديها مثبت الشعر إيلنيت في حقيبة يدها وكذلك زجاجة من عطر بلاك روز ( الوردة السوداء). قالت إنها ابتاعت ذلك من أجل عيد الميلاد.
    قالت باتي دريسكول:" أنت لا ترغبين أن تعرفي ماذا عندي لعيد الميلاد".
    تلقت مورين كتابا عن علم السلوك مع دستة من أمشاط الشعر التي لها قفا فضي. وتناولت غداء عيد الميلاد مع والديها في غرفة الطعام الباردة، ولم يتبادل أحد الكلام، وكانوا يضعون على رؤوسهم تيجانا من ورق. بعد ذلك غسلت أمها الأطباق ووضعت الخزف وأكواب الزجاج بمأمن، كأنها تزيل أثر عيد الميلاد، ونال والدها قسطا من النوم أمام النار. قبعته الورقية انحدرت على عينيه ولذلك لم تعد تبدو كأنها تاج ولكن مثل ضمادة بائسة أثارت شفقة مورين باعتبار أنها على جرح. وحاولت أن تقترب من بيت طفولتها وتفهمه – الستائر المتناغمة، ومناشف الشاي المطرزة بالصلبان، والأغطية المزركشة التي تنسدل على الكميات لحمايتها من البقع، ونماذج من شغل الإبرة التي تحمل عبارة " عمل المرأة لا ينتهي" و" المرء يقترب من قلب الله في الحديقة أكثر من أي مكان آخر على الأرض"- واستوعبت كل شيء. ثم مدت يدها إلى جيب معطفها وسحبت بطاقة الحفلة الراقصة. سألتها أمها:" ماذا معك؟".
    قالت إحدى البنات:" عليك توضيب شعرك؟". احتاجت مورين لدقيقة لتعلم أن البنت تكلمها. كان اسمها شارلين وليامز. هذا هو اسمها. هناك أشياء كثيرة نحتاج لتذكرها. مثلا كان والدها مجندا في الحرب.
    قالت مورين:" أنا لست جيدة في ترتيب شعري". يمكنها أن تشعر أنها تحمر خجلا. كان شعرها أسود وناعما ويبدو أنها لا تحتاج لشيء إلا أن تتركه ينسدل على طرفي رأسها. "لك هيئة نجمة سينمائية. ما هو اسمها؟". قالت باتي دريسكول:" أودري هيبورن". قالت شارلين:" تلك هي. عليك أن تدعيني أرتب لك شعرك. هل ترغبين يا مورين بسيجارة؟". " كلا, شكرا".
    مورين لا تدخن. ولم تجرب التدخين في حياتها. قالت إيستير هيوز ومعها باتي دريسكول بصوت زاعق:" هاتي سيجارة". اعتذرت شارلين بقولها:" لدي علبة واحدة فقط". ومع ذلك مررت العلبة عليهن وأشعلت أعواد الثقاب بين أيدي البنات المضمومة فالتهبت وجوههن قليلا بالنور كأنهن أشباح في الليل.
    قالت:" إذا لماذا تواصلين الدوام في المدرسة يا مورين؟. أنا أصبحت في الجامعة". كان لهذا الاسم وقعا أفضل من أن تقول أنا في كلية السكرتاريا. ضحكت إحدى التوأمين، أما بولين أو بوليت غوردون، كان من الصعب أن تؤكد من هي لأنهما ترتديان نفس المعطف ونفس البوط وتربطان شعرهما بنفس الشريط وتتحركان بينما الذراع مشتبك بالذراع. وقالت:" أنظرن كم هي مورين ذكية. لديها ذكاء يفوقنا كلنا مجتمعات". قالت إيستير وهي تتفحص حباسات شعرها وتتقدم إلى الأمام:" الأفضل أن نتابع المشي". وبدأت إحداهن بالعويل تقول:" دينغ دونغ السعادة في أوجها". وأنشدن جميعا معها. وحينما وصلن للنغمة المرتفعة التي تتوافق مع كلمة " غلوريا" بدأن بالزعيق والصياح كالساحرات. حفلة يوم الهدايا مناسبة سنوية في كل شتاء. وتعلم مورين ذلك. يأتي الناس من أميال بعيدة. كل أنواع الناس. ليس عمال المصنع فقط ولا المزارعين، ولكن أيضا أولاد الجامعة. كلهم يعودون إلى البيوت للاحتفال بعيد الميلاد. وحتى المدرسون الشباب إن كانوا بلا ارتباطات.
    قالت شارلين إنها سوف تجد لنفسها ولدا للمكتب خلال هذا العام. فقد سئمت من عديمي الفائدة ومن أولاد المزارع. والحفلات التي حضرتها مورين كانت حفلات صديقات الوالدة. قابلت أبناءهن، وكلهم خشنون ويرتدون بلوزات تريكو، وحاولت في عدة مناسبات أن تغرم بواحد منهم، كما هي العادة، في غضون التشارك على بسكويت وشاي. كانت النسوة تتكلمن حول أزواجهن، ماذا يفعلون لكسب قوت اليوم، وكانت أم مورين تلتزم الصمت، وتتأمل يديها، لأن زوجها تقاعد باكرا بسبب اضراب في القلب. حتى أنه لم يشترك في الحرب مثل بقية الرجال من أبناء جيله، ولكنه عمل في مصنع الذخيرة، وكانت أم مورين تتكلم عن ذلك كأنه عمل سري. كانت تقول لمورين:" حاولي أن تبدي الاهتمام بما أقول". فترد مورين بقولها:" أحاول أن أبدو مهتمة". كانت أمها تشد صدرها كما لو أنها توشك على أن تلتهب من الغيظ وتقول:" لماذا تتثاءبين". وحينما تقول مورين إنها تود لو تضحك، فإن ذلك يثقل عليها. فترفع حاجبيها وتقول:" لا أعتقد ذلك. لا أعتقد ذلك". مورين ليست مثل أمها. وحينما تواتيها الفرصة تقول:" أعتقد ذلك" وتحتفظ بهذا التعليق لكل شيء. من الظلام، تبدأ الأنوار بالالتماع. تمر البنات من قرب أكواخ لها نوافذ تشع بالنور وأشجار عيد الميلاد. قالت إيستير هيوز إنها ترغب لو تتوقف وتلقي نظرة. فهي لم تشاهد في بيتها شجرة لأن أخوتها يعيثون بها حتى تسقط على الأرض وهذا يضغط على أعصاب أمها ويمزقها.
    ذابت الصلابة من وجه مورين وهي تنظر للزينات البراقة والفضيات وخيال الأضواء وملائكة عيد الميلاد حتى تبدو بشكل طفل. ثم احتشدت البنات الأخريات قربها، وهن تبتسمن وتتنهدن، قائلات:" آه ه ه ه ". ولاحظت مورين فيهن علامات الطفولة.
    فكرت بأولئك الناس وهم داخل بيوتهم، يشاهدون التلفزيون لو لديهم جهاز، أو يجهزون شطائر من بقايا ديك الحبش. وتخيلت والدها يغفو في البيت في الكرسي، وأمها تطرز صليبا بإبرتها، وانتابتها السعادة أنها في الخارج، في الليل البارد. خفت الرياح وحمل الهواء رائحة الغبار. وسقوف البيوت لمعت مثل حراشف سمكات زرق. صاحت باتي دريسكول:" انظرن ". كان بمقدور مورين أن تنتبه للمعان أصفر خفيف في الصالة، ونقاطا منيرة أصغر تبرق في الظلام. أخذن نفسا عميقا لتطمئن نفسها. ورغبت لو تسمع صخب الموسيقا البعيد والتي تبدو كأنها جزء منها، مثل دقات قلبها. وسارت خلف البنات. كانت أمها تقول:" لن أسمح لك بالذهاب لحفلة الهدايا، وهذا آخر ما عندي". ولكن مورين وقفت على أرض لا تقبل المساومة وقالت:" ولكن بلغت الثامنة عشرة. ولا يمكنك منعي".
    لم تتبادل النظر مع أمها. هل والدها يعلم؟. طبعا كلا. كان جنتلمانا، يتحدث بلغة ناعمة، دائما يعتذر أنه ليس على ما يرام، ودائما يقول إنه عبء على غيره حتى تعب من تكرار هذه العبارة."كلا, كلا, أنت لست كذلك". سألت الوالدة:" كيف ترى الأمر من ناحيتي؟". شهقت مورين بقلة اكتراث لأن السؤال يبدو كأنه يأتي من جزء لا تعرفه من أمها. قالت أمها وهي تدور على عقبيها وتغادر الغرفة:" لقد حذرتك ". كانت الحفلة الراقصة قد بدأت. تدفق طابور من الباب وعدة أولاد تقدموا بسترات محتشمة، وهم يدخنون السيجارات التي أمسكوها بأصابع متوترة. تململت باتي دريسكول وإيستير هيوز بنفاذ صبر، في محاولة للحصول على رؤية أقرب من الشباب الذين سوف يشاركونها لاحقا، وفي محاولة للحصول على أول صورة من الصالة. وارتسم زوج من الظلال يرتسم على الجدار. قالت واحدة من البنات:" يا يسوع، لا ينتاب جوديت هوغز الخجل أبدا". ولد آخر كان يرقد على بطنه ونصفه تحت الأشجار. قالت إيستير:" ذلك هو بيتير غرين. إنه لن يستمتع بوقته ما لم يقذف ما في بطنه". توقفت البنات وضحكن قائلات." هيا يا بيتير. تقيأ كل شيء يا رجل". لم يكن مستغربا أن أم مورين لم تشارك في أية حفلة راقصة في يوم الهدايا. كان الحارس يرتدي مثل بابا نويل. وضع قبعة حمراء ولحية مزيفة بيضاء وارتدى سترة حمراء لم يزررها جيدا فوق بطنه المنتفخة.
    كان يضع البطاقات أمام الضوء ويفحصها كأنه يشتبه أنها مزورة، ومع أن مورين دفعت لقاء بطاقتها، انتابتها العصبية والقلق. وما أن اطمأن أن البطاقة حقيقية، حمل خاتما من الحبر وطبعه على قفا يد مورين. وقال للبنات:" هو هو هو" وهو يلامس أناملهن برقة. ونظر لصدر باتي دريسكول وسألها:" هل البنات مهذبات". فقالت وهي تدفعه من أمامها:" توقف عن هذا الهراء يا سانتا كلوز". في داخل ردهة الحفلة تخلصت من معطفها وقدمته للمرأة التي تهتم بخزانة المعاطف.
    وفعلت مورين بالمثل. كانت البنات ترتدين تنورات قصيرة وأثوابا مكشوفة وأضفن للأكتاف والظهر مشدات كأن الثوب ليس على المقاس. كانت أم مورين قالت وهي تدخل غرفة النوم بينما مورين تجهز نفسها:" لن تغادري وأنت بهذه الهيئة". اضطربت مورين، كانت دائما ترتدي بلوزة بيضاء وتنورة بثنيات. وغادرت أمها الغرفة بهدوء كما دخلت ثم عادت ومعها ثوب ساتان أسود. كان للثوب حمالة رقبة بشكل قلب مع خصر ظاهر وتنورة مناسبة. لم تشاهده مورين من قبل، ولكن أمكنها أن تقول بسبب أناقة الخياطة والتفصيل أن أمها هي الخياطة. وأيضا يمكنها أن تقول إنه لم تلبسه امرأة من قبل. ساعدتها أمها بارتدائه وزررت الثوب من الخلف وقادتها نحو المرآة، ولكنها لم تتكلم كلمة واحدة. فقط وضعت على وجهها الملامح الثابتة والقاسية التي جعلت مورين تشعر أنها مسؤولة ويائسة ولا يمكنها أن تكون حرة. قالت مورين:" هل هذا يعني أنك تسمحين لي بالذهاب إلى الحفلة؟".
    وردت أمها تقول:" سأودعك من الطابق الثاني. ولا داعي لإقلاق والدك". كان بناء الأبرشية واسعا وله أرض خشبية ملمعة. واستبدلت درنات المصابيح العارية بمصابيح حمر ملونة وتدلت على طول باحة الرقص كأنها حبات كرز عملاقة. وكانت هناك أعلام خضر من صناعة محلية مع سلاسل من الورق الأخضر معلقة بين القضبان الحديدية. وكرة من نباتات خضر تتدلى من مركز الباحة وكل من يمر تحتها ويلاحظ وجودها يمر بسرعة. وكانت ألواح مصفوفة على الجدران، وتغطيها ثياب من الورق وأعواد من اللبلاب. وفي صدر المكان منصة، مزركشة بنبات دائم الخضرة وشجرة صغيرة تزينها مصابيح دقيقة الحجم، وعلبة موسيقا تعزف الأغاني والألحان.

    يتبع
  2. بواسطة العراقي راقي

    وكانت الفرقة خلفه تجهز أدواتها. بخطوات بطيئة ضبطوا أوتار الغيتارات، ووضبوا الطبول، وحاولوا أن يبدوا متفاهمين. ارتدوا سترات وقمصانا من قطعتين ووضع المطرب عقدا يشبه ميدالية ضخمة. وامتلأت الصالة، ولكن لم يقترب من الخشبة غير عدد قليل. وتحركوا هنا وهناك كأنهم لم يقرروا هل يشتركون بالرقص أم يقفون مع المتفرجين. ووقف معظم الحضور في حلقات قرب الجدار- أولاد المزارعين بثياب تشبه السترات المستعارة، والشباب بثياب لحفلات الغداء وبربطات عنق. وتجمهرت حلقات من البنات حول الطاولات.

    حينما تبادلن التحية وتناولن شرابهن، وقدمن أحضانهن لتحل محل المقاعد، وحتى حين أطلقن ضحكاتهن، كن تنظرن جانبيا للتأكد ممن ينظر لهن. تعرفت مورين على شاب له شعر مدهون بالزيت هو ابن لإحدى صديقات أمها. واعتقدت أن الصبي هو هوارد. وإن لم يكن هو يجب عليه أن يكون هوارد. وأبعدت نظراتها قبل أن ينتبه. كانت الأرض تحت كرة النباتات فارغة وملمعة كأنها سطح مياه ساكنة. صعد المتكلم على الخشبة. ثم جاءت البنات، وتخطين خطا على أرض الباحة، وتضاحكن مع أصدقائهن، وألقين نظرات مرتبكة على أرض المرقص، وأبدين حيرتهن من تبديل الأماكن. ثم اقترب الشباب، ببطء، وهم يمسدون ربطات العنق، وبأيدي بعضهم المشاريب، مع نظرات متأملة ولكنها تبدو بريئة، وتجاوزوا أيضا الخط المرسوم. وقفت شارلين أمام الصبي الذي عرفته مورين ورسمت على وجهها تكشيرة. ويبدو أن باتي كانت بلا شريك. أما شعر إيستير الأجعد فقد أصبح متدفقا ومتهالكا. وأمسكت بولين يد بوليت غوردون. وبدأت الفرقة بالعزف. تقدم الحضور إثنين إثنين. وتقاطعت الأيدي وقفزوا على الأرض برشاقة، خطوة إلى الأمام وأخرى للخلف، وما أن بلغوا وسط الصالة حتى عادوا إلى أطرافها. وشبكوا الأيدي مجددا كلما تقابل الثنائي، بعضهم انزلق نحو الجدران، وذلك قاد لتشكيل ثنائي في الأعلى تتماسك أيديه الرطبة بشكل قوس، ومن تبقى يتحرك في الأسفل. رقصة بعد أخرى وبينها فواصل قصيرة تسمح بشراء المشاريب من البار. كانت الأيادي اليسرى تتماسك وتتحرك بدائرة، ثم يصبح الظهر للظهر، ويبتعد الراقص ليصبح بعيدا عن المجموعة.
    الأيدي متقاطعة، بعكس اتجاه دوران الساعة، بشكل العدد 8 ثم إلى الأعلى والخلف. كان بمقدور مورين أن تشعر بضربات الأقدام على الأرض وكانت الصالة كلها كأنها ترقص. صاحت باتي دريسكول:" هل أنت بلا شريك يا مورين؟". بعد ساعة من الرقص، كان وجهها أحمر كالكرز. وبالكاد خرجت الكلمات من فمها. هزت مورين رأسها. كانت تقف على طرف لفترة من الوقت ثم انضمت للأخريات قليلا ولكنها الآن تراقب واحدا بتركيز كأنها لا ترى غيره. لاحظت وجوده من أول دقيقة. ولا يمكنها أن تفلته من عينيها. وبينما الآخرون يرقصون بأزواج وفرادى، هو وقف في وسط حلبة الرقص. أحيانا كاتوا يرتطمون به، وأحيانا يصبح محبوسا وسط دائرة من الراقصين، ولكن يبدو أنه لا يهتم ولا يأبه.
    الأذرع ممدودة، والرأس يهتز، والسيقان ترتعش، ومؤخرة معطفه تتطاير مثل شراع في سفينة. كان كأنه يرقص على إيقاع لحن يعزف في داخله. ولم تشاهد في حياتها شيئا من هذا القبيل. سألت مورين:" من يكون؟". قالت باتي دريسكول:" نقول له بلا أم"" لماذا تنادونه بلا أم؟" وخلال الكلام فقدته من تحت عينيها، ذلك الراقص الذي يرتعش. وخشيت أنه انصرف." لأنه لا يعرف أمه"" وأين أمه؟"" لقد رحلت. ووالده رجل سيء السمعة والسلوك".
    أغلقت باتي عينيها وترنحت قليلا، وفقدت توازنها." أحب هذه الحفلة. ولا أرغب بالعودة إلى البيت". وتراجعت إلى الخلف باتجاه حلبة الرقص وابتعدت مورين قليلا لأحد الأطراف ليتوفر لها مشهد أوسع. ها هو، الشاب، لا يزال يرقص وحيدا. كان أشبه بغريب في القاعة، شخص من مكان بعيد، لا يفهم كيف يمكن للأشياء أن تعبر عن نفسها وتتحقق. وتابعت المشاهدة وكانت تعي أن الوقت يمر وأخيرا ابتسمت. ما دامت تستطيع أن تحتفظ به في مجال نظرها، هذا يكفيها. ربما شعر بها تراقبه لأنه توقف فجأة ونظر إلى الخلف نحوها. ثم تابع الرقص، لمدة ساعة ونصف إضافية أو ما يشبه ذلك، وتابعت النظر نحوه ولكن بطريقة مختلفة لأنه يعلم الآن أنها تراقبه. لم يتوقف وهي لم تبعد نظراتها. كانت طاقته الطبيعية والفطرية هي التي تحرك مشاعرها. تمامية ما هو عليه. توقف مجددا. وانتبه لها مرة أخرى.
    ثم شق طريقه بين الزحام ووقف قريبا جدا منها وكانى بمقدورها أن تشعر بلهيب جسمه. كات رائحته منعشة، مثل البرتقال. وقف محني الظهر وفمه قرابة أذنها ثم أزاح خصلة من شعرها حتى أمكنه أن يتكلم معها. جرأة المحاولة أرسلت فيها شرارات كهرباء انطلقت من أسفل رقبتها. أمسكت مورين أنفاسها كما لو أنها تود لو يتوقف الزمن. لامس صوته اذنها، وكان لدواعي دهشتها رقيقا وقريبا. كما لو أنه في الواقع انزلق داخل رأسها وأصبح يكلمها من بين أضلاعها. قال لها:" يمكنك أن تكوني زوجاي.". هل قال ذلك؟ هل قالت ذلك؟. ابتعد قليلا وتأملها، بانتظار جواب. وكان وجهه جدادا ليؤكد علة ما قال للتو. ليثبت أنه يعني ما يقول. هل حصل هذا. " يمكنك أن تنيري لي دربي؟" هل قال ذلك الآن. نظرت لوجهه، بحثا عن علامات تأكيد، وكل ما شاهدت اللون الأزرق العميق في عينيه.
    لم يكف عن تأملها. ومن الواضح أن ينتظر الجواب. وفي خضم ارتباكها شعرت كأن جسمها يتبقع ويحمر، وقبل أن تتصرف انطلقت ضحكة من فمها. لم يكن هذا مضحكا، ليس مضحكا أبدا، ولكنها فعلت، ولا يمكنها أن تتوقف عن القهقهة. وطوال الوقت وهي تضحك، كان يراقبها، وابتسامة تشرق على زاوية فمه، كما لو أنه مستفز ومسرور لأنه فعل ذلك، وأنه أمكنه أن يضحكها فجأة ودون أن تتحكم بنفسها. لم يكن لديها فكرة لو أنه طلب منها أن تتزوجه أم أنه طلب ولاعة، ولذلك قالت أول شيء خطر في ذهنها:" من الأفضل أن تدعوني لشراب أولا". لم تطلب هذا من قبل من أي شاب. هذا من طبيعة باتي دريسكول وسواها من البنات. وحان الآن دور الشاب ليضحك، وبينما هو يقهقه، تشكلت ثنيات وطيات حول عينيه ووجنتيه. ثم دار منكبيه وابتعد عنها. وراقبته وهو ينتظر في الطابور أمام البار. ولم ينظر للخلف ومنحها ذلك فرصة مناسبة لتقدر طول قامته، كان شعره مصفوفا ومرتبا، ومعطفه صغير المقاس يصل لفوق معصميه وركبتيه.
    ربما لم يكن ملكه. لم تشاهد أحدا من قبل تاما ووحيدا جدا مثله، ومجرد النظر تسبب لها بمزيد من الضحك. ثم سألته المرأة التي خلف البار ماذا يريد وذهبت لتحضر له طلبه. وضحكت المرأة في عودتها إليه وبيدها مشروبان. ربما له تأثير يسبب الضحك. وشق طريقه عائدا إليها، وهو يحمل كوبين من البلاستيك. وحينما شاهدها تنظر، أمكنها أن تقول إنه متأثر، وكان قلقا من أنه تأخر عليها فرحلت وقد غمرته الراحة والامتنان لأنه أخطأ بتفكيره. ابتسم لها بطريقة خجولة، كأنه لا يستطيع مواجهتها، وردت بابتسامة تشجعه كي لا يقلق. ولمسا كوبيهما بحذر. لم تكن تحب الجن ولكنها قبلت مشروبه وبلعت ريقها ثم رفعت الكوب لتشربه بأسرع ما يمكن. وقررت أن تفرغ الكأس بجرعة واحدة وتنهيه وتنتهي من المسألة كلها.
    كان ماء شرب. ابتسمت مورين، بعمق هذه المرة، كما لو أنها تعرف الشاب وهو يعرفها. قالت " شكرا" بصوت أعلى من الموسيقا لتتخلص من شكها. ورفع كأسه إلى فمه وقال" لا بأس" ثم أنهاه بجرعة. في النهاية مسح فمه بطرف يده. "ما اسمك؟""مورين""مورين". وكرره ثانية "مورين"، كما لو أنه يحاول أن يهضم مذاق الكلمة.
    كان لدى مورين إحساس أنه يود أن يبقى ويخبرها بشيء آخر وكان لديها نفس الرغبة. ولكن لم يكن عندها شيء تضيفه ولذلك نظرا إلى حلبة الرقص. في الزاوية البعيدة كان مايبي - هوارد يغازل فتاة ترتدي الأحمر. انحنى قليلا وهو يمد لها يده وهذا غطى على لون ثوبها وهو ينتظر جوابها. هزت رأسها ولكن البنات حولها دفعنها قدما فسقطت عليه، وبدوره دفعها عنه كأنه حصل منها على كفايته. وكانت تلك تقريبا نهاية الأمسة.
    لم يكن لدى مورين فكرة كيف انتهت المشكلة بسرعة. غاد ر المطرب المسرح وبدأت الفرقة تعزف " أغنية طويلة قديمة"، وبدأت الحلبة تمتلئ مجددا. كان مايبي – هوارد والبنت ذات الثوب الأحمر يدوران في دائرة جامدة، ويداها تستقر مثل مخالب على كتفيه. وتمايلت بولين وبوليت غوردون في ثلاث دورات مع بيتير غرين. كانت باتي دريسكول راقصة ثقيلة الخطو حينما رقصت مع إيستير هيوز، كانت ذقنها ثقيلة على عظام كتف الأخرى الرقيقة، وهالة شعرها البرتقالي تلمس شفاه إيستير، ويداها الضخمتان تلتف حول أنامل إيستير الرفيعة. وهناك المطرب، فمه مفتوح على وسعه فوق فم شارلين، كما لو أنه يفرغ كل أغنية هو يعرفها مباشرة في جوفها.
    تأملتهم مورين جميعا. فكرت: هذا ما يحصل. يلتقي الناس ، أحيانا يستمر اللقاء لحظات وأحيانا يمتد لسنوات. يمكنك أن تنفقي عمرك مع شخص ولا تفهمي شيئا وبعد ذلك يمكن أن تقابلي صبيا في حلبة راقصة وتشعرين كأنه جزء منك وتعرفينه تمام المعرفة. وربما هذا نفسه يحصل هناك في الحقول. ربما الأغنام تجلس في أزواج من إثنين مع الثعالب وكذلك بالنسبة للجرذان والديدان. فكرت بأمها، كيف تبدو حين تنظر من نافذة في الأعلى إلى الأسفل بينما مورين تبتعد، وجه شاحب في الظلام. قال الشاب:" تبدين وكأنك في عالمك الخاص". ابتسمت وقالت:" كنت فيه"." كانوا يقولون عند البار إنها تثلج""هذا غير ممكن". قال:" أعلم. مع ذلك هذا ما يقولونه. ولذلك يمكننا أن ننتظر هنا معا. نتكلم عن الثلوج. أو ربما يمكننا أن نخرج ونأخذ نظرة". وبلا كلمة إضافية استدار وذهب نحو الباب. وفي هذه المرة تبعته.
    لم تفكر. مد يده نحو الخلف كأنه، وحتى من غير أن ينظر، يعلم أنها خلفه. التفت أصابعه بأصابعها. :كأن شخصا قال في تلك الليلة وهما يشقان طريقهما وراء الأزواج المتعانقين، وعبر صالة الأبرشية التي أصبحت أرضها دبقة، إن النباتات دائمة الخضرة قد تباعدت وتدلت مثل أطراف بشرية، وسلاسل الورق تمزقت إلى نتف وتساقطت على أكتاف الراقصين والرقصات، لو أن أحدا قال هذا الكلام فهو الرجل الذي ستتزوجه عما قريب، وستنجب منه ولدا وذات يوم ستفقده، وستعيش في غرفة نوم مستقلة عنه ويتكلمان في وقت الإفطار عن لا شيء لأن الصمت، أو شيء يشبهه، سيكون أسهل من الكلام، وسينسيان يوم حفلة الهدايا وكل ما كان يبدو مضحكا، وسترفع رأسها وسينسدل شعرها الطويل ويغطي وجنتيها. وستقول:" كلا، كلا". ثم ربما" أعتقد-" ولكن هذا سيحدث لاحقا.. كله. أما الآن، فقد فتح الشاب الباب ولسعتها البرودة وجمدتها في مكانها. فضحك وقال:" حسنا، انظري إلى ذلك".
    كان القمر قد غاب، وأصبح لون الأرض أزرق شاحبا. وحولهما تتطاير بلورات ثلج يوم حفلة الهدايا، كأنها نجوم سائلة. ويبدو كأن كليهما ارتفع عن الأرض واقتربا من السماء. كانت حياتها ملكا لها وحدها. إنها ليست ملك أمها وليست ملك باتي دريسكول أو أي بنت سواها. وتخيلت الشاب يرقص، ورن السؤال الذي ألقاه في أذنها. كان الجواب بسيطا جدا، واضحا تماما، لم يكن لديها خيار إلا أن تضحك، كما لو أن الضحك والشعور بالسعادة أهم وأخطر شيء في الوجود. شيء لا يمكن تحمل أوزاره. قالت:"نعم"."نعم؟""نعم". لم تلتفت بوجهها لتقابل وجهه. لم تكن بحاجة إلى ذلك. وستراه الآن، أينما نقلت بصرها. وسيكون جزءا من كل شيء مع أنها لا تعرف اسمه. كانت هذه الحالة أصعب من معجزة. وقفت صامتة وهي تنظر نحو الأعلى إلى بلورات الثلج المتساقطة.

    .......................