منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع من بين المفقودين

  1. بواسطة العراقي راقي

    من بين المفقودين- الموسوعة المصورة للمملكة الحيوانية
    الكاتب دان شون
    ترجمة: صالح الرزوق

    في الطابق الثاني من بيت فكتوري قديم تحول إلى شقق صغيرة، انتاب دينيز حلم أنه يحمل طفلا. كان الطفل في الحلم ملفوفا بملاءة زرقاء رمادية، تركت وجهه المستدير مكشوفا. كان دينيز يشعر بأطراف الولد تتحرك تحت القماط وهويربت براحته بدماثة على وجنة الرضيع. وحينما لامست يده بشرة الطفل، استيقظ.

    سمع من الأعلى صوت خطوات امرأة في الطابق الثالث. ألواح ارضها ، سقفه، تتنهد وهي تمشي، وكأنها تقفز من فوق طبقات من الجليد.
    كان واعيا وهويفتح عينيه أن الحلم هوعنها، بذرة تمت زراعتها. هولا يعرفها فعلا، ولكنه يفكر بها في أحيان كثيرة. كانت تسير فوق شقته، طوال ساعات الليل. وفي بعض الغرف يسمع أحيانا صوت مذياع يعزف الموسيقا فوقه. وفي بعض الأمسيات لوأنه جلس قرب التدفئة المركزية في غرفة النوم يسمع صوتا مضطربا وغريبا وعذبا وهي تقرأ لابنها قصة.
    واعتقد دينيز أن زوجها تركها. ربما هوميت. وربما ليس هناك زوج أساسا.
    إنها المرأة في الطابق العلوي، أوالحلم، أوربما ببساطة هذه مشاعر من جراء أنه مستجد في هذه وهولا يعرف أحدا مع أنه بعمر الخامسة والعشرين وينفق وقتا طويلا ( كما يظن) بالتفكير، وقتا طويلا يستلقي على سريره بثيابه الداخلية ولحيته على صدره تزيد من حرارته بينما أذناه تصغيان. مزيج من كل هذه الأشياء، لا شك. شيء يجعله يقرر أن يتصل بالمستشفى، وهوفي المدينة التي عاش فيها قبل أن ينتقل إلى هذه المدينة الجديدة. وهويعي أنه من الحماقة أن يتصل بالمستشفى. ولكنه يرغب فقط أن يسمع ماذا يقولون له.
    وهكذا ذات صباح أحد الأيام اتصل من العمل خلال الغداء حينما كان مساعدوه غائبين، ويبدوأنهم جميعا يذهبون لأماكن خاصة، وأيامهم لها هدف وليست لغوا فارغا، إلخ. اتصل وتم تحويله عدة مرات. وفي وقت الانتظار، كانت تعزف في الأسلاك موسيقا كلاسيكية تبدومألوفة له.
    كانت السيدة التي ردت في النهاية ملمة بكل شيء. مرتبة جدا. ثم وقع عقدا ملزما بقوة القانون، كما قالت، ( ومن مئات الأميال) هز رأسه بتؤدة في السماعة، وقال: أعلم ذلك. وأوضح أنه لا يريد التسبب بالمشاكل. إنه فقط يشعر بالفضول قليلا، وقال، " هذا شيء طيب"، بصوت متجاوب، الأمر الذي دفعه للاعتقاد أنها ربما على حظ من العذوبة، وربما اعتادت على رفض الرجال بسرعة وحبور، مع ابتسامة ضيقة تختزلهم إلى مجرد لا شيء. مثل شعور دينيز أنه يتضاءل. وأخيرا قال بلهجة اعتذار:" لا بد أنك تتلقين اتصالات مثل هذه في كل الأوقات" فقالت" كلا، صدقا كلا".
    حسنا، هكذا قال حينما أغلق السماعة. وشعر أن وجهه يحمر، مع أن أحدا لا يعلم بمن اتصل، وبالتأكيد لن يخبر أحدا. وانتابه الشعور بالحمق.
    ربما من الغريب أن تتساءل. يتساءل: هذا عجيب. كما لوأن الحب لا علاقة له بالموضوع. لا يوجد اتصال فيزيائي. لم يسمع إلا بخمسين دولارا بواسطة صديق كان في السنة الأولى بكلية الطب. كان صديقه يفعل ذلك مرة كل أسبوع ثم ورط معه دينيز، مع أن أرقام دينيز، ومظهره، وهويته ونشاطاته غير الروتينية ليست مؤثرة مثل أولاد كلية الطب. ولذلك ربما لم يلجأوا لهذه الطريقة. كان يفعل ذلك لأنه حقا بحاجة للنقود في ذلك الوقت- فقد كان في سنته المتقدمة في الكلية.
    وحينما دخل شعر بالارتباك. لم تكن الممرضة أكبر منه- قصيرة، وبنت مدمجة تصفف شعرها بطريقة تترك لديه الانطباع أن طفولتها لم تكن سعيدة.
    لم تنظر له. واكتفت بتقديم استمارات له ليملأها بقلم يتدلى من لوحة ومعلق بسلسلة مثل التي تراها مربوطة بسدادة بالوعة حوض الاستحمام. ثم أعاد الورقة وقادته الممرضة في ممر داخل المستشفى، كان كلاهما خجلا، والصمت وراءهما في الممرات حتى توقفا أمام حمام صغير. قدمت له نوعا من أنابيب الاختبار مع برغي على الغطاء وتنحنحت لتنظيف بلعومها، وبدلت نقطة الاستناد بثقلها من قدم لأخرى، وكانت ترتدي خفا أبيض رقيقا، ثم فتحت بابا وقالت توجد بعض المجلات هناك وبمقدوره أن يلقي نظرة كما يرغب. وربما استعملت الكلمة " بمقدوره أن يتابع".
    أخذ نظرة من الداخل ورأى هناك بعض المجلات القديمة عن الجنس والبيوت الحديثة.
    وكانت على الطاولة بجوار دورة المياه. أومأ برأسه، دون أن ينظر بعينيها. ماذا هناك ليقوله؟. كانت الممرضة تحاول جهدها أن تؤدي عملها باتقان، ولكن استطاع أن يرى أنها معقدة سرا وراء قناع الممرضة الذي ترتديه. وحينما حاول أن يبتسم بسخرية نظفت حنجرتها مجددا وانصرفت ببالغ السرعة. ووجد ذلك غريبا، لأنها هي، الممرضة، التي انتهى إلى التفكير بها
    عوضا عن الصفحات المركزية في المجلة ذات الأشكال الغريبة وغير الحقيقية والتعابير المحايدة.
    وحينما مد يده بأنبوب الاختبار وقدمه لها شعر بنوع من الأسف يهز بدنه. كانت عيناها حزينتين جدا وخيل إليه أنها تعلم أنه يفكر بها. وأحيانا أن أي طفل سيأتي من هذا سيكون ملكا لهذه الممرضة بقدر ما هومن صلبه.
    وجد أنه من الصعب أن يصدق حقا أن هناك ولدا، ولكنه شيء يفكر به أحيانا. من المثير للاهتمام أن تتخيل شخصا - شخصا يقلب الصفحات ويقرأ الميزات ليقرر. ربما لديه الجنسية التي يبحثون عنها، لون الشعر والعيون، أوأحد الإنجازات التي سجلها في صفحته- فوزه بتهجئة نحلة في المدرسة، قدراته في لعبة البيسبول، وتفوقه في الجامعة- هذا يجذبهم بطريقة ما، ويقولون " هذا هوالشخص المطلوب". إنه يتساءل كيف ينجح ذلك. إنه يحب أن تكون هناك إمكانية وجود شخص. على المرء أن يكون له شكل معين ، وجه أوأصابع، أوطريقة محددة لرسم الابتسامة. ربما هوأوهي في النهاية له مزاج معين - أحيانا مشاعر سوداوية ومائعة وساذجة على وجه الخصوص. هولا يعلم لماذا يرغب بكل قوة أن يكون هذا حقيقيا.
    يتبع
  2. بواسطة العراقي راقي

    هذا هوالصيف والجداجد تملأ الفضاء بصفير مزعج. وفي الأسابيع التالية كنا نراها في الصباح، في الساحات الخلفية من المدينة وراء البيوت، حيث الجارة في الطابق الثاني وابنها، والذي لا شك أنه بحوالي الرابعة، ولد نحيف، بعينين عميقتين وبرأس يشبه رأس العصفور. كان دينيز ينظر للأسفل نحوهما، حينما كان الولد يبني شيئا من الطين والقش في زاوية السور. أووهويقرأ في كتاب: الموسوعة المصورة عن المملكة الحيوانية. وعلى الغلاف، هناك رسوم ثعابين، وحمار وحش، وببغاء، وخنفساء، وكلها بنفس الحجم.

    جلست المرأة بهدوء، تدخن. ومررت أصابعها على قدمها العارية، وشعرها النحاسي المتجعد منسدل على ظهرها بسبب النوم على الظهر. حينما يفكر بوجهها، يبدوقاسيا وكئيبا وتقريبا خشنا بسبب بقايا الماكياجات التي تبقى حول شفتيها وعينيها. ثم نفخت الدخان.

    وفي اليوم الذي اتصل فيه بالموبايل مع المستشفى، كان عائدا للمنزل من العمل ووجد علبة داخل صناديق.
    كانت العلبة على الرصيف كي يحملها عامل النفايات، وموجودة أمام بيت يشبه بيته ولكنه ليس مصمما بشكل شقق.
    لم يجد شيئا غريبا بالكتب التي رآها- مجموعة كتب وموسوعات أطفال قديمة، ليس مجموعة كاملة ولكنها ممتازة، مزودة بصور فوتوغرافية. وكانت تبدوكأن أحدا لم يلمسها ولم يقرأها!. أخذ نظرة من حوله ليتأكد أن لا أحد يراقبه ثم حمل الصندوق وذهب به إلى البيت.
    وبعد الغداء في تلك الأمسية، صعد على السلالم ومعه العلبة وطرق باب المرأة.
    قال وهويعرض عليها الكتب ويبتسم بدعة:" وجدت هذا. سمعتك تقرأين لابنك واعتقدت أن هذا شيء قد يسرك".
    تمرن على هذه العبارة القصيرة عدة مرات، ولكن بعد أن خرجت من فمه أدرك أنه من الخطأ أن يخبرها أنه سمعها تقرأ. ضاقت عيناها قليلا، وتسلل إليهما الشك، وحينما مالت على الكتاب لتنظر إلى عناوين الكتب، جعدت أنفها. كان يعلم أن لها رائحة مثل روائح الأقبية.
    قالت:"عمره صغير ولا تناسبه الموسوعات".وتململت. فقد كانت الكتب ثقيلة.
    قال:" حسنا، لكن فيها صور رائعة".
    قالت:" همم". ونظرت له مجددا، ولاحظ أن قرارا يتشكل في عينيها. لوأنهما سيغرمان ببعضهما بعضا، فكر دينيز، لن ينفع ما يصنع. كانت ترى فيه شيئا جوهريا لن تتأقلم معه. ولكنه لا يعلم ما هو، بالضبط، ولكن بمقدوره الشعور به، مثل رائحة- حافز محدد ليس منه - غمزة تدل على الثقة، أوشعر ينموعلى الجسم، أومزاج. أوأي شيء من ذلك.
    قالت:" لوتريد أن تتخلى عنها، لا بأس. أعني ربما يتسبب بإتلافها. قد يلونها أوما شابه. ولكن بمقدورك أن تبيعها". وتنفست الصعداء. ووضعت يدها على شعرها وأضافت:" هل لديك أولاد؟".
    ابتسم وقال بتردد :" كلا". ولاحظ أنها لم تبادر لأخذ العلبة. فضمها لحضنه وقال بتأن:" كلا. في الواقع لا يوجد". ثم، بعد لحظة انتبه أن لديه ما يصعب قوله، مع ذلك قال:" ربما سيكون لدي أولاد. ولكن هذا غير واضح حاليا".
    قالت:" آه" ثم أطلقت ضحكة مكبوتة وتابعت:" أنت واحد من أولئك، أليس كذلك؟". ونظرت إليه مقدار لحظة وعلى وجهها تعبير كأنها تقول: ماذا؟ تحرش؟ سخرية؟ شيء مألوف ولكنه ليس وديا تماما. لم يكن بمقدوره أن يحدد، ولكن احمر وجهه. وضع العلبة على الأرض وقال:" كلا. كلا.. غير صحيح..". ولدقيقة من الوقت فكر أن يخبرها عن المستشفى وبقية الموضوع، مع أنه يعلم أن هذا أسوأ، في هذه الظروف، ومن الأفضل أن يتركها تكون قناعاتها كما ترغب.
    وأضاف:" المسألة معقدة وليست بسيطة..".
    فقالت:" آه، آه". وألقت نحوه نفس النظرات، ولاحظ أنها تفكر؛ وكانت مجموعة من الأفكار المعقدة تمر في رأسها.
    لم تعتقد أنه من هذا النوع، وتساءلت، بلا تفصيل، لماذا يقول أشياء غريبة من هذا النوع، ماذا يقصد بالضبط.
    وفكرت بوالد ابنها، وربما لم تفكر به. وأوسعت الطريق قليلا، وأصبح بمقدور دينيز أن يرى الولد في الداخل، كان يجلس متقاطع الساقين أمام التلفزيون، ووجهه مشرق بشكل غير طبيعي ويلعب بفيل من البلاستيك على السجاد. كان يحب لويلتفت الولد وينظر إليه. ولكنه لم يفعل.
    قالت المرأة:" حسنا. أشكرك".
    حينما انتقل دينيز أول الأمر إلى الشقة، كان الصبي الصغير في الطابق الثاني يمر بمرحلة كوابيس ليلية. كان يستيقظ في الليل ويصيح، وطبعا دينيز يستيقظ بسبب الصراخ. كان يعتقد أنه يسمع الولد يبكي ويقول:" أنقذوني، أنقذوني".
    وفي خاتمة المطاف، كان يسمع خطوات المرأة، ثم صوتها، لطيفا ومتعبا.
    وربما تقول:" هس، لا بأس. اهدأ". ثم، بعد لحظة، تبدأ بالغناء له.
    وهولا يعلم لماذا تأثر بذلك، صوت غنائها، ولكنه يتذكر أنه مرتعش. زاد من الانطواء على نفسه ، وشرع يفكر، " ماذا؟ ما خطبي؟". وحاول أن يقنع نفسه أن المسألة بسيطة. السبب هوالوحدة الناجمة عن تبديل المكان. كانت الصناديق محزومة، وعائلته بعيدة، وأبوه ميت من عدة سنوات، ومدفون في مقبرة على مبعدة عدة آلاف من الكيلومترات.
    ولكنه شعر، في تلك اللحظات، أن هناك شيئا خطأ يعاني منه الوجود نفسه. وبمقدوره أن يقسم أنه يعلم بكل قلبه أن شيئا مخيفا قد لحق بهذا الوجود، وكل الناس تعرف ما هوباستثنائه.
    دان شون Dan Chaon: كاتب أمريكي له روايات مشهورة ومنها "انتظر الرد"و"أنت تذكرني بنفسي" وكلاهما ضمن قائمة الأكثر مبيعا على مستوى أمريكا. وله مجموعات قصصية منها " نهايات مناسبة" و" بين المفقودين" ووصلت الأخيرة إلى القائمة القصيرة في ترشيحات جائزة الكتاب الوطني عام ظ¢ظ ظ ظ،. وحصل على جائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والأدب. يعيش حاليا في كليفلاند هايتس بأوهايوويعمل بالتدريس في جامعة أوبيرلين.