منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الحلقة (1) من رواية السقوط

  1. بواسطة العراقي راقي

    الحلقة (1) من رواية السقوط
    سيحرق نفسه، سيوقد عود الثقاب فيحترق كله.. ملابسه الرثة، جسمه النحيف، حزنه العميق، ذكرياته المشوشة. سيطفئ غضبه بشعلة النار الملتهبة، لقد جرب الكثير في حياته، طرق الأبواب وجاب الطرقات.. تحدث، توسل، اشتكى، بكى، صرخ، سكت.. فعل كل شئ لكنه يواجه بالشكوك والإتهام والرفض. كف قوية متصلبة تدفعه بعيداً، تلاحقه إينما أراد، نفس الكف تكون هناك، لا تتغير ولا تتبدل، إنه يعرفها جيداً، فكل ظفر من ظوافرها الخمس له شكل ولون مختلف. وكان أشد ما يزعجه أوسطها، كان ناتئاً حالك السواد، بطرفه بقعة رمادية كأنها عين عوراء. لقد شعر بوخزته مرات عديدة، فحين تدفعه الكف الغاضبة، يوخزه هذا الظفر في صدره، قريباً من ناحية القلب، فيحس بلسعة النار الحامية تتسرب الى أضلعه وكأنها تحيلها الى أعواد رماد.

    ... لا يدوم الأمر على هذا الحال، لقد إتخذ قراراً خالياً من التردد، لا يقترب منه الجدل، لقد قضى نصف الليل يعيد التفكير مرات ومرات، فلا يصل الى غير هذا القرار.
    سيخرج مع ساعات النهار الأولى، يتجول في مدينته لآخر مرة، ثم ينطلق صوب الساحة الكبرى، وعندما يسمع الأذان يرتقي صخرة الجمعة، فيعدد الأسماء كلها، يأتي عليهم واحداً واحداً، أصحاب العمائم والخواتم واللحى والبذلات الأنيقة، يذكرهم باسمائهم وألقابهم الصادقة والكاذبة، فاذا انتهى من آخرهم، يوقد عود الثقاب.
    ... تناول علبة الكبريت، هزها عدة مرات، جلس على الأرض، يستعين برطوبتها الباردة على حرارة أحزانه، يريح على صلابتها متاعب سنينه المرهقة، عمره الذي ضاع ما بين عذاب داخل السجن، وخوف خارجه، فصار كائناً موجوعاً في نومه ويقظته، مسكوناً بالحزن والألم، حتى ذكرياته انقلبت ضده، عدواً شرساً لا يرحم، يجلده كلما وجده مسترخياً، يمزّق صمته بصيحات مرعبة كلما أراد الإنقطاع عن هذا العالم.
    ... لقد تسرب الألم الى ذاكرته، حتى ملأها بالحروق والجراح والكدمات وعذابات لاتحصى. كان يشعر في أوقات متفرقة، أنَ هناك صراخاً موجعاً، ينطلق من زواياها البعيدة، ثم ينتشر صداه، فيضجَ به كيانه كله. وقد تمنَى كثيراً أن ينزع ذاكرته من رأسه، يرمي بها بعيداً، يحطمها، يمزقها، يحرقها، يدسها في التراب، فلم تعد فيها مساحة للأشياء الجميلة.. لقد وصلت إليها أيدي اخوانه من بعد السقوط، ففقدت جمالها القديم، مثل أشياء كثيرة أخرى، لمسوها ففقدت بريقها، ضاع منها الألق، تشوهت، صارت مخيفة مرعبة، تثير الخوف في من يراها، يبتعد عنها الناس، يحذرون أن يصابوا منها بعدوى غامضة.
    ... إرتكزت في ذاكرته تفاصيل دقيقة، بصورها وألوانها.. بصوتها ونبرتها، إلا أنَ هناك بعض الوقائع المتفرقة لا يعرفها حتى هذه اللحظة، وأغلب الظن أنَه لن يعرفها حتى لو قضى العمر كلَه بحثاً وسؤالاً وتنقيباً.
    كان يتحرك في داخله حافز غامض لمعرفتها، لكنه يرتعد بمجرد أن يقترب منها، فيموت الحافز من تلقاء نفسه خوفاً وفرقاً، يضيع في دروب الهروب، يقفز متوارياً في أيَ ركن مظلم.
    وكانت هناك تفاصيل أخر مرت عليه، ولديه شعور بأنَها ذات أهمية معينة بالنسبة لتجربته الصعبة، لكنَه لا يستطيع الجزم بأنها مهمة بشكل إستثنائي.. ومبعث الشك يكمن في أنها جرت في أوقات مضطربة صاخبة، لا يتمكن من تمييز وقائعها بوضوح، إذ تبدو مغلَفة بضباب أو دخان أبيض أو شيء يشبه هذا. وما عدا ذلك، فكل شيء ظل دقيقاً في ذاكرته لا يقترب منه الشك، ولا يشوهه الغموض ولا يتهدده النسيان، وهو ما كان يزعجه كثيراً، ويثير فيه ضجراً غير محدود، إذ كان يتمنى عكس ذلك، غير أنَها أمنية لا تتحقق، حاول كثيراً، وأرهق نفسه من أجل تحقيقها، لكنَه فشل في كلَ مرة، فآمن بأنها ستبقى ملتصقة به طالما بقي ملتصقاً في الحياة.
    ... في الأوقات التي يلمحه فيها الآخرون شارداً تائهاً في أفكاره، إنَما كان يقضيها في محاولة إستكشاف ما حال الضباب دون تأكيده. ففي حالات خاصة يكون المرء مهتماً الى أقصى حد في محاولة التأكد من الشكوك، ليحسم أمره منها.. ليحدد مصيرها في داخله، أيبقي عليها أم يطوح بها نهائياً؟.. غير أنَ المشكلة عنده هي هذا الرعب الصادر من الماضي، والذي يشلَ حوافز المعرفة والاستكشاف، فيخفيها في مكان ما من الذاكرة.
    كان محشواً بالخوف من أمر يصعب تحديده، وقد أرهقه هذا الشعور كثيراً، حاول عبثاً لأسابيع وأشهر أن يكتشفه، وكان يوشك في أوقات متفرقة قليلة أن يبلغ حافته، إلا أن طارئاً يحدث في داخله، فيتلاشى كل شئ، كمن يتسلق سوراً عالياً وقبل أن يطلَ برأسه على ماوراء السور، يُغمض عينيه متعمداً ثم يُلقي بنفسه الى الأرض، لئلا يرى أن ملاك الأمس شيطان اليوم، وأن مؤمن الماضي فاسق الحاضر.
    ... لقد طوى (فلان العراقي) السنوات الأخيرة على هذا الحال، فلم يشعر بسعادة ما بعد خروجه من الاعتقال، ولم يفرح بتخلصه من عذاب السجن وكوابيسه الحية، ولا بما جرى بعد سقوط صنم النحاس، فكان يقول في نفسه إنَ من يدخل هذه السجون يتساوى عنده الحال أخرج منها أم بقي.. الفرق الوحيد بين الحالتين، هو شكل الألم.. هناك يحرقك الألم، يكويك، يوخزك، يجرحك، فتصرخ.. وهنا يلاحقك الألم، يحيط بك، يغلفك، يعصرك، لكنك لا تستطيع أن تصرخ، تكتم الصرخة والآهة، بمقدورك فقط أن تنفث الحسرات حينما تكون وحيداً، وكيف تشكو ومن يصنع حاضر الناس، هم قومك وجمعك وماضيك؟
    لن يسمع الفقراء كلاماً بلا ساقين، إنهم يريدون قطعة خبز خرساء صماء. ضاع منهم الخبز، تكدّس أكواماً من الذهب عند أصحاب الجباه الساجدة.

    الدكتور سليم الحسيني
  2. بواسطة شـ,ـهـ,ـد

    [صورة]
  3. بواسطة العراقي راقي

    [صورة]