منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع رائحة الخل

  1. بواسطة العراقي راقي

    رائحة الخل

    انا الحاج حسان.. وهناك من يسميني الشيخ حسان. من قرية النبهان، حيث يسكن تقريبا 800 شخص، يعتاشون على تربية الاغنام ويسكنون في بيوت الطين.هي قرية بعيدة جدا، مثل مئات القرى البعيدة، التي ليس فيها قصة جديدة ولكن سماءها صافية وخضارها مدهم. وهذه القرية ( ايضا مثل مئات القرى الاخرى) تبدو كأسرة كبيرة من الاعمام والاخوال وبنات الاخ والاخت. ساكنو هذه القرية يرون العالم باسره من خلال ثقب واحد، وهو قرية النبهان! اتصدق لو قلت لك ان في هذه القرية من لم يذهب الى اقرب مدينة طيلة عمره!!
    مااسمك ايها الرجل الواقف في الظل؟ اني اتحدث اليك وليس الى نفسي!
    انا جئت لقرية النبهان قبل 9 اعوام، بنيت لنفسي بيتا طينيا صغيرا على طرف القرية، جئت غريبا ولم يكن انذاك اسمي الحاج حسان او الشيخ حسان،بل كنت "حساني".عملت معهم، زرعت، رعيت اغنامهم،حزنت وفرحت معهم، انصهرت تماما مع النبهانيين فاصبحت بعد 9 اعوام الحاج او الشيخ حسان، احد وجهاء القرية. ثم تزوجت منهم.
    لماذا لا تتكلم؟ الم اسل منك اسمك؟ عموما ساسميك الظل الاخرس،لانك في الظل ولانك اخرس ايضا، حتى لا تبقى من دون اسم. يوم كنت اعمل نفس عملك كنا نبتدع لانفسنا الاسماء.
    لا اعرف اين انا الان؟ هل يمكنك مساعدتي؟خرجت منذ الفجر من القرية قاصدا شجرة السدر، الا تعرف شجرة السدر الشهيرة؟ تلك التي تعالج المرضى؟ يقولون ان كل مريض شفي ببركة السدرة رجع ليعلق عليها قطعة قماش ملونة. وبعد كل هذه السنين اصبحت شجرة السدر كغيمة ملونة نازلة على الارض.

    اين انا الان؟ المكان مظلم جدا، ورائحة الخل تكاد تقتلني، أأنا في مخزن للخل؟ يداي مقيدتان واحتاج ان اتغوط، وكذلك عطشان واريد ماء. كم اكره الاماكن المظلمة، وكم اكره رائحة الخل التي ما تبرحني منذ 9 اعوام. المرة الاخيرة التي كنت في مكان مثل هذا، لم تكن يداي مقيدة، بل كانت في يدي بندقية وسكينة في حزامي العريض الرمادي اللون.
    ياالهى..انه نفس الكابوس ونفس الرائحة ونفس الاحساس. هذا المكان يشبه الكابوس الذي يداهمني دائما بمجرد ان تتعانق جفوني. أأنا نائم؟ ربما ساستيقض بعد قليل حينما تأتي الام وبنتها.
    انا اهذي مرة اخرى..اتكلم دون وعي.انا خائف واشعر بالبرد يقص عظامي.
    قبل 9 اعوام كنت في عصابة قاطعي طريق، الف حول رأسي عقالا احمر واغطي وجهي بقناع اسود وبيدي بندقية انكليزية قديمة وفي حزامي سكينة بنصل مصقول. مع مجموعة من امثالي المشردين، اتذكر اننا كنا نسينا صور ابائنا وامهاتنا ولم نعد نتذكر عن مدننا وقرانا شيئ، حتى اسماءنا كنا ابتدعناها لانفسنا مستغنين عن اسمائنا الممنوحة لنا يوم الولادة. وذات ليلة مقمرة سطونا على بيت في قرية ماعرف اهله بمهارتهم في صناعة المخللات، ضربنا الاب حتى سقط مغميا عليه..او ميتا لا اعرف واخذنا منهم ما عندهم، وكانتا زوجته وابنته اليافعة تقفان جانبا بعيدا عنا". والبنت كانت حشرت نفسها مرتجفة بين سيقان الام. مشهد التصاق البنت بالام، بوجهها المستدير الابيض والعيون السود، اثارني.. اثارني حد الغليان وانا الذي لم ار سوى التصاق الحمير التائهة في الجبال ببعضها؟ تفرست في تلك العيون السود والقامة الطويلة والسحنة البيضاء الناعمة. وقررت ان افعل فعلا آدميا ولو لمرة واحد، هكذا قال لي ضميري. فسحلت المرأة وابنتها نحوغرفة، فتحت الغرفة فلفحتني رائحة الخل، اجتاحت عيوني وانفي وفمي واذني في لحظة واحدة. صعقت تماما من حدتها ولكن لم اتراجع، عرفت اننا في مخزن للمخللات، اسقطت الام على الارض. مزقت ثوبها بحركة واحدة، وحين لاح لي الشحم الابيض كبدر مستتر خلف غيوم سوداء، شعرت برائحة الخل تستقر اكثر في رأسي. كانت ترفس كالعجل المذبوح، تبكي وتصرخ وتستنجد بصوت عال. مسكتها بقوة ذئب جائع، هذا الطريق لا رجعة منه ابدا. التصق جسمي بافخاذها الممتلئة. كانت انعم من الماء، انعم من القطن، شعرت باني اقف على اول درجة من سلم الانسانية بالتصاقي بانسان بدل حمار. رائحة الخل بدأت تسري من رأسي الى جوفي وتسبح في شراييني، تصب الى نقطة عميقة في بدني لم استطع تمييزها.
    كنت نائما على المرأة، مسيطرا عليها تمام السيطرة، هجمت علي الفتاة من الخلف، ونبتت اضافرها في وجهي، وعضت باسنانها الارنبية فروة رأسي من الخلف. قذفتها كقطة صغيرة فسقطت على احدى قرب الخل، وانكسرت القربة وكانت الفتاة تموء، تدفق الخل اكثر، كنت محاصرا بامواج الخل الهادرة من الخارج ومن جوفي. زوبعة الخل تلك اغرقتني فاغمضت عيوني، غارت في الرائحة وتملكتني وصرت تحت سيطرتها.
    فتحت باب المخزن سكرانا، في حلكة الليل كانت عيوني حمراء كقطعة من كبد. شعرت بنشوة غريبة. صوت بكاء المرأة وبنتها كانت ترن في اذني ولم استطع ان اميز هل انا اسمعها بالفعل ام انها ما تبقى من الاصوات الممزوجة برائحة الخل.
    وقفت مع رفاقي اعلى التلة، لمحت ضوء المخزن المشتعل. اشعلت سيكارة وكنت اشعر باحساس غريب يغمرني. هل هوالفرح؟ ام الفخر. ام الندم؟ ام النشوة؟ عموما كان احساسا غريبا له وجه من كل هذه الاحاسيس. نظرت الى فوهة بندقيتي، اخرجت سكيني. وحفرت على المقبض الخشبي الامامي خطين متقاطعين. ولا تسألني لماذا خطين متقاطعين؟؟ كنت اريد ان اترك اثرا يذكرني بهذه الليلة الليلاء دائما.
    عذرا.. يبدو اني تكلمت كثيرا.. من انت؟ لماذا لم تتكلم؟ لم استطع ان ارى وجهك ايها الظل الاخرس. هل لديك سيكارة؟ او كوب ماء؟ هنا ايضا تنبعث رائحة خل، فهل هذه الرائحة المنبعثة مني ام هذا مخزن للخل؟

    عموما، ساكمل حتى لو امتنعت عن الكلام.. بعد هذه الليلة لم تفارقني رائحة الخل، كنت اتعرق فتفوح من ابطي وصدري، اتكلم فتنبعث من فمي رائحة خل حادة. تصور اني كنت اذهب للنهر مرات عديدة في اليوم، اغطس كل جسمي في الماء. اخرج وما تلبث ان تعود تلك الرائحة. استعنت بعطر المسك والاعشاب المعطرة. ولكنها كانت لاتفارقني. اصبحت منقوعا بالخل!
    طردوني من العصابة لانهم لم يتحملوا رائحتي ولقبوني "المخلل"، فقررت ان اذهب لابعد قرية وابدأ حياة جديدة، بعيدا عن الرائحة.
    اهل القرية طيبون، ساعدوني في بناء بيت طيني، واشتغلت معهم، وبعد فترة كنت واحدا منهم وكانت الرائحة تنمحي شيئا فشيئا حتى صارت غير محسوسة. تزوجت فتاة منهم. في ليلة عرسي وبعد ان رقصنا واكلنا وغنينا وضحكنا. وبعد ان فضضت بكارة زوجتي وهلهلت النساء. اردت ان انام محتضنا حياتي الجديدة.. نمت متخما بالسعادة.
    فداهمني الكابوس..
    ذات المخزن.. ذات المرأة.. ذات الفتاة.. ذات الرائحة..،قبل تسعة اعوام،كانت عيون المرأة السوداء بنفس الجذابية تسحبني لنفسها. انقضضت على المرأة، والفتاة بكت، حشرت قضيبي في جوف المرأة. فتحولت عيونها السوداء الآسرة الى سائل اسود برائحة خل، راح الخل يجري من انفها وفمها واذنيها، قززني المشهد فنهضت، فتدفق الخل الاسود من فرجها، تقيأت، فتقيأت خلا اسود. هربت، ركضت صارخا من دون وعي،صرخت حتى شعرت بغليان السائل الاسود اللزج في حنجرتي. فتحت عيوني فوجدت عروستي تنظر لي فاغرة فاها. كانت رائحة الخل تحتل غرفة عرسي. لقد عادت الرائحة. والكابوس لم يتركني ولو ليلة واحدة بعد ليلة عرسي. نفس المشهد، نفس الرغبة، نفس الاصوات، فكرهت النوم، قررت الا انام، ولا اسمح لهذا الكابوس ان يسلب مني سعادتي. فتركت النوم، كنت اعمل في النهار وكلما اصابني النعاس،اذهب الى النهر واسقط نفسي في الماء البارد فيطير النوم. وكذلك في الليل اشعل نارا وادخن بشراهة ولا انام وعند الفجر اكون غاطسا في النهر.
    قالوا اني ممسوس وان جنا قد تلبسني. واشاروا ان اذهب لشجرة السدر، فهي تشفي الممسوسين والعاقرين والمجانين والمسلولين. ركبت بغلتي قاصدا السدرة المقدسة، فانا اريد ان انام وساطلب هذا الطلب من السدرة. كنت في منتصف الطريق فاوقفتموني انتم، قلت لكم ليس معي شيئ. اذا اردتم البغلة فخذوها. واتركوني. لماذا جلبتموني الى هذه الغرفة المظلمة الرطبة ذات الرائحة الكريهة؟
    انا معك ايها الظل الاخرس؟ اجبني فانا اكلمك. تبا لك يا حيوان.
    ماذا تفعل؟؟ اهذه بندقية؟ انزلها عن وجهي يا كلب، من هو مثلي لاترفع البنادق بوجهه فانا قضيت نصف عمري ارفع البنادق بوجه الناس. انزلها يا احمق.انزلها ايها الظل الاخرس...

    انا الظل الاخرس، هكذا لقبني الحاج حسان.. وانا احد افراد العصابة التي جئنا بهذا الرجل الى هذه الغرفة التي نأتي بها دائما التائهين الذين نلتقطهم من الطرق الوعرة ونسرقهم ونقتلهم بعد ذلك. كنت اقف في العتمة استمع الى مايقول الرجل، تلمست في العتمة القبضة الخشبية الامامية لبندقيتي ومررت اصابعي على الخطين المتقاطعين المحفورين عليها. بدون شك انها نفس البندقية. تنبعث من هذا الرجل رائحة خل عجيبة.تثير الغثيان عندي. رفعت بندقيتي ( بندقيته قبل ان تصبح لي) بوجهه، فذعر وصرخ:
    -ماذا تفعل؟؟ اهذه بندقية؟ انزلها عن وجهي يا كلب، من هو مثلي لا ترفع البنادق بوجهه فانا قضيت نصف عمري ارفع البنادق بوجه الناس. انزلها يا احمق. انزلها ايها الظل الاخرس...
    ثم اكمل
    مهلا..مهلا.. هل تستطيع بندقيتك ان تجعلني انام؟ كل ما اريده ان لا ارى كابوسا. اريد ان انام بهدوء للحظات. بلا كابوس، بلا صراخ، بلا خل.

    حين التصقت فوهة البندقية بجبينه، تدفقت رائحة الخل مثل بركان غاضب قاذفا الحمم من قلب الارض. وكنت اشعر ان رائحة الخل تتملكني وهي من حركت اصبعي لاضغط على الزناد على الرغم مني.
    سقط الرجل بجسمه الثقيل الممتلئ وارتجفت الجدران من هول سقوطه المدوي، خرجت من الغرفة (بالاحرى هربت!!)، حين وقفت في الباب، استطعت ان ارى في ضوء خيوط النور المتسللة الى الغرفة عبر فتحة الباب ان عيونه وفمه واذنه وحنجرته يتدفقن بسائل اسود قاتم. رائحة الخل كثرت واصبحث زوبعة وصفقت الباب. ركضت صوب النهر وقفزت فيه، خوفا من ان تحويني رائحة الخل تلك، واصبح انا الاخر منقوعا بالخل.
    ربما لاتصدقونني؟ ولكني رجعت في الظهيرة الى الغرفة، فلم اجد جثة الحاج حسان، ولكني وجدت خيط من سائل اسود زحف صوب الوادي. واقسم لكم..اني اسمع من الوادي صيحات غير واضحة المصدر تقول: اريد ان انام...اريد ان انام. ومع الصرخة هذه تنبعث من ذلك الوادي رائحة خل غريبة تنفر منها كل الطيور والعصافير.
    اه.. اسمعوا..انه الصوت نفسه، انه يصرخ الان، انصتوا.. انصتوا.. هل سمعتموه؟

    حسين السنيد