منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع عبد الصاحب دخيل (الحلقه 2 من رواية السقوط)

  1. بواسطة العراقي راقي

    عبد الصاحب دخيل
    سليم الحسني

    إخترق أذنيه صوت غريب من منارة المسجد الكبير، سقطت علبة الكبريت من يده، تناثرت أعوادها، جمعها بسرعة الحريص، عدها واحدا ًواحداً، كانت كاملة لا نقص فيها، على عدد أرباب القبائل، دسها في جيبه، لقد حان وقت الإنطلاق.

    تريثْ أيها المقهور. لا تستعجل يا خاسر العمر. ليس هذا أذانك المعهود، أين سمعك المرهف من وراء الأبواب الحديدية؟. ضاعت سنينك فلا تُضع حواسك.. سرقوا شبابك فلا تدعهم يسرقون سمعك.
    ... أصاخ السمع، كان الأذان مختلفاً، ليس هذا الصوت الذي ألفه، ولا هي الكلمات المعهودة عنده منذ عشرات السنين.. إنه صوت غريب ونبرة مختلفة وكلمات جديدة. لمن هذه الأسماء التي يذكرها المؤذن؟
    هل بُعث السامريّ وبلعم وقارون، فحشروا أسماءهم في الأذان؟
    هل هذا الذي قالوا عنه الفجر الأخير؟ وقت يُطيل الفجر الكاذب لأكثر من ثلاثة عشر عاماً، تتوهج في السماء نجمة متغيرة اللون، ترسم أشكالا غير منتظمة، يُصاب كل من ينظر اليها بالحزن والفقر، فلا تأفل إلا بزلزلة الأرض في المدينة.
    هل جاء الجن يحتجون عليه، لأنه سيشعل الشعلة الكبرى فوق صخرة الجمعة؟.
    أم هم شياطين الملوك، بلغهم عزمه، فهجموا يحذرونه من الخروج؟
    لن أتراجع، غابت نقاط التردد في داخلي، بحثت عنها فلم أعثر على واحدة، إنتزعها الأصبع الكبير بمخلبه البشع، فما عادت عندي قدرة التردد.. طريق واحدة أمامي سأسلكها حتى أصل صخرة الجمعة، أقف عليها كما أريد، ثم أشعل عود الثقاب، بل أعواد الثقاب مرة واحدة.
    ... جرب مرة أخيرة أن يسأل نفسه، هل يواجه التردد ولو قليلاً؟ جاءه الجواب سريعاً، لا مجال للتردد. كان ثابتاً مصراً على المضي نحو الساحة يوقد الشعلة الكبرى. لقد أكسبه عذاب السنين قوة خفية، ولدت بداخله ببطء، تجمعت مع الأيام والحكايات والذكريات والمشاهد، حتى صار يشعر بأنه يقترب من (عبد الصاحب دخيل).. رجل أسطوري الثبات، سمع السجناء يتحدثون عنه، كان يتحدى جلاديه مشافهة، يقول لهم إن صدره كنز أسرار.. فينقضون عليه دفعة واحدة، لكنهم لا يجدون سبيلاً الى الكنز، جربوا معه الكثير، وتحمل هو كل عذاب السجناء لوحده، ولم يفتح لهم صدره. كان يرهقهم التعب، وحين يتركوه لحظات قليلة ليسترجعوا قواهم، يبادرهم بنبرة التحدي المنتصرة:
    ـ لن تحصلوا على شيء، أتحداكم أن تحصلوا على كلمة.. مجرد كلمة.
    تستفزهم ثقته ونبرة الإنتصار في صوته، فيرجعون لمنازلته في جولة أقسى من سابقتها.
    ... فئتان تلتقيان، الأولى شخص واحد محطم العظام نازف الجسد مثقل بالقيود.. وأخرى حاشدة العدد، محطمة الروح، نازفة بالغيض، مثقلة بالأدوات.. وهدف المنازلة كلمة. كلمة حبيسة في صدر مهشم الضلوع، يريدون إنتزاعها، ويأبى خروجها.. يتمنون لو أن الكلمات حبات صلبة، إذن لشقوا الصدر وألتقطوها.. ويتمنى هو لو يصهر القراطيس والأسماء في صدره كلمات، ليأمن عليها من أيديهم.
    يحدقون في صدره العاري يستفزهم الجلد الذي يخفي الحبات تحته، أما هو فيغمض عينيه يتأمل فيما انطوى عليه شغافه من كلمات، كأنه يريد أن يطمئن عليها خشية أن تكون واحدة قد إنزلقت خلسة دون أن يدري، ثم يفتح عينيه مبتسماً، فالكنز محفوط آمن، ولن يصلوا إليه بجمعهم.
    يمد كبيرهم يده الى صدر (عبد الصاحب)، يغرز مخالبه في الجلد المتقرح، يتدفق الدم حاراً بين أصابعه المتصلبة، تغسل الدماء الساخنة تلك الباردة، يقول وهو صاك على أسنانه:
    ـ إعترف قبل أن أنزع قلبك.
    لا جواب، ولا صرخة ألم.
    تلامس مخالبه ضلعاً، يسحب يده بحركة خاطفة، كمن صعقه تيار كهربائي، وقد بدت بقايا اللحم تحت المخالب:
    ـ تكلم قبل أن أقلع قلبك.
    لا جواب. فقط إبتسامة هادئة، لقد إطمئن بأن النار في صدره لسعت القرصان، فالكنز إذن آمن.. فلتنعم الكلمات بطهرها الأبيض وحضنها الدافيء.
    حرموه الطعام والماء والنوم، ولم يتوقفوا عن تعذيبه، وظلت الحالة ثابتة لا تتغير، عذاب يقهره الصمت، والكلمات مدفونة في صدره.
    ... كانوا يتلصصون عليه في زنزانته، يسترقون السمع، علَه يبوح بكلمة مع نفسه، قد ترشح حروفها وهو في غيبوبته، لقد أعجزهم وعيه، فراهنوا على اللاوعي.
    نعم، إنه يتكلم، ثمة همس خفيف.. تمتمة ضعيفة، يرهفون السمع كأرانب مذعورة، ها هو اللاوعي يبوح:
    ... غير المغضوب عليهم ولا الضالين.. بسم الله الرحمن الرحيم.. قل هو الله أحد.. الله الصمد.. لم يلد ولم يولد.. ولم يكن له كفواً أحد.. الله أكبر.. سبحان ربي العظيم وبحمده.. الله أكبر.. سبحان ربي الأعلى وبحمده.. الله أكبر...
    ـ من هذا الذي يصلي في زنزانته؟..
    من دخل عليه في وحدته؟..
    أتركتم الباب موارباً فتسلل إليه شخص آخر؟.
    ـ كلا.. فالباب موصد، والزنزانة خالية إلا منه.. وهو يصلي.
    ـ أصلاة من غير وضوء؟..
    أتكون الصلاة وهو مطروح على جنبه؟..
    أين الركوع والسجود؟.
    ـ لنعاود معه، يبدو أنه إنهار وفقد التركيز.
    يدخلون الزنزانة، يرفع رأسه قليلاً، ينظر إليهم فيتسمرون، عيناه تبرقان وسط محجريهما الداميين. هذه ليست نظرة منهار أو مكسور.. تخترقهم نظراته الحادة، تفتت غرورهم، تحرق غطرستهم، تتحداهم بصلابته، يقول بعينيه ما قاله لهم بلسانه، وزاد عليه إصراراً وتحدياً.. يخرجون فزعين من زنزانته.
    عادوا إليه بعد أيام، وكان الجوع والعطش والنزف، قد هدَ جسمه، حوله الى هيكل نحيل. تأكدوا أن جولتهم معه ستكون الأخيرة، لقد إستعدوا بفريق من الجلادين، حتى يعين بعضهم بعضاً على التعب والإعياء.
    جهزوا معداتهم الكهربائية، وعصيهم وخراطيمهم وحقدهم وجنونهم. خططوا طويلاً كيف يبدأون، وكيف يتناوبون، وكيف يشعلون الألم في جسده، بدأ كبيرهم بسؤاله:

    ـ لماذا لا تعترف؟.
    ـ بل لماذا أعترف؟.
    ـ لكي تنقذ نفسك من الموت؟.
    ـ لو إعترفت سيموت غيري، وسيتعذب غيري، وقد يكون فيهم من لا يقوى على الصبر.
    ـ هل تعرف ماذا سنفعل بك؟.
    ـ أعرف ماذا ستفعلون، وأعرف أكثر أنكم لن تحصلوا على كلمة، جربوا ما شئتم، كرروه وأعيدوه مرة بعد أخرى، لن تحصلوا على كلماتي المحفوظة في صدري.. لن أفرط بكلمات (الصدر)، أنا الأمين عليها أبداً.
    ثاروا عليه ثورة مجنونة الغضب، إستخدموا فيها كل ما معهم من أدوات وخيال شيطاني، تحطمت عظامه وضلوعه ونزف من جسمه كله.. أرهقهم التعب، أنهكتهم صلابته الثابتة.. تركوه وهو يحتضر ولم تخرج الكلمة من صدره.
    لقد سمع الكثير عن هذا الرجل، سمع السجناء يتحدثون عنه، وكان الحديث عن صموده وصبره، يبعث في النفوس القوة، كان الكلام عنه شعلة الدفء على أرض الزنزانة الباردة، وكان تداول صبره وقوته، له وقعه السحري في النفوس حين ينتابها ضعف أو يجف فيها الصبر.. فيتحول الضعف الى قوة، وينقلب الإنهيار ثباتاً. وكانوا يتناقلون أقواله وحكايته قبل السجن، فيجدون أن شخصاً هذه سيرته هنا، لا بد أن تكون تلك سيرته هناك.
    وكان يقول في نفسه ومع الآخرين، عندما يدور الزمان دورته، ويعود أخوان وأبناء وأصدقاء (عبد الصاحب) سيعم الخير البلاد.
    لها تتمة