منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع سيد النعيم الحلقة (3) من رواية السقوط

  1. بواسطة العراقي راقي

    سيد النعيم / سليم الحسني
    منصة عالية، خشبة مسرح واسعة، قاعة فسيحة أنيقة، ومال حرام. يرتقيها رجل دين من سلالة نادرة، أو تتراقص عليها أجساد الشهوة بالتواءات النار، لا فرق بين هذا وهذا، فالخشبة تحمل من يرتقيها. والصالة يملأها الجمهور، يسمعون المواعظ الكاذبة، أو يشعلون غرائزهم الخاملة.

    قصد (فلان العراقي) قصراً كان لرجال تمثال النحاس. جاءه يبحث عن سنين عمره الضائعة، سيجدها في كل ركن من أركانه، سيراها شاخصة تمشي بأجساد المضحين القادمين من ساحات الغربة، أو الذين احتضنوا الوطن فلم يبرحوه، يكفيه أن يرى عمره محمولاً على اكتفاهم، فمن أوفى منهم على العهد والأمانة؟.
    ... حاجز حصين، يحرسه جنود أشداء. وجوه رآها من قبل، لكنها زادت عدداً وغلظة وسلاحاً.. حاجز آخر وثالث وآخر، حتى انتهى الى صالة رحبة، يحيطها الحرس ومن ورائهم حرس، فأيقن أن زعيم القبيلة الأعلى رجل شديد البأس، خطير المنزلة. فلا يستعين بالأشداء إلا الأكثر شدة. سيرى مناضلاً تشقق جلده، أحرقت شمس المهاجر وجهه، تفوح منه رائحة التراب والبارود والخبز اليابس. سيرى عمامة مهملة، وجبة ممزقة وعباءة رثة، فمثل هؤلاء الرجال عركوا الحياة، صارعوا مصاعبها، فامتزجوا بالتعب والغبار والجوع والعطش والشمس اللاهبة.
    ... ارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل، جاء السيد الى القاعة، انفرجت الستارة عن شاب مترف يجلس على خشبة المسرح، محاطاً بالحرس، صدمته موجة من عطر نسائي، شعر بدوار شديد. ازداد الدوار عندما رأى وجه السيد، كان ناعماً يكاد يخدشه الحرير إذا لامس وجنتيه. جاءه الصوت رقيقاً مُنغّماً، تختلط فيه شهقات غريبة، شهقات من المشهد الآخر للمسرح. أهي موعظة رجل دين كاذب، أم ايحاءات جنسية للباحثين عن الشهوة؟
    هل جرّب هذا الشاب الناعم عضة الجوع؟ .. هل لفحته سموم الصيف يوماً؟ ما الذي جاء به من وراء الغيوم والأجواء الهادئة الى ناس يخلطون الخبز بالحصى؟.
    لستَ من هذي الديار أيها النعيم الغارق في الرقة، لستَ أنت الذي يعيد لي سنوات العمر الضائعة، أنت تسرق منها المزيد، وتأخذ من غيري المزيد، فتضيف على الحزن أحزاناً وعلى الجوع جوعاً، لكنك لن ترحل. أعرف أنك لن تبرح أرضنا، أنت منهم، يدخلون القصور فيصيبهم المسخ بلمسة واحدة.
    ... لم يستطع (فلان العراقي) أن يقاوم غضبه، نهض كمن لسعته جمرة نار، تعثر أكثر من مرة قبل أن يصل الباب. واجهته عيون الحرس مستاءة، كيف دخل هذا الغريب قصر سيد النعيم؟.. من هذا القادم من بؤس الفقراء ليجلس في حضرة السيد؟ ماذا لو رآه سليل الأسرة، إذن سيصاب بالضجر لعدة لحظات؟
    جلس (فلان العراقي) على حافة النهر، يسترد وعيه بالهواء الملوث بالغبار، حمل حفنة من التراب، فركها بقوة، شمها طويلاً. كان يريد أن يطرد العطر النسائي الذي علق به. كان العطر حاداً لا يزول، توغل في ذاكرته، حرّك فيها أيامه الموجعة مع الجلاد والسجن والعاهرة. أغلق عينيه بقوة، أراد ان يزيل وللأبد صورة سيد النعيم من مخيلته، كان يتقزز من وجنتيه البراقتين بمسحوق التجميل. حاول أن يستعيد قدراته في سنوات السجن، عندما يمنع نفسه عن رؤية الأشياء المقززة، لكنه لم يستطع.
    ... فطوال سنوات سجنه لم يرَ وجوه السجانين، كان معصوب العينين، وكان ذلك يريحه الى حد كبير، فلم يكن يود أن يرى وجوه أولئك المسوخ، ولو لم يعصبوا عينيه أثناء التحقيق، لأغمض عينيه طوال الوقت، تمنعاً من أن يلمحهم ولو لمحة عابرة غير مقصودة.
    لكنه في أحيان قليلة، يتسرب إليه إحساس غير مؤكد بأنه رأى بعض هذه المسوخ.. لا يستطيع أن يؤكد أو ينفي، فهي من تلك الذكريات المموهة بالضباب.
    من هذه الوجوه التي يشك بأنه رآها، وجه محقق يدعونه سراً (العقرب)، فقد سمع عنه الكثير من الحكايات.. سمع أنه مرة راهن سجاناً على أن يقطع إصبع معتقل دون أن يستخدم أية آلة، مقابل أن يدفع الثاني ثمن العاهرة والخمر.
    أمسك بخنصر الضحية، عقفه للأعلى حتى تطابق مع ظاهر الكف، ثم للأسفل حتى تطابق مع راحة اليد.. فرجه للخارج، وحين كان يصرخ المسكين كان يلكمه على فمه، ويعود للأصبع المخلوع، يلويه، يبرمه، يشده، يجذبه.. ولكماته تتوالى على فم المسكين.. طرحه أرضاً، شده من إصبعه، قضمه بأسنانه. فقد السجين وعيه، وبعد لحظات كسب (العقرب) الرهان، ومضى نحو العاهرة يحمل زجاجة الخمر.
    ... عاهرة وجلاد وضحية.. ثلاثة عناصر تبدو متنافرة، هي متنافرة حقاً، كيف يجتمع الجنس والقسوة والبؤس؟.
    الجنس عالم خافت الأضواء، يتنفس العطور الساحرة، ناعم الملمس..
    والقسوة ظلام ناري، عيون جاحظة، شرايين بارزة، جباه مقطبة، أيدٍ متصلبة..
    وأنت يا بؤس مكانك طارئ غريب، بين النعومة الخدرة، وبين الخشونة المتحفزة..
    أنت يا بؤس مبغوض منبوذ، يصنعك الأقوياء، ثم ينثرونك على الخلق.. تصيب الفرحة فتقلبها حزناً، وتسقط على الحلم فتحيله كابوساً معتماً، وتمسك بالأمل فلا تتركه إلا وهو يأساً قاتلاً.
    وحدك أيها الجلاد تتنقل بين الضحية والعاهرة.. عنصران متنافران، تجمع بينهما بمشترك واحد، هو تحقيق رغبتك المجنونة، تسلط قوتك على هذا ليندحر فيعطيك ما تريد.. وتسلطها على تلك لتعطيك ما تريد.. معه تفرغ الغضب، ومعها تفرغ الشهوة.. وكلاهما ينتظر أن تفرغ منه بأقصى سرعة، ليتخلص هو من الألم، ولتتخلص هي من التقزز.
    يتنقل الجلاد بين الضحية والعاهرة، يختار من يشاء في أي وقت، فيترك ألماً أو إشمئزازاً، إنه مخلوق بشع ذو رأسين، ينام أحدهما ليصحو الآخر، يتناوبان على تحريك الجسد المشوّه، يقوده أحدهما نحو الإنتقام والثاني نحو اللذة.. وقد يأبى أحدهما النوم، فيتصارعان على فريسة واحدة، في معركة مرعبة، تقودان الجسم للإنتقام واللذة معاً.
    ... سمع حكايات كثيرة قبل أن يقع في قبضته، حدث ذلك عندما نقلوه الى معتقل جديد، فأدخلوه مباشرة إليه، وقتها كان يجهل أنه يقف أمام (العقرب).
    بعد فترة وجيزة إكتشف أنه في مواجهة هذا الكائن المخيف .. إكتشف ذلك حين سمعه يراهن جلاداً آخر على أن ينتزع الإعتراف خلال ربع ساعة فقط، مقابل أن يدفع ثمن عاهرة الأمس.. هذا هو إذن (العقرب) يراهن على كسب ثمن البغايا، من آلام ضحاياه.
    قرر لحظتها أن يقهر العقرب، حتى وإن أفرغ كل سمه في دمه، شعر بأنه على موعد تحد معه.. منازلة مصيرية إما أن يهزمه أو يموت، ولكي يمضي في قراره، حذف الخيارات الوسط، شطب عليها كاملة، أحرقها كلها حتى لا يعود إليها ثانية، إذا ما إشتد به الألم.
    لم يشعر بالقوة مثلما شعر بها في تلك اللحظات.. أحس بأن دبيباً بطيئاً يغمره من الأسفل الى الأعلى، وكلما غمر جزءً من جسمه النحيل، يتضخم، تبرز منه عضلات مفتولة، حتى إذا غرق رأسه بدبيب القوة، إستوى عملاقاً مارداً نافر العضلات، ولولا تلك القيود التي يرسف بها، لسحق العقرب بضربة واحدة، ولطحن عظام الزبانية المحيطين به. لكنه قرر أن لا يرضخ لثقل القيود، فإذا كانت تمنعه من الهجوم، فليكن ثابتاً في دفاعه، صادقاً مع وعده.. معركتان وليست واحدة، الأولى مع العقرب والأخرى مع نفسه، وعليه أن يحسمهما لصالحه، فلن يقنع بنصر واحد، سيحرم الوغد من ليلة ماجنة مجانية، وسيصنع من نفسه ترساً حديدياً يحتمي به.
    ليس وقت المعركة طويلاً، ربع ساعة فقط، زمن لا قيمة له في معارك التحدي.
    بدأت المعركة، حين قال له (العقرب) بصوت خشن:
    ـ إسمع يا ابن القحبة، أنا عندي رهان يجب أن أربحه، وسأربحه بأي شكل من الأشكال.. أمامك أن تختار، إما أن تعترف بسرعة وبهدوء أو تعترف بالقوة؟.. سأعد من الواحد للعشرة، وعليك أن تختار.. واحد، إثنان، ثلاثة، أربعة..... عشرة..
    لم يجبه، قرر أن يمتنع عن الجواب حتى تمضي الربع ساعة، قرر أن يجيب بداخله على كل سؤال، حتى لا يشعر بضغط الوقت.
    دوى صوت فظيع هزَ المكان، أحس بأن أمراً مهولاً قد حدث تواً، ليته يكون كارثة حتى يتخلص مما هو فيه، ليته يكون صاعقة نزلت من السماء لتحرق الجلادين، حتى وإن احترق معهم، ليكن بركاناً ثائراً يفجر المكان بمن فيه، جلادين وسجناء معاً.. غير أنه تبين أن الصوت المدوي كان صرخة أطلقها الجلاد بأذنه، ظاهرها أن يسخر منه بأنه لم يسمع تحذيره، وباطنها أن يدخل الرعب الى قلبه.
    ـ يبدو أن سمعك ثقيل، ماذا قلت؟.
    دارت فكرة عاجلة في رأسه، أن يجيبه أي جواب ليكسب الوقت، غير أنه استبعد الفكرة فوراً، سمع نداءً داخلياً يحذّره من أول الوهن، فتمسّك بصمته، عضّ على لسانه لئلا يفلت حرفاً، أجابه بقلبه:
    "لم أقل شيئاً، ففي الحالتين لن تحصل على شيء، وستخسر عاهرتك، لن أدفع ثمنها من ضعفي، جرّب ما يحلو لك، لن تجد أمامك سوى صخرة صماء".
    تفجر غضب الجلاد، ضاق صندوقه الصدري، نفث رائحة نتنة، كان الصوت كفحيح أفعى، تبعه صوت الجلاد الآخر:
    ـ يبدو أنك ستخسر الرهان.
    قدَر (فلان العراقي) أن المعركة ستبدأ، فهذا عقرب آخر نفث سم الاستفزاز، سيجعله يتضور جوعاً وحشياً، سيشحذ أنيابه ويطيل مخالبه.. كان تقديره دقيقاً، لقد أثارت الجملة (العقرب)، سكبت فيه المزيد من دم الحيوان الكاسر، نفخت فيه روحاً شريرة إضافية، فردَ سريعاً بغطرسة طائشة:
    ـ لم يخلق بعد من يجعلني أخسر الرهان، من هذا الحقير القواد حتى يجعلني أخسر؟.. سأمزقه إن لم يعترف الآن، سيقول لي ما أريد، وستسمع بأذنيك كل إعترافاته.
    فور إنهاء كلماته التي خرجت مخمورة من فمه، لطم (فلان العراقي) بشراسة على خده، شعر بأن طبلة أذنه قد تمزقت، وقبل أن يحدد بقية آثار اللطمة، توالت عليه لكمات لا يعرف من أين تأتي، ولا أين تصيبه. لكنها بلا شك كانت حملة ضرب وحشية من عدة أشخاص، فضجيج أصواتهم يملأ المكان، وكلمات السباب البذيئة تتداخل مع بعضها، كانت أصواتاً غريبة مرعبة.
    لا يدري كم إستغرقت حملة الضرب، خيل له أنها تجاوزت الساعة، غير أن الجلاد الثاني كشف له أن معركة التحدي لم ينقض منها سوى الثلث، حين قال:

    ـ بقي عشر دقائق ولم يعترف.
    خرجت الكلمات متداخلة مع ضحكة مصطنعة، ضحكة خبيثة مكشوفة الغرض، يريد أن يستفزه ثانية ليستمتع بفنونه، ليراه كيف يختصر الوقت..
    كان في حقيقته يريد أن يخسر الرهان لصالح العقرب، إنهم يختارون له رهانات صعبة، ليستمتعوا أكثر، فلا قيمة لتعذيب ضحية مقيدة، لم يعد الأمر مثيراً لكثرة ما يحدث كل ساعة.. ومع العقرب يكون الرهان إثارة كبرى.
    ... كانوا أحياناً يجرون تعديلاتهم على الرهان، لتزداد الإثارة جنوناً، والعقرب جاهز للتعديل، لا يمل أبداً، يسايرهم في التعديل، وقد يبادرهم أحياناً بتغيير شروط الرهان، يتحداهم فيوافقون، يريدون أن يتلذذوا بفنونه، وبآلام الضحية.
    أصدر أمره لجلاوزته:
    ـ علقوه.
    قالها بصوت شيطان، بلسان تنين جائع، بنبرة وحش تائه.
    ربطوا يديه من الخلف، كان مطروحاً على وجهه، أحس بسائل لزج تحت خده، لا يدري من أي جزء سالت دماؤه، كل ما يحس به أن جسده تفتق جروحاً نازفة بالدم.
    شدوه بقوة لا يمكن تصورها، ربما استعانوا برافعة كهربائية، إذ لا يمكن أن تكون قوة الشد بهذه الضخامة.
    سمع وسط ضجيج السباب والكلمات البذيئة، أربطة جسمه تتمزق، سمعها بوضوح، لم تغط عليها صرخته الحادة التي مزقت أوتاره الصوتية، ولا على الصياح الوحشي الصادر منهم.
    لقد علقوه مرات عديدة، لكن هذه تختلف عن السابقات، حرارة تلسع روحه في مكان ما من جسده، إنها ليست لسعة تكوي الساق أو الظهر أو العنق أو البطن أو العين، إنها نار تسعر في الروح، في مكان قريب من البطن، قريب من الصدر، قريب من الظهر.. داخل حلقه ومعدته ورأسه وأمعائه..
    خرجت أجزاء من روحه، تقيأها من فمه.. إنحبست في حلقومه، منعت صراخه وأنفاسه.. حاول أن يتقيأها ثانية لتخرج فيرتاح، عجز عن لفظها.. وفي نفس اللحظة كانت تسيل أجزاء منها من أسفل بطنه، من مكان ما تشقق بفعل جمرة النار هناك..
    جمرة أخرى إخترقت رأسه، ربما من عينه أو من أذنه.. جمرة ثالثة تتدحرج من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه.. دحرجة بطيئة، تلتصق بالجلد، تحرقه، ثم تنزل بطيئة الى ما دونه.
    أوشك أن يقدم على فعل لينقذ نفسه، لم يكن بركان الألم الذي تفجر فيه، ليمنحه فرصة الإختيار.
    هل يقول جملة معينة؟.
    هل يتوسل به ليخفف عنه العذاب؟.
    هل يعلن إستسلامه ويجهر بهزيمته؟.
    لم يعد بمقدوره أن يفكر أو يقرر، بدأ الدخان الأبيض الحار يملأ المكان، مما شوش عليه رؤية الوجوه والجدران وأدوات التعذيب.