منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع أبناء شعبان الحلقة (4) من رواية السقوط

  1. بواسطة العراقي راقي

    أبناء شعبان / سليم الحسني هبت عاصفة في شعبان، عاصفة صنعها أهل الجنوب بأنفاسهم، بزفرات الغضب المكبوت، فخرجت من صدورهم غاضبة حرّاقة، تحركت ريحها في أهوار القصب، توغلت في مدينة النخيل، صعدت نحو الشمال، عاصفة خالصة للفقراء، يقتلعون بسواعدهم العارية سنين الظلم، يقهرون ببطونهم الخاوية أسلحة الصنم، يقبضون على عربات الحديد فتستحيل رماداً.

    كانت الشمس توشك أن تشرق، لاح شيء من قرصها الجميل، لكن جارة السوء تدخلت، مدت ذراعها تُنجد الصنم، تعينه على الفقراء، إنها تكرههم، تريدهم هياكل عظمية تحت التراب، ذلك إرث قديم، أخذوه من آل أبي سفيان، زادوا عليه حقداً، ضاعفوه مرات ومرات، وما زالوا على هذا الحال لا تهدأ جمرة الكره في صدورهم.
    ... مرّ الزمان بطيئاً يصنع سنوات الموت والجوع والخوف، حتى سقط تمثال النحاس. فخرجت الجموع تبحث عن الضائعين تحت التراب.
    ـ إحفروا برفق فالجثث قريبة من سطح الأرض.
    تكشفت الجماجم والعظام، بعد حفر بسيط، برزت طبقة من التراب ممزوجة بلون أسود، فخرجت الهياكل زنجية اللون، يعلق ببعضها بقايا ملابس لزجة بالسائل الأسود.. أخرج أحدهم مسبحة كانت معلقة بعظام اليد.. لقد دفنوهم أحياء، صبوا عليهم الزيت، أرادوا تحريقهم، أضرموا النار.
    لا أسماء ولا أرقام ولا ملامح.. جماجم متشابهة، عظام مختلطة، تزاحمت مع بعضها البعض، ليست هذه قبور موتى، هذه محرقة صادقة، تلاصقت الهياكل واختلطت أعوادها، حتى إستحال معرفة عظام الميت الواحد، فكيف يمكن معرفة أصحابها؟.
    أوشك (فلان العراقي) أن يبرح المكان، فهذه الجماجم لن تبوح بسرَها، غير أنه لمح رجلاً نحيلاً يمشي مستنداً على عكازين.. وجه شاحب بارز العظام شديد السمرة، ساقان رفيعتان في إحداهما إعوجاج ظاهر، تلامس الأرض بأطراف أصابعها. تابعه بنظراته، كان يجول المكان ساكناً، يحدق في الهياكل بأعمق نظرة، كأنه يريد أن يخترقها ببصره، يتوقف أحياناً على بعض الهياكل، يحني رأسه حتى يوشك أن يسقط، بل سقط مرة ونهض مستنداً على عكازيه، ومع ذلك ظل مواظباً على حاله، يتجول حتى تستوقفه الهياكل العظمية، فيتأمل كل واحد بدقة فاحصة، قبل أن يتحول عنها. وكان يسدد نظراته على عظام الساقين بشكل يلفت النظر.
    هل يريد أن يستعير عظاماً لساقيه الرخوتين؟..
    هل ضاعت عظمتيهما هنا، فجاء يستبينهما بين العظام؟..
    أيكون الله قد أحيى عظامه الرميم، كما أنشأها أول مرة، فكساها جلداً، ووهبه عكازين يتكئ عليهما؟.
    إقترب الرجل من (فلان العراقي) وقف أمامه، التقت عيناهما، كان هادئ النظرات، دافئ الصوت:
    ـ هؤلاء الشهداء دفنوا كلهم في حفرة واحدة، لم يحفروا عميقاً، كانوا يريدون دفنهم أحياء بسرعة.
    أثارت نبرته الواثقة إهتمامه، فسألة مستفهماً:
    ـ كيف عرفت؟.
    ـ أنا قادم من إحدى هذه المقابر، خرجت من التراب، لكني لا أعرف أين مقبرتي.
    أربكته الكلمات الواثقة، والنبرة الصادقة، واللهجة الغريبة، فالرجل لا تبدو عليه سيماء الممسوسين، إنما هو سويَ بلا شك، يعلن مظهره بذلك، فما الذي يعنيه بكلامه هذا؟.
    وجه له سؤالاً جاداً ليستوضح أمره:
    ـ ماذا تقصد فكلامك غريب؟.
    مدَ الرجل يده يطلب منه العون على الجلوس، وضع عكازيه على جانبيه، وقال:
    ـ أنا لست من هذا البلد.. أنا يا أخي خليجي جئت قبل الحرب السابقة، مكثت هنا، عشقت هذا البلد، درست العلم في مدينة العلم، ثم كانت الحرب، وعاصفة شعبان . وذات يوم وكانت الأحداث قد هدأت، خرجت للتجوال في المدينة المقدسة، فأحاط بي رجال الأمن، واقتادوني للسجن.
    كان في السجن جمع كبير من الشبان، ماعدا رجل عجوز معه إبنه الصغير يحمل بيده قفصاً فيه بلبل، والبلبل يغرد لا يعلم أنه أمام رجال الأمن. جلس ضابط يكتب أسماءنا، وحين وصل لي الدور، قلت له أنا من الخليج، لم يأبه بكلامي.. كررت قولي فزجرني بغضب مسعور، ورمقني بنظرة قاسية، كانت عيناه جمرتين من لهب، وأطلق لسانه بالشتائم والسباب.
    أمسك الرجل الخليجي عن الكلام، تحسر بحرقة إنبعث منها طعم الماضي، وهزَ رأسه عدة مرات، ثم تابع كلامه:
    ـ وصل الدور الى الرجل العجوز، قال مساعده: سيدي لنطلق سراح الطفل. لكن الضابط رفض بقوة وقال:
    ـ عندما يكبر سيكون منهم.
    وحين أتم تسجيل الأسماء، أمر مساعده أن يأخذنا.. عصبوا عيوننا، أخذوا قفص البلبل من يد الطفل، ورموه بعيداً.. إقتادونا نحو شاحنة كبيرة، كدسوا فيها المعتقلين، حشروهم حتى امتلأت، شممت رائحة الوقود المحترق وهي تغادر، كان مخلوطاً برائحة الموت.. ثم حشروني ومن تبقى في شاحنة أخرى.. شممت رائحة الوقود والموت مرة أخرى.
    سارت بنا الشاحنة مسافة طويلة، كان الوقت ليلاً.. طالت بنا الرحلة، خمنت بأن أكثر من ثلاث ساعات مرت علينا قبل أن تنحرف الشاحنة عن الطريق الخارجي، شممت رائحة الأرض، كانوا يسيرون بنا في الصحراء، توقفت الشاحنة، أنزلونا بطريقة مرتبكة، كان الإضطراب يسيطر عليهم، هكذا عرفنا من صياحهم المهووس.
    رأيت حفرة كبيرة، لم تكن عميقة لكنها واسعة، وقفت عدة سيارات عسكرية على جانب منها.. كانوا خائفين مرتبكين، يريدون إنجاز مهمتهم بسرعة، بأقصى سرعة.. صفونا على حافة الحفرة، أطلقوا علينا الرصاص.
    ... أطلق حسرة ساخنة، أغمض عينيه، كان واضحاً عليه أن الكلام أرهقه، توقف عن الكلام برهة يريد أن يستريح من زخم الذكريات المرعبة.
    كان (فلان العراقي) يستمع إليه بإهتمام كبير، لم يشأ أن يقاطعه.. إلتقط الرجل أنفاسه، أحس بأنه أصبح قادراً على المواصلة:
    ـ سقطت على ظهري في الحفرة، وكان إطلاق الرصاص مستمراً، تهاوت الأجساد حولي، ولف المكان صوت الأنين والصراخ والألم والموت، شعرت بخدر في ساقي، خدر يسري منها الى كامل جسدي، أدركت أنه الموت الذي لا بد منه، وأن نهايتي ها هنا، أغمضت عيني أو أن التراب أغمضهما رغماً عني.
    قاومت التراب المنهال علينا، رفعت قامتي بعض الشئ، كنت أرى بعض الأيدي ترتفع تريد أن تتعلق بالسماء لتجذبها خارج الحفرة، لكن التراب كان أسرع، كانت ساقاي عاطلتين لا أثر للقوة فيهما، كنت أعوم تحت التراب، أنقذتني حافة الحفرة الصلبة، جذبت جسدي بصعوبة، كان النفس مقطوعاً، أوشكت أن أنهار، لو لا أن تنسمت الهواء، سمعت شاحناتهم وسياراتهم وآلاتهم تغادر المكان. كان رأسي وحده خارج القبر، بذلت جهدي لأنتزع جسمي من التراب، كافحت كثيراً ناضلت نضالاً مريراً، حتى حررته من التراب، لم أكن أستطيع السير، تحسست ساقاي كانتا تنزفان، زحفت على بطني، أريد أن أبعد جسمي عن حفرة الموت، سمعت أنيناً ضعيفاً، نمت على الأرض خشيت أن يكون بعضهم في المكان.
    ... مسح بيده جبهته المبتلة بالعرق:
    ـ كان الأنين قريباً، تبينته واحداً منا، كان يمسك خاصرته، إقترب مني، مد يده إلي، قال لي: أسرع لنبتعد من هنا.. إعتمدت عليه كنت أمشي بضع خطوات ثم أسقط أرضاً، فلا ساقاي ولا كتفه قادر على حملي، كنت أزحف بأقصى قوتي، وكان يمشي مترنحاً يئن من الألم محنياً قابضاً على جرحه.. وحين أعجز عن الزحف، يشدني إليه، يحتضنني، يسندني على كتفه، يشجعني على السير، فأسير أجر رجلي.. كان العطش ذباحاً، لو ظفرت بقطرة ماء، لأستعدت قواي، لكنها الصحراء حيث يعزَ الماء.
    بلَ شفتيه الناشفتين بلسانه، لقد أصابه الظمأ بفعل الكلام والذكرى:
    ـ كنت أسمع أنينه يزداد، وأنفاسه تتسارع.. ثم سقطنا على الأرض، تعثر بعصا، بغصن متيبس، فسقط وسقطت معه.
    قال لي: هذه عصا تستطيع أن تعتمد عليها، خذها وأمض في طريقك، حتى تصل الطريق الإسفلتي، إنه قريب من هنا، أما أنا فاتركني لوحدي.
    رفضت الفكرة، لم أكن قادراً على السير وحدي في الظلام.

    قلت له: لن أتركك، لنسترح قليلاً ثم نواصل السير.
    لكنه كان مصراً على رأيه، كان يكرر قوله لي بالمضي في طريقه، وتركه في مكانه.. لم أعرف ماذا قصد حين أراد البقاء، لقد ظننت أنه فقد قواه، وأدركه الموت، لكني سمعت عواء ذئب قريب.
    قال لي: هذا الذئب لن يتركنا بدون أن يشبع جوعه، أنت تستطيع أن تعيش، فأصابتك في الساق، أما أنا فإصابتي خطيرة، لن أنجو أبداً، سأموت هنا أو بعد خطوات.. إذهب أنت بسرعة، وأتركني أشاغل الذئب بلحمي.
    رفضت فكرته مرة أخرى، لكنه كان يصرَ عليَ، بدأ يدفعني بيده، صرخ بي: إرحل قبل أن نموت سوية.. إمض في طريقك ولا تلتفت، وكن حذراً لا يغلبنك الخوف والتعب..أرضكم سخية أيها العزيز.
    ... لم يتمالك الرجل نفسه، بكى بحرقة، تركه (فلان العراقي) يبكي، ربت على كتفه، طال نحيبه، كان يكرر جملته الأخيرة مع النحيب، إنتظره حتى توقفت دموعه:
    ـ لا أتذكر ما حدث بعدها، كانت هناك لقطات متفرقة، نباح كلاب، رائحة حطب، شمس، صياح ديكة، ظلام، شمس، همسات بشر، ظلام، رائحة سجائر، شمس، أشياء متفرقة تأتي وتختفي، ثم فتحت عيني ذات مساء، فإذا برجل أبيض اللحية، يتأمل في وجهي، على ضوء فانوس قديم.. كان أهل الكوخ كرماء غاية الكرم، جازفوا بحياتهم وأنقذوني، ثم جازفوا أكثر حين أوصلوني الى بيتي.
    أدهشت القصة (فلان العراقي)، قال للرجل:
    ـ هل تعرف المكان؟.. ألم يخبروك باسم القرية؟.
    إرتسمت على وجه محدثه إبتسامة ذات معنى:
    ـ رفض أن يخبرني صاحب الكوخ باسمه أو اسم القرية، قال نحن لا نريد منك جزاءً، أنت ضيفنا، يكفينا أن الله قد منَ عليك بالسلامة والعافية.
    تلك هي حكايتي، أنتم أصحاب أرض كريمة.. أرضكم سخية أيها العزيز.
    سأله (فلان العراقي):
    ـ رأيتك تنظر بدقة الى عظام الشهداء وليس الى جماجمهم، عم كنت تبحث؟.
    ـ أريد أن أتعرف على عظام الطفل صاحب البلبل، فهو الطفل الوحيد الذي كان بيننا، لكنني لم أشاهد عظام ساقيه الصغيرتين من بين العظام.. ليست هذه المقبرة التي خرجت منها، إنها في مكان آخر.. سأواصل بحثي.. إستند على عكازيه ودعه ومضى.
    لها تتمة