منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع نداء مشروخ

  1. بواسطة العراقي راقي

    نداء مشروخ
    (قصه قصيره)
    كتابة: د. أسماء سنجاري
    ….
    سأفرغ هذا الصندوق والآخر بعده وهكذا حتى أنتهي من ترتيب الحاجيات التي تركها مراد في شقتي الصغيرة قبل أن يتركني فجأة. تعودت على مزاج مراد المتقلب وطباعه القاسية التي تظهر بشكل مزعج كلما تحجج بالاستياء من أبسط المواقف. قال أنه سيلتحق بفرع البنك في البلدة الصغيرة المجاورة وقال أنه قد حصل على سكن مؤقت هناك مطل على شلال صغير ينسكب بحيوية في عذوبة نهير على ضفتيه تتألق أشجار التفاح.
    يحتل مراد أغلب تفاصيل عالمي وفي أحيان كثيرة يكون هو عالمي بصورة مطلقة. فأنا لا أستطيع نسيانه وفي الوقت نفسه لا يسمح هو باستمرار الموسيقى الهادئة بيننا. ليس من العدالة ربما أن يكون رجل على هذا القدر من الوسامة والأناقة الفكرية والرهافة الروحية. لا أبالغ إن قلت أنه امتلك فؤادي منذ لمحته صدفة في بيت صديق مشترك بيننا. مراد بجبينه اللؤلؤي وبعينيه الزرقاوين الحالمتين اللتين تضمان كل كنوز البحار وبشفتيه الورديتين الرقيقتين وبطريقة نطقه الشفافة لكلمات مؤثرة ومثمرة.
    فرحتُ جدًا حين انتبه مراد لوجودي وسمح لي برفقته الدافئة. لا يفارقني الشعور بالسعادة حين يكون مراد قربي وكم تمنيت توقف الزمن كي أطيل تأمل شفته السفلى وهي تتألق بأروع ابتسامة وتترنم بأرق المفردات. تعلمت من مراد كيف أستوعب الوجود عبر مجسات الجمال وكيف أكتشف بهجة مبهرة وراء العابر والمرئي. لكن مراد على الرغم من تناغمه مع وجداني وأمنياتي كان يتحول بسرعة إلى عتمة العتاب والعزلة ولا يكترث بمحاولاتي تنسيق ما تبعثر بيننا.
    قال أنه بحاجة إلى فترة صمت ولم يرحب بالتحاقي به. قال أنه سيعود حتمًا ولهذا ترك بعض حاجياته معي. قال باقتضاب أنني في نسيج روحه وأننا نشترك حتى في الرؤى. ما زلتُ أصدقه فهو رقيق الروح ولا يتفوه بما لا يعنيه لكنني حائرة كيف يمكنه هجري بهذه البساطة.
    لم أستطع الانسجام مع غيره ولم أقدر على مقاومة حنيني إليه، لكنه لم يعد ولم يتبادل معي أكثر من تحيات مقتضبة يرد بها على لهفتي. وبقيت أنا في شوقي محاطة بصناديق فارغة ألمسها بصبر وامتنان لأنها تحتفظ بلمسات من زيّن عمري.