منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الزوج الأبدي

  1. بواسطة العراقي راقي

    الزوج الأبدي
    كعادتها،تغادر الشقة في أقصى درجات التبرج وزغاريد الماكياج والاستعمال المبالغ فيه لصنوف ذروة في البذخ من المساحيق التي تقنع الوجه وتشوّه ملائكيته ،أكثر مما تضفي عليه ملامح الملاحة والغواية . مع أنها عشرينية ثم إكراهها على الاقتران بمسن ثري كل ما يهمه من تلك الزيجة بعض الظفر بدفء لحظات أنس قد تجود بها علاقة مثالية كتلك.
    وكأن الرغبة -- الدافقة دفنت قبل ما يربو على نصف القرن بمعية الراحلة أم الأولاد الذين تفرقت بهم اليوم سبل الحياة، بحيث باتوا لا يزورون عشّهم القديم إلا غبّا.
    كم تمنى أن يلقّن هذه الصبية فلسفة ما،عبر- الرفق والمودة واللين . فلسفة عميقة تمكنها من تفهّم ظرفيته و محاولة التعويض عليه و غسل ذاكرته من أطياف أول أنثى كان خفق قلبه لها على عهد المراهقة، لكن دون جدوى… عبثا جرّب ذلك ولم يزل ،في حضرة شيطانة ديدنها الزهد في عنّين سخيّ حدّ الجنون ،مثله.
    هاهي تغادر برفقة صويحباتها الماجنات جانحات إلى مشهد العري يلفهنّ و زمرة من المتصابين، يبتلع ضباب السجائر وصدى القهقهات العالية البليدة ، سيارتهم المنطلقة كسهم باتجاه إحدى النوادي الليلية، استهتارا و استخفافا بالرباط المقدس واحتفاء بالخيانات الزوجية و انتشاء بكواليس العربدة والدعارة.
    يكتفي الطاعن في السن،برجم زمرة المجون تلك، بنظرات حقودة وقودها الغيظ الشديد الآكل من الداخل.
    يعود أدراجه متأسفا متأففا وهو يصرخ ملء حنجرته كمن يفقد صوابه تماما : ” إيه، أنت يا زفت، تعالى بسرعة”.
    من فوره يحضر رجل في مثل عمره هو، معقوف القامة ،يبدو من هيأته أنه خادم البيت الفاره والفاخر حدّ الأحلام . يقرصه ممسكا بأذنه ثم يجره إلى البهو وهو يصرخ:
    ـــ كيف أطفئ نيران غضبي؟ كيف؟كيف؟
    ـــ على النحو الذي تراه مناسبا يا سيدي..
    يسلّمه الخدّ الأيمن متوقعا أن يهان بصفعة قوية .. ألف سيده الواهن التوهم أنه بنظير ذلك السلوك يحضى بلون من أريحية و امتصاص للحنق المفرط .
    لكن السيد لم يفعل هذه المرة ،وكأنما سئم كل شيء ،كل شيء تقريبا . لا أحد يعلم ما الذي جعله يتحمل حماقات عاهرة لمدة عشر سنوات.. تطفئ علنا شهوتها .. تمنح جسدها --- مجانا لشباب جائع ، تبدد أموال هذا الذي شكليا يعد بعلها.. إنها مهزلة..
    بينما يذهب الخادم ليعدّ عصيرا يخاله يعين سيده على استعادة هدوء أعصابه المتوترة حدّ الجنون؛ تغزو مخيلة العجوز هواجس جمة محرضة تزين له حبل المشنقة .. بل نوبات ضميرية تؤنبه وتعاتبه على عدم وأد تلك الحثالة الخائنة حتى الآن .. ربما كان عليه التخلص منها وهي تتعطّر و تتبهرج لتعرض ذاتها سلعة رخيصة على ذئاب بشرية مسعورة تستعبدها الشهوة ..
    تتصنع العشرينية مغترة متباهية بتثنيها تجولا في مرآة الانحراف والشذوذ والرذيلة..
    أو وهي نائمة، يرديها خنقا بالوسادة، مثلا، أو يفرغ في صدرها أكثر من رصاصة بندقية معلقة على الجدار لم تزل مشحونة منذ زمن، لا يذكر المسن متى كانت آخر مرة استعملها في رحلة الصيد الذي مثل هوايته المفضلة على امتداد زيجته الأولى.
    لم ولن يحدث شيء من هذا القبيل، على الإطلاق .. كون المسن أضعف وأعجز عن يسحق حشرة أو يؤذي ذبابة ..
    جفاه النوم،تلك الليلة الليلاء، وتناوبت على رأسه الثقيلة أصلا، كوابيس اليقظة، متخيلا حجم بشاعة مستنقع التيه الذي ابتلع صبيته ..
    وفي الهزيع الأخير من الليل ،عوى باب الشقة ، فأيقن أنها زوجته الصورية عادت من عالمها الموبوء، مخمورة وقد قضت أكثر من وطر .. رقصت وعانقت وقبلت و وجرّبت اللذتين.
    تظاهر بالنوم في اللحظة التي ارتمت الساقطة إل جنبه على سرير بكر لم يتلطّخ بعد .. وقد أشاحت عنه وكان أنهكها المجون.
    لم تأبه له لما دغدغها وغازلها وبادر إلى تناسي الحاصل .. عاود الكرة ، فاستدارت بالنهاية نحوه ليتعانقا ويبكيان معا تفضحهما دموع التماسيح .. هي على شبابها المغتصب وهو على معاقبته بانتزاع فحولته منه بعد استئساده وصولته غير المشروعة في جغرافية ماض ملطخ بهتك الأعراض.
    تجاذبا أطراف الحديث و كأن شيئا لم يكن .. تعالت ضحكاتها حتى انتهت إلى مسامع الخادم الذي بعد تبين الأمر، أصرّ أن يصفع ذاته هذه المرة بذاته، وأشدّ ما تكون الصفعة كشاهد على معاناة ديوث ..
    أحمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي/12/01/2016