منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع التـــبــــان الكـــاكي…

  1. بواسطة العراقي راقي

    التـــبــــان الكـــاكي…
    قــصة:
    إهــداء:
    إلى أهل مطماطة عراقة الياسمين.

    الآن استوطنا المكان الذي جنّد عنفوانه، وألقي بالتيه من أعالي المشاعر. هي الظروف ملء سويعة سكنتها دفقة إغراء، حيث المكان برمته عار يستفز الزمن يبحث له عن إثارة لكأنما المشاعر تساقط كثمار طازجة. من تنبأ بصدفة أحدثت رجّة بحجم هذه العواطف العنيفة ؟ كيف حال الظروف التي جمعتنا إلى حافة طاولة نرشف قهوة ” عـرْبي” والنادل يشير بسبابته :
    Troglytes !.. Troglytes!.. *
    وقد انتصب من حولها الفندق السياحي يحفه النخيل في شكل مخروط، الأرجح إن إشارته تعنيها دون سواها. أما أنا فما عدت متأكدا تمام التأكد من أن حضوري إلى هنا، قد تم عن طيب خاطر. كثيرا ما تتجمع في ذهني جملة نقاط من بقاع الأرض، ثم ما تلبث تتفرق تحت حائل المستجدات.

    كأني بالحواس انتابتها فوضى أبطلت جهاز التقاطها فتكونت لديها حالة شغور .الموقف أمامي بدا يستدعي ريبة كما يحتمل يقين. إذ لم يتباطأ بعلها الأشقر كما لو كان على عجلة من أمره، إذ انخرط يهرش الجيب الخلفي لتبانه الكاكي وقد ارتمى في بلاهة يدور. شملته ريبة فاحتواها استهتار، أطلقت للضحك العنان ومطماطة* عند الظهيرة وهج في وهج… شدّت لها الرحال عارمة الشهوة، دخلتها بلا أذى ودخلتها كطريدة أتودّد علها تربط منديلا على جبيني، فتطرد عني الأذى وتمسح العبوس على قارعة أيامي.
    جلسنا والمدى ثابت يقنص العشق يغري … بصرها على كل ما أحاط بها!.. قفر قرمزي سابح في ملكوت بداوته، يراقص العجب سرابا بضمإ الصيف يغزل بلا فتور صدى الملاحم .. يختلي بالوافدين يهتك ستر الحكايا.
    يممت النظر شطر وجهها أستطيب جم القسمات !.. يا لألق الوجه الصبوح يزرع الفرح بمقدار !.. تشعّ الصَُباحة ..تضجّ السمات الناضرة. إنسرحي يا أساريرها وابتهجي. ألا فاندلقي يا ضحكات على شفاه ياقوت. توزعي صدقة على وجوه يتامى القفر، حرضي على العنفوان، العشب والماء والطّير.
    نعم النّهار حيث هي جالسة وحيث هي سائحة في الأرض. تغنجت لتجمع مفاتيح الأسرار… وضعت جسدا بضا ونفسا متخمة على محك بيئي ضروس، تفاقم في الهشاشة والصلابة , تفتش بين الأشياء عن أناس هربوا بقايا إنسانية إلى قعر الحياة . بعلها في بلاهة يدور. شملته ريبة فاحتواها استهتار، أطلقت
    للضحك العنان.
    توزعت في شوارع السقالبة وأزقة بني الأحمر…كان غزل الشمس يمرح بين جدائل شعرها الفحمي ويغسل وجهها القمحي، مضمخ بزهو الصبا والجمال. صادفته هناك عند بائع الورود وراق لها يومها حديثه مع صاحب الكشك بأسلوبه المرح .ابتسمت لإحدى عباراته . فك الحرج فأهداها باقة واستمرا يملآن الأرض غبطة.
    احورار العينين واللّكنة اللاتينية قرينتان تهجـّنت فيهما النقائض .كدت أفاجئ حظرتها: لم شدت الرحال إلى هنا ؟ استبد لت الوردة بالحجر النّافورة بالجحر!.. أحقا لمغاور مطماطة كل هذه الغواية ؟ !
    تفرق في الفلاة أثر القادمين إلى الفلاة. مرّوا من هنا استلذّوا فوح الأريج.. اقتاتوا على التين والزيتون وحبات التين الشوكي. فاكهة الأرض، ياقوت الواقف، قوت الموقوف النملة و التروبادور.
    اهتزاز الجسد تحت الضحكات يبث فـيَ فضول التفحص.. آلة تصوير كقلادة مشدودة إلى عنقها قمحي. عدسة تقتات على صور ماض غريق وحاضر مركب تأسره لمحكم الأقفال. صاحبتها حية الانتباه لا تتهيب خطر. فتحت للسفر مغامرة على شكل اختراع. غاصت في مطماطة القديمة، نبشت أساطيرها، تهجت حروف استعارة اسمها الباقي خلطت الماء بالتراب أعادت تشكيلها الأول.
    اللون مصدر الغبطة. إني أتشهى هذا الاحورار في ذات العينين. إنخطاف يصدر بي منها إلى الضفة الأخرى .. كالذي يعرج، ذا أنا عبر برج جمال أعبر …
    منك يا خليطة الأعراق تتنزى رائحة شموخ تجتاح اليابسة والبحر. تطل بي من على طليطلة. إني على مرأى ومسمع من ملائكة وجن آوي إلى جبل البشرى سيعصمني. الطوفان لم يبق ولم يذر. أتمسح بجبل الثلج يطهرني. ينقي بدني من درن الخطايا. يفرغ في صهيد الحشا بردا وسلاما.
    من سرق مني ناقوس القلب ؟ قرطبة بهجة المباهج .. إرثي الممنوع. من استرد عنوة مني اشبيليا سحر الساحر وغناء الكروان؟
    أجوب في نزق أزقة لها خوار، أستنشق نفسا يملأ صدري العاري للطعنات. أروقة تمد صداها المتعنتر، مجللا بالنقوش تعرض بستنه وزخرفا. تذهب الأسى وتطرح الأوزار خارج حدود هشاشة هذا الجسد. أمشي بضوء فوانيسها سافر الوجه والنوايا .ألتقط خبر الأقطاب.
    ألمح الحلوي* على مرمى حجر … ها فتى متشرد ناولني من قصعتك قطعة حلوى ؛ أ زل مرارة عني. أصبغ يا حلوي نعمتك علي. انقطع عني رزقي. عيون ترصدني لا أعرفها وأرجل خشنة تلاحق ظلي …
    …قرطبة ما بها تميعت لفها بخار ؟!..
    مضغت سيجارة “الكــلواز” ونفخت جهد نفس باتجاهنا وهي تضحك عاليا. لازال بعلها في بلاهة يدور. يهرش في كل اتجاه .
    أمضيا الصبيحة يقطفان معا بواكير الأسرار المهربة بين “مغاور” مطماطة، مشدوهان لهذي البيوت البربرية المتحدية لزلازل الأرض .تعطر أرجاءها المزركشة أصداء أصوات تطل تحت نقاب الزمن المبهور. يسكنها جوهر الإنسان. على رغم شظف العيش هم أكرم خلق الله وألطفهم صعدا على مشارف أحجارها. لفحتهما الشمس. بعدا قعدا على حمر الرمال.. تمدد هو بعد ما تجرد من تبانه الكاكي حتى تلوح الشمس بشرته.
    استفحال الحالة لديه دفع به إلى ولوج المقهى. ذعر تملكه وريبة !…
    أما أنا فلن أخرج من برج الحمراء لأمشي بنهارات داميات الخطى وسرادق ليل ذبيح… هي الفاتحة ومسك الختام. تراتيل غناء بسمعي هاجمت فجاج الروح. دق وتر على مقام الأصبهان، أفرج عن أسرى القلب … نستا لجيا الحب الموطأ، نستا لجيا معجم الشوق الذي لا يبلى… يهزني هتاف : – أبحر صوبي..! تخطّى الضيق لتطأ الزمن البهي والمكان الودود .! ذا أنا أدخل حديقة العريف بها يكلمني النارنج والبهار. آكل من ثمر لا عين رأت ولا أذن سمعت !.. أقف بمرأى الروح على أحواض الماء في تعبد. السمك المرجاني ناسك، سابح في سلسبيل. تتملاني ساحة المرجان، هفهفة الطير، هسهسة الماء. الكل شغوف لرؤيتي يمسح على رأسي.
    …قصر الحمراء ما به لفه بخار ؟.!..
    مضغت ثانية سيجارة “الكــلواز” ونفخت جهد نفس باتجاهنا وهي تضحك عاليا. لا شيء يطيح بذروة سعادتها.
    لحظة استرعى انتباهي، لم يعد النادل بحاجة لمن يفسر اضطراب حركاته. حتى إنجليزيته التي ما انفكت تجلب له إعجاب السياح خانته هذه المرة. متلعثما بدا وهو يستدرجها للداخل. في الموقف شديد حرج.
    دلفت بمعيته المقهى. سرعان ما مرقت ممتقعة المحيا تعول باتجاهنا من قال أن الضحكة العالية ستموت دونما سابق إنذار؟
    انطفأت سيجارة القلواز …بالداخل، تحلقنا من حول بعل أشقر مرتعش الفرائص. في الذعر والذهول غرق الجميع.
    عجّل عجّل !..صوت عند ذروة الحرج، يأمر ويلح.
    أطلقت سيارة الإسعاف سفارة تدوي منطلقة في عنوة. حرص النادل على رغم كل شيء على عدم تقديم جرعة ماء، كم ألح وقتها السائح الأشقر على أن يفرغها في جوفه.
    أما عيون الجميع فضلّت على البلاط جاحظة الزعنفة الطويلة للعقرب الصفراء!.. جاءت من مغاور مطماطة طافحة لمودة قديمة .
    مؤكد أنها استنكرت هرش يده تحت تبانه الكاكي فقامت تسلم.
    انتهــت
    بقـلم : الــسعــيد مــرابــطي

    ——————
    * مطماطة : بلدة أثرية في صحراء ولاية قابس التونسية.
    : Troglodytes*
    وهي المغاور ،حفر بربرية الأصل يسكنها أهل مطماطة القديمة.
    * الحـلوي : هو أبو عبد الله الإشبيلي. كــان آخر قاضيا بإشبيليا آخر دولة الموحدين .أنف من
    القضاء وغادر بلاده نحو تــلمسان. لأنه كان يطوف بالسوق وبيده طبق من عود
    فيه الحلوى للصبيان.