منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع جُذُور

  1. بواسطة العراقي راقي

    جُذُور

    حين زارتها زينب، في المرة الاخيرة، قادمة من أستكهولم، لامتها على موافقتها السكن في هذه القرية البعيدة:

    ـ أذا كان زوجك لا يحب المدن المزدحمة، لم لا تختارون السكن في أحدى الضواحي، أو المدن الصغيرة القريبة من العاصمة، بدل أن تسكنوا في منفى داخل المنفى؟
    كانت زينب محقة الى حد ما في كلامها، لكن أتعتقد انها لا تحب ان تلتقي الناس وتحضر بعض النشاطات والفعاليات الاجتماعية والثقافية التي تكثر في ستوكهولم؟ أو انها لا تحب التسكع في أسواق العاصمة الفخمة؟ أتعتقد ان "مجيد" لا يحب لقاء اصحابه واصدقائه وأغلبهم يسكن هناك؟ لقد عاشوا سنينا صعبة في الجبل، بعيدين عن أبسط المستلزمات الحضارية، بحيث حفظ الانصار قصص بعضهم البعض، كادوا أن يصبحوا بدون أسرار لكثرة ما كرروا قصصهم وأحاديثهم. كانت زيارات الأنصار للقرى الكردية ولقاؤهم سكان القرى عيدا بهيجا، فهي الى جانب اشياء عديدة، تمنحهم تفاصيل جديدة تغني حياتهم اليومية، لكن كيف لزينب وغيرها ان تعرف، أن وجودهم في هذه القرية، ضمن لهما فرص عمل لا يمكن الحصول عليها في المدن الكبيرة وسط الازمة الاقتصادية التي تعيشها دول اوربا والعالم؟ نجح مجيد في بناء شبكة علاقات طيبة مع أهل القرية الصغيرة، التي تتفوق على أي مدينة في بلادها لتوفر مختلف الخدمات فيها، وصارت وأياه وجوها معروفة في القرية ونشاطاتها، ولاطفالهم صداقات متميزة، جعلت مجيد يقول لها ذات ليلة:
    ـ صرت أخاف هذه الجذور الجديدة .. أن تسرقنا من جذورنا الاولى!
    لا تعتقد ان ذلك يمكن ان يحصل، فروحها تطوف هناك كل يوم، رغم كل تفاصيل حياتها الجديدة. تدرك تماما "أن الحجر في مكانه ثقيل". سمعت ذلك يوما من رجل عجوز في قرية كردية منسية عند خاصرة جبل، ورافقتها هذه الكلمات مثل جرس انذار. كانوا يعتقدون انه بمجرد سقوط الديكتاتور صدام حسين سيحزمون حقائبهم ليعودوا للعيش تحت شمسهم الاولى، لكن الامور كل يوم صارت تتعقد اكثر. ظهرت اشكالات وعوائق لا عد لها. وهاهي اليوم متمسكة بوصايا أمها، تجد نفسها بسبب سكنها في قرية تواجه أشكالا لا تعرف كيف بدأ عندها ونما، بل وصار مشكلة حاولت ان لا تشرك مجيد فيها، اذ يكفيه هموم ما يحدث في العراق والعمل ومتطلبات الابناء. وفاؤها لأمها، التي رحلت عن الدنيا، وهي بعيدة عنها في الجبل، يجعلها تمارس أحيانا طقوسا، لا تناسب ظاهريا شخصيتها كأمرأة متحررة، عاشت طويلا في أوربا. تدرك أنها من خلال ذلك تحاول استعادة ذكرى طيف أمها وحواراتها العذبة. تتذكر جيدا كيف ثارت أمها حين عرفت بأن تركية بنت عمتهم حسنة نزعت ثيابها السود، ثياب الحزن على أخيها، في بيت أختهم الكبيرة أسماء:
    ـ لا يمكن، خلع ثياب الحزن في البيت أبدا، حتى لا يسكن الحزن بيتك يا أبنتي، المطلوب خلع ثياب الحزن في أي جامع، في بيت الله فهو القادر على دفع الحزن بعيدا عن الناس، أو قرب ماء جار، فالماء يطهر من الشر والحزن!
    وهاهي من أيام، تفكر حائرة، في مكان مناسب، لتخلع ثوبها الاسود، الذي أرتده حزنا على رحيل قريب لأمها. ذاك الرجل الذي طالما كانت صورته في بالها، نموذجا للفرسان الذين قرأت عنهم في مطلع شبابها، حافظي الاسرار والمدافعين عن المظلومين. كان رجلا كريما وشهما. ساعدها كثيرا حين راح ضباع رجال الأمن يضيقون الخناق عليها لاسقاطها سياسيا وأجبارها على الانضمام لصفوف حزب البعث. أحب أمها في شبابه وطلب يدها، لكن جدها رفض لبعد النسب العشائري، وأختار أبن أخيه، أبيها، ليكون عريسا لأمها. حين أخبرت مجيد بقرارها أبتسم:
    ـ الا تخشين أن تزعل منك اختك أسماء، ترتدين ثياب الحزن على رجل عشق أمك يوما ما؟
    وحاولت ان لا تتفلسف كثيرا:
    ـ الحقيقة أن حزني ليس عليه مباشرة، وانما على أمي بشكل غير مباشر. لا تنس انه رجل كان يمكن ان يكون أبي لو وافق جدي على الخطبة، وأن أمي كانت ...!
    وضحك مجيد:
    ـ وما ادراك أنك ستولدين من هذه الزيجة لو حدثت، لربما جاء الابناء كلهم ذكورا؟
    واستيقظ فيها عناد الجبل الأنصاري:
    ـ ليكن، هو رجل عشق أمي. يعني أن أمي كانت موجودة وبقوة في خياله، في كيانه، وعليه سأرتدي الاسود، ليس لسنة كاملة كما تقتضي العادات، وأنما لأربعين يوما فقط!
    لم يعارضها مجيد. منذ تعرفت اليه في كردستان، وهي تشعر به صخرتها التي يمكن أن تستند اليها عند التعب. حين جاءها أحد رفاقها الانصار ليخبرها أنه رسول حب بينه وبينها، ضجت روحها بالفرح، وخفق قلبها مثل مراهقة، وشعرت برجفة تجتاح جسدها، لكنها تماسكت وأظهرت غضبها:
    ـ ليأت بنفسه، أيعقل ان يتصرف مثل طالب سنة اولى جامعة؟
    ولم يصرفا الكثير من الوقت، ليعلنا خطبتهما. كانت عواطفهما واضحة وصادقة. كان رفاقهما الانصار يتلمسون الوشائج التي صارت تنمو بينهما، الا انه كان يتردد لاسباب عديدة للافصاح عن مكنوناته بشكل مباشر. كانت ليلة عرسهما بهيجة ومتميزة ظلت القاعدة الانصارية تتذكرها طويلا. بذل رفاقها جهدا لتوفير بدلة زفاف من احدى القرى القريبة. الادارة تبرعت بذبح خروف في تلك الليلة. المسؤول العسكري للقاعدة سمح باطلاقات نارية محدودة تحية للمناسبة، لكن الكثيرين تجاوزوا المقرر مما اغضب بعض القادة. افردوا لهما غرفة طينية في طرف المقر، موقعها يجعلها مرغوبة من كل المتزوجين، لكن في الشتاء يهرب منها الجميع لرداءة سقفها الذي يأبى الاصلاح ويسرب الماء مهما كان المطر خفيفا. وكان مجيد دائما يخفف من سوء الامور:
    ـ كل شيء له حل في هذه الحياة، إلا الموت!
    أتصلت بزينب على الهاتف، وسألتها المشورة:
    ـ لا يوجد جامع في قريتنا الصغيرة، ولا يوجد لدي الوقت الكافي للسفر لاقرب مدينة فيها جامع، افكر بأن انزع ثياب الحزن في الكنيسة، ما رأيك؟
    فصاحت بها زينب مرعوبة:
    ـ أياك .. أياك . ماذا سيقول عنك الناس لو سمعوا؟ هؤلاء نصارى، كفار!
    وكتمت غضبها وهي ترد عليها:
    ـ لكن يا زينب، أن الله واحد ونبيهم أبن الله كما يقول القرآن؟
    وكانت زينب، قريبتها، يوما بعد اخر، تبدو لها تتبع وبشكل أعمى افكار زوجها، الذي طالت لحيته خلال سنوات الحصار الاقتصادي البغيضة، وعلت جبينه بقعة دائرية سوداء، وصار يمتعض من ماضيه اليساري، وبعد أحتلال العراق وسقوط الديكتاتور، صارت له أواصر قوية مع رجالات متنفذين في الحكم في بغداد:
    ــ أبوعلي يقول، أن الاسلام هو دين الله!
    وارادت ان تصرخ بها:
    ـ أذ كانوا كفارا، كيف تقبلون المساعدات من الكنيسة؟ الملابس، وأكياس الفاكهة والخبز، وغيرها؟
    لكنها، اذ وجدت نفسها متورطة بحديث مع صديقة طفولتها، أحبت ان تواصل الاسئلة:
    ـ يا زينب، يا أم علي،اتصل بك لتسهلي لي الامور. قريب منا بحيرة، أتعتقدينها مكانا مناسبا لذلك؟
    وأحتارت زينب مثلها، ووعدت بسؤال أبي علي، وانتهت المكالمة. ولكن حتى لو أفتى أبو علي بجواز ذلك، أتستطيع ان تجازف في ظل هذا البرد الشديد ودرجات الحرارة تحت الصفر؟ كان مجيد يراقبها بعيون حذرة. لم يعلق بشيء، حين اخبرته عن مكالمتها مع زينب. حاولت استفزازه في اليوم التالي:
    ـ كون زوجها انتهازي وغير جلده اكثر من مرة، لا يعني ان نقاطع زوجته، حى لو كانت بوقا لزوجها كما تقول، هذا يعني اننا سنفقد علاقاتنا مع كثير من الناس!
    وضحك بهدوء تحبه فيه:
    ـ كلامك يعني ان الانتهازيين كثروا هذه الايام؟
    وشعرت نفسها وقعت في فخ كلامها:
    ـ ليس هكذا تماما ولكن ...
    تشعر بالالم من التطورات في حياة زينب. حين اتصلت بها من الاردن تبحث وعائلتها عن طريق للوصول الى أوربا بذلت ومجيد جهودا حثيثة لمساعدتهم، وفرحت بوصولها السويد، لكنه اكتشفت ان زينب صارت بعيدة عنها كثيرا. لا توجد لغة مشتركة، وكانت تبذل جهدا مضاعفا للحفاظ على اواصر العلاقة بحدودها الدنيا. لكن ما يعوض لها ويفرحها، ان التحولات في حياة زينب لا يمكن ان تكون مثالا عن كل الناس. حولها يعيش الكثير ممن تشعر بالاعتزاز بأرتباطها بهم، الذين صاروا اجمل وافضل في سلوكهم وافكارهم رغم كل ما واجهوه من مصاعب في حياتهم. وجاءها الحل دون ان تدري من أبنائها. كان أبنها يتجادل بانفعال ويشرح لأخته عن "الساونا"، فقد قرأ شيئا عنها، وكانت أخته تنصت له بأهتمام:
    ـ الساونا يعتبر مكان مقدس عند سكان البلاد في شمال اوربا، وخاصة الفنلنديين، ويعتبرونه مكانا طاهرا، ففيه كانوا يغسلون موتاهم، وفيه تتم الولادات، و ...
    وكادت ان تصرخ:
    ــ وجدتها ... وجدتها!
    تحت رشاش الماء الساخن، في الساونا العامة، للعمارة السكنية ذات الثلاث طوابق، حيث تقيم مع عائلتها في شقة منها، كانت دموعها تسيل رغم ارادتها. لم تستطع كبحها. تحاول ان تستعيد ذكرى أمها التي ودعتها بالدموع يوم قررت الرحيل من العراق، مضطرة، تخلصا من مضايقات ضباع حزب البعث،التي لم تعد تحتمل. عانقتها وراحت تشمها من رقبتها:
    ـ كنت دائما اقول بأني أذا رزقت بنات فقط، فأن رب العالمين يريد ان يقول لي بانهن سيرفعن لي رأسي دائما. اذهبي يا أبنتي ورب العالمين يحفظك ويرعاك، والظالم سينال عقابه يوما ما. تذكريني دوما!
    ولم تنس أمها يوما. في غرفتها في معسكرات المقاومة الفلسطينية في بيروت حيث تلقت دورات عسكرية قبل الذهاب الى كردستان، كانت تخفي صورة أمها تحت الوسادة، وتقبلها كل مرة قبل ان تخلد الى النوم. ضاعت منها الصورة في أحداث بشت أشان الغادرة. كانت تفرك جسدها بالليفة والصابون كأنها تحاول ازالة اللون الاسود الذي ظنته التصق بجسدها نيابة عن جسد أمها. لم تر أمها يوما بثياب ملونة. منذ وفاة والدها والحزن يتراكم في بيتهم. ابن عمتهم حسنة توفي بحادث سيارة. ابن جيرانهم الشاب الجامعي الخجول قتل في ظروف غامضة، قيل انه ثارات عشائرية قديمة، وقيل أن جهات حكومية دبرته. خالهم الشيوعي مات بظروف غامضة بعد معاناة بمرض غريب الاعراض، فيما بعد عرفوا انه سقي "الثاليوم" بقدح عصير في دائرة الامن عند استجوابه. من ثياب حزن الى ثياب حزن اخرى. غادرت بيت اهلها ووطنها. وجاءت حروب الديكتاتور صدام حسين العبثية، ضد الجيران وضد الشعب، فأرتدى العراق كله ثياب الحزن السوداء. بيوت ووطن غارق في الاسود. في ثياب الحزن. سألت مجيد متفكرة:
    ـ بلد مثل العراق، يرتدي شعبه الاسود بكثرة بالغة، أين يجد الجوامع الكافية لو أراد ان ينزع ثياب حزنه؟
    ضحك وقال لها بنظرة جدية:
    ـ ربما لهذا السبب هناك قوى سياسية تحاول ان تحول العراق الى جامع كبير!

    القصة من مخطوط "بعيداً عن البنادق" المعد للنشر

    يوسف أبو الفوز
    السليمانية 30 تموز 2011