منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الابتلاء

  1. بواسطة الشيخ عباس

    الابتلاء

    تاليف

    الشيخ عباس محمد


    حكمة الإبتلاء
    لماذا الإبتلاء؟
    إن الانسان عندما يولد، تولد معه فرصتان متساويتان ككفتي الميزان اللتين لا رجحان لأحداهما على الأخرى؛ فرصة الخير، وفرصة الشر.. فرصة الدخول الى الجنة، وفرصة الدخول في النار. ثم يدخل الانسان بعد ذلك في سلسلة لا تنتهي من الامتحانات، وهذه الامتحانات تتعمق وتصبح أكثر صعوبة عند البلوغ، وفي بعض الأحيان تغدو امتحانات عسيرة شديدة.
    وكلما إزدادت هذه الاختبارات شدة وصعوبة، إزداد نقاء جوهر الانسان. والدليل على ذلك إن أصل كلمة (فتنة) مقتبس من وضع الذهب في النار، لأن هذا المعدن يختلط بسائر المعادن. فلكي يصفى وتذهب عنه تلك الشوائب، فانه يحتاج الى (الفتنة)؛ أي الى أن يعرض للنار ليذوب فيها وتزول الزوائد منه. وقد استخدم القرآن الكريم هذا المصطلح في مواضع عديدة، منها سورة (البروج) حيث يقول عز من قائل: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } (البروج/10)
    فما هو - يا ترى - معنى الفتنة للمؤمنين في هذه الآية الكريمة ؟
    إنها تعني؛ أن في داخل المؤمن خليطاً من رواسب الشرك والذنوب والخطايا.. فالكثير من الناس كانوا يعانون في مقتبل أعمارهم من إنحرافات، كالكذب والغيبة، والنظر أو الاستماع الى ما حرمه الله تعالى، وما الى ذلك من ذنوب. وهذه الذنوب تظل في أعناقنا بالتأكيد، لأنها مسجلة في اللوح المحفوظ، وقد أحصتها الملائكة علينا. كما أنه كل شيء يشهد على الانسان، كالأرض التي ارتكب الذنب عليها، والجوارح التي مارست بها هذا الذنب. أضف الى ذلك، إن الذنوب تترك آثاراً على قلب الانسان، فهي ترين عليه، وتحيط به.
    الفتنة تطهر الانسان والفتنة هي التي تتكفل بازالة رواسب الذنوب، والثقافة الجاهلية، والانحراف، والتربية الفاسدة من نفس الانسان وقلبه. وقد تتجسد الفتنة في الجهاد في سبيل الله عز وجل أو العيش في دار الغربة.. والألم الذي يعاني منه الانسان في هذه الحالة، يؤدي الى تطهير القلب، كما تطهر النار الذهب من الرواسب العالقة به. ولذلك فان الانسان المؤمن حقاً يحب الفتنة، ويتقبلها بصدر رحب، لكي يتخلص من رواسب ذنوبه.
    وبالطبع فاننا نعوذ بالله تعالى من جهد البلاء وشدته، ومن التعرض الى الفتن العظيمة التي لا طاقة للانسان بها والتي تؤدي الى تهيبه وتراجعه، وبالتالي سقوطه في الامتحان الإلهي.
    وهكذا فان نظرتنا الى الصراع بيننا وبين أعداء الدين قائمة على أساس الايمان بالفتنة والاختبار الإلهي، وبالتالي فان علينا أن لا نعترض على الارادة الالهية، ولا نتذمر منها قائلين: لماذا كل هذه المآسي والمصائب التي تنزل علينا، ولماذا لا نعيش مرتاحين كما يعيش الآخرون، ولماذا لا نخرج من صراع إلاّ لندخل في صراع آخر؟
    فطبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يدخل الانسان سلسلة من الامتحانات،
    ونحن لا نستطيع أن نهرب من تقديرات الله تبارك وتعالى. فقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: "ولو أنَّ مؤمناً على قلّة جبل لبعث الله عز وجل إليه شيطاناً يؤذيه". (1)
    الفتنة جزء من الحياة
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج65، ص218. وإذا ما أراد الانسان أن يتخلص من الفتن، فعليه أن يخرج من هذه الدنيا. وإذا خرج منها، فإن كل شيء سينتهي. فما دامت الحياة قائمة، فان الفتنة قائمة هي الأخرى الى اللحظة الأخيرة من هذه الحياة. ولذلك فقد جاء في بعض الأدعية: "اللهم اني أعوذ بك من العديلة عند الموت".(1) ففي لحظات الموت يصاب الانسان بعطش شديد، ولذلك فمن المستحب أن يسقى الماء. وفي هذه اللحظات الحرجة والحساسة، والتي هي لحظات الفتنة والاختبار، يأتي الشيطان ويخاطب الانسان قائلا: سأعطيك الماء شريطة أن تكفر بالله. وهناك من الناس من يسقط في هذا الامتحان، فيكفر بربه في اللحظات الأخيرة، فيموت وهو كافر.
    فلنحذر من هذه اللحظة، ولنفكر فيها، ولنحاول أن نتجاوزها بنجاح من خلال تعويد أنفسنا على قراءة القرآن وحفظ آياته والتدبر فيها، والعيش في أجوائها، لكي تكون زادنا الذي نتقوى به في تلك اللحظات المصيرية.
    وعلى هذا فان صراعنا مع الأعداء هو صراع ثقافي مبدئي؛ وهذا الصراع من مصلحتنا، لأنه يزكينا ويطهرنا من دنس الذنوب ورواسب الشرك وحب الدنيا. فمن الضروري أن تكون في حياتنا الصراعات والمشاكل، لكي لا ننسى الآخرة، ولا نتجه الى الدنيا.
    وهذا الصراع الثقافي الدائر بيننا وبين أعدائنا ينبغي أن نديره بمهارة وذكاء، بأن نستغله في تربية الروح الدينية، وتنمية التقوى، وإيجاد زخم معنوي في النفوس، وبعث الحالة الحضارية في أنفسنا من جديد. فكلنا مسؤول، وسنمثل يوم القيامة كلنا أمام رسول الله صلى الله عليه وآله ليكون شاهداً وحجة علينا فيما عملناه من أجل الاسلام، وما قدمناه له من تضحيات وعطاءات.
    عقبى الفتنة
    __________
    (1) مفاتيح الجنان، دعاء العديلة، ص 85. والتعرض الى الفتن والابتلاءات والخروج منها ونحن أقوى عزيمة وأشد بأساً، وأكثر مضاء وتصميماً على مواصلة الدرب، والاستمرار في المسيرة.. كل ذلك هو الذي يضمن لنا الارتفاع في درجات الايمان، والتطهر من الذنوب والآثام، وصقل نفوسنا، وبالتالي المثول أمام رب العالمين جل وعلا بوجوه بيضاء، ونفوس مطمئنة، وأرواح متطلعة الى ثواب ربها ورضوانه. وإلا فان سوء العاقبة سوف تكون بانتظارنا – لا قدر الله - إذا ما سقطنا في الامتحانات الإلهية، ولم نعرف كيف نستغلها في سبيل الرقي في المدارج العليا للايمان، وذلك من خلال التذمر منها، وعدم الصمود أمامها، والتهرب من مواجهتها.
    حتمية الإبتلاء
    المصيبة العظمى والداء الوبيل أن يخلد الانسان ويميل بكل كيانه الى الدعة، ويغرق في بحار اللذائذ والترف؛ فيعتقد أن سر وجوده في هذه الحياة وفلسفته، هما التنعم باشباع الغرائز والشهوات، مثله في ذلك كمثل البهيمة المربوطة التي لا همّ لها سوى علفها.
    وعندما يسود الذهن البشري اعتقاد كهذا، يقضي بأن الحياة الدنيا هي الأساس والغاية، وبنهايتها تكون خاتمة المسير والمطاف؛ فلا حياة ولا نشور. فان هذه هي المصيبة الكبرى، ذلك لأن هذا الاعتقاد يمثل الضلال المبين الذي يميت القلب، والغشاوة التي تعمي الأبصار، والسبب الحقيقي لمسيرة الانحراف الخطيرة في حياة الانسان؛ ذلك لأن الدنيا لم تخلق ليركن إليها، بل إنها قامت على كدر ومشاكل ومعاناة، وجرت دواليبها بدفع من الجد والجهد والاجتهاد، لذلك يقول تعالى: { يَآ أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } (الانشقاق/6).
    وبالطبع فاننا لا نريد أن نلغي التمتع بالنعم في الدنيا، بل نعني أن هذه النعم إن وجدت فانها طارئة منقضية، وأن إحساس الانسان بالراحة والاستقرار هو حالة إستثنائية.
    سر ظاهرة الموت
    وفي البدء لنتأمل ونمعن النظر في سر ظاهرة الموت التي هي ليست في الحقيقة غريبة وعجيبة، لأننا نعيشها ونلحظها في كل آن، ولكن الغرابة والعجب يكمنان في سر هذه الرحلة. فقد يسأل الإنسان نفسه في هذا المجال قائلا: ترى ما قيمة هذه الحياة التي نحياها اذا كانت تختتم بالموت؟ فها نحن نبني ونعمل وننتج ونعمر الأرض.. وإذا بكل شيء ينتهي في تلك اللحظة المخطوطة، والأجل المكتوب، لينتهي معه النزاع والتكالب على هذه الدنيا وحطامها رغما عنا.
    وبناء على ذلك فما قيمة هذه الحياة، وما قدر هذه الدنيا، وما أعظم تلك العبر والدروس والمواعظ التي علمونا إياها أئمة الهدى عليهم السلام، وأرادوا لنا بها خير الدنيا وثواب الآخرة؟ فها هو ذا إمامنا موسى الكاظم عليه السلام ينطق بالموعظة البليغة، عندما ينظر الى ميت قد إنشغل أهله وأصحابه باهالة التراب على جسده فيقول: " إنَّ شيئاًً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإنَّ شيئاً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره". (1) فهذا هو حال الدنيا، فالانسان يسعى فيها ويجهد ويبني ويشيد ثم يأتي هادم اللذات فينغص عليه لذائذه، ويهدم بفأسه آماله وأمانيه.
    صحيح إن هذه الدنيا لا تخلو من راحة أو تمتع بنعمة أو نشوة، ولكن يجب أن لا يغيب عن بالنا إن تلك النعم واللذائذ إن خلت من التنغيص فان زوالها السريع هو التنغيص بذاته. ثم إننا كثيراً ما نرى أن ساعات التمتع بالنعم والملذات تتخللها - وربما تفسدها - تلك المنغصات الطارئة أو الكامنة في النفس. فحتى في تلك الساعات التي نفرغ فيها من أداء المهمات والواحبات، ونكون فيها أحراراً من كل مسؤولية؛ في هذه الساعات تنطلق كوامن النفس من هواجس ووساوس وأفكار شتى، وربما تكون وساوس شيطانية تملأ القلب، وتنغص عليه ساعات الراحة تلك.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج70، ص103. وهكذا الحال بالنسبة الى النعم واللذائذ، فان أقل منغص لها علمك بزوالها أو زوالك عنها بعد فترة قصيرة، ثم هناك القلق والخوف والتفكير في كيفية الحفاظ على هذه النعمة وحراستها.
    لا حياة بدون مشاكل
    وعلى هذا الأساس فان الحياة الدنيا لا تخلو من المشاكل والمعاناة والمنغصات الكثيرة، وبالتالي فان الانسان يخرح بنتيجة ملموسة وواقعية، وهي إن الهدف الرئيسي للانسان لا يمكن أن يتحدد في إطار هذه الدنيا؛ فهي ليست خاتمة المطاف، وإن أولئك الذين يغالطون واقعهم ويزعمون أن الدنيا هي الهدف والغاية هم الأكثر بلاء.. والأشد عناء ومعاناة.
    ولذلك فان الانسان عندما يعيش الأمل بالراحة وصفاء البال وتوفر النعمة.. ثم إذا به يواجه وابلاً من المشاكل والعثرات، فان من الطبيعي أن يحس بعنف الصدمة النفسية، والغصة في أوج حالة التنعم والارتياح. أما إذا كان قد أعد العدة للمشاكل والصدمات النفسية والعثرات التي تعترض سبيل الراحة والاطمئنان والتنعم، فحينئذ سيكون الأمر بالنسبة إليه عادياً، وسيكون قادراً على إستيعاب تلك المشاكل والمعضلات؛ لا كأولئك الذين يحسبون أن الدنيا دار أنس وراحة وتمتع واستقرار، والذين ينهارون من الناحية النفسية والمعنوية لمجرد أبسط مشكلة تواجههم. ذلك لأنهم عاشوا الدنيا وهم يتصورون أنها الغاية والهدف المنشود، فتراهم لا يعيرون أذنا صاغية الى ناصح، متغافلين عن هتافات وتحذيرات الأنبياء والأوصياء.
    فلنأخذ بعين الاعتبار دائماً البلايا والمصاعب ومواجهة العثرات؛ فان جائتنا النعم والخيرات فرحنا بها، وإن واجهتنا الأمور التي لا تبعث على الراحة، وتسلب الاطمئنان، فانها سوف لا تكون غريبة علينا، لأننا كنا قد وضعناها في الحسبان، وأعدنا العدة لمواجهتها. وبناء على ذلك، فلو نظرنا الى الحياة من خلال هذا المنظار - المنظار الواقعي - فان في ذلك مبعث النجاح والفلاح في هذه الحياة، وفي كتاب الله العزيز نرى أن في كثير من آياته تأكيداً متواصلاً على حقيقة البلايا والمصائب والصراعات والمعضلات والعثرات والفتن والوساوس الشيطانية والموت ومواعظه البليغة. وعلى سبيل المثال فانه يذكّر بالموت ونزوله بالانسان، ويحثه على العمل والجد والاجتهاد والسعي والانتشار في أرض الله الواسعة.. وبذلك فانه يؤكد لنا على أن هذه الحياة لم تخلق بهدف الدعة، وبلوغ الراحة.
    ومن خلال هذه النظرة الواقعية الصائبة الى الحياة، يمكن للانسان السير نحو الكمال المطلق؛ أي نحو الله سبحانه وتعالى، ويتحول الى ذلك الانسان الذي يقول عنه: "كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ولا تزيله القواصف". (1) فالمؤمن أقوى وأكثر شموخاً من الجبل، وأصلب من الحديد، لا تنال من عزمه وهمته ولا تثبط حركته ونشاطه في الحياة عواصف الدنيا وقواصفها.
    المؤمن خفيف المتاع
    والمؤمن الذي يعيش هذا الواقع، نراه لا يخلد كثيراً الى الأرض. فهو خفيف المتاع؛ فعلى سبيل المثال فانه يضع في حسبانه الهجرة، والفرار الى الله سبحانه إن اقتضت الظروف ذلك، فتصبح الهجرة في أرض الله الواسعة بالنسبة إليه مسألة عادية لا يبالي بصعوباتها وتبعاتها. ذلك لأن الهجرة هي حقيقة واقعية في التاريخ. وقد عاشها أولئك الذين سبقوه، ثم إنه قرأ هذه الحقيقة في القرآن فوجد التأكيد المتواصل عليها مما يهونها عليه، ولذلك فانه يتوقعها ويدرك أن الطريق الذي سلكه في هذه الحياة هو طريق الرسالة والايمان والجهاد يتطلب مثل تلك الظروف والتضحيات. فالهجرة هي واقع شهده التأريخ في كثير من محطاته منذ أن خلق الله تعالى آدم عليه السلام، وأنزله الى الدنيا والى قيام اليوم الموعود.
    __________
    (1) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام علي عليه السلام يوم المبعث، ص380. وهذه الحركة هي أحد متطلبات التغيير في الحياة، والمؤمن الذي يعيش واقع هذه الحركة نراه لا يخلد كثيراً إلى الأرض، ولا يمد جذور عميقة في واقعه، ولا يبني القصور، ولا ينمي الاموال لينفقها في تشييد العقارات.
    وكمثال آخر؛ فان الانسان المؤمن ينظم حياته الاقتصادية تنظيماً حكيماً، فهو عندما يدّخر شيئاً من المال فان ادّخاره هذا ليس من أجل الادّخار ذاته كما يفعل الكثير من الأغنياء الذين سيخرجون فقراء جياعاً من هذه الدنيا رغم ما يمتلكونه من الثروات، ورغم ما يدّخرونه. فالانسان المؤمن عندما يدّخر شيئاً فانه يخطط بذلك للمستقبل، والظروف الصعبة التي قد يمرّ بها، فيدّخر لحاجته في الغد حتى لا يمد يده الى أحد، كما إنك تراه في سلوكه المعاشيّ معتدلاً، لا يسرف ولا يفرط، ويصب جل تفكيره في بناء حياة اقتصادية متوازنة.
    وهكذا فان القرآن الكريم يوجهنا ويعظنا مشيرا الى معضلات هذه الحياة ومعاناتها وآلامها، والى الفتن والامتحانات التي يتعرض لها الانسان المؤمن. فبصائره تسير في هذا الاتجاه، وتهيّئه - أي المؤمن - لكي يكون مستعداً من جميع النواحي لمقارعة الصعاب، وتحمل المشاق والمصائب.
    القرآن بيان للناس
    وفي هذا المجال يقول عز من قائل: { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } . (آل عمران/138) في هذا السياق إشارة أريد تبيانها هنا، وهي إنها تعطينا فكرة عن أهمية الموضوع الذي سيأتي الحديث عنه، والذي يمثل حقيقة كبرى وبصيرة نافذة لا غنى لنا عنها، وأنها تمس حياتنا وواقعنا. فعلى الناس جميعاً أن ينتفعوا من هذا البيان والارشاد الرباني، وهم قادرون على استيعابه، وبالتالي فان الكشف عنه سيكون حجة على الناس كلهم.
    ومع ذلك فاننا لا نجد من يأخذ بهذه الحقائق الواضحة البينة، وينتفع بها إلاّ المؤمنون المتقون الذين لا تحجبهم الذنوب، ولا تغشى أبصارهم الشهوات، ولا تعمي قلوبهم الأهواء المقيتة عند انكشاف الحقائق. ثم ينتقل السياق الكريم ليستعرض تلك الحقائق والبصائر، ويرسم آفاق النجاح، فيقول جل اسمه: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا } . (آل عمران/139) أي لا يحبطنكم التراجع، والانهزام عند مواجهة ركام المصائب، وجبال الهموم والمعاناة، ولا تدعوها تفشل حركتكم ونشاطكم وسعيكم في هذه الحياة ومنعطفاتها. ثم وإياكم والهزيمة النفسية والمعنوية، فانها أصل كل هزيمة واندحار وفشل، كما يقول تعالى: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ } (آل عمران/139).
    فلماذا - إذن - الوهن والفشل مادمنا ندعو الى الايمان والتوكل على الله؟ وكيف نسمح للانهيار والوهن يسيطران على نفوسنا، في حين إن المؤمنين هم الشامخون الأقوياء الأعزاء في نفوسهم ؟
    ثم يعود السياق المبارك ليدخل في تفاصيل أكثر فيقول: { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } (آل عمران/140).
    هذا هو حال الدنيا؛ يوم لك ويوم عليك، والأيام دول بين الناس. فكما أنك تخوض الامتحان، فان عدوك يخوضه أيضاً. ولننظر الى التأريخ في هذا المجال؛ فكم من جبار وسلطان ووزير.. كانت لهم سطوتهم، يرفعون الصولجان على رؤوس الناس ويستعبدونهم ويذلونهم بالسياط والحديد والنار... ولكن أين صاروا، وأين هم الآن ؟
    ثم يقول تبارك شأنه: { وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا... } (آل عمران/140).
    وهنا تكمن حكمة الفتن والبلايا، وهذه الحكمة تتمثل في معرفة أهل الايمان. فالإبتلاء هو المحك، فعند خوض بحر المصاعب، والسير في الطرق المليئة بالأشواك، حينئذ يعرف الايمان الحق. وعند إجتياز الامتحان بإرادة أصلب وأقوى من الجبال، وبصيرة تنفذ في الصخر الاصمّ، فحينئذ يمكننا أن نصف الانسان الذي إجتاز هذا الامتحان بأنه مؤمن حقاً.
    من حكم الابتلاء ثم يستمر السياق المبارك في بيان المظاهر الأخرى للحكمة من التعرض للابتلاءات، فيقول تعالى: { وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ } (آل عمران/140). والمعنى المراد هنا قد يكون (الاستشهاد)؛ أي إن السياق يريد معنى أن الله سبحانه وتعالى يبتلي الناس، ويعرضهم للاختبارات، فتكون المكافأة في أصعبها، فيأخذ عز وجل الفائزين الى قربه، ويمنحهم وسام الشهادة الرفيع، ويكرمهم بتلك الكرامة العظيمة عندما يقتلون في سبيله.
    والمعنى الآخر لقوله تعالى: { وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ } أن ينبري من صلب المجتمع، ويبرز الى مقدمته الممحّصون الذين امتحنتهم الأحداث فكانت لهم محكا، ويواجهون العواصف العاتية كالجبال الشماء، ويقفون في وجه التيارات المنحرفة، ويتصدون لقيادة الأمة في ساحات المواجهة، والسير بها نحو الأهداف الرسالية المنشودة.. ولعل هذا المعنى هو المراد. فمعنى القيادة والريادة هو المطلوب في الآية السابقة.
    ثم يقول عز من قائل: { وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } (آل عمران/140). وللأسف فان الكثير منا يتصورون أن الله سبحانه وتعالى يحب الظالمين، ذلك لأنهم يرون بعض الظلمة قد ظلوا يتسلطون رغم المصائب التي أنزلوها في ساحة الملايين من الناس، غافلين عن سنة إلهية جرت في العباد، وهي أن الله جل وعلا إنما يبقي على الظالمين ليزدادوا إثماً. فلنحذر من الانحراف في المفاهيم، وتغيير القيم. فهذا هو أيضاً إبتلاء إلهي لنا، ثم علينا أن لا ننسى أن لله في إرادته وسننه حكماً لا ندركها إلاّ في وقت تجليها.
    محق الكافرين ثم يضيف السياق مبيناً أسراراً أخرى للبلايا والشدائد التي يتعرض لها المؤمنون وتنزل بالكافرين، فيقول تعالى: { وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } (آل عمران/141). فالكافرون عندما ينزل عليهم العذاب الشديد على أيدي المؤمنين، يدمرهم ويستأصلهم. وهذا هو معنى (المحق)؛ أي زوالهم على أيدي المجاهدين الرساليين الذين يمحّصون، ويبلون بلاءً حسناً في مثل هذه المواجهات الحاسمة. ذلك لأن المؤمنين لا تخلو قلوبهم من الشوائب؛ فكما أن الكافرين يصلون الى أعلى درجات كفرهم عند المواجهة، فان المواجهة هذه تكشف أيضاً عن أولئك المؤمنين الذين صفت قلوبهم، وخلصت نياتهم لله سبحانه، لأن الانسان المؤمن لا يمكن أن يدخل الجنة وقلبه مشوب بتلك الشوائب. وهذه القضية ليست بالسهلة الهينة، بل هي في غاية الأهمية، والحديث الشريف يؤكدها، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "لن يدخل الجنة عبدٌ في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر". (1)
    ترى من منا يمكنه الادعاء بأن قلبه طاهر نظيف من الكبر والحسد والغل والرياء ؟ لا يمكن لأحد أن يدعي هذا الادعاء، ولذلك فان الخالق تبارك وتعالى جعلنا عرضة للبلايا والمصائب ليمحّصنا ويمتحننا ويكشف عن صدق ادعاءاتنا، ليعرف مدى صبرنا وصمودنا ومقاومتنا، ثم يمهد لنا سبيلاً الى الجنة عند النجاح في هذه الابتلاءات والشدائد. ثم علينا أن لا ننسى أن هذه البلايا والمصائب والشدائد مهما بلغت، فانها ضئيلة ازاء عذاب الآخرة، وأهوال يوم القيامة.
    ثمن الجنة
    ثم ينتقل السياق الكريم ليؤكد على ثمن الجنة، وطريق الولوج الى عوالمها الرحبة: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ } (آل عمران/142)
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج2، ص141. فلنفكر في هذا الأمر، لأنه مرتبط بمصيرنا مادامت الدنيا في طريقها الى الفناء، ولن يكون بعدها سوى جنة تقابلها نار. فالمصائب والشدائد منتهية وزائلة لا محالة، ولكن الذي يبقى هو شعلة الايمان تضيء وهاجة، وراية العمل الصالح ترفرف خفاقة، وهما يدلان على طريق الجنة والنعيم الأكبر.
    فالجنة مثلها كمثل قصر نظيف مزخرف واسع، مزينة جدرانه وقوائمه، مزخرفة سقوفه وأروقته، فيه من الأطعمة والأشربة ما تلذ به الأنفس.. وإذا بآتٍ يأتيه وعليه الكدارة والأوساخ والملابس القذرة يريد الدخول فيه، فهل - يا ترى - سيجد الطريق إليه مفتوحاً؟
    كلاّ - بالطبع - فلابد من أن يمنعه الحرس الواقفون على بابه قائلين له: إذهب وتنظّف وتطهّر وغيّر مظهرك القذر هذا، وارتد الثياب النظيفة الجميلة.
    وهكذا الحال بالنسبة الى الجنة، فانها ترفض إستقبال الانسان الملوث بألوان الذنوب، وأنواع الخطايا والسيئات. فالجنة لا يمكن دخولها بهذه السهولة والسرعة، بل هي بحاجة من أجل دخولها الى بذل الجهد والجهاد ومحاربة هوى النفس، واجتناب الخطايا والآثام، ومقاومة الشهوات، وعدم الاستسلام للوساوس الشيطانية.. والعمل على تزكية النفس وتطهيرها، كما أن دخولها متوقف على الصبر والصمود وبذل التضحيات الجسام.
    استعادة الوعي حكمة الابتلاء لا شك إن وراء المآسي التي تتوالى على الأمم، والصعوبات والمحن التي تنتاب المجتمعات، فلسفة وحكمة. على الرغم من إن البعض يزعم أن الصدفة تلعب دوراً أساسياً فيما يجري عليه، ونحن - كمسلمين - نرفض هذا الراي، ونرى إن كل شيء في هذا الكون بمقدار؛ فما من سكون وحركة، وضر ونفع، إلاّ في كتاب مبين. فنحن نؤمن - على سبيل المثال - بأن السحب لا تجري، وإنما تزجى وتساق من قبل إرادة مدبّرة لها، وإن الأرض لا تنبت وإنما تُزرَع، وإننا لسنا نحن الزارعين، بل ان الله جل وعلا هو الزارع، وإنه لن يصيب الانسان إلاّ ما كتب له.. وبالتالي فان السنن الالهية والتقديرات الحكيمة، هي التي تجري مقادير الكون الذي نعيش نحن فيه، ونعد جزء منه.
    ضرورة وعي الأحداث
    وبناءً على ذلك، فان علينا أن نتساءل عن أسباب الحوادث التي تجري حولنا وعلينا، لأن الصدفة لا يمكن أن تلعب دوراً في تسبيب تلك الحوادث. فليس من الصدفة بمكان أن يأتي الطغاة الظالمون ليتحكّموا في مصائر بلداننا وشعوبنا. فقديماً أبتلي - على سبيل المثال - العراق بالحجاج، وبزياد ابن أبيه، وقديماً أبتلي الايطاليون في الزمن الغابر بطاغية مثل نيرون، وقديماً نزلت القوارع على الأمم من أمثالنا فأبيدت، واغرقت، واحترقت...
    إن تلك الأحداث وغيرها لم تقع صدفة؛ لذا علينا أن نسأل أنفسنا ما هي البصيرة من وراء ذلك، وما هي العبرة، وكيف نستطيع أن نفهم الحياة الفهم اللائق بها ؟
    أقول: إن من الجيد أن يفكر الانسان في هذه الأمور، وأن لا يحبس تفكيره في أطر ضيقة، لأن التفكير في قضايا صغيرة وتافهة ليس من شأن الانسان. فمن المفروض فيه أن يفكر ويعتبر ويخطط لمستقبله، ويتطلع الى الأفضل. فماذا ينفعه أن يصبّ تفكيره على القضايا الهامشية، في حين يعيش حالة التغافل عن إنسان طاغية يتحكم في مصيره ويسلبه إراداته، ويسومه الخسف والهوان ؟
    حكمة المآسي
    وهنا نعود لنتساءل: ما هي حكمة المآسي التي تتوالى على البشرية ؟ (
    في آيات عديدة من القرآن الكريم يكشف لنا الله تعالى عن هذه الحكمة. ونحن اذا تدبرنا في هذه الآيات، واستوعبنا تلك الحكمة، وطبقناها على أنفسنا، ولم ندع المآسي تتكرر، فاننا سنعيش أحراراً في دنيانا، مستقلين عن أية قوة داخلية أو خارجية تريد أن تستعبدنا.
    ومن أبرز الحكم في مآسي الأمم، دعوة الله عز وجل الانسان أن يعود إليه. فالله يحب البشر، ويحب أن يعود عباده إليه، ولذلك فانه ينزل عليهم المآسي والمحن. وقد روي عن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال: "إن الله تبارك وتعالى إذا أحبَّ عبداً غتّه بالبلاء غتاً وثجَّه بالبلاء ثجاً، فإذا دعاه، قال: لبيك عبدي، لئن عجّلت لك ما سألت إنّي على ذلك لقادر، ولكن ادّخرت لك فما ادّخرت لك خير لك". (1)
    وهكذا فان من جملة الحكم أن الخالق جلّ شأنه يريد من عبده أن يدعوه، وأن يتضرع إليه. فالله تبارك وتعالى يتحبب الى العباد، وهناك منهم من يستجيبون الى هذا التحبب، فيتضرعون الى خالقهم. فان كان الانسان يتمتع بكل شيء من طعام وشراب وما الى ذلك، فانه سوف لا يجد في نفسه دافعاً أساسياً حتى الى العبادة ، فيستبدّ به الغرور. أمّا إذا أصابته مصيبة، فان قلبه سينكسر، وسيدعو الله جل جلاله بلسان التوسل والتضرع.
    وفي هذا المجال يروى أن جبرائيل عليه السلام نزل إلى النبي صلى الله عليه وآله ومعه مفاتيح كنوز الأرض وقال: يا محمد السلام يقرؤك السلام ويقول لك: إن شئت صيّرت معك جبال تهامة ذهباً وفضّة، وخذ هذه مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك من حظّك يوم القيامة. قال: يا جبرئيل وما يكون بعد ذلك؟ قال: الموت، فقال: إذاً لا حاجة لي في الدنيا، دعني أجوع يوماً وأشبع يوماً، فاليوم الذي أجوع فيه أتضرع إلى ربي وأسأله، واليوم الذي أشبع فيه أشكر ربي وأحمده. فقال له جبرئيل: وفقت لكل خير يا محمد". (2)
    __________
    (1) ميزان الحكمة، ج1، ص491، ح1947.
    (2) بحار الأنوار، ج42، ص276. إن الانسان الذي يجيء شبعه بعد جوعه، فانه يشكر الله تبارك وتعالى. أما الانسان الذي لم يذق في حياته الجوع ولو لمرة واحدة، فانه سوف لا يحس بأن هناك جائعاً على الأرض، وبالتالي فانه سوف يطغى ويستكبر عن عبادة الخالق. ولذلك فان الانسان لايشكر ربه - عادة - على النعم العظيمة التي أنعم بها عليه.
    ومن حكمة المآسي على الشعوب، أن سلبياتها تتراكم طبقة على طبقة، وظلاماً فوق ظلام، وإنحرافاً أيديولوجياً، وشذوذاً في العادات والسلوكيات، وإنحرافاً في الاخلاق والآداب والمفاهيم، وتشوّشاً في الرؤية، وفوضى في النظم السياسية والاقتصادية والقضائية وغيرها.. فاذا بهم يعيشون في شرنقة الانحرافات، وزنزانة الفساد. وفي هذه الحالة لا تنفعهم نصيحة الناصحين، ولا عبر ودروس التأريخ، ولا تلاوة القرآن والروايات.. فتراهم يركضون وراء المادة، فان لم يجدوها جروا وراء وهمها.
    وفي هذه الحالة فان الله عز وجل، وطبقاً لحكمته يعرّض هذه الشعوب للبلاء. ويشتد هذا البلاء، ويتدرج في العنف والقسوة، حتى ينتهي بهم الأمر إلى الوقوع في البأساء والضراء، فيجعل الله سبحانه بأسهم بينهم، فيقتلون بعضهم البعض، ويتسلّط عليهم أراذلهم وحقراؤهم.
    هدف الابتلاء
    وفي كل مرحلة من مراحل البلاء يكون الهدف هو اليقظة؛ أي أن يستيقظوا، وينتقدوا أنفسهم، ويعودوا الى رشدهم، ويعترفون بخطأهم وانحرافهم، ليعودوا الى الله جل وعلا، والى القيم الحقة، والصراط المستقيم، وينعموا في الحياة الدنيا والآخرة. فان لم يصلوا الى هذا المستوى، فان الخالق سوف ينزل عليهم بلاءات أخرى أشدّ، حتى تحين فرصتهم في الاعتبار من هذا البلاء. وحينئذ يفتح الله تعالى عليهم أبواب الرحمة، وإذا بهم بعد ذلك يفرحون، ويعلون في الأرض، ويعيثون فيها الفساد، وعند ذلك يأخذهم الخالق بأشدّ البلاء. فعلى سبيل المثال ابتلى الله فرعون وقومه بسبع بلايا، فكانوا كلما تأتيهم آية يقرّرون العودة الى بارئهم، وبمجرّد أن تنتهي يعودون الى غيّهم وعدوانهم. وحينها كانوا يذهبون الى موسى ويقولون له: يا موسى؛ أدع الله أن يرفع عنّا هذا البلاء، فاننا عائدون الى دينه. وما كان من هذا النبي الكريم إلاّ أن يتوجه بالدعاء الى الخالق ليرفع عنهم البلاء، فيستجيب الله لدعوته. ولكنهم سرعان ما يعودون الى سابق عهدهم. وفي نهاية المطاف أغدق الله عليهم بالنعم والخيرات، ففرحوا واستبدّ بهم الغرور، وعلوا وطغوا. وحينئذ أخذهم -سبحانه- أخذ عزيز مقتدر ، ونبذهم في اليم فانتهوا وانقرضوا، وأصبحوا عبرة لمن يعتبر.
    إستعادة الوعي
    والذي يصيبنا الآن - نحن المسلمين - هدفه وحكمته أن نستعيد وعينا، وأن نقف موقف الناقد من أنفسنا، وأن نسأل أنفسنا: لماذا هذه الابتلاءات؟ فان انتبهنا، واستيقظنا، وعدنا الى رشدنا، رفع الله تعالى عنّا البلاء. وإن لم نفعل ذلك، فان هذا البلاء سوف يزداد، وستأتي مراحل شديدة وصعبة إذا لم نتّعظ.
    وفي هذا المجال يقول عز من قائل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى اُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَاَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَآ اُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الانعام/42-45) إن الأمم السابقة لم تتضرع، ولم تعد الى الله، ولم تطبق حكمة الابتلاء في حياتها؛ وبدل أن ينقذوا أنفسهم، ويستعيدوا وعيهم، وينتفعوا من المآسي، تكرّست السلبيات في أنفسهم، لأن قلوبهم كانت قاسية. والقلب عندما يقسو، فان المواعظ البالغة، والابتلاءات الشديدة لا يمكن أن تنفع معه.
    وعلى الرغم من التذكير والابتلاءات المتواصلة، فانهم نسوا التحذيرات الالهية، فكانت النتيجة أن استدرجهم الله سبحانه وتعالى بالنعم حتى قطع دابرهم، وأهلكوا عن آخرهم. فأين عاد، وأين ثمود، وأين أصحاب الأيكة وقوم لوط... ؟ لقد انقرضوا جميعاً، وذلك لأنهم ظلموا أنفسهم. فالله أتاح لهم الفرص الواسعة، وفتح أمامهم الطريق للعودة، ولم يبادرهم ويباغتهم بالعذاب.
    ويبقى هنا السؤال المهم: بعد هذه المآسي والويلات والابتلاءات التي توالت وتتوالى علينا بين الحين والآخر، هل انتفعنا منها وأخذنا الدروس والعبر؟ وهل أدرك الناس إن التشرذم، والتفكير المصلحي الخاص لا يمكن ان ينفعهم؟ وهل أعادت مؤسساتنا النظر في إستراتيجياتها، وفي اُسلوب عملها وتحرّكها؟ وهل قمنا بما كان ينبغي لنا أن نقوم به؟
    إن علينا أن نقف وقفة شجاعة مشرّفة لنعرف ماذا فعلنا. ففي كثير من الأحيان يكون النقد البنّاء، ومراجعة الماضي، وإعادة النظر في المسيرة، من صميم العمل الرسالي، ومن صميم واجبات ومسؤوليات الانسان كانسان، فما بالك بالقيادات، والعلماء والمفكّرين والطلائع الرسالية ؟
    الى متى الهزائم؟
    إن المهم في كل ذلك أن نتضرع الى الله جل جلاله، وأن نعود إلى أنفسنا، ونتساءل عن الخطأ في سلوكنا وفكرنا وبصيرتنا ووعينا. ومن العجيب في هذا المجال أننا نرى البعض يفتخرون بالهزائم، في حين أن الناس يبحثون عادة عن إنتصار لكي يربطوا أنفسهم به. ولكن البعض منّا تراه يبحث عن هزيمة ليتقوقع وينطوي على نفسه في داخلها، ويصبّ كل تبريراته في إطارها، ويقول إن مصيرنا أن ننهزم وننهزم دون أن نستطيع تحقيق أي إنتصار. في حين أن المثل المعروف يقول: (الهزيمة يتيمة)، ولكننا نرى أن هزيمتنا لها ألف أب وأب. الأمر الذي يدلّ على شدة فقرنا الفكري، وانعدام الوعي بالبصائر القرآنية.
    مما لا ريب فيه إن الله تبارك وتعالى عادل، عندما يصيبنا بذنوبنا، ويوجّه إلينا الصعقات القوية التي لم تصل لحد الآن الى المستوى الذي نصحو فيه على واقعنا. فعلى الرغم من المآسي والمصائب والويلات والمحن التي نزلت علينا، فاننا ما نزال نياماً. ونحن نعوذ بالله تعالى من أن تنطبق علينا الآية الكريمة التي تقول: { فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا } .
    فمن الخطأ أن نتصور إن هذه الآية تنطبق على الحكام الظالمين وحدهم. فالانسان الذي يترك العمل في سبيل الاسلام، ويضع مصالحه فوق مصالح الأمة، والذي يثير الخلافات في وقت نحن أحوج ما نكون فيه الى الوحدة، والذي يعيش في زنزانة ذاته الضيقة، هو أيضاً إنسان ظالم. ولذلك فاننا ندعو الأمة الى أن تتعظ من المصائب والابتلاءات، وأن تكون في مستوى المرحلة التي تعيشها.
    الضراعة هدف الابتلاء الفطرة هي أكبر رأس مال يمتلكه الانسان في الحياة؛ فهذه الفطرة هي التي تكشف للانسان الحقائق، وتجعله ينسجم مع طبيعة الكون والنفس، فيتفاعل بهما ومعهما. ولكن هذه الفطرة التي لابد أن تقوم بدور المنسق بين الانسان والطبيعة من حوله تتعرض للرين، لأن حجب الشهوات والأهواء والتراكمات السلبية تفصل بينها وبين إدراك الحقائق. فقد تتحول هذه الفطرة الى فطرة تحجبها الأهواء والشهوات، فتفتقد القدرة على الكشف، ولا تستطيع ان تقوم بدورها الأساسي في تبصير الانسان بالحقائق.
    سبب جميع المآسي
    والانسان عندما ينظر بفطرته، وطبيعته الأولية الى الأشياء، فان حياته ستكون حياة قائمة على أسس حضارية تحمله خطوة فخطوة الى الأمام وبصورة مستمرة. وإذا ما استبعدت الفطرة فان كل سعي الانسان، وكل حركة له سيكونان باتجاه معاكس؛ أي إتجاه التخلف والتقهقر بدلاً من التقدم.
    وإذا أردنا أن نبيّن بكلمة واحدة سبب تخلف الانسان، وسبب المشاكل المتراكمة عليه، لابد أن نقول ان تلك الفطرة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في ذات الانسان قد تغيرت وانقلبت واحتجبت بالشهوات. وهذا هو تعبير موجز عن جميع المآسي التي يتعرض لها الانسان.
    وعلى سبيل المثال فان الانسان الذي ينظر الى الأمور بفطرته، يستطيع أن يتنبّأ بالمستقبل بصورة طبيعية. صحيح إنه لم يزود بالقدرة على إستشراق الغيب، ولكنه قد منح البصيرة الكافية لتنسيق حياته، ودرء الأخطار عن نفسه، ولذلك فان الشعور بالألم وضع للدلالة والاشارة الى وجود المرض في الجسم. وهكذا الحال بالنسبة الى الحياة الاجتماعية؛ فظهور الفوضى في المجتمع يشير الى قربه من المأساة، والوقوع في مستنقع المشاكل الاجتماعية. فمشكلة الفقر، والعنصرية، والرأسمالية، والمشاكل الأخرى على الصعيد الاجتماعي تترك آثاراً واضحة تبين للانسان أن هذا المجتمع يسير في اتجاه منحرف، وبالتالي فانها تمكنه من اكتشاف الخطأ في الوقت المناسب ومعالجته قبل الاستفحال.
    وعلى سبيل المثال فان السياسي الذي لا يستطيع أن يفهم ضمير مجتمعه، لا يمكنه أن ينجح في قيادة هذا المجتمع؛ والرئيس الذي لا يدرك معنى الاضطرابات في بلده، ومعنى أن يعيش شعبه في حالة الغليان والثورة، لا يمكنه أن يستمر في حكمه. فلابد أن يكتشف أن المجتمع يعيش في حالة غير صحية، وأن من الممكن أن ينقلب عليه الأمر. والسيطرة على هذه الاضطرابات، وتهدئة الأوضاع بحاجة الى وجود حالة من الانسجام بين فطرة الحاكم، وبين طبيعة الأوضاع الاجتماعية السائدة في بلده.
    وبناءً على ذلك فان الفطرة هي طبيعة الانسجام بين الانسان والطبيعة، واذا كانت الحجب متراكمة على هذه الفطرة فانها سوف لا تنفع الانسان فحسب وإنما تضره، لأن هذه الحجب بإمكانها أن تنفذ الى عمق الفطرة، وتقلب رؤية الانسان.
    والتخلف الذي منيت به الأمة الإسلامية اليوم، هو نتيجة الحجب المتراكمة على فطرة أبنائها. ففطرتنا ليست تلك الفطرة التي خلق الله تعالى الناس عليها، ولا تمثل تلك المواهب التي أودعها الله عز وجل في الانسان، والمقاييس والمعايير التي وضعها في قلبه والتي لابد ان تقوم بدور المنسق بين الانسان والطبيعة من حوله. فتلك الفطرة والمواهب والمقاييس قد انحرفت، ولم تقم بدورها الطبيعي، ولذلك نرى أن أمتنا تزداد تخلفاً يوماً بعد آخر، ولا تستطيع أن تقوم بأي دور.
    عبادة الماضي سبب التخلف (
    ومن جملة عوامل وأسباب التخلف عبادة الماضي، والافتخار الكاذب به. فالمجتمع الذي يقلد ماضيه، ويفتخر به بكل ما فيه من ايجابيات وسلبيات، هذا المجتمع يكون عاجزاً عن القيام بأي دور، لأنه ينظر الى الحياة من حوله بمنظار الماضي الذي أكل الدهر عليه وشرب. ولذلك فانه لا يستطيع أن ينسق حركته، فتراه يفسر كل شيء وفق المقاييس السابقة، وهذه مشكلة كبيرة يعاني منها الانسان.
    وهكذا فان الذي يريد أن يعالج الأوضاع الحالية من خلال العهود السابقة التي كانت لها ظروفها وملابساتها، وقيمها الخاصة بها، لا يفهم مدى التطور الهائل الذي حدث في عالمنا اليوم والذي يحدث بين لحظة وأخرى؛ فكيف بين سنة وأخرى، وبين مرحلة من الزمان ومرحلة أخرى؟ فالذي يريد أن يسير على حرفية الكلمات التي تفوّه بها المفكرون الاسلاميون قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة لا يستطيع أن يقرأ لغة العصر، ويعجز عن أن يكيّف تصرفاته وفق الحاجات المتجددة لهذا المجتمع أو ذاك.
    إثارة الفطرة حكمة الابتلاء
    وعلى هذا فان مشكلة الانسان منذ أن خلقه الله عز وجل وحتى يومنا هذا هي مشكلة إبتعاده عن فطرته، ومحاولته أن ينظر الى الحياة من زوايا جانبية لا بشكل مباشر. فمشكلة الانسان في عصر نوح عليه السلام وعاد وقوم ثمود هي مشكلة اليوم، وهي مشكلة كبرى. فلقد زوّد هذا الانسان بمقياس واحد لكي يكتشف الحياة من حوله، ألا وهو العقل والفطرة. فاذا ما انسحب العقل من العمل، وتغيرت الفطرة، فماذا يبقى للإنسان ؟ لا يبقى له حلّ سوى أن ينسحب هو بدوره.
    وعلاج هذه المشكلة هو علاج إلهي من خلال إبتلاء الانسان بالمصائب والمآسي. فالحكمة منها هي إثارة فطرة الانسان، وإعادته الى حالة نقائه وطهره. وبتعبير آخر؛ الى نقطة البداية التي لابد أن يبدأ منها، من خلال إزالة الحجب التي حالت دونه ودون استيعاب الحقائق. وفي هذا المجال يقول عز من قائل: { وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلآَّ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَاَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَيَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَاَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَاَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَاَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } ( الاعراف/94-99 )
    فهذه الآيات الكريمة تصرح بأن الهدف من أخذ الناس بالسراء والضراء هو أن يضرعوا، والضراعة هي أن يعود الانسان الى حالته الطبيعية والفطرية. وعلى سبيل المثال فان السياسي ينظر الى الحياة من خلال سياسته، والمثقف لا ينظر الى الحياة إلاّ بمنظار ثقافته، ولكن هذا الانسان لابد أن يعود الى الضراعة، والى حالته البشرية واستكانته الى الله سبحانه وتعالى، وازالته لكل العوائق التي تمنعه من الوصول الى القمة.
    وهناك الكثير من الأمم التي تنتفع من الضراعة، وهي عادة الأمم التي أصيبت بمشاكل وأزمات سياسية وإجتماعية وحضارية. ولكن البعض من هذه الأمم لا يستفيد حتى من المأساة التي تهز الضمير، وتكشف عن فطرة الانسان؛ ولأنهم وصلوا الى هذه المرحلة من قسوة القلب، فقد جاء الأمر الإلهي بانزال العذاب عليهم، ومحوهم من الوجود. { ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَاَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَيَشْعُرُونَ } (الاعراف/95)
    وهكذا فقد اكتسبوا السيئات، فرسمت هذه السيئات المقياس الذي كان لابد أن يكشف لهم عن حقيقة الحياة. فالمآسي والمصائب لم تعدهم الى طبيعتهم، فكانت النتيجة أن انتهوا بكارثة طبيعية نتيجة عدم اعتبارهم بالمأساة.
    وللأسف فان بعض الناس في مجتمعاتنا ما يزالون غير مدركين لمغزى ما جرى ويجري عليهم، فلم يفسروا الأحداث التي مرت بهم تفسيراً قرآنياً صحيحاً. وأنا عندما أقول: (بعض الناس) فاني لا أقصد أناساً بعيدين عنا، بل نحن أنفسنا؛ بسبب تراكم سلبيات الماضي علينا، واحتجاب فطرتنا عن الحقائق، فلم نكتشف الدرس الذي لابد أن نكتشفه، والعبرة التي لابد أن نأخذها في مجال الحياة الاجتماعية.
    لقد مرت أعوام طويلة والعالم الاسلامي ممزق، والمآسي والمشاكل والأزمات السياسية والاجتماعية تتراكم علينا، فلا نتخلص من مأساة إلاّ لنقع في شرك مأساة جديدة، ولا ننجو من حاكم ظالم إلاّ لنقع في حبائل حاكم ظالم آخر.. والمشكلة ليست في وجود المآسي ومعاناتنا منها، بل إن المشكلة هي عدم فهمنا للعبرة منها. فهذه المآسي التي تتكرر علينا لم تعطنا الدرس المناسب، وهو أن نعود الى فطرتنا، والى حالة الضراعة.
    حقيقة الضراعة
    إن الضراعة تعني في حقيقتها أن نغيّر أنفسنا، وأن نستعد لاعادة النظر في تأريخنا، وبنائنا الفكري والثقافي والسلوكي والاجتماعي والسياسي. ولكن للأسف فان كل تلك المآسي لم تعطنا الدرس المناسب والكافي، فلماذا لا نحتكم الى القرآن الكريم وهو الذي يهدينا سواء السبيل في هذا المجال، من خلال الآيات السابقة التي تقرّر أن الحكمة من المصائب والمآسي التي تنزل على الانسان هو أن يستشعر حالة الضراعة الى الله تبارك وتعالى؟ وعلى هذه الأساس فان مشكلتنا الرئيسية هي أننا لم نستفد من الدروس القاسية التي مرّت بنا، ولم نفهم الحكمة الالهية من الضراعة الناجمة من البأساء والضرّاء. ورغم أننا نؤمن إنّ علينا أن نعيد النظر في تاريخنا وأشخاصنا وفي كل شيء يحيط بنا، إلاّ أننا ما نزال نعيش في قمة المآسي والمشاكل. والمصيبة أننا ننسى كل هذه المآسي لنعيش في أفقنا الضيق، وننظر الى كل هذا العالم الرحب الواسع عبر ثقب ضيق للغاية. في حين أن الله جل وعلا خلق لنا هذه السموات الواسعة والمظاهر الطبيعية التي لا حصر لها.. ومع ذلك ترانا نهرب من الطبيعة، ومن الحقائق، ونحصر أنفسنا في زاوية حادة.
    فلنعد الى القرآن الكريم الذي يطلب منا أن نعيد النظر في بنائنا الاجتماعي والفكري والسياسي، فلابد من أن نعود إليه والى حكمه ونكتشف بصائره في الظروف المتأزمة التي يمرّ بها الانسان. ثم لنتضرع الى الله سبحانه وتعالى عبر الادعية التي من شأنها أن تعيدنا الى فطرتنا، والى فهم السبب الحقيقي لمآسينا، وإسقاط الاعتبارات المزيفة، وتحطيم الأصنام التي تحجبنا عن الحقائق. فلنقرأ القرآن بتدبر ولندرس من خلاله واقعنا، ولنقرأ الأدعية بتأمل لندرس أنفسنا من خلالها، وليحاول كل واحد منا أن يعيد بناء نفسه ومن حوله، فالمأساة هي أعظم مدرسة لنا في الحياة، فمن يدخل مدرسة الحياة فانه سيكون في غنىً عن أي أستاذ آخر.
    تزكية النفوس مراد الإبتلاء
    من الظواهر السلبية في حياتنا إنّ أغلب الناس منصرفون الى هموم الدنيا، وشؤون المعاش من مأكل وملبس ومتع ولهو ولعب، غير ملتفتين الى علة وجودهم وحياتهم على هذه الأرض، ولا آبهين بغاية هذا الوجود؛ فقلّما نجد أولئك الذين يسائلون أنفسهم عن تلك العلّة والغاية، وما ينطوي عليهما من حقائق تنظّم الحياة، وتعبّد طرقها على أساس ذلك الفهم والادراك. فلابدّ أن يكون هناك هدف وغاية من وجودنا، وتركيبنا بهذه الهيئة التي نحن عليها؛ بل إنّ الغائيّة والهدفيّة تعمّان كلّ صغير وكبير في أبداننا وأحاسيسنا. فأعضاء جسد الإنسان لم تخلق، ولم ينعم بها الإنسان إعتباطاً وعبثاً، بل لها أهداف تجتمع في بؤرة هدف واحد، هو الهدف الرئيس من الوجود.
    هدفيّة الوجود تشمل كل شيء
    وهدفيّة الوجود لا تقتصر على الإنسان وحده، بل إنها امتدّت الى كل شيء صغير وكبير في الطبيعة. فليس هناك شيء مخلوق دون هدف، وحاشى لله أن يصدر منه ذلك، وحتى المخلوق الذي فيه الضرر والفتنة للانسان فانّه ضروري لإصلاحه.
    ويبقى من حقّ كل إنسان أن يسأل عن هذا الهدف، وسرّ الظواهر التي تحيط به؛ فهذا السؤال هو السؤال المهم الذي له صلة وثيقة بأوضاعنا التي نعيشها اليوم، والتي هي أوضاع خطيرة وحسّاسة يعجب منها الناس لأنهم يجهلون أسبابها وأسرارها والحكمة من ورائها، فلو عرفوها بطل العجب وزالت الحيرة عندئذ.
    الفتنة.. هدف أساس )
    وهكذا فانّ المهمّ أن نعرف ما هو الهدف من وجودنا وحياتنا أوّلاً، وكيف نتحرّك في إطار هذا الهدف ثانياً كي لا يستبدّ بنا العجب. والجواب على السؤال الأوّل يتلخّص في كلمة واحدة صريحة هي: الفتنة التي هي باطارها العام الهدف الأساسيّ من خلق الإنسان فوق هذه البسيطة، وربّما جهلت ملائكة السماء أمر الخلقة الإلهية للانسان، والارادة الربانية من وراء إهباطه على الأرض، ومنحه نعمة الارادة والحريّة والاختيار بعد أن يجد أمامه أسباب الاستقامة، وأسباب الانحراف، ويرى بعينه، ويدرك بعقله سبل التقوى والرفعة والنبل مقابل سبل المعصية والانحطاط، ليختار، ويُعمل إرادته وحريّته. فالملائكة جهلت سرّ أمر الارادة الإلهية في هذا الخلق، فما عرفوه أنّ هذا المخلوق من شأنه الإفساد، وسفك الدماء فحسب كما روى لنا ذلك الخالق تعالى في قوله: { وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الاَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (البقرة/30)
    الآثار الايجابية لمعرفة الهدف وبمعرفة الهدف وادراكه والتكيّف معه، نعرف كيف نتعامل مع هذا الهدف، وبالتالي فاننا سنقترب من الحكمة الإلهية التي اقتضت لنا تلك الهدفيّة في الحياة؛ أي الفتنة والتمحيص والابتلاء، وبذلك يكتمل الإيمان فينا، فنعيش الطمأنينة والسكينة وراحة النفس والبال والضمير. وهذه هي سمات المؤمنين بالله حقّاً، فلأنَّ المؤمنين يعون جيداً هذه الهدفية في الحياة، فانّك تراهم في سكن وطمأنينة وراحة في نفوسهم وضمائرهم؛ فاذا ما محّصوا بالفقر وجدوا الله تعالى عندهم فاطمأنّت قلوبهم، وهدأت نفوسهم بذكره وحمده وتسبيحه وشكره على نعمائه، وإذا ما أصابتهم مصيبة الموت في عزيز أو قريب عندهم لجأوا الى ربهم، فقد كيّفوا أنفسهم مع البلادء والابتلاء، وخبروا الفتن والمصائب بكلّ ألوانها وأنواعها، وارتضوا لانفسهم ما قدّر الله سبحانه وقضى لهم وعليهم. وهذه من قوانين الله في عباده ومخلوقاته في الوجود، فالمؤمن يكيف نفسه، ويجعلها تنسجم مع المقتضيات والسنن الإلهية.
    تأثير الابتلاء على النفس المؤمنة
    وهناك سؤال آخر يثار في هذا المجال وهو: ما هو تأثير الإمتحان والفتنة على النفس المؤمنة، وكيف نحقّق في أنفسنا وحياتنا فلسفة وحكمة الفتنة والابتلاء؟
    إن تأثير الامتحان والتمحيص على الإنسان قد يكون سلبيّاً أو ايجابياً، ولذلك قيل: (عند الامتحان يكرم المرء أو يهان). فعندما يسأل الإنسان عن مدى خبرته في عمل ما، فانه لا يتردّد في الجواب الايجابي وإن كان جاهلاً، وهذه هي طبيعة الإنسان المتمثلة في عدم إقراره بالجهل، ولكنّ أمره سرعان ما يفتضح عند الاختبار، وحينئذ سيفهم هذا الإنسان حقيقة نفسه فيضطرّ حينئذ الى إصلاحها. وللأسف فانّ البعض ممن يهرب من عيوب نفسه، ويخشى ظهورها على حقيقتها، نجده يتهرّب من مواقع التمحيص كالذي يكره المرآة، ويودّ تحطيمها لأنها أظهرت له عيباً في وجهه لم يكن قد التفت إليه لولاها. ولكي نبرهن على واقعيّة إيماننا علينا أن نعشق المرآة، ونلجأ إليها دائماً كي نطّلع على عيوب أنفسنا، ونعمد الى إصلاحها؛ ومرآتنا تتمثل في إخواننا المؤمنين ذوي الألباب، فبنصحهم وصلاحهم تصلح مسيرتنا، وتنجلي البقع السوداء من قلوبنا؛ فقد تحسّ أن في قلبك نقاطاً سوداء يجعلها الناس فيك، وربّما يتوفّاك الموت دون أن يعلم أحد بها، ولكن عليك أن لا تنسى أن الإنسان لا يحاكم لوحده يوم القيامة، بل إنّ الملايين قد تُحاكم كمجموعة واحدة في يوم الحشر الرهيب، وهناك تفتضح النفوس، وتنكشف حجب القلوب، ولذلك جاء في الدعاء بشأن هذا الموقف الرهيب: "اللهم إنّي مؤمن بجميع أنبيائك ورسلك صلواتك عليهم فلا تقفني بعد معرفتهم موقفاً تفضحني فيه على رؤوس الأشهاد، بل قفني معهم وتوفّني على التصديق بهم". (1)
    من هنا كان الأجدر بنا أن نظهر حقيقة ما في قلوبنا وأنفسنا قبل أن يفتضح أمرنا في يوم الخزي الأكبر. فلنعرض حقيقة أنفسنا، ولنبدأ باصلاحها بعد التوكّل على الله سبحانه، ولندعُ لاصلاح أنفسنا في كلّ ساعة وفي كل حال نحن فيه.
    واصلاح النفس يكون بالالتزام بركنين من الأخلاق؛ الاجتناب، والتمسك. إجتناب الأخلاق السلبية السيئة، والتمسّك بالأخلاق الايجابية الفاضلة. فالى متى نظلّ نعيش أخلاق السلب، ونتعامل بها مع الآخرين، فتزيدنا ذنوباً الى ذنوبنا؟ والى متى يبقى الحسد، والكبر، والبغض متأصّلاً في قلوبنا، ومتراكماً عليها؟ فمثل هذه الكدورات، والعيوب التي تسوّد قلوبنا وتميتها ينبغي أن ندعو الله لازالتها. فلنحذر الشيطان ومكائده، والتي منها أنه يصوّر لنا أنفسنا بأحسن صورة، فيجعلنا نرضى عنها، ونقتنع أنها منزّهة زكية.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج97، ص380. الابتلاء غاية الحياة
    ومن كلّ ذلك نستنتج إن غاية الحياة والوجود هي الابتلاء، ومعرفة حقيقة الإيمان به، ومدى تحمّله، والصبر عليه، ومن ثمّ الاستقامة والثبات في السير نحو الهدف التكامليّ للحياة. فحين الابتلاء يعرف الإنسان المؤمن نفسه ويعرف قيمة أخيه المؤمن، وقد قيل في الحكم "عند الشدائد تعرف الاخوان". فالبعض قد تجد منه الطيب والنبل في لسانه، فيعدك بالاخلاص، وتشمّ من كلامه معك روح التفاني والتضحية، ولكن حين الشدة والصعاب لا تلقى منه أدنى شيء مما لقيته في لسانه حين الرخاء واليسر، وربما تلمس منه الكذب في ظروف أخرى غير الشدّة وذلك عندما يرتقي منصباً، أو يصبح ذا مال وفير بعد فقر أو غير ذلك مما يظهر معدن المرء على حقيقته.
    وهكذا فبالتمحيص والابتلاء والفتنة يعرف المؤمنون الصادقون، والرجال الصالحون المخلصون، والمجاهدون حقّاً في سبيل الله، وإلاّ فإنَّ الدين والايمان في السرّاء ليسا إلاّ لعقاً على الألسن كما قال تعالى: { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } (العنكبوت/2-3) فبالتمحيص يتميّز الخبيث من الطيب، والمؤمن حقّاً من المنافق.
    هدفية الحياة في القرآن
    والآن نتناول موضوع الهدفيّة في الحياة من خلال الآيات القرآنية التالية المقتطفة من سورة الأحزاب. قال الله تعالى: { وَاِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّين مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَاِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقاً غَلِيظاً * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيمَاً * يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ اِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * اِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَاِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَآ أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ اِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَاهِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } (الاحزاب/7-13)
    الأنبياء طليعة الخلق
    فالسياق القرآني يتعرّض هنا للعهود والمواثيق التي أُخذت على أنبياء الله وخاصّة أهل العزم منهم. فالأنبياء والرسل هم قادة الأمم على مرّ الدهور السابقة؛ فهم طليعة الخلق، ولذلك لم يكن العهد الذي أُخذ منهم عهداً هيّناً وسهلاً، بل كان عهداً غليظاً – كما عبّر عنه القرآن – يليق بمقامهم كأنبياء ورسل يقودون الأمم نحو التكامل الانساني.
    ثم ينتقل السياق لبيان علّة أخذ الميثاق، فيقول تعالى: { لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ... } (الاحزاب/8). فالانسان الصادق إنما يظهر صدقه عندما يفتن ويمحّص فيتبيّن إذا ما كان صادقاً حقّاً أم لا، وقد جاء التأكيد على هذا التمحيص في هذا الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، حيث قال: "لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فانّ الرجل ربما نهج بالصلاة والصوم، حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة".(1) فهويّة الإنسان المؤمن تتجلى بصدق الحديث، ومدى ادائه للأمانة.
    ثم يستمر السياق الكريم مذّكراً المؤمنين بما أنعم الله عليهم في أيام الشدائد، وساعات المواجهة الأولى مع الأعداء، إذ يقول تعالى: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ.... } (الاحزاب/9)، ولعلّ أعظم نعمة يغاث بها الإنسان المؤمن حين الشدة، وساعة الصراع، هي الامداد الإلهي الغيبي.
    ثم يمضي السياق ليذكّر المؤمنين بشدّة تلك المواقف الصعبة: { اِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ... } (الاحزاب/10). فتلك كانت ساعة التمحيص الكبرى، حيث زاغت العيون من شدّة الخوف، وراح المؤمنون يتحشرجون في أنفاسهم وكأن قلوبهم قد انخلعت، حتى ظنّ بعضهم أنّ ربّهم قد خذلهم، وأوقع بهم في المهلكة. وهناك كانت ساعات التمحيص ولحظاته، حيث استخرج الله عز وجل ما خفي في نفوسهم وقلوبهم، وأزال منها ما كان قد علق بها من الأدران والشوائب فأجلاها ونقّاها في هذا الاختبار الصعب.
    والإنسان المؤمن الواعي لا يمكن أن يغفل هذه الحقيقة، فيدع الشيطان يداهم نفسه، ويوهمها بالكمال والصلاح، فيرضى عن نفسه، ويكتفي بما بلغه من السير على طريق الكمال والصلاح؛ بل يبقى لآخر لحظة من حياته يروّض نفسه، ويربّيها على التقوى من أجل أن يضمن لها حسن العاقبة، وهو الأمر الخطير والمهمّ لدى كلّ انسان.
    المنافقون شياطين الإنس
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج68، ص2. ثم ينتقل السياق ليتحدث عن شياطين الإنس المتمثّلين في المنافقين في قوله تعالى: { وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } (الاحزاب/12) فهؤلاء المنافقون يظنّون أنّ سرّهم سيظلّ خافياً على الأمة وقيادتها الرساليّة، فيبقون يكيدون للمؤمنين في الخفاء، ولكنّ الله سبحانه شاء أن يكشف أمرهم، ويفضحهم في المواقف الحرجة، ليظهروا على حقيقتهم السوداء المنكرة، وليفضحوا على رؤوس الأشهاد، فيلعنوا على مدى الدهر.
    والمنافقون أشدّ خطراً على الأمة من الكفار والمشركين، وقد جاء التأكيد في القرآن الكريم كراراً على خطورة وجودهم، وحركتهم الخبيثة داخل المجتمع الإسلامي. ولقد إبتلي المسلمون بداء النفاق منذ الأيام الأولى للدعوة الإسلامية وحتّى يومنا هذا، وقد إنكشف أمر البعض منهم في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله، فتصدّى لهم المسلمون، وأوقفوهم عند حدّهم، وربّما نالوا جزاء نفاقهم؛ والبعض الآخر كشف عنهم النبي صل الله عليه وآله، ولكنه لم يستطع القيام بعمل من شأنه أن يردعهم بسبب طبيعة الظروف، فظهر دورهم التخريبي في أيام خلافة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.
    الابتلاء يفضح المنافقين
    فالبلاء – إذن- له مردودات إيجابية على صياغة روح المؤمنين، وجلي نفوسهم، وإظهار معدنهم الحقيقي، وبالاضافة الى ذلك فانه يعود عليهم بالنفع المتمثل في افتضاح النفاق والمنافقين في المواقف الصعبة. وهذه هي طبيعة المنافقين، والذين في قلوبهم مرض؛ أي الذين تكدّرت قلوبهم، واسودّت بالحسد، فغدت مريضة تعيش الحسد والحق والبغضاء.. فهم يحرصون على الدنيا وملاذّها، ويلهثون وراء سرابها، تاركين الجهاد في سبيل الله، ويثبّطون المؤمنين، وينالون من عزائمهم ولذلك كان حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، وباباً من أبواب النفاق. ومن هنا نرى أن المؤمنين الصادقين يحذرون الانغماس في ملذّات هذه الدنيا، فلا ينالون منها إلاّ ما قُدّر لهم من حلالها الطيب. ولا بأس في هذا المجال أن نزور الآثار وما فيها من الديار والقصور الفخمة والابراج والقلاع التي تركت في كلّ مكان من هذه الأرض، ففي ذلك عبرة لأولي الألباب. والإنسان المؤمن ينظر الى هذه الآثار والأطلال فيتدبّر مع نفسه، ويحدّثها، ويسائلها: أين أصبح أصحابها، أليسوا قد نُقلوا من قصورهم الى قبورهم، وغدت عظامهم بعد ذلك رميماً؟ فما الذي أصطحبوه الى قبورهم هذه، فَلِمَ – إذن- كلّ هذا التخاصم والنزاع والتكالب على ما هو صائر الى الفناء؟!
    كيف نتعامل مع الفتن
    والسؤال الأخير الذي نطرحه هنا هو: كيف نتعامل مع الفتن والبلايا، ومع ما نعيشه من مشاكل لا تقلّ معاناة عن البلاء؟
    إنّ التعامل هذا يكون بأن نستغلّ مشاكلنا لتربية نفوسنا، وتقوية ذواتنا، وشخصياتنا الإيمانية. وهذه المشاكل والصعاب التي تحلّ على المؤمنين لا تزيدهم إلاّ إيماناً وثباتاً واستقامة على الطريق؛ أمّا المنافقون، فانّ أمرهم سينكشف شيئاً فشيئاً، فيسقطون كما سقط أسلافهم من ذوي القلوب المريضة. والمؤمن الحقيقي يغدو في خضم هذه الفتن والبلايا مؤمناً إستثنائياً على غاية من التفوّق والتميّز.
    فلنستثمر هذه المآسي والمعاناة لتربية أنفسنا وتزكيتها، وتخريج جيل من المؤمنين الحقيقيين، ممن لا تغرهم الأموال والمصالح..
    فلنخلص النيّة، ولنتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقنا، ولنبدأ باصلاح أنفسنا عسى الله أن يرحمنا، ويكتب أسماءنا في قائمة أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وطهّروا قلوبهم من النفاق، وكانوا في مستوى الابتلاء والتمحيص والفتنة، فخرجوا منها بوجوه بيضاء.
    الثبات ثمرة الإبتلاء من أبرز حكم الله عز وجل في الحياة، حكمة الفتنة والامتحان؛ ولو عرف الانسان هذه الحكمة بوعي كامل، لانكشفت أمامه حقائق كثيرة، وزالت من قائمة إستفساراته تساؤلات كثيرة تتوارد على ذهن الانسان لتتركه حيران يبحث عن فلسفة خلقه، والسبب الكامن وراء مجيئه الى الحياة، والهدف من الصراع الدائر بين البشر والذي يفرز حالات قد تكون متباينة مثل الغنى والفقر، والظلم والأمن..
    إن النفس الأمارة بالسوء لا تبقى بعيدة عن مسرح هذه الشكوك، بل تبادر الى طرح عشرات الأمثلة لزرع الوساوس في الانسان، ولتتحول هذه الوساوس بدورها الى حجب وعقد تتركز في ذهن الانسان، متحولة الى موجة عارمة لا تهديه السبيل، بل تفقده الوعي والبصيرة.
    إننا إذا عرفنا الفلسفة الحقيقية للمحنة، فان هذه المعرفة سوف تكون مدعاة الى امتصاص البلاء، وإحتواء موجات الفتن والآلام والمآسي، وذلك ضمن معرفة الحقيقة العامة في الحياة والتي تقتضي حالة التغيير والتقلب.
    إن سنة الفتنة والامتحان لا تختص بالانسان فحسب، بل تدخل في مجال الطبيعة أيضاً. فالحداد يحيل الحديد الخام الى آلات، وهو يطلق عليه اسم (الصانع) لأنه يصنع شيئاً عبر تعامله مع الطبيعة الأصلية من خلال إخضاعها للاختبار، وتعريضها للضغط، ليصل بهذه المراحل الى صيغة أساسية لحالة الصنع؛ الأمر الذي يؤكد على أن الطبيعة هي الأخرى تتعرض لنوع من الامتحان باشراف الانسان.
    إن الانسان الذي يستطيع الثبات أمام حالات التغيير في الحياة، هو الذي كان قد بنى نفسه كانسان يستطيع مواجهة المتغيرات الحياتية. فالفقيه - مثلاً - لابد أن يحافظ على كرامة شخصيته، ولا ينهار أمام الأغنياء، بل يحترم الغني لانسانيته، وللقيم التي يحملها.. أما إذا احترم الغني لغناه، فانه سيكون قد أشرك مع الله سبحانه وتعالى إلهاً آخر، فيدفعه هذا الانهيار الى البحث عن العزة في قصور السلاطين. وهكذا الحال بالنسبة الى الانسان الغني، فان من المفترض أن لا يخرجه غناه عن طوره الانساني، ولا يدعوه إلى التكبر والغرور..
    أعظم الفتن
    إن من أعظم أنواع الفتن؛ الفتنة الاجتماعية التي تصيب المجموع. وإذا ما أراد الله جل وعلا أن يجرب إرادة شعب بأكمله، فانه ينزل عليهم الفتنة الجماعية. وعلى سبيل المثال فعندما تنشب الحرب ويكون الاشتراك في هذه الحرب مؤدياً الى الشهادة أو الأسر أو التعويق الدائم، ففي هذه الحالة تظهر طبيعة الانسان على حقيقتها. والله سبحانه وتعالى يعرض البشر دائماً لهذا النوع من الإمتحانات، وهو القائل: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } (الفرقان/20)
    والمثال الواضح على ذلك من التأريخ معركة بدر الكبرى، حيث ذهب المسلمون للحصول على المغانم واذا بهم يواجهون ألف فارس من فرسان الجزيرة العربية مدججين بالسلاح، مع أن المسلمين كانوا قليلي العدد لا يملكون سوى أسلحة بسيطة تعد لا شيء بالقياس الى الأسلحة التي يتمتع بها العدو.
    ويروي لنا عز وجل هذه الحادثة التأريخية، قائلاً: { إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } (الانفال/42).
    فقد كانت مواقع الطرفين في المعركة مختلفة، ولو كانت هذه الحرب مقصودة ومدبرة سلفاً، لكانت إحتمالات وقوعها قليلة، خصوصاً مع عدم تهيؤ أفراد الجيش لهذه المعركة. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: { لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرَاً كَانَ مَفْعُولاً } (الانفال/42)
    فالأمر الذي أراده الله تعالى من فجائية الحرب، هو معرفة الانسان لحقيقة طاقاته وقدراته، لكي يستطيع أن يدعي حينئذ أنه قادر على فتح البلاد وإدارة العباد، لا أن تفند كل ادعاءاته هذه عندما تأتي ساعة المواجهة. ويؤكد عز وجل على فلسفة المباغتة والمفاجأة، قائلاً: { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } (الانفال/42) وهو سميع عليم، لأنه يراقب مجريات المعركة عن كثب، ويعلم بما في صدور المسلمين.
    ثم يقول سبحانه وتعالى: { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْر } (الانفال/43)
    فعلى الرغم من أن جيش المشركين كان ذا عدد ضخم بالمقياس العسكري لذلك العصر، ولكن الله تبارك وتعالى قلل من شأن هذه القوة عند رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه، لكي تنتصر إرادة المؤمنين على واقع هذه المجموعة المزيفة.
    تقييم واقعي
    وإني أستوحي من هذه الآيات الكريمة؛ أن القيادات العسكرية مكلفة بزرع حالة الاستهانة لدى الشعب بالعدو، في الوقت الذي تقوم فيه القيادة بعملية التقييم الواقعي لقوة العدو دون أن تضخم وتبالغ، لئلا تصاب الجماهير بهزيمة نفسية. فبدلاً من ذلك، على هذه القيادة أن تزرع الأمل والحيوية والنشاط في نفوس الجماهير لمواجهة العدو، وهذا هو ما فعله القرآن الكريم، إذ تقول الآية الكريمة صراحة: { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ } (الانفال/43) فلو كان التهويل والتضخيم قد حدثا، لسرت بعض الشائعات في الجيش الاسلامي بعدم القدرة على مواجهة العدو، وضرورة العودة الى المدينة. ولكن المسلمين عندما بدا لهم أن العدو قليل العدد اندفعوا للقتال، وحاربوا الكفار بكل عزم واصرار حتى حققوا الانتصار عليهم. وفي ذلك يقول القرآن الكريم: { وَلكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ } . (الانفال/43-44)
    فلقد قدر الله جلت قدرته أمرين؛ فقلل المشركين في نظر المسلمين، وقلل المسلمين في نظر المشركين، لكي تكون نتيجة هذا التقدير وقوع الحرب. لأن المشركين لو كانوا يعرفون قوة جيش الرسول صلى الله عليه وآله وأن بصحبته أبطالاً أسوداً من مثل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وحمزة لهربوا وجبنوا. ولكن إستهانتهم بقوة جيش الاسلام، دفعتهم الى محاربته. ومن جهة أخرى رأى المسلمون ان قوة قريش زائفة، فأعطاهم الله تعالى الأمل، وأمدهم بالقوة الايمانية.. الأمر الذي مكنهم من التغلب على القوة المادية الظاهرة المتمثلة في جيش المشركين. وبوقوع هذه المعركة إكتشفت العرب خواء وزيف قوة قريش العسكرية، وتيقنت من قوة الايمان العظيمة.
    سر الانتصار
    ثم يستمر السياق القرآني الكريم ليلخص عبرة التأريخ كاملة في كلمات قصار، لو عرفها المسلمون وأدركوها بوعي تام لما حدثت هزيمة واحدة في تأريخهم. يقول تعالى: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (الانفال/45).
    والخطاب في هذه الآية موجه الى فئة المؤمنين، الذين يمثلون صنفاً خاصاً من عموم الناس. إن من أهم صفات المؤمن التي تقررها هذه الآية، هي صفة الثبات، الذي يتجلى في الثبات القلبي من خلال اليقين بقدرة الله تعالى، والتوكل عليه، وعدم التشكيك في طاقات الانسان وقدراته عبر الوساوس الشيطانية التي تمارس دور التثبيط، معللة ذلك بعدم تساوي القوى المادية لدى المؤمن مقابل العدو.
    والقرآن الكريم يطالبنا هنا بالثبات الذي كان يتمثل في صدر الاسلام بجريد النخل أمام السيف، أمّا الآن فانه يتجسد في الأسلحة اليدوية مقابل الدبابات والطائرات.. وهذه المسافة متقاربة الى حد ما، لان سلاح الايمان يضيف الى إمكانيات الانسان المؤمن قوة هائلة لا يمتلكها العدو.
    كما ويتجلى الثبات في نوعه المادي بالصبر على تقدير الله عز وجل، وإن قدمنا الكثير من الشهداء، وسالت الدماء الزكية على أرض المعركة. فالثبات في المواقف الصعبة هو سر الانتصار في التأريخ، وتلك الآية المباركة كانت حبل نجاة المسلمين في الكثير من المعارك التي خاضوها.
    ولا نبالغ إن قلنا أن حالة الثبات في المواجهة هي التي فتحت الآفاق الواسعة أمام المسلمين، اذ زادتهم شجاعة واطمئناناً وسكينة، واستعداداً من أجل التضحية والفداء، بالاضافة الى ذكر الله الذي هو ضمانة الانتصار أمام الضغوط، كما يقول تعالى في محكم كتابه الكريم: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (الانفال/45)
    ثمار الإبتلاء
    الثمار الإيجابية للإبتلاء
    من ضمن الحقائق الثابتة التي لا مجال للشك والترديد فيها، إن الهدف من وجود الانسان في الحياة هو أسمى بكثير من التمتع بملاذ الدنيا، والعيش كما تعيش البهائم. فهو يدخل خلال حياته في خضم دورة تربوية تعليمية عميقة الأثر في كيانه، ثم يخرج منها إما الى جنة عرضها السماوات والأرض، لا توصف نعماؤها ولا تدرك لذائذها؛ وإمّا الى نار سجرها جبارها لغضبه، حيث تنعدم منها الرحمة والأمان .
    ولو عرف الانسان هذه الحقيقة وأدركها لاستقامت حياته، ولاستطاع أن يتفوق على جميع المؤثرات، ويتحدى كل المتغيرات.
    ولكن كيف يتسنى لنا ان نعرف هذه الحقيقة ؟
    من الأمور والظواهر المشهودة في حياتنا أننا إذا أُصبنا في أموالنا أو أبنائنا وما الى ذلك، فان أنظارنا تتركز عادة على ذات المصيبة، فنسأل أنفسنا قائلين: لماذا نزلت بنا هذه المصيبة، ولماذا خصتنا دون غيرنا؟ في حين إن من الأجدر بنا أن نعي ظروف المصيبة وخلفياتها، ونستفيد منها - بالتالي - كمنهاج تربوي لنا في حياتنا.
    كيف تعامل الائمة مع المآسي؟
    ونحن نستطيع أن نلمس بشكل مباشر هذ الحقيقة في واقعة الطف، التي لا يشك أحد في أنها كانت أعمق أثراً، وأوسع نطاقاً من أي مصيبة أخرى. ففي صلب أجواء هذه المصيبة كانت للإمام الحسين عليه السلام كلمات وخطب تتفجر منها الحكمة، وتفيض منها الروح الايمانية الصلبة، والنور الإلهي البهي. فكلماته عليه السلام التي انطلقت من صميم واقع المصيبة كانت تعبر عن العمق الإيماني، والروح الوثابة في جبهة الإمام الحسين عليه السلام. وهكذا الحال بالنسبة الى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام؛ ففي اللحظات الأخيرة من حياته وهو يعاني من ألم السم القاتل الذي دسه إليه معاوية، دخل عليه جنادة طالباً منه أن يوصيه، فيبادر الإمام الى تقديم وصيته له قائلاً: "... واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلِّ معصية الله الى عزِّ طاعة الله عز وجل،...". (1)
    ولا ريب إن هذه الوصايا لم تكن مجرد كلمات عابرة يطلقها إنسان يحتضر، ويكاد جسده يتفجر من الألم، بل هي كلمات تفيض حكمة ورشداً وروحاً إيمانية.. وفي ذلك دلالة كبرى على مدى استيعاب الإمام عليه السلام لحكمة الحياة، فقد استطاع بشخصيته العظيمة أن يتجاوز حدود المأساة.
    وهنا تنبغي الاشارة الى حقيقة هامة، وهي إن الإنسان الذي سرعان ما يستسلم للمصيبة، ولا يخطر على باله أن يقاومها ويتحداها، إنما هو إنسان ضعيف لم يترسخ الايمان في قلبه، ولم تطمئن نفسه ولو للحظة واحدة. كما أنه لا يمتلك رؤية مستقبلية الى الحياة، بل ينظر الى لحظته التي يعيشها فقط.
    المصائب ضرورية
    وبناءً على ذلك فان المصائب التي تتوالى على الانسان ضرورية لبناء شخصيته، بالرغم من عدم رغبته في أن تنزل عليه. ومع ذلك فلولاها فانه لا يستطيع أن ينتبه الى خطائه، ونقاط الضعف في شخصيته، ولولاها لما عرف قدره ومكانته في الحياة. فمن ضمن فوائد المصيبة أنها تنقذ الانسان من الغفلة، وتذكره بواقعه.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج44، ص139. )
    والقرآن الكريم ينبهنا في سورة الانعام، وعبر آيات عديدة إلى الثمار الايجابية للمصائب والصعوبات التي يلاقيها الانسان في حياته، فيقول عز وجل في هذا المجال: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ اَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى اُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَاَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَآ اُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الانعام/40-45)
    والآيات السابقة تبين لنا أن الانسان قد يصاب أحياناً بالغفلة حتى عن الله سبحانه وتعالى، وحينئذ يأتي دور المصائب لتعيده الى ذكره -تقدست أسماؤه- وتوسع من آفاق معرفته. وفي هذا المجال يروى إن رجلاً جاء الى الإمام الصادق عليه السلام، وقال له: ياابن رسول الله دلني على الله ما هو، فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيّروني؟ فقال له: يا عبد الله؛ هل ركبت سفينةً قطّ؟ قال: نعم. قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنَّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم. قال الإمام االصادق عليه السلام: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث". (1)
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج3، ص41. ومن هنا نفهم أن حالات المصائب والرزايا تقرب الانسان الى الله تعالى، وتزيد من معرفته به. وهل هناك نعمة أكبر وأعظم من نعمة معرفة الله تبارك وتعالى، هذه النعمة التي تعد خير الدنيا والآخرة، وهل هناك نقمة أشد من نقمة الضلالة والغفلة عنه عز وجل ؟
    وعند نزول المصائب لا يتعلق الانسان المؤمن بشئ غير الله، وهذا ما يقودنا الى التوجه نحو رب العزة دائماً وأبداً، وبذلك نتحدى المصائب. فهي عندما تلم بنا فاننا سنرفع رؤوسنا وأيدينا متضرعين، طالبين من الله تعالى أن يرفعها عنا، وييسر أمورنا. فهو القادر وحده على كشفها.
    وعلى الانسان أن يستدل من خلال زوال المصائب عنه، وخلاصه منها، أن هناك قوة فوق هذه القوى، ألا وهي قوة الله تعالى.
    وفي مثل هذه الظروف التي نمر بها يجدر بنا أن نزداد إيماناً، وضراعة الى خالقنا من خلال إستغلال الدقائق والساعات والأيام في التوجه الى الله والتضرع إليه. فهو جل شأنه يباهي ملائكته بعبده المؤمن الذي يقوم من نومه، ويصلي له ركعات في جوف الليل، ويدعوه بأحسن الدعوات، ويتبتل إليه، ويعرض له حوائجه، فانه مجيب دعوة المضطرين، ونصير المظلومين.
    التضرع هدف الإبتلاء
    وتشير الآيات القرآنية السابقة الى أن المشاكل والمصائب كانت تتوالى على كل أمة من الأمم مع مجئ كل نبي مرسل إليها، الى درجة أن البعض كان يعترض على نبي زمانه بأنه لو كان حقاً نبياً مرسلاً فلماذا كل تلك المصاعب والأزمات التي يمرّ بها ؟ إلاّ أنهم لوكانوا قد تبصروا في تلك المصاعب والأزمات لأدركوا أنها لم تنزل عليهم إعتباطاً، وإنما ضمن هدف وحكمة بالغة من الله سبحانه؛ منها إثارة عقل الانسان، وتنمية إرادته، وتوسيع أفقه، وبعث مواهبه، وإثارة حوافز الخير عنده.. ولذلك يقول تعالى في بيان فلسفة الابتلاء: { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } . ()
    إن حالة التضرع الى الله جل وعلا تمثل قمة سامقة في سماء الايمان، لا يبلغها إلاّ من تخلص من الأنانية والذاتية، وكل حالات الجهل والتخلف والعصبيات.
    ومع ذلك فاننا لم نستطع بعد أن نصل الى مستوى الضراعة، ولذلك فان النصر لم يتنزل علينا. فنحن ما نزال مصرين على عاداتنا التي تشوبها بعض الصفات السلبية كالاستهزاء ببعضنا البعض، وعدم سيادة الاحترام فيما بيننا، وبخس حقوق الآخرين...
    فلننبذ جانباً هذه الصفات، ولنتضرع الى الله سبحانه وتعالى، ولو لفترة قصيرة لنرى كيف أن الله سوف يرأف بنا، وينزل علينا نصره.
    ثم يقول تعالى مشيراً الى تلك الفئة التي لا تعتبر من المصائب: { فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
    فهناك البعض من الناس لم تنفعهم المصائب، لأنهم لم يعتبروا بها؛ فكلما نزلت بهم مصيبة كانت كأن لم تكن شيئاً مذكوراً، ونتيجة لذلك فقد أصبحت قلوبهم قاسية قد أحاطت بها الذنوب من جميع أرجائها.
    إن مثل هذه الحالة تدعونا الى الحذر. فالأجدر بنا - إذن - أن نستغفر الله سبحانه وتعالى حال إرتكابنا أية معصية أو ذنب صغير. أمّا إذا لم يتضرع الانسان الى ربه، فان الله سيستدرحه بإنزال النعم الوافرة عليه، وحينئذ ينزل العذاب عليه بغتة، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر.
    سبيل العودة الى الفطرة
    رغم إن الانسان قد زوّد بعقل يساعده على رؤية الحقائق وملامستها، إلاّ أنه - في نفس الوقت - أبتلي بحجب من الشرك تعطّل أجهزة البصيرة عنده عن العمل، الأمر الذي يحول دون رؤيتها.
    وهناك الكثير منا يزعم أنه يعيش الحقائق بوعي، وإحساس دقيق، إلاّ أن هذا الزعم كثيراً ما يشوبه الخطأ. فالغالبية العظمى من الناس لا يعيشون إلا ظلال الحقائق، ولعل البعض منهم يعيش أوهاماً يظن أنها هي الحقائق.
    النموذج الأسمى وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيته الطاهرين، والأولياء الصالحين، النموذج الأسمى لادراك الحقائق ورؤيتها. فعندما يخيم الليل بظلامه الدامس، تجد الناس يستوحشون منه، فيسارعون إلى فراشهم ليغطوا في نوم عميق حتى ينبلج الصباح. بينما النبي وأهل بيته ومن سار على نهجهم وهداهم يأنسون بظلام الليل، حيث يقضون الليالي في التبتل والتهجد والعبادة، ويتأملون السماء وما فيها من الآيات الربانية بقلوب منشرحة، وببصيرة نافذة.
    ومن المعلوم إن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان في أحسن تقويم، وزوده بالقدرة على النطق لكي يستطيع التفاهم مع أبناء جنسه، وجعل بينه وبين الخلق حاجات مشتركة. ولو عشنا الحقائق لأدركنا أن هذه الظواهر تمثل كتلة من مظاهر الجمال التي أنعم بها الخالق تبارك وتعالى على الانسان.
    ومع ذلك فان الحجب لاتدع الانسان يتحسس مظاهر الجمال تلك، بل تفرض عليه أن يعيش في السلبيات، فلا يرى من الحياة إلاّ جانبها المأساوي السلبي. وهذه الحالة تدفع بالانسان عادة الى أن يسجن نفسه في زوايا ضيقة من هذا العالم الواسع دون أن ينفتح على آفاقه الرحبة، حتى أنك تراه يفقد علاقاته مع الآخرين بصورة تدريجية.
    إن هذا المنحى يخالف فطرة الانسان التي تحثه على التواصل مع الآخرين، والانسجام مع الكون بكل موجوداته. ومن هنا يتضح لنا أن مشكلة الانسان تتلخص في أنه يعيش وراء الحجب التي تتمثل بمجموعة من الأفكار الجاهلية التي متى ما استطاع الانسان أن يتحرر منها، ويعيش الطبيعة كما خلقها الله عز وجل، فانه سيحقق الانجازين التاليتين:
    1- العيش في أجواء الايجابية والتفاهم؛ فمن خلال هذه الأجواء سينظر الى جميع مآسي ومنغصّات الحياة بنظرة متفائلة دائماً.
    2- الوصول الى مستوى النشاط والحيوية تبعا لما تمليه عليه طبيعته المتفائلة التي تأبى الكسل والخمول. )
    إن الذين يركنون الى الكسل، والركود، إنما تدفعهم الى ذلك حجب داكنة، تمنعهم من رؤية جمال الحركة، وتفصلهم عن ضميرهم. فنحن نرى أن مجتمعاتنا مقيّدة بأغلال من مثل الخجل، والخوف، والتردد.. هذه الحجب التي كرّستها التربية الخاطئة، مما حالت دون إنطلاقة شعوبنا لتحقيق طموحاتها الحضارية. وكل ذلك يعود - بالدرجة الأساس - الى إبتعاد الانسان عن الحقائق، وعن الفطرة النقية.
    كيف يعود الانسان الى فطرته
    وثمة سؤال مهم في هذا المجال هو: كيف يتسنى للانسان أن يعود الى فطرته في صفائها ونقائها، لكي تدفعه هذه الفطرة الى التحرك والنشاط والعمل؟
    إن تحقيق هذا المكسب ممكن من خلال أحد أمرين:
    1- أن يدعو الانسان داعية الى ذلك، كما كان الحال بالنسبة الى الجزيرة العربية التي كانت ترزح تحت وطأة الحجب الجاهلية، فجاءها النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وأطلق فيها صرخته المدوية: "يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا".(1) فأخرجها من ظلمات الجاهلية الى نور الاسلام.
    2- أن يعاني الانسان الصعوبات، ويعيش المشاكل لكي تتضح له الحقائق عن كثب، ويبدد بذلك كل الأوهام والظنون.
    فقد يتصور الانسان أنه من المقربين الى الله تعالى، وأن دعاءه مستجاب، ولكن عندما تحيط به الأزمات، وتنزل عليه الكوارث، فانه سيستغيث حينئذ بخالقه. ولكنه سيكتشف أن دعاءه لا يستجاب، ذلك لأن مقاومة الأزمات، ومواجهة المحن بحاجة الى عمل دؤوب، وتضحيات مكثفة، وإرادة صلبة.
    صحيح إن الدعاء يعتبر - في حدّ ذاته - ممارسة مفيدة ونافعة، ولكنه لابد أن يقترن بالعمل.
    __________
    (1) بحار الأنوار ، ج18، ص202. )
    ومن هنا ينبغي علينا أن لا نعيش الأوهام، وأن لا ننساق في تيار الأفكار الجاهلية، والقناعات الباطلة، بل يجب علينا أن نتوجه نحو الحقائق. فعندما تحيط بنا الملمات والمصائب، فان من الواجب علينا أن لا نستسلم لها، بل علينا أن نحوّلها الى وسيلة ليقظتنا. وبذلك تتهاوى الحجب، وحينئذ سيكون بمقدور الانسان أن ينظر الى الحقائق نظرة جديدة جدية، ويستلهم منها سبل تغيير نفسه، وسوق مجتمعه باتجاه الكمال.
    والقرآن الكريم يوجهنا الى هذه الحقائق في قوله: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ اَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } (الانعام/40-41).
    ففي ظل المآسي والصعاب تتساقط الافكار الجاهلية الواحدة تلو الأخرى، وتتبدّد القناعات البالية؛ وحينئذ يتجه الانسان صوب المنقذ الحقيقي، من خلال العودة الى الله تقدست أسماؤه.
    فلسفة المآسي
    وبعد ذلك يبين لنا السياق القرآني فلسفة المآسي والويلات التي تترى على البشرية، وذلك في قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى اُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَاَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } (الانعام/42-43).
    وهكذا فان الغرض من إرسال الرسل، ونزول البأساء والضراء من كوارث طبيعية ومن حروب، انما هو ايقاظ الانسان بعودته الى فطرته. وهذا الهدف لا يمكن أن يتحقق إلاّ في حالة التضرع الى الله تعالى، ونبذ جميع الافكار الشركية التي إن أصرّ عليها الانسان معانداً مسيرة الحق فسوف يبقى يعيش في دوامة المآسي الى نهاية عمره. )
    ومما يؤسف له إننا وعلى الرغم من المآسي والويلات التي حلت بنا، ترانا ما نزال نولي وجوهنا شطر الاختلاف والتفرقة. ولا يختلف إثنان في أن هذا التوجه لا يخرج عن الدائرة الجاهلية، إلاّ أن الإصرار على ذلك هو الذي يجعلنا نرزح دائماً تحت العذاب. وهذه نتيجة طبيعية، لأننا خالفنا بها الحقائق. أوَ لَم يقل ربنا سبحانه وتعالى: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا } (آل عمران/103) أوَ لَم يوجّهنا الى المبادرة لأداء أعمال الخير في قوله: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } (الزلزلة/7).
    وهكذا فاننا متى ما عدنا الى تلك القيم الالهية التي تعتبر التجلي الواضح للحقائق، فاننا سوف نعيش حينئذ السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
    حكمة الحياة
    من المعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الكون رحمة من لدنه، وانتشرت آثار رحمته في كل شيء، وخلق البشر ليرحمهم لا ليعذبهم، فلماذا نجد في بعض الأحيان ينزل عذابه على البشر اما في صورة قحط وفقر، أو في صورة مرض وحوادث طبيعية كالسيول و الفيضانات وما الى ذلك، وأما في صورة الحروب الداخلية فلماذا كل ذلك - يا ترى - أوليس الله أرحم الراحمين، أولم تتجلى رحمة الله في كل شيء ؟
    إننا بفطرتنا و بمقدار عقولنا المحدودة عرفنا من ربنا الرحمة، فمنذ أن كان الانسان نطفة في قرار مكين، إلى أن أصبح في رحم أمه، إلى أن خرج الى هذه الدنيا وأودع في قلب أمه وأبيه الرحمة والعطف عليه، الى أن نما وترعرع فان حياته محاطة بآثار رحمة الله.. فما هي فلسفة العذاب في الدنيا، وما هي فلسفة الآلام والأمراض والكوارث الطبيعية ؟ إن فلسفة كل ذلك هي إمتحان الانسان وابتلاؤه، لأن فلسفة خلق الانسان فوق هذا الكون تختصر في الفتنة والامتحان والابتلاء. ومن عرف هذه الفلسفة يستطيع أن يجعل حياته في الدنيا حياة سعيدة، ووجهته الى الله سبحانه وتعالى وجهة سليمة، ومن لم يعرفها كفر وظلم نفسه وخسر حياته في الدنيا والآخرة، وهذا هو الخسران المبين.
    إننا نواجه الآن طائفة من المشاكل؛ من غلاء في بلد، الى فقر مدقع و مجاعة في بلد آخر، الى حرب داخلية مدمرة في بلد ثالث، الى غزو غاشم لبلد آخر... و هذه جملة مشاكل، ولا يخفى على أحد منا حجم هذه المشاكل وانتشارها. فكل واحد منا إذا فتح المذياع، واستمع الى أي إرسال من أي اذاعة، فان أول خبر يسمعه إما قتل، وإما مجاعة، وما الى ذلك. وكذلك عندما يقرأ الصحف، لا ينتهي من خبر مزعج إلاّ ويأتيه خبر مزعج آخر. فما هي الطريقة المثلى لتعاملنا مع هذه الاخبار ؟
    إنها التسلح بالبصائر القرآنية، و فهم حكمة الوجود، و بذلك نستطيع أن نعرف كيف نتعامل مع هذه الأمور. فالابتلاء هو حكمة الحياة؛ فالغني مبتلى بماله، و الفقير مبتلى بفقره.. فالغني إذا أوتي من نعم الله وفضله شيئاً فعليه أن يعطي للآخرين ويسعدهم. وأما الفقير فاذا منع من فضل الله بقدر ما، فلابد ان يصبر، ولابد أن لا يفقد ايمانه، ولا يفقد دينه، ولا يفقد استقلاله. فكل من الغني و الفقير مبتليان كما يقول تعالى: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ } (الفرقان/20). فالله عز وجل خلق الانسان بحيث يبتلي البعض بالبعض الآخر؛ فالقوي قوته فتنة، والضعيف ضعفه فتنة.. وإذا أصبح الانسان قوياً فان عليه أن يستخدم هذه القوة في سبيل الله. فقد يمتلك شخص ما قوة و شجاعة ثم يقول لنفسه: سأنزل الى الشارع وأثبت قوتي على الضعفاء. في حين أن هذا السلوك ليس صحيحاً، لأن الذي أعطاك هذه القوة إنما منحها إياك ليختبرك، وإلاّ فانك لا تستطيع أن تطالبه بحق، فهو باستطاعته أن يسلبها منك.
    وعلى سبيل المثال فان موسى بن عمران عليه السلام كان في وضع مزر، وكان غريباً مهاجراً مطارداً عندما كان في مدين، وكان جائعاً، وحسب ما جاء في رواية عن الإمام علي عليه السلام أنه قال: "وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلوات الله عليه، إذ يقول: { إنِّي لمَّا أنْزلت إليَّ مِنْ خَيْر فَقيْر } والله ما سأله إلاّ خبزاً يأكله، لأنه كان يأكل بقلة الأرض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه". (1)
    ولكن عندما لاحظ أن الناس جاؤوا، وكل واحد منهم سقى غنمه، ثم بقيت إمرأتان تذودان، قال لهما: ما خطبكما؟ فقالتا له: نحن نملك قطيعاً لكن أبانا شيخاً كبيراً ونحن نساء لا نستطيع مزاحمة الرجال على السقاية. فما كان منه إلاّ أن سقى لهما، ولم يطلب أجراً؛ أي إنه إستغل قوته وعضلاته في سبيل مساعدة المستضعفين.
    إن البعض يقول: أنا لا أملك إمكانيات. ونحن نقول له: لا بأس، ولكن ألاّ تملك عضلات؟ فإذا كنت لا تملك قوة مالية، فانك تملك قوة جسدية والحمد لله. ومع ذلك فان البعض يقول أنه لا يمتلك لا المال و لا القوة الجسدية، وأنا أقول له: نعم؛ ولكن عندك ماء وجه.
    __________
    (1) تفسير نور الثقلين، ج4، ص121. وهكذا فان الانسان الذي لا يملك قوة بدنية ولا مالية، فانه يمتلك بالتأكيد ماء الوجه، فليبذله في سبيل الله سبحانه، لان ماء الوجه هو إمتحان للانسان وقد جاء في حديث شريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، أنه قال: "والشفاعة زكاة الجاه". (1)
    وقد يوجد شخص آخر لا يمتلك مالاً ولا قوة جسدية أيضاً، ولكنه يتمتع بلسان طيب، فباستطاعته أن يشجع الآخرين بالكلمة الطيبة التي هي صدقة، فتعال واخدم الاسلام بلسانك. وفي هذا المجال يروى أن الانكسار عندما بان في جبهة المسلمين في بداية حرب حنين، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله واقفاً كالجبل الأشم، والإمام علي عليه السلام بين يديه يضرب بالسيف، في حين لاذ قسم من المسلمين بالفرار وثبتت ثلة منهم. فجاء النبي صلى الله عليه وآله الى عمه العباس وقال: يا عمّ أعنا بصوتك - وكان صوته جهورياً - فالتفت العباس الى الفارين، واستنهضهم وأرجعهم بصوته.
    وبناءً على ذلك فان الانسان قد يمتلك صوتاً، أو قوة بدنية، أو ماء وجه، أو مالاً.. فأي شيء يمتلكه هو امتحان له. هذا بالنسبة الى القوي الذي يملك شيئاً، أما بالنسبة الى الضعيف، أو المطارد، أو المهاجر فحرام عليه أن يبيع نفسه. فهناك الآن نوع جديد من سوق النخاسين، يتمثل في أن يقال له: إنتمي إليَّ وأعطيك المبلغ الفلاني ! طيب إذا كنت مؤمناً بهذا الخط والفكر والقيادة وهذا التجمع، فأهلاً وسهلاً، وانتمي إليه بايمانك. أما إذا كنت غير مؤمن بهم، ولكنك من أجل رأس المال الذي يملكونه تخضع لهم ولأفكارهم وخطهم وثقافتهم، فان هذا يعني بيع النفس. وللأسف فان بعض الناس يقول: من يدفع أكثر أنا معه! كيف يكون ذلك؟ إن هذا طاغوت، والانسان الذي يتبع من لا يؤمن به طمعاً في ماله، أو خوفاً من سطوته، فانما يتبع الطاغوت، في حين إن عليه أن يتبع الله عز وجل.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج75، ص268. وفي هذا المجال يروى إن معاوية بعث عسلاً الى عائلة عمار بن ياسر، وكانت هذه العائلة لم تأكل شيئاً لثلاثة أيام، فأخذت طفلة من هذه العائلة قليلاً من العسل، ووضعته في فمها، ثم يأتي أبوها و يرى إبنته تأكل من العسل. فقال لها: أتعرفين من بعث هذا العسل؟ إنه معاوية. فما كان من الطفلة إلاّ أن قذفت العسل.
    وهكذا فان على الانسان ان يحذر؛ فالفقير فقره امتحان، فعلينا أن لا ننظر إليه نظرة إحتقار، إذ من الممكن أن يكون أفضل منا تقوى وإيماناً، وإن صبره على فقره هو أكبر أجر له من الله تعالى من إحترامنا للغني. وكذلك المهاجر من بلده، صحيح انه لا يملك وطناً، ولكنه يملك شخصية وعنده إيمان واستقلال فلابد من احترامه وتقديره، وفي ذات الوقت يجدر بالمهاجر أن لا يركض وراء أية راية ترفع، بل يجدر به أن يعرف أية راية هي، وهل هو مقتنع بها حقاً أم لا.. لأن من طبيعة الإنسان أنه يخلط المصلحة بالدين، والهوى بالحق.. فلابد من التمييز بينهما.
    وعلى هذا المنوال الصحيح مبتلى بعافيته، والسقيم مبتلى بسقمه، والحاكم مبتلى بقدرته، والمحكوم مبتلى بضعفه.. فالحياة كلها إبتلاء، وفهم حكمة الإبتلاء فيها يجعلنا نحيا حياة سعيدة.
    وعلى هذا ينبغي على كل من يملك علماً أو جاهاً أو قوة.. وعلى كل من ابتلي بفقر أو ضعف.. أن يفهموا أن هذه الدنيا محفوفة بالابتلاءات، وأنها ليست ببعيدة عن كل واحد منا، ولا مناص لنا إلاّ ان نطلب من الله بقوته وقدرته، وبحق نبينا الأعظم وأهل بيته أن يعيننا على أنفسنا في مزالق الحياة، وأن لا يكلنا الى أنفسنا طرفة عين أبداً.
    حكمة الوجود عندما خرج سيدنا وإمامنا أبو عبد الله الحسين عليه السلام من مكة تلقاء العراق قاصداً الكوفة، توافدت عليه مجموعات من المعارضين للنظام الأموي، والقاعدين عن الجهاد.. يتساءلون عن السبب الذي دفع الإمام عليه السلام الى الخروج في هذا الوقت، في حين إن الظروف المناسبة لخروجه ضد طاغية عصره يزيد بن معاوية لم تنضج بعد حسب تصورهم.
    وقد أجاب عليه السلام كل فريق باجابة مختلفة؛ كل حسب فهمه وظروفه وانتماءاته. فقد قال لبعض: "إنَّ بني امية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت". (1)
    وقال لمجموعة أخرى:
    "كتب إليَّ أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم، يسألوني القدوم إليهم ففعلت". (2)
    وعندما أتته أفواج مسلمي الجن، فقالوا: يا سيدنا؛ نحن شيعتك وانصارك، فمرنا بأمرك وما تشاء. فلو أمرتنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك. فجزاهم الحسين خيراً، وقال لهم: أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله { أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشّيَّدَةٍ } ، وقال سبحانه: { لَبَرَزَ الَّذينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلَى مَضَاجِعِهِمْ } وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلى هذا الخلق المتعوس، وبماذا يختبرون؟" (3) محدداً لذوي البصائر هؤلاء حكمة الهية لخروجه تتصل بمهمة الأنبياء جميعاً، والأوصياء كلهم، لأنهم يسيرون على نهج الانبياء عليهم السلام.
    فهناك أهداف وتطلعات يسعى المقربون والسابقون والصديقون الى تحقيقها، وهذه الأهداف هي أعلى وأسمى من الأهداف السابقة، رغم أن كليهما مشروعان.
    إن الصديقين والاوصياء لا يأبهون بحسابات الربح والخسارة، ولا يجعلون هدفهم الرئيس إسقاط هذا الطاغية أو ذاك، بل يستهدفون الامتثال لأوامر الله تعالى؛ أي إنهم يريدون تحقيق إرادته عز وجل في الأرض.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج44، ص368.
    (2) المصدر، ص385.
    (3) بحار الأنوار، ج44، ص330-331. وهناك أهداف سياسية وأخرى رسالية ينبغي على المؤمن أن يسعى لتحقيقها، ذلك لأنه يريد إقامة حكم الله في الأرض، وإزاحة حكم الطغاة، وتحرير الانسان من عبودية الظالمين، وبالتالي تحقيق الرفاه والسعادة للبشر.. وهذه هي الأهداف التي يتطلع المؤمنون المجاهدون لتحقيقها.
    ومن حكم الله سبحانه في خلق الانسان، وسائر الأنظمة والسنن التي تحوم حول الانسان؛ ابتلاؤه وفتنته واختبار إرادته. والامتحانات هذه على أقسام؛ فقد يكون الامتحان فردياً كأن يبتلى الانسان بمال حرام يحتاج إليه، أو امرأة محرمة تشتهيها نفسه، أو سلطة تهويها نفسه.. والانسان الفرد هو الذي يمتحن في هذا المجال.
    الامتحان الجماعي
    وهناك إمتحان آخر على مستوى أعلى، وهو إمتحان المجتمع ككل؛ بحيث يوضع الناس كلهم في غربال ويغربلون ليعرف من الصامد، ومن المتهاوي، ومن الذي كان يجري وراء المناصب، ومن الذي يبحث عن الحق، ومن المستقيم على الطريق، ومن الذي يتساقط يمنة وشمالاً كأوراق الخريف..
    والآيات القرآنية تبين أن الفتنة في حياة الانسان، لابد وأن تسير في هذا الاتجاه. فالانسان في اللحظات الحرجة حيث تختلف الأهواء، وتتناقض المذاهب، وتعم الحيرة في إختيار الطريق المستقيم، لابد أن يختار الطريق الذي يأمره به إمامه وقائده، أي إن عليه أن لا يبحث عن ما تهويه نفسه، بل عن ما يأمره به دينه.
    وفي هذا المجال يقول عز وجل: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (النور/51).
    فلابد أن نتنازل عن أهوائنا وشهواتنا الى ما يريده الله، وأن نبحث عن القسطاس المستقيم، والفرقان، والحجة بيننا وبينه عز وجل. والحجة هي كلام الله، وسيرة الرسول، وطاعة من أمر الرسول صلى الله عليه وآله بطاعته. ثم يقول تعالى في وصف المنافقين: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } (النور/53).
    فهناك من الناس من يسير مع الرسول صلى الله عليه وآله، ومع من هو في خطه ما سارت مصالحهم، فان تضررت مصالحهم هذه كفوا عن نصرته. وقد أشار الإمام الحسين عليه السلام الى هذه الطائفة من الناس في قوله: "الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معايشهم فاذا محّصوا بالبلاء قلَّ الديانون". (1)
    إن الانسان لا يمكن فصله عن ماضيه، ولا يمكن أن يولد في كل يوم من جديد، بل لابد أن يتأثر في سلوكياته بالعوامل الاجتماعية والتاريخية والخط الذي كان ينتمي إليه. والقرآن الكريم يؤكد إن أولئك الذين يأمرهم الرسول بالجهاد ثم يحلفون بالله أنهم يطيعونه، فاذا أمرهم بالخروج في ساعة الحسم والمواجهة إذا بهم ينكثون، ويخلفون وعدهم. إن هؤلاء كانت حياتهم، ومسيرتهم معروفتين، وهي مسيرة المنافقين الذين يتربصون الدوائر بالمؤمنين، فان وجدوا مؤمناً قد ابتلي إنفجرت ألسنتهم وأقلامهم ضد كل المؤمنين ليشفوا غلّ صدورهم، ويشيعوا السلبيات بين أفراد المجتمع.
    والقرآن الكريم يشير الى أن أمثال هؤلاء ينبغي معرفتهم من خلال خطوطهم السابقة، فلا يمكن للانسان أن يكون في خط منحرف لفترة طويلة ثم يسير فجأة على الخط المستقيم، ويبادر الى الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله والخط الرسالي دفاعاً مستقيماً. إنه في الواقع لا يدافع عن الخط الرسالي، بل عن مصالحه.
    أهم مواصفات القيادة
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج44، ص383. ويقول تعالى مؤكداً على أهمية القيادة: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ } (النور/54)، فمن أهم مواصفات القيادة حسم الصراعات، والقضاء بين الناس بالحق، وأن تتدخل في اللحظات الحرجة لتنقذ المسلمين من المآزق.. وعلى المسلمين بدورهم أن يلتفوا في هذه الظروف حول القيادة، وأن لا يتطرفوا فيمرقوا عن الدين، بل يكونوا مع القيادة أينما كانت.
    وإذا ما وجدنا حركة رسالية في هذا المستوى فلنبشرها بالنصر، لأن القرآن الكريم يقول: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } (النور/55).
    ونحن بصفتنا مؤمنين علينا أن نطيع الله، ونستقيم على الطريقة، وأن لا نطغى في الأرض، ولا نظلم أحداً، ولا نتطرف ضد هذا وذاك، ولا ننخدع بالحسابات السياسية العاجلة، بل علينا أن ندع طريقنا يأخذ مجراه باتجاه خط الانبياء، وبذلك سنضمن نصر الله تعالى بحوله وقوته.
    فلابد أن نستقيم، وأن ننظر الى واجبنا الشرعي، وهو أن نخدم الاسلام في أي مكان كان وبكل الوسائل الممكنة. فالمهم أن نسير في الاتجاه الصحيح، وأن يرضى عنا الخالق، وحاشى له عز وجل أن يأمرنا بأمر فنطيعه، ونتوكل عليه، ويعدنا بالنصر ثم يخلف وعده.
    ولو كان المؤمنون العاملون للصالحات شجعاناً متوكلين على ربهم، لما بقي أثر من الكفر في الأرض، ولكن المشكلة كامنة في نفوسنا. ومعنى قوله تعالى: { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } (النور/55) إن هذا الدين من شأنه أن يتمكن ويسيطر في الأرض سيطرة كاملة، وإذا ما ثبت وتمكن واستقر وتعمقت جذوره، فان هذا الدين سوف يكون لمصلحة العاملين في سبيل الله. وبهذا التعبير، أي قوله تعالى: { وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } (النور/55) يبين لنا الله أن مسيرتنا تكتنفها المشاكل والمخاوف، ولكن العاقبة ستنتهي الى أن يعيش المؤمن في زمن وفي أرض يعبد فيهما الله وحده، وهذه النعمة تأتي نتيجة للتضحيات.
    بعد ذلك يقول عز وجل: { وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور/55). فبعد أن يسقط الله تعالى الطغاة، ويحطم الأصنام بيد المؤمنين، يظهر أناس يكفرون بالنعمة بدل أن يشكروها، وتجرفهم مذاهب الدنيا، فلا يفكرون إلاّ في مصالحهم، وقضاياهم الشخصية.
    حكمة الوجود
    والنتيجة النهائية التي نستوحيها من الآيات القرآنية السابقة؛ إن علينا أن ننظر دائماً الى حكمة الوجود، ولا نعيش في التمنيات والأحلام. فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الدنيا لكي يفرض على أهلها عبادته كرها، بل يريد منهم الاختبار والامتحان. فعليهم أن يسعوا ويتحركوا ويبذلوا الجهود لكي يحققوا حياة آمنة، وعليهم أن يتقبلوا البلاء والفتنة ليعرف مدى إيمانهم، وصدق أقوالهم. ففي حالات الرفاه ترفع شعارات كثيرة، أما في حالة الشدة فان الأمور تختلط مع بعضها. فيجب علينا أن نجعل دائماً أفق تفكيرنا أفقاً ربانياً من خلال نظرة إلهية وبصيرة ربانية، وأن ننتبه الى حكمة الوجود. إن على الواحد منا - كمثال - أن لا يسيء الظن بالله تعالى بسبب إنزلاق رجله وهو في طريق ذهابه الى المسجد، فبوقعته هذه سيحصل على ثواب مضاعف. وقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: "إن الله إذا أحبَّ عبداً ابتلاه وتعهده بالبلاء، كما يتعهّد المريض أهله بالطرف، ووكل به ملكين فقال لهما: اسقما بدنه، وضيّقا معيشه، وعوَّقا عليه مطالبه، حتى يدعوني فانّي اُحبُّ صوته، فاذا دعا قال: اكتبا لعبدي ثواب ما سألني وضاعفا له حتّى يأتيني، وما عندي خير له، فإذا أبغض عبداً وكل به ملكين، فقال: أصحّا بدنه ووسّعا عليه في رزقه، وسهّلا له مطلبه، وأنسياه ذكري، فأنّي اُبغض صوته حتّى يأتيني، وما عندي شرٌّ له". (1) فان دعوت الله من أعماق قلبك فسوف تحصل على بعض الثواب، في حين إنه عز وجل يريد لك أن تحصل على المزيد من هذا الثواب، ولذلك يؤخر إستجابة دعائك.
    إن الثواب الذي حصلنا عليه قليل، وميزان صالحاتنا ما يزال خفيفاً، والله يريد أن يثقل هذا الميزان من خلال الابتلاء كالاضطهاد والهجرة، وما الى ذلك. والايمان يزداد ويتعمق في حالات كهذه، والثواب في الآخرة يزداد، وميزان الحسنات سيكون أرجح وأثقل من ميزان السيئات، وعلى الانسان المؤمن أن لا يرفض قدراً من أقدار الله جل وعلا عليه.
    إن الواحد منا – بسبب معارضته للطغاة- قد يدخل السجن ويعذب أو يستشهد، ولكن كل ذلك هو بلاء بسيط بالقياس الى نار جهنم وعذاب الله وسجنه الرهيب. فالانسان لا يمكن أن تنتهي حياته هناك كما يقول تعالى: { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ َكَانَ عَزِيزاً حَكِيماً } (النساء/56).
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج90، ص371. فالعذاب لا ينتهي، والانسان المنحرف يتحسس بالألم دائماً. والى هذا المعنى يشير الإمام السجاد عليه السلام في دعائه: "وإن يكن ما ظللت فيه أو بت فيه من هذه العافية بين يدي بلاء لا ينقطع و وزر لا يرتفع فقدِّم لي ما أخّرتَ وأخِّر عليَّ ما قدّمتَ فغير كثير ما عاقبته الفناء وغير قليل ما عاقبته البقاء ".
    من دعائه عليه السلام: "إذا دُفع عنه ما يحذر أو عجل له مطلبه".
    فكل ما كان في الدنيا هو قليل، لأن الدنيا تنتهي. وكل ما كان في الآخرة كثير، وإن بدا ظاهره قليلاً لأنه لا ينتهي.
    فلتتجه أنظارنا الى يوم القيامة، فهذه الدنيا ليست إلاّ معبراً، فلو دامت لغيرنا لدامت لنا أيضاً. فهي لم تَصفُ حتى للأنبياء والصديقين، فكيف تصفو لنا. فهي دار الابتلاءات والامتحانات، فلنحاول أن نجتازها بوجوه مبيضة لدى رب العالمين.
    مصنع الرجال
    الانسان لم يخلق عبثاً، ولذلك فانه لم يترك سدى. والهدف من الحياة، وخصوصاً حياة الانسان إمتحانه، وابتلاء سرائره، وليتم الله حجته عليه. وفي هذا المجال يقول تعالى في محكم كتابه: { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } (الانبياء/35).
    وهكذا فان على الانسان أن يتسلح بسلاح الحذر واليقظة. فلو غفل لحظة واحدة، فانه سيخسر عمره كله. وهذا هو الخسران المبين.
    إن أولئك الذين اختاروا الحق هدفاً، وخططوا للوصول إليه بوعي، واستقاموا على طريقهم، كانت عاقبتهم خيراً. أما الذين خارت عزيمتهم، وضعفت إرادتهم، وأحاطت بأبصارهم الغشاوات، فانهم سوف لا يخسرون حياتهم الدنيا فحسب، وإنما سيخسرون أيضاً الآخرة، وسيعضّون على أيديهم من الندم، وهيهات أن ينفعهم الندم.
    حقيقة الابتلاء في القرآن إن المؤمنين لا يكتفون بالايمان بالله ورسالاته وكتبه لفظاً وقلباً، وإنما يضحّون بكل ما يملكون في سبيل الله تعالى. فالايمان قد عم قلوبهم، ولم تبق هناك أية ثغرة يتسلل من خلالها الشيطان الى قلوبهم. فلا يكفي أن يدعي الانسان الايمان بلسانه، بل عليه أن يعمل على سدّ كلّ الثغرات التي من الممكن أن يدخل الشيطان من خلالها الى قلبه، وعليه أن يعقد العزم منذ البدء على أن يفضّل إيمانه على مصالحه الذاتية، وحبه لذاته، وعلاقاته الشخصية مع الآخرين، وإلاّ فانه سيكون عرضة لوساوس الشيطان ومكره، فيكون مصيره بالتالي جهنم وبئس المصير.
    ولقد أكد الله سبحانه وتعالى على هذه الحقيقة المرة بعد الأخرى، وفي مواضع عديدة من القرآن الكريم كقوله تعالى: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } (آل عمران/179) فاذا كان في قلب الواحد منا شيء من الخبث، فليحاول أن يخرجه في أسرع وقت ممكن، وإلاّ فان يوماً سيأتي لا يستطيع فيه ذلك، كما قال الإمام علي عليه السلام: "اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل". (1) وهذا هو اليوم الذي تبلى فيه السرائر، وهو يوم القيامة.
    وللأسف فان البعض قد يهمل العمل في سبيل الله ظناً منهم أن الله تعالى سيبعث لهم كتاباً، ولكنه عز وجل يقول: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشَآءُ } (آل عمران/179)، فهو سبحانه لا يطلع الناس أيّاً كانوا على الغيب بشكل مباشر، بل يرسل إليهم رسلاً يبلغون رسالاته، ويتلون عليهم آياته. وهكذا فان القرآن الكريم هو حجة الله علينا نحن البشر.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج74، ص423. ثم يقول سبحانه: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } (النساء/136) مخاطباً المؤمنين الذين لم يكتمل الايمان في قلوبهم بعد، وما تزال الثغرات موجودة فيها، الأمر الذي مكّن الشيطان من دخولها، وايجاد الفساد فيها.
    ومن جهة أخرى فان الله تبارك وتعالى يستدرج الكفار، فينزل عليهم بركات من السماء التي هي في الواقع إمتحانات وإختبارات، كما يشير الى ذلك القرآن الكريم في قوله: { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لاَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } (آل عمران/178)
    وقد تكون الفتنة فردية، كأن يمتحن الانسان بأمواله وأولاده، أو بزنا، أو غيبة، أو قطع رحم، أو فساد في الأرض.. ولكن الامتحان الأكثر صعوبة، والذي يشمل جميع أفراد المجتمع بما فيهم الصالح والطالح، هو الامتحان الجماعي؛ ومن أبرز أنواع هذا الامتحان تسلط الظالمين، فاذا ما قاومه المجتمع، وتمرّد عليه، وتمكّن منه، واتّخذ الطريق الى تطبيق الاسلام بكل قوانينه وتشريعاته فقد نجا، وإلاّ فانه سيهلك، وسيكون له الخزي في الدنيا، وسيشمله العذاب بجميع أفراده، كما يقول تعالى: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً } (الانفال/25) وفي الآخرة سيكون لهم العذاب المهين. (

    حصن الإبتلاء
    معدن الإستقامة
    { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } (آل عمران/137-143)
    يتفاوت بنو البشر في ذواتهم وطبائعهم طبقاً لتفاوت معادنهم، ومثلهم في ذلك مثل الأرض التي منها الطيب والخبيث ومنها الخصب والعقيم، فهذه تنبت الطيب والنافع، وتلك لا يخرج منها إلاّ النكد الضار، وقد قال عز اسمه بهذا الصدد: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَيَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } (الاعراف/58). وكذلك هم الناس والأمم، فمنهم من يمتاز بالطيبة والأصالة، ومنهم من معدنه خبيث هجين ورخوٌ لا أساس له ولا استقرار.. وكان من الطبيعي أن حوادث الحياة ومستجداتها وطوارئها وما تجره من ظروف وأحوال شاقة ومحن وآلام- وهي بمجموعها تمثل المحك والامتحان الكاشف لحقيقة معدن وشخصية هذا الإنسان وتلك الأمة – لا تزيد المعدن الطيب إلاّ طيبةً وصلابةً ومتانةً، بينما يكاد المعدن الخبيث الضعيف يتلاشى ويضمحل وينصهر، ذائباً في بوتقة ملمات الدهر؛ لأن من طبعه الميل مع كل ريح، والتهاوي لأدنى تحدٍ.
    وقد تجد إنساناً ذا مظهر بسيط جداً في أداء ما عليه من فرائض وواجبات دينية ضمن الأجواء التقليدية، ولكنك قد تكتشف معدنه الطيب والأصيل حينما تواجهه بوسط يخالف معتقداته ومبادئه؛ بل لعلك ستراه ملتزماً كل الالتزام ومتمسكاً بكل ما يمليه عليه دينه، فيجاهد في سبيل الله لا تأخذه في ذلك لومة لائم، فضلاً عن إقامته الرائعة لصلاته وصيامه وسائر واجباته الدينية الأخرى.
    إن معدن الإنسان العظيم يتجلى لدى الشدائد والملمات وتواتر الفتن والضغوط التي تخلقها ظروف الحياة.. تماماً كما الذهب الذي يتجلى نقاؤه وخلوصه بتعريضه للنار، بينما تتلاشى المعادن الواطئة وتتبدل وتفقد ما كان يعتبر خواص ذاتية لها في السابق.
    معدن الإنسان ليس مادياً إذا كان الذهب ذهباً بذاته، وأنه لم يخلق طبيعته المرغوبة والمتميزة بنفسه، فإن هذا الواقع لا ينطبق على الإنسان عموماً؛ فهو لا يخلق بمعدن أصيل طيب أو بآخر هجين خبيث، رغم صحة ما ورد عن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف القائل: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية، وشرارهم في الإسلام شرارهم في الجاهلية". (1) ورغم صحة تأثير العوامل الوراثية وطبيعة البيئة والتربية والنظم الحياتية المحيطة بالإنسان على طبيعة صياغة شخصيته، فهذه كلها عوامل مؤثرة – وقد يصل مستوى تأثيرها حداً كبيراً جداً في بعض الأحيان – إلاّ أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان دون سواه، حيث يبقى بإمكانه أن يجعل من معدنه ذهباً، وإن شاء جعله معدناً عديم القيمة، فالأمر رهن يديه كما قال ربنا سبحانه وتعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى } . (النجم/39) وهذا السعي الإنساني هو المصدر الحقيقي لوجود القوة أو الضعف، والإيمان أو النفاق، والحيوية أو الخمول، والتطور أو التخلف.. حول الإنسان وحول الأمة اللذين بيدهما قرار ارتقاء سُلّم التسامي، كما بيدهما قرار السقوط والتسافل والانحطاط الى الحضيض.
    __________
    (1) الكافي، ج8، ص177. ومن هذا المنطلق؛ كان محرماً على ابن آدم القنوط من رحمة الله واليأس من روحه المقدس، كأن يحدّث نفسه أو تحدّثه نفسه بأنه – مادام قد ولد في بيئة فاسدة أو فقيرة أو ضعيفة أو متخلفة – تعيس الحظ، ولا فرصة له في التطور، ولا جدوى من بذل سعيه لايجاد التغيير وإصلاح ما حوله من واقع متراجع.. بل الواجب الأول الذي ينبغي له تنفيذه هو الإيمان بوجود رب حكيم وكريم وغني وحميد، حريٌّ أن يتوكل العبد عليه، فيمضي في ارتقاء سلم الجد والاجتهاد والعمل والمثابرة؛ لأن قرار الارتقاء هذا جعله الله رهن إرادته، فكان له أن يصوغ من ذاته معدناً طيباً نقياً ثابتاً جديراً بأن يفتح الله له أبواب الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة. وقد قال تبارك اسمه في آية قرآية كريمة: { مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } (آل عمران/179) أي أن حكمته العظيمة وإرادته الجبارة شاءت أن يكون ابن آدم حرّاً مختاراً في انتخاب الحياة والمعدن، رغم الصورة والواقع الأوليين اللذين يولد عليهما وفيهما.
    قصة تأريخية حكيمة
    نقرأ في قصة النبي نوح عليه السلام مع ابنه الذي أبى الاستماع الى قول الحق والركوب في السفينة، نقرأ أن الله سبحانه وتعالى قد حكم على هذا الولد الكافر العاق بالهلاك نظراً لما صدر منه من موقفٍ معاند في أخريات حياته وفي تلك الساعات الحاسمة، وهو الموقف الذي كشف عن حقيقة معدنه، رغم كون أبيه من الأنبياء وأولي العزم، إلاّ أن عمله غير الصالح حوّله الى لعنة تاريخية، لأنه كان بإمكانه اختيار طريق الفلاح والنجاة من الغرق في الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة. ومن خلال شيء من التفكير في قوله تبارك وتعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } (التين/4-6) نعرف إن عملية الخلق خاصة بإرادة الله وحدها. ولكن الاستفادة من نعمة الخلق هذه بوسيلة الإيمان والعمل الصالح رهن بإرادة الإنسان، فهو حينما يخلق، يخلق بفطرة نقية طيبة مثالية، ثم إن طبيعته تبدأ في المسير في طريقين؛ الأول هو طريق التسامي والتكامل، وهو الطريق المنسجم مع فطرته النزيهة ووجدانه وصبغته التي صبغه الله بها. أما الطريق الثاني فهو طريق التسافل والانحطاط بسبب العوامل المضادة لهذه الفطرة، كالشهوات والأهواء وسورات الغضب وسوء التربية وضحالة البيئة وعوامل التاريخ والسياسة والاقتصاد وغير ذلك مما طبيعته التأثير في جوهر الإنسان وتبديل معدنه الأصيل الى معدن زائف. فهو إن لم يسلك سبيل الهدى والرشاد والعمل الصالح وما تمليه عليه الفطرة النزيهة، كان من المحكوم عليه بالانجراف والانحطاط إلى سبيل أسفل سافلين الذي أشارت إليه الآية المتقدمة الذكر. ولكنه إن قاوم العوامل السلبية كان قد أنقذ نفسه فسما وارتقى سلّم التكامل الإنساني، حتى كان بإمكانه أن يسبق الملائكة.
    إذن؛ فإن بمستطاع معدني ومعدنك أن يصبحا معدنين أصليين وخالصين بما نعلنه من إرادة خيّرة ونقوم به من عمل صالح، وهما الوسيلتان اللتان يأمر العقل والإيمان بالاستفادة منهما. )
    إن الله قد حكم على الإنسان وقضى بأن يعرّض للامتحان حتى آخر لحظة من لحظات حياته، لأن حياة الإنسان شيء خلقه الله، وهو ذو إرادة مطلقة في التصرف فيها كيف يشاء، ثم إن الشيطان وجنوده لا ينفكون عن ملاحقة ابن آدم حتى تلك اللحظة الرهيبة التي يفارق عندها الحياة. وها هي النفس الأمارة بالسوء لا يروي غليلها إلاّ وقوع الإنسان الدائم وتعثره، وعليه فإن تعريض الإنسان للامتحان هو الأمر الوحيد والكفيل بكشف معدنه؛ على الأقل كشفه لنفسه ومعرفة من أي الأنواع هو.
    ومن هنا؛ فليس محموداً لابن آدم القنوط من رحمة الله واليأس من روحه
    فيما لو تنبه إلى واقعه وقد كان من المسرفين على أنفسهم، لأن هذا القنوط يزيده إسرافاً ويغرقه في الكفر ويجرعه كأس الدمار حتى الثمالة. )
    كما ليس محموداً له أيضاً أن يحدث نفسه – فيما بقي من له من عمر– بأن سفينته قد رست على شاطيء الأمان، باعتبار أن الله قد امتحنه وابتلاه بما فيه الكفاية، فلا داعٍ لابتلاء جديد. كلاّ؛ فالأمر ليس بأُمنيته ورغبته، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد وقت وكيفية الابتلاء دون غيره. وما يدري ابن آدم أن ضلاله قد يكون بوسوسة شيطانية واحدة ينهار لها في آخر لحظة من حياته، وما يدريه أن الله قد يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بداعي قيامه بعمل صالح يتصوره بسيطاً وهو عند الله كبير. ولهذا ورد في المأثور من الدعاء عن أبي الحسن الأول عليه السلام: "اللهم إني أعوذ بك من العديلة عند الموت"(1) أي الانحراف في آخر لحظة، كما ورد أيضاً: "ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً"(2) نظراً لأن المؤمن مسؤول عن أن يظل في سعيه وجدّه واجتهاده ومثابرته؛ مستقيماً على القيام بالعمل الصالح حتى آخر رمق في حياته، كي يضمن حكم الله بحسن العاقبة عليه، وهي – بلا شك – أهم ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان، لضمان المزيد من الرفعة والسمو الى الدرجات الأعلى ما أمكن.
    الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وآله
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج95، ص381.
    (2) بحار الأنوار، ج99، ص77. ولقد بلغ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بذاته وجده واجتهاده وسيرته المباركة مبلغاً جعله حريّاً بسيادة الأنبياء والرسل جميعاً، وقد علا وسما ما تعجز حتى الملائكة عن تصوره؛ ففي ليلة المعراج الى السماء اخترق نبينا الأعظم حجب النور وبحاره وسرادقات العرش حتى وصل موقفاً لم يعد جبرائيل عليه السلام – وهو المرافق له في معراجه – يتجرأ على تخطيه، ولكن النبي دنا ودنا حتى كان قاب قوسين أو أدنى. ولكن رغم هذا الاقتراب النبوي الشديد من العظمة والجبروت الإلهي، إلا أنه ظل ممتلئاً رهبةً وخشية من العلي الأعلى في تلكم اللحظات التي هي أسعد اللحظات وأعظمها بهاءً وروعة في حياة الإنسان على الإطلاق. فيا ترى ما بالنا نحن وما عليه من الإسراف على أنفسنا؟!
    سبيل الإستقامة والثبات
    إن العامل الوحيد الذي يساعدنا في الحفاظ على خلوص معدننا ونزاهة جوهره هو التنبه الدائم والحذر الشديد والواعي من مكر الشيطان وجنوده من الجن والإنس حتى آخر لحظة نتنفّس فيها، وهو يعني الإستقامة في مسيرة التقوى والخشية من الله عز وجل حتى يأتينا النداء الإلهي الحاسم: { يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } (الفجر/27-28). قد لا يكون خافياً أن الإنسان عرضةً للإصابة بنوعين من الأمراض؛ النوع الأول، هو الأمراض المادية التي تصيب الجسد، حيث جعل الله سبحانه وتعالى الإحساس بها دليلاً عليها، حتى أضحى هذا الإحساس نعمة إلهية تساعد المريض على الإسراع في المعالجة. أما النوع الثاني، وهو الأخطر والأفتك، فهو الأمراض النفسية والمعنوية. ولعل هذا النوع يعد من أكبر المصائب التي تلم بالإنسان، إذ أن للشيطان اليد الطولى في وجودها، وهي مثل التكبر والغرور والحسد والبخل والحرص، لأنها تحجب المرء عن الإحساس والشعور بسائر الأمراض النفسية الأخرى. وإن ما يجعل الإنسان يحفظ جوهره، هو ثباته واستقامته في حياته وحذره الدائم من وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وتعزيزه لإرادته وتحديه للفتن والبلاء وملمات الدهر.
    الإعداد والاستعداد
    إن المطلوب من الإنسان أن يضع نفسه في حالة ترويض دائمة، ليزداد صلابةً وأصالةً. أما أن يعمد الى ترويض نفسه في ساعة الإمتحان والفتنة، فهذا ما لن يفيده شيئاً، مثله في ذلك مثل طالب المدرسة الذي يتوجب عليه مطالعة درسه واستيعابه وحفظه قبل أوان الامتحان النهائي، لأنه لن يعود لدى الامتحان بإمكانه استيعاب العلم أو حفظ المعلومات.
    ولقد تضمن القرآن الكريم العديد من المفاهيم والتوجيهات والبصائر الواضحة ما لو تم استيعابها واستلهامها لخلق روح التصدي والمقاومة ولحافظ على أصالة المعدن الإنساني ولزاد في نقائه وخلوصه. ومن جملة تلكم المفاهيم والبصائر في هذا المجال أخذ العبرة والاتعاظ بالتاريخ الإنساني ومجرياته وأحداثه؛ ومنها قول الله جل جلاله: { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } . فالمراد بالسنة حسب معناها الظاهر الآثار المتبقية من تاريخ الأمم السالفة، وكيف آلت مصائر الشعوب المنحرفة. فالله سبحانه وتعالى يؤكد ضرورة البحث والنظر والتدقيق في ذلك المآل الذي انتهت إليه الأمم المكذبة لتحاشي الوقوع في المصير الأسود نفسه.
    والذي أراه أن دراسة التاريخ وسبر أغواره ضرورة حضارية ودينية وثقافية؛ بل إن كل الضرورات قد تجمعت وتكرست في هذه الدراسة والبحث في التاريخ الإنساني، وها هو القرآن الكريم قد أعطانا عصارة التاريخ وبيّن لنا محطاته الاستراتيجية ومنعطفاته المهمة، ونحن بوسعنا الرجوع الى التفاصيل التي تعج بها كتب التاريخ والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام لاستيعاب المزيد من العبر التاريخية.
    الزهراء عليها السلام نموذج المعدن الطاهر لقد اتسمت حياة سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام بالصمود والثبات والاستقامة على الحق، مما جعل سيرتها الذاتية قدوة واسوة، لا سيما بعد وفاة أبيها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والتحاقه بالرفيق الأعلى. فلقد انهالت عليها المصائب والآلام والمحن والمظالم، ولكنها واجهت كل ذلك بالصبر والتحمل حتى فارقت الحياة مظلومة مهظومة. وقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: "نحن حجة الله على خلقه وأُمّنا فاطمة عليها السلام حجة الله علينا".(1) وهذا الحديث الشريف يعكس حقيقة كبرى، إذ أن كل ما اجتمع وتراكم على قلب الزهراء عليها السلام من مصائب وهموم قد توزع وتفرق على أبنائها الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام. ولقد تحدت سيدة النساء الظروف الحالكة والمصاعب الأكيدة، ما لم يكن باستطاعة أقوى الرجال تحملها وتحديها.
    وعلى ذلك؛ فإن الأجدر بنا - نحن الذين نأمل شفاعة الزهراء عليها السلام- أن ندرس حياتها من هذه الزاوية؛ زاوية التحدي والصلابة ونقاء المعدن والاستقامة على الحق.
    إن إنساناً وأمة يبتني وجودهما ويقوم كيانهما على تضحيات أهل البيت عليهم السلام ودمائهم ودماء الشهداء المقتدين بهم، لابد لهما من أن يكونا صامدين مقاومين يتحديان العالم بطواغيته وجبابرته، وإنّ { هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } .
    التراجع يعني الردّة..
    __________
    (1) تفسير أطيب الكلام، ج13، ص225. يخطأ كثيراً هذا الذي يأسف ويندم على ما قام به من عمل في سبيل الله، مهما كانت أسباب الندم، فالله تعالى ينهى عنه ويعتبره خروجاً عن الإيمان، وهو القائل سبحانه: { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ } . فلا يقولنّ أحد: لِمَ جاهدتُ؟ ولأجل من ضحيت؟ وعلامَ هاجرتُ؟ فهذا خطأ وكفر بنعمة الإيمان التي رزق الله، لأن الإنسان مسؤول عن القيام بواجبه في هذا المجال على أحسن وجه ممكن، وليس مسؤولاً عن الانتصار أو جني الثمار. ثم هل كان خيراً لك لو أنك أضعت حياتك وشبابك وطاقاتك في اللهو والمتاهات وإشباع الشهوات الرخيصة في الحانات ومراكز الفساد الاخلاقي؟! إن الأولى بك أن تشكر الله أبداً على ما أنعم عليك من الإيمان والهدى والعمل في سبيله، لأن مجرد التشكيك في ذلك يعقبه التمرد على فرائض الله، وبالتالي سيحبط عملك فتكون من الخاسرين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا. فإن كنت تعاني المصاعب؛ فعدوك وعدو الله بدوره يعاني كما تُعاني، ولكنك ينبغي أن ترجو من الله. وقد قال ربنا العظيم: { إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } ، وقال أيضاً: { وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً } (النساء/104). فهذه هي سنّة الصراع في الحياة، ولا يجدر بك أن تتصور حلول الأذى والقهر والهزيمة والمعاناة بعدوك فحسب، وأن شيئاً من ذلك لن يمسك أو يصل إليك، لأن السنّة الحياتية في الصراع اقتضت أن تكون الدنيا يوم لك ويوم عليك { وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } .
    ومن هنا؛ كانت النوازل والمحن والشدائد التي يقع فيها الإنسان ويتعرض لها عبارة عن عملية تطهير لما كان يرتكبه من ذنوب وخطايا، فكان من المفترض به التسليم لأمر الله وقضائه والتعامل مع طبيعة تعرضه للمحن من منظار إيجابي وإيماني ينتهي به إلى الصبر والصمود والاستقامة. )
    إن المؤمن حينما يدرك حقيقة الحياة وفلسفتها، ويدرك أنه ماثل أمام قانون الموت والفناء، ويدرك حقيقة الحكمة الإلهية بتعريض ابن آدم للمحن والفتن، حينما يدرك ذلك كله سترتفع عنه حجب الخوف والتردد، ولن يعتبر – إذ ذاك – المشاكل والصعاب والمحن عائقاً في طريقه، وهو سيمضي غير مبالٍ بكل ما يلاقيه ويصادفه، لا سيما وأن الله تبارك اسمه سوف يسدد خطاه ويقوي عزيمته.
    وإدراك الإنسان لكل هذه الحقائق التي أوضحناها من شأنه دفعه الى صقل ذاته وإظهار أصالة معدنه ونقائه وقوته، وذلك بمواصلة مسيرته في العمل والجد والجهاد والمثابرة، ابتغاء مرضاة الله ونيل العزة والكرامة في الدنيا والآخرة.
    إن من مسؤوليات الإنسان الذاتية التي لا يمكنه تبرير التقاعس والتكاسل عن أدائها بسبب من الأسباب هي أن يدرك هذه الحقائق كي يطور شخصه ويصقل جوهره ومعدنه، وذلك ما لا يكون دون التوجه الى بصائر القرآن الكريم وهضمها واستيعابها والإلمام بها. ولعل البصائر التي حوتها الآيات المتقدمة من سورة آل عمران تمثل برنامجاً أساسياً لتطوير المعدن الإنساني ولتحدي الصعوبات والفتن بحول الله وقوته.
    نسأله سبحانه وتعالى أن يثبت أقدامنا، وأن يعيننا على أنفسنا، وأن يصلح كل عيب فيها، لنكون من الصادقين في البأساء والضراء، وأن يجعلنا من الصابرين ويلحقنا بعباده الصالحين محمدٍ وآله الهداة الميامين والحمد لله رب العالمين.
    الإستقامة عزة ورفعة )
    ترى ما هي الجدوى من الإستمرار في الكفاح والجهاد على الرغم من أن الظروف جميعها تعاكسنا، ولماذا نبذل الجهود الكبيرة، ولماذا هذا العطاء الذي يبدو لا نهاية له؟ أوَليس من العبث أن يتعب المؤمنون أنفسهم، ويبلون شبابهم في الدعوة الى الله تبارك وتعالى، والتفرّغ في سبيله، والمثابرة في طلب العلم.. وهم يرون أن أعمالهم تذهب – في الظاهر – سدىً؟ فالكفار والمستكبرون لا يتركون المؤمنين ولو للحظة واحدة يعملون ضدّهم، فهم يلاحقونهم في كلّ مكان، ويطاردونهم أينما ذهبوا.... فلماذا –إذن– الاستمرار في الجهاد والدعوة الى الرسالة الإسلامية مادام الأمر كذلك؟
    إن هذه القائمة الطويلة من التساؤلات تمثّل أفكاراً سلبية تبثّها أجهزة الأعلام الظاهرة منها والخفية هنا وهناك، ولا سيّما في هذه الظروف التي يعيش فيها المسلمون الصعاب، وتتراكم السلبيات، وتتواصل الهزائم.
    الأيام دول بين الناس
    إنّ التأريخ، كل التأريخ، لم يكن في يوم من الأيام خالصاً صافياً بشكل دائم للمؤمنين، وكذلك الحال بالنسبة الى غير المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى يداول الأيام بين الناس، وهذه المداولة تمثّل في الدنيا سنّة إلهية أبدية، فالدنيا يومان؛ يوم لنا، ويوم علينا، وعندما يحلّ يوم الشدّة والضعف والانكسار نجد أن هذه الأفكار السلبية تنتشر بسرعة عجيبة.
    الإجابات الشافية في القرآن
    ولأنّ القرآن الكريم هو علاج لكلّ الأمراض، وإجابة على كلّ الأسئلة التي أثيرت أو من الممكن أن تثار في المستقبل بشأن عمل المؤمنين، وبالصراع الحاد القائم بين جبهة الايمان وجبهة الكفر والضلال، فاننا نجد إجابات شافية عن كل تلك التساؤلات وبالتحديد في سورة هود، هذه السورة التي نستطيع أن نصفها بأنها سورة الاستقامة والجهاد المتواصل رغم الظروف المعاكسة. إننا عندما نقرأ هذه السورة المباركة من بدايتها الى نهايتها، فاننا نطالع فيها صوراً مشرقة من جهاد وكفاح الأنبياء عليهم السلام، وأتباعهم في أكثر الظروف شدة وتأزّماً.
    الاستقامة أمر إلهي
    وفي نهاية هذه السورة نجد خلاصة للأفكار التي جاءت فيها، فلنحاول معاً أن نستعرض هذه الأفكار الواحدة تلو الأخرى فيما يلي:
    الفكرة التي يتضمّنها قوله تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ } (هود/112)، فالله تعالى يخاطب نبيّه صلى الله عليه وآله بأنّه مأمور مادام قد أسلم وآمن وخضع لرب العزة، ولأنه مأمور فلابد من أن يتّبع الأوامر بدون زيادة أو نقصان، وبدون جدل ونقاش. وما دام الله رحيماً بالانسان، ولا يأمره بشيء إلاّ إذا كان من مصلحته، فلماذا تريد – أيها الإنسان – أن تستنبط الأفكار من نفسك، أوَلا تؤمن بأن بصائر القرآن، ورؤى الوحي، وشرائع الدين صحيحة؟ فاستقم – إذن – كما أمرت لأن الاستقامة أمر إلهي، ولا يهمّ في هذا المجال ماذا سيحدث في المستقبل، وماذا ستكون النتائج، بل عليك أن تستقيم.
    ثم يقول تعالى موضحاً ان الأمر بالاستقامة لا يقتصر على الرسول صلى الله عليه وآله، بل يشمل أتباعه أيضاً: { فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ } (هود/112) ؛ أي إن القائد عندما يحمل الراية في ظروف الشدة والهزيمة، وعند الصعوبات والمشاكل، فان هذه الراية التي يركزها هذا القائد سوف تكون سبباً لالتحاق المنهزمين مرّة أخرى.
    وعلى هذا فان الله سبحانه وتعالى يصرّح بأن أحد أهم النتائج الايجابية للاستقامة توبة المنهزمين، وعودتهم الى الخط الرسالي.
    الركون الى الظالمين ثم يأمر سبحانه المؤمنين بعدم الطغيان قائلاً: { وَلاَ تَطْغَوْا } (هود/112)؛ أي لا تكونوا أيها المؤمنون، يا من أنفقتم أوقاتاً ثمينة من حياتكم، واُبليتم شبابكم وزهرة حياتكم في سبيل الرسالة، لا تكونوا وقوداً للحروب التي يثيرها الطغاة. فنحن إذا ما تركنا معارضة الظالمين جانباً، فربّما سنصبح أداة من الأدوات التي يستخدمها الطغاة.
    ويؤكد جل وعلا على هذا المعنى قائلاً: { وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ } (هود/113)
    فأنتم أيها الرساليون إذا تركتم الجهاد وعزّته وكرامته فسوف تضطرّون الى أن تركنوا الى الذين ظلموا، وبالتالي فانكم سوف تحتاجون في هذه الحالة الى حماية، وأن تضطرّوا الى التوسّل بهذا النظام أو ذاك لتطلبوا منهم هذه الحماية. فالانسان الذي لا يمتلك عزة من جهاده، فلابد من أن يبحث عن العزّة عند الظالمين.
    والقرآن الكريم يحذّرنا من هذا السلوك موضحاً أننا لو أيّدنا الظالم فان عاقبتنا سوف لن تكون بأحسن منه، حيث عذاب الله ولعنة الناس، دون أن يكون لنا أيّ نصير وشفيع.
    قال الله تعالى: { وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } (هود/113)
    فعلى الإنسان أن لا يقول في يوم القيامة أنه كان مجاهداً وعاملاً، فانّ مثل هذه السوابق لا يمكن أن تشفع له بعد أن ركن الى الظالم، وأصبح ذيلاً له، ودائراً في فلكه. فالله تبارك وتعالى لا ينظر الى سوابق الإنسان، بل يحكم عليه حسب الوضع الذي هو عليه الآن.
    وبناء على ذلك فانّ الاستقامة تمثّل ضرورة لا غنى للانسان المجاهد عنها، لأن من لا يستقيم لابدّ أن يصبح طاغياً أو أن يخضع للطغاة، ولخط الظالمين ويركن إليهم، وحينئذ سيكون مصيره مصير الظالمين، ثم لكي يستقيم الإنسان، ويستمر على الجهاد فعليه أن يتّصل بروح الإيمان.
    الصلاة وقود الاستقامة والصلاة التي يقول عنها تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } (هود/114) هي أفضل وسيلة لاستمداد القوة المعنوية عندما يفتقر الإنسان الى القوة المادّية. وأنا لا أستطيع أن أتصوّر مجاهداً لا يستأنس بالصلاة. فهي بالنسبة إليه الركن الركين الذي يأوي إليه، والكهف الحصين الذي يحميه من عاديات الدهر والوساوس الشيطانية. فإذا ما صادف وان اسودّت الدنيا في عينك، وتراكمت المشاكل عليك، وتواصلت الهزائم، فعليك أن تفرّ الى الله الذي تجده في الصلاة. فعندما تصلي تكون قريباً من رب العزة، ويكون تعالى قريباً منك، يربت على كتفك بيد حنانه ورأفته.
    ثم يقول تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } (هود/114)
    فعلى الانسان المؤمن أن يلتزم بالصلاة في النهار والليل؛ فاذا ما هجمت عليه الهواجس، وأخذ يفكّر في المشاكل والصعاب التي يواجهها، فعليه أن ينهض من فراشه، ويقف أمام رب العالمين، وحينئذ سيجد برد عفو الله وسكينته، وروح الاطمئنان تغمر قلبه.
    الصبر والنظرة البعيدة
    ويأمر تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله والمؤمنين بالصبر قائلاً: { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (هود/115).
    فليس من الصحيح أن نقول إن أعمال المجاهدين تذهب عبثاً، وأنهم ينفخون في رماد، وأنّ جهودهم هي مجرّد هواء في شبك. كلا؛ فاننا إذا عملنا ولو ذرة واحدة، فاننا سنجد هذا العمل أمامنا يوم القيامة ليشفع لنا. فالذي يحفظ الوديعة هو رب العزة الذي لا يمكن أن تضيع عنده الودائع. فعلينا أن نصبر، وأن لا نستعجل الأمور، لأن هذا العالم الذي نعيش فيه هو عالم الزمن، كما أنّ الخالق تعالى عندما خلق السماوات والأرض فانه لم يخلقهما في لحظة واحدة، رغم أنه كان بامكانه أن يقول كن فيكون ليخلق السماوات والأرضين، ولكنّه عز وجل شاء أن يخلقهما في ستّة أيام، لأنه ركّب هذا الكون على أساس الزمن.
    وعلى هذا فانّ علينا أن نصبر خصوصاً وإننا نريد أن نغيّر عالماً بأكمله، وهذا التغيير لا يمكن أن يتمّ من خلال حركة بسيطة. فنحن الآن نعيش مخاض الحضارة الإسلامية، والحضارة تعني تحقيق الوحدة بين الشعوب، والوصول الى الرقي التكنلوجيّ، والتقدم الزراعي والصناعي والاقتصادي. ومن المعلوم أن ليس من السهولة بمكان تحقيق هذه الأهداف الضخمة.
    ومع ذلك فاننا نمتلك تاريخاً حضارياً عريقاً ومليئاً بالعطاء، ونمتلك برنامجاً يتمثّل في القرآن الكريم الذي هو هدىً ونور وبصائر. وكلّ هذه الامتيازات التي نتمتّع بها من شأنها أن تختصر لنا الزمن، وتجعلنا نبلغ المستوى الحضاري المنشود في فترة قياسية، قد تكون أقصر بكثير من تلك الفترة التي مرّ بها الغربيون للوصول الى ما بلغوه الآن، ولكن علينا أن نأخذ بنظر الاعتبار أن علينا أن نبذل الجهود المتواصلة والمكثّفة في هذا المجال، وحينئذ فاننا سوف لا نبلغ ما بلغه الغربيون فحسب وإنما سنتقدم عليهم باذن الله.
    التفكير المستقبلي وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "اغزوا تورثوا أبناءكم مجداً"؛(1) أي إن علينا أن لا نفكّر في أن نحصل على العزة العاجلة من وراء جهادنا، بل علينا أن نبذل لكي ينتفع الجيل القادم من عطائنا. فنحن نسعى من أجلهم في الحقيقة لكي يورثوا منّا المنعة والعزة، ويكونوا أقوياء أمام الأعداء، ولا يكونوا أدوات في أيديهم يستخدمونهم كمادّة للاختبار. فهناك الكثير من الحروب التي أجّجها المستكبرون كان هدفهم من ورائها تجربة أسلحتهم، كما حدث في الحرب التي أثاروها بين العراق وايران، وبين العراق والكويت.. فقد كانوا يحقّقون عدة أهداف من وراء إثارة هذه الحروب؛ الهدف الأول هو أنهم كانوا يبيعون الأسلحة ويصرّفونها، والهدف الثاني أنهم يعملون على تأخير تطوّر حضارتنا، والهدف الثالث يتمثل في إشفاء غيضهم الداخلي من المسلمين، والهدف الرابع إختبار الاسلحة ومن ضمنها الأسلحة الكيمياوية...
    ومن أجل أن نحول دون أن يصبح أبناؤنا أدوات طيّعة بيد هؤلاء المستكبرين، فلابد لنا من أن نجاهد، لأنّ جهادنا إنما هو من أجل تحقيق مستقبل مزدهر مشرق لأولادنا.
    الاسلام مرهون بالجهاد
    وعلينا أن نعلم في هذا المجال أن الانجازات والمكاسب الكبرى التي حقّقها الاسلام لحد الآن، انما هي مرهونة ببقائها ووجودها لجهاد المجاهدين. والى هذا المعنى يشير تعالى في قوله: { فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ اُولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَآ اُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } (هود/116)
    فالذين ينهون عن الفساد يكنّ الله تعالى لهم أعظم الحبّ لحكمة يعلمها، وهي أن تبقى في الأمة بقية تدافع عنها، وعن القيم الرسالية المقدّسة.
    __________
    (1) وسائل الشيعة، ج11، ص9، أبواب جهاد العدو، ح15. ثم يشير تعالى الى النتيجة النهائية للجهاد من خلال قوله: { إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ } ؛ اي إن فائدة جهادنا وإستقامتنا تتمثل في أنّ البلاء سوف لا يشملها في حالة نزوله، بل إنّ هذا البلاء سوف ينزل على المفسدين فحسب، ومن سكت عنهم، ورضي عن ممارساتهم.
    كيف نستقيم في ظروف الإبتلاء؟
    قد يكون الانسان في وضع تضحى جميع شؤونه متسقة ومنتظمة حسبما يحب ويرتضي، بحيث ينمو ويترعرع في بيئة مفعمة بعبق الايمان واريج المحبة والاخاء الايماني.
    وقد يعيش المرء حياة تصطحبها القسوة والابتلاء، بحيث تحيطه كافة صور المحنة والعذاب. فبالتأكيد ان كلا الوضعين المختلفين لا يمكنهما ان يتساويان على مستوى التجربة والأجر الذي وعد الله تعالى به المؤمنين يوم القيامة.
    الفتنة سنة الهية
    من مراجعة لآيات الذكر الحكيم نكتشف احدى سنن الباري عز وجل، وهي سنة الفتنة لكافة أبناء البشر الذين يعيشون على هذه البسيطة؛ بل لا مجال لافتراض صورة ما لحياة أحد أبناء البشر وقد خالطتها النشوة المطلقة والرضا اللامتناهي..
    { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } (العنكبوت/2)
    بل من الخطأ أن يتصور المرء أن مجرد اعتقاده القلبي، واقراره بالربوبية الالهية، وايمانه بأركان الدين تكفي ان تحيل حياة المؤمن الموحد الى روضة بهيجة في هذه الدنيا. ان حقيقة الايمان بالشيء تقتضي اثباته في الواقع الخارجي، وجلب المصداقية المفترضة للدلالة عليه.
    لذا كانت سنة التاريخ والأمم والحضارات السابقة والحاضرة كذلك الافتتان لاثبات دعوى الايمان. قال الله تعالى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } (العنكبوت/3) فلو افترضنا قبول منطق الادعاء الصرف بالايمان والتوحيد، لتساوت الأمم كما يتساوى أبناء البشر جميعاً في الاعتقاد والأجر والمراتب؛ بل ولإنتفى القبح والحسن، والنار والجنة يوم القيامة. فما أكثر الأمم التي قبلت دعوات أنبياءها ورسلها، ورفضت ما أُمرت به من اصلاح وتغيير ؟
    وفي هذا الخضم سقطت أمم واستقامت أخرى على الفتنة، وتميز الكاذب عن الصادق..
    { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }
    فتبقى الحجة البالغة التي لا يمكن المرء أن يفر منها يوم الحساب. فـ (العلم) الصادق و (العلم) الكاذب، تكشفه (الفتنة) التي تصيب الناس كافة.
    وكلما ازداد مستوى الاعتقاد ومراتبه، كلما ازداد مستوى الافتتان ومراتبه كذلك. وهذا ما يفسر جملة من الأحاديث الشريفة التي تؤكد على هذه الحقيقة، منها قول الإمام الكاظم عليه السلام قال: " إنما المؤمن بمنزلة كفّة الميزان، كلّما زيد في ايمانه زيد في بلائه".(1) ذلك لأنه بقدر حجم الادعاء يكون حجم الافتتان الإلهي. وهذا بدوره لطف إلهي، وذلك لازدياد مراتب الأجر والجزاء في العقبى، وهي ثمرة طبيعية يحصل عليها الانسان المؤمن.
    حدّثنا بنان بن بشر، وابن أبي خالد قالا: سمعنا قيساً يقول سمعنا خبّاباً يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو متوسّد برده في ظلّ الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمّر وجهه فقال: إن كان من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضر موت لا يخاف إلاّ الله عزّ وجل والذئب على غنمه. (2)
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج64، ص210.
    (2) بحار الأنوار، ج18، ص210. وعن رسول الله صلى الله عليه وآله مرَّ بعمّار وأهله وهم يعذّبون في الله، فقال: أبشروا آل عمّار فإن موعدكم الجنة . (1)
    الفتن متعددة
    وبالطبع يختلف الابتلاء بأختلاف المؤمنين، وقد يكون الابتلاء من نوعه الجسدي أو النفسي - الذي لا يقل عن الأول - وقد يجتمعا معاً.
    الشاب المؤمن يفتتن بغريزته الجنسية وشره الشباب، والتاجر بمعاملات التجارة، والمجاهد في سبيل الله والقائد كذلك، والامام المعصوم عليه السلام أيضاً لا يخرج عن دائرة الافتتان الالهي، رغم قربه ومنزلته عند المولى تعالى.
    نقل أحد الأخوة المؤمنين من داخل سجون النظام الصدامي في العراق قائلاً: كنا في زنزانة مع جمع من الرجال المؤمنين، الى أن أخرجونا الى ساحة السجن، ثم جاءوا ببنت أحد الرجال المؤمنين الذين اصطف معنا وبعد أن يأسوا من تعذيبه لانتزاع الاعتراف منه، ادخلواها علينا عارية ! وساقوا بها أمام الحضور يمنة ويسرة، ثم قربوها إلى أبيها، وهددوه بشتى الافعال بها إن لم يعترف !! ولكن البنت المؤمنة هذه توجهت إلى أبيها قائلة: أبي؛ هذا في سبيل الاسلام شيء قليل.
    فهذا مشهداً واحد من التعذيب النفسي الذي يلحق بالمؤمنين المجاهدين، وإذا قلبنا أرشيف السجون التي تكتض في أغلب بلدان العالم الاسلامي بالشباب المؤمن، لشاهدنا صوراً مذهلة توضح فداحة القسوة التي يرتكبها الحكام المستبدين ضد رجال الحق ودعاة الاسلام. كذلك عظمة وشموخ صبر هؤلاء الأفذاذ من أجل تحكيم القيم التي يعتقدون بها على أرض الله المترامية الأطراف.
    __________
    (1) المصدر. إن هذه الصور البطولية الرائعة لو قارنّاها بصور أخرى تقع هنا وهناك، وهي تحكي عن تساقط أدعياء الايمان في وحل الرذيلة - كما تتساقط أوراق الخريف - مقابل شهوة آنية أو حفنة نقود أو مستمسك رسمي من دولة ما -كما يجري على البعض ممن ينتمي الى بلاد الاسلام وشريعة المسلمين والمقيم في البلاد الاوربية - ليرى فداحة المفارقة الكبرى بين تلك الصور وهذه !
    كربلاء؛ الفتنة.. الاستقامة
    لقد كان أئمة الهدى المعصومين عليهم السلام وسيرتهم الذاتية خير صورة مباركة ومقدسة، ومثالاً حياً ومتحركاً أمام كافة الأجيال.
    إن موقف الإمام الحسين الشهيد عليه السلام في رمضاء كربلاء، وموقف إبنه الإمام زين العابدين عليه السلام وشقيقته الطاهرة الصديقة الصغرى زينب عليها السلام يحكي كذلك قدسية الاعتقاد والايمان بالله، وعظمة استرخاص الغالي والنفيس، واستقبال البلاء والفتنة برحابة صدر في سبيل الله.
    لنقرأ معاً هذه الرواية عن الإمام زين العابدين عليه السلام، والتي قال فيها: "إنه لما أصابنا بالطفّ ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وساير أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا، فيعظم ذلك في صدري، ويشتدّ لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج، وتبيّنت ذلك منّي عمّتي زينب بنت عليّ الكبرى، فقالت مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟ فقلت: وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيّدي وإخوتي وعمومتي وولد عمّي وأهلي مصرَّعين بدمائهم مرمّلين بالعراء، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرّج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر". (1)
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج28، ص57. وهنا تتجسّد فداحة الموقف الذي تحمّله أهل بيت الحسين عليه السلام في رمضاء كربلاء، بحيث لم يرحم الأعداء حتى الأجساد الطاهرة؛ بل تعمّدوا في تفريقها تنكيلاً بالحسين عليه السلام وأصحابه وأهل بيته!
    وهنا يتساءل المرء أنه كيف تقع هذه النوازل والفتن على الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته ونساءه وأطفاله، بل يتجرء أرذل خلق الله (شمر بن ذي الجوشن) في الجلوس على صدر سبط الرسول الحسين عليه السلام ليحتز رأسه الشريف، مع العلم أن الإمام عليه السلام له مرتبة ومنزلة عظيمة عند الله ورسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، ثم لم يغير الله سبحانه ما كتب على الحسين عليه السلام من النصر المادي لصالح أهل الحق وأتباعه ؟!
    إن الإمام الحسين عليه السلام هو الذي اختار طريق الحق وآمن وسار على ما آمن به وانتهى به الأمر إلى واقعة كربلاء. لقد كان من اليسير جدا على الله سبحانه أن يدفع البلاء عن أتباع الحق في يوم عاشوراء، ويبيد أهل الباطل عن بكرة أبيهم بلحظات وثوان. إلاّ أن مشيئة الله اقتضت كيفما شاءت إرادة الحسين عليه السلام، وأن الله يعطي لعبده ما يريد ويجازيه بقدر ما يريد من تقرب الى المولى عز وجل، فأضحى جسد الحسين عليه السلام وأهل بيته خير قربانٍ في هذا الطريق..
    ثم تقول الرواية: "لا يجزعنّك ما ترى فوالله إنّ ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله الى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّحة وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء عليه السلام لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلاّ علواً". (1)
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج28، ص57. )
    وبالطبع أن تصبح كربلاء قبلة الزائرين وكعبة الثوار والعاشقين، هو أمر طبيعي ونتيجة بديهية لما حمل الإمام الحسين عليه السلام من مسؤولية الأداء العظيم عبر الذبح المقدس له ولأصحابه وأهل بيته. فهذه سنة الله في الحياة أن ترتفع معالم الحق وأصحاب الحق، وتعلوا قباب العظام والهداة، لتكون شاهداً حياً أمام مرأى العالم. وفي المقابل تنطمس آثار وقبور أعداء الله، أمثال يزيد ومعاوية وبني أمية وبني العباس لتكون شاهداً حياً أيضاً على زيف الباطل. فهذه الثمرة يجنيها طلاب الحق في الدنيا، أما في الآخرة فهو أجلّ وأعظم من هذا كله.
    وتضيف الرواية على لسان مولانا الإمام زين العابدين عليه السلام: "فقلت: وما هذا العهد وما هذا الخبر؟ فقالت: حدَّثتني أمّ أيمن أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله زار منزل فاطمة عليها السلام في يوم من الأيام، فعملت له حريرة صلى الله عليهما، وأتاه علي عليه السلام بطبق فيه تمر ثمَّ قالت أم أيمن: فأتيتهم بعسّ فيه لبن وزبد، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهما السلام من تلك الحريرة، وشرب رسول الله صلى الله عليه وآله وشربوا من ذلك اللبن، ثمَّ أكل وأكلوا من ذلك التمر والزبد، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وآله يده وعليّ عليه السلام يصبّ عليه الماء". (1)
    كما يبدوا أنها جلسة عائلية يشاهد فيها حالة السرور، ولكن سرعان ما تتحول الى جلسة حزن واعتصار الألم لما سوف ينقل فيها من صور الافتتان والمصائب التي سوف تنزل على أهل بيت النبوة عليهم السلام.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج28، ص57-58. فتضيف الرواية: "فلما فرغ من غسل يده مسح وجهه ثم نظر إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام نظراً عرفنا فيه السّرور في وجهه، ثم رمق بطرفه نحو السماء ملياً ثم وجه وجهه نحو القبلة وبسط يديه ودعا، ثم خرَّ ساجداً، وهو ينشج فأطال النشوج وعلا نحيبه وجرت دموعه، ثم رفع رأسه وأطرق إلى الأرض ودموعه تقطر كأنها صوب المطر. فحزنت فاطمة وعلي والحسن والحسين، وحزنت معهم لما رأٍينا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وهبناه أن نسأله حتى إذا طال ذلك قال له علي، وقالت له فاطمة: ما يبكيك يا رسول الله؛ لا أبكى الله عينيك، وقد أقرح قلوبنا ما نرى من حالك؟!
    فقال: يا أخي سررت بكم سروراً ما سررت مثله قط، وإني لأنظر إليكم وأحمد الله على نعمته عليَّ فيكم، إذ هبط عليَّ جبرئيل فقال: يا محمد؛ إن الله تبارك وتعالى اطلع على ما في نفسك وعرف سرورك بأخيك وابنتك وسبطيك، فأكمل لك النعمة وهنّأك العطية بأن جعلهم وذرياتهم ومحبيهم وشيعتهم معك في الجنة، لا يفرق بينك وبينهم. يحبّون كما تحبى، ويعطون كما تعطى، حتى ترضى وفوق الرضا. على بلوى كثيرة تنالهم في الدنيا ومكاره تصيبهم بأيدي أناس ينتحلون ملتك ويزعمون أنهم من أمتك، براء من الله ومنك خبطاً خبطاً، وقتلاً قتلاً. شتى مصارعهم، نائية قبورهم، خيرة من الله لهم ولك فيهم. فاحمد الله جل وعز على خيرته وارض بقضائه. فحمدت الله ورضيت بقضائه بما اختاره لكم.. " (1)
    هكذا نصب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام مأتماً قبل وقوع فاجعة كربلاء العظيمة، بحيث يحضر فيها صاحب الدور العظيم الحسين عليه السلام وأمه وأبيه وأخيه في المأتم.
    وهنا تأتي البشارة الكبرى لشيعة الحسين عليه السلام ومحبيه الذين ساروا على نهجه عليه السلام بأن يكون (الرضى) من الله تعالى يوم القيامة في قبالة تحمل العناء والعذاب والوصب في سبيله.
    __________
    (1) بحار الانوار، ج28، ص 58.
    أجل؛ هذا المشهد البطولي لأهل بيت النبوة عليهم السلام في أرض كربلاء، يحكي لنا قوة وصدق الايمان، وعظمة الأداء والبذل والاسترخاص.. ويبين عاقبة مسيرة هؤلاء الأفذاذ الحسنة، وفي المقابل عاقبة أعدائهم طلاب الهوى والدنيا السيئة..
    { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ * مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لأَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } . (العنكبوت/4-6)
    الإعداد سبيل الإستقامة
    قضية الإعداد وإحراز المقدمة تعتبر إحدى المواضيع المهمة التي تدرس في علم أصول الفقه، وذلك بالنظر إلى أنّ المكلّف يعجز عن تحقيق وأداء الفرائض الملقاة على عاتقه دون إحراز مقدماتها والإعداد لها. وعليه؛ كان من المنطقي لعلماء الأصول والفقه بحث هذا الموضوع لينتهوا عبره الى نتائج عملية ملموسة، تجعل من الإفتاء مهمّة يسيرة إلى حدٍ بعيد.
    ولقد عالجت الآيات القرآنية العديدة هذه القضية، لتمثل بدورها نوراً يستضيء العلماء والمفتون به، من قبيل قول الله تبارك وتعالى: { وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } (النجم/39-40) إذ السعي والحركة من شأنه إيصال المكلَّف الى تحقيق ما يصبو إليه، دون الجمود والخنوع. وقوله سبحانه: { وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً } (التوبة/46) نظراً الى أنّ الإعداد أهم بدرجات من المواجهة ذاتها، لأن ساعة المواجهة هي ساعة الصراع، وأيّ عاقل ورشيد لا يدخل الصراع دون أن يهيء نفسه لتلك الساعة. وقوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُم مَااسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ وءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاتَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاتُظْلَمُونَ } (الانفال/60) فإذا كان الهدف محدّداً فلابدّ من الإعداد له، لإحراز الكثير من الإنجازات، ولتجنب الكثير من أشكال العقبات أو الهزائم..
    والفترة التي تستغرقها عملية الإعداد والإيتاء بمقدمة الواجب، هذه الفترة بالذات ما تدعى بالانتظار، إذ الإنتظار لايعني جلوس المرء في بيته متوقعاً أن يحقّق الله له تطلعاته وآماله وأهدافه، إنّما الانتظار يعني سعي الإنسان وتحركه باتجاه إعداد ما ينتظره وما يريد تحقيقه. وإنطلاقاً من هذه القناعة، نقول إنّ قول الله تعالى: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا } (الاحزاب/23) يشير ويؤكد أنّ المنتظر هو الساعي والمتحرك والمعدّ نفسه ومهيّؤها ليوم المواجهة ولحظة الانطلاق.
    هذه الآية الكريمة نزلت بحق الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. فقد روي عن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حديث طويل مع يهودي، قال فيه: ولقد كنت عاهدت الله تعالى ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وآله، فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله تعالى، فأنزل الله فينا: { مِنَ المؤمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا الله عَليه فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَه وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِر وَمَا بَدَّلوا تَبْديلا } حمزة وجعفر وعبيدة، وأنا والله المنتظر يا أخا اليهود، وما بدلت تبديلا". (1)
    وبهذا بقي الإمام عليّ ينتظر الشهادة على أحرّ من الجمر، ولن يبدل أو يخلف في انتظاره أو يتراجع عمّا يعتقده ويؤمن به، ولو بمقدار أنملة واحدة.
    فهل كان الإمام علي عليه السلام ينتظر الشهادة وهو قابع في بيته؟! كلاّ وألف كلاّ؛ فقد كان الإمام أمير المؤمنين لا تفوته فائتة في إثبات ولهه وحبه وعشقه الذي لا يوصف لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين. فهو الأول في كل معركة، والأول في نصرة المظلومين ودعم الفقراء وتوفير الرخاء والسعادة لأبناء دينه، حتى تلك المعارك التي كان يقودها بنفسه، كان ينتظر الشهادة في سوح الوغى، حتى أنّه تنبّه الى رجل من أصحابه في معركة صفين كان يريد حمايته من حيث لا يعلم، فقال له عليه السلام: "ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ قال: لا؛ بل من أهل الأرض. قال: إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئاً إلاّ بإذن الله عز وجل من السماء، فارجع، فرجع"(2) وهذا يعني فيما يعني أنّ أمير المؤمنين كان ينتظر الشهادة بشجاعته وبطولاته ومواقفه الرافضة قولاً وعملاً لكل الانحرافات.
    ونحن أيضاً ننتظر ظهور الإمام الحجة بن الحسن عجل الله فرجه، ولكن كيف ينبغي أن يكون إنتظارنا؟ هل ننتظره من بيوتنا؟ أم ننتظره بالكلام المجرّد؟
    __________
    (1) تفسير نور الثقلين، ج4، ص258.
    (2) بحار الأنوار، ج5، ص104. الفريضة الشرعية والعقلية تؤكد علينا أن الانتظار لا يعني سوى الإعداد والتحرك والانطلاق نحو تأدية الواجبات حتى آخر لحظة من لحظات عمرنا. فالانتظار مفهوم أساسي من مفاهيم مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ومن اللازم أن نختزل أبعاده وحقائقه، وأن نحوّله الى قيمة حياتية وسيرة جهادية في حاضر الأمة ومستقبلها.
    وليس مفهوم الاستقامة ببعيد عن مفهوم الانتظار، فمن يريد أن يكون فوق السطح، لا يمكنه القفز إليه مرّة واحدة. فالصعود المفاجئ يلحقه سقوط مفاجئ أيضاً، إنما عليه الصعود مرحلة مرحلة. والأمة التي تريد أن تستقيم على الحق وتنتصر له، وتريد أن تكون أمة مجاهدة لها وزنها وثقلها الإيجابي في التأريخ، لابدّ لها من السعي لتحقيق تلك المفردات التي بدورها تحقق الاستقامة. وبتعبير آخر؛ علينا أن نتساءل عن طبيعة الاستقامة؟ وكيف يمكن ان تستقيم الأمة؟ وما هي الثقافة التي لابدّ للأمة من التسلّح بها حتى تستقيم على الطريق؟ وكيف يمكننا تحقيق وتكريس هذه الثقافة في أنفسنا وفي أمتنا؟
    وفي معرض الإجابة على هذه التساؤلات المثيرة، أعددت على عجل ثلاث إجابات تمثّلها ثلاث مفردات أساسية؛ فهي بمثابة المراحل أو الدرجات التي ينبغي أن نعرج عبرها لنصل الى قمّة الاستقامة. المفردة الأولى: الأمل، والنظرة التفاؤلية الى المستقبل؛ باعتبار أن التشاؤم واليأس والقنوط أحد جنود الشيطان، ولا يمكن لهذا الأخير بأيّ حال من الأحوال أن يبثّ ما فيه الخير لابن آدم، فهو - الشيطان - الذي يوسوس في الصدور. ومن هنا كان لزاماً على المسلمين تحديد موقفهم الاعتقادي والعملي من قضية الإحباط، مع تكريس إيمانهم بأن طريق ذات الشوكة هو طريقهم، وبالتالي فإن من الطبيعي للغاية أن تكون الصعاب والتضحيات والتحديات هي المعلم الأوضح في سيرتهم وكدحهم. وهذه هي صفحات التأريخ بين أيدينا وأمام نواظرنا، ومن الممكن لنا التدقيق فيها وتحليلها بوعي، ولن ننتهي إلى نتيجة سوى أنّ الأمل والتحدّي وتقديم التضحيات ونبذ اليأس والإحباط من شأنه النهوض بمستوى الأمة وتوجيه مسيرتها نحو الأفضل، تماماً كما هو واضح من خلال مطالعة السيرة الذاتية والاجتماعية لأهل البيت عليهم السلام وأولادهم الطاهرين الذين حملوا راية الاستقامة والعدل ورفعوا هذه الراية في كل مكان، بدءً بالعراق والجزيرة العربية ومروراً ببلاد المشرق الإسلامي، وعوداً الى بلاد المغرب الاسلامي. ونحن رأينا ولا نزال نرى أنّ الثورات والانتفاضات إنّما تقدح شرارتها باسم الدين وباسم أبطاله العظام وفي مقدمتهم أهل البيت عليهم السلام، ولعلّ كل قطرة من دماء الشهداء الذين حافظوا على الدين أصبحت أساساً للمساجد وبيوت الله التي هي في الواقع الأعمدة المحافظة على الأرض أن تميد بأهلها، وقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم عليه السلام: "فما من مسجد بني إلاّ على قبر نبي أو وصيّ نبيّ".(1) وهكذا تحولت دماء الشهداء إلى مسيرة ايمانية، من طبيعتها ان تعكس مصداقيّة التفاؤل والأمل بالله الكبير الذي له وحده فقط رسم مقدّرات خليقته والقضاء فيهم وعليهم. وهذا الأمل يجسّد عمق الانتظار، وهذا هو معنى التسليم والشكر في العقيدة الإسلامية؛ الشكر الذي
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج14، ص463. يركّز على الجوانب الإيجابية في الحياة ولا ينسى أو يتناسى السعي الواعي الى حلّ وتلافي السلبيّات.
    المفردة الثانية: أنّ الاستقامة تبنى على أساس الزهد في الدنيا، فمن المصاعب والمشاكل التي تهزّ الإنسان بكل كيانه ولا تترك له مجال الاستقامة على الطريق، هي نيّته المسبقة في البحث عن المراكز والمناصب ومغريات الدنيا الأخرى. وهذا النموذج حينما يدخل حلبة الصراع فيتأخّر عليه الحصول على ما كان يصبو إليه من الماديات سيصاب بمزيد من الإحباط، ويكون عرضة مباشرة لردود الأفعال التي يتّخذها هواه. فهو كان يتصوّر، أو يصوّر لنفسه أنّ عملية الصراع ينبغي تجرّدها عن تقديم التضحيات، بدءً ببذل المهج وإنتهاءً بتقديم الماديات، وهو بين هذا وذاك كان يعتقد بأن السير في عملية الجهاد عبارة عن عملية أخذ لا عطاء.
    أما الزاهد بماديات الدنيا؛ كأمير المؤمنين الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، حيث دخل الحرب على بيّنة من أمره؛ دخل وهو يعرف ما عليه وما له. كان يعرف أنّ عليه الاستقامة في المعركة بإخلاص، وأنّ له عظيم الثواب من الله تبارك وتعالى.
    إن هناك العشرات من الأحاديث والروايات الشريفة التي عكف علماؤنا الأعلام على تدوينها في كتبهم وموسوعاتهم، والتي تفيد بأن الغرض من الجهاد هو ضمان مستقبل أفضل للأجيال اللاّحقة، من قبيل قول النبي صلى الله عليه وآله: "اغزوا تورّثوا أبناءكم مجداً".(1) وهذا يشير الى لزوم منع المجاهد نفسه عن التفكير المصلحي، وخوض المعارك بمختلف أشكالها وظروفها بنيّة ضمان العزة والعدالة للأجيال اللاّحقة، وأنّ البحث عن الدنيا يتطلب ميادين أخرى، غير ميادين الجهاد وتحدي الطغاة.
    __________
    (1) وسائل الشيعة، ج11، ص9، أبواب جهاد العدو، ح15. وقد شرط الله سبحانه وتعالى الزهد والرغبة عن الدنيا على أئمة المسلمين، كما جاء في دعاء الندبة المأثور، "بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزخرفها وزبرجها". ولمّا علم الله أنهم سيكونون أوفياء لهذا الشرط أعطاهم الله ما أرادوا من نصر وعزة وكرامة، "فشرطوا لك ذلك وعَلِمْتَ منهم الوفاء به فقبِلْتَهم وقرّبتهم وقدَّمت لهم الذكر العليّ والثناء الجليّ وأهبطت عليهم ملائكتك وكرّمتهم بوحيك ورفدتهم بعلمك وجعلتهم الذريعة إليك والوسيلة الى رضوانك".(1)
    المفردة الثالثة: ضرورة الانفتاح بين الطليعة - الخاصة - بعضها على بعض من جهة، وبين الخاصة والعامّة من جهة أخرى. فإنّ من أعقد الأزمات والمشاكل التي تحطم روح الاستقامة في الأمة هي تناحر الطليعة فيما بين أقسامها وأشكالها. فالطليعة كمنطوق ومفهوم يفترض أن تضم أناساً مؤمنين صالحين صادقين مجاهدين، غير أنّ الشيطان يزرع بذور الفتنة والخلاف والنفاق. ولا يمكن بأي حال من الأحول تصوّر مجاهدين صادقين، هدفهما مرضاة الله تبارك وتعالى وهما يتناحران أو يتظاهر أحدهما أمام الآخر بما لا يبطن.
    وليكن في حسبان الجميع أنّ الانسان ككائن مخلوق من طبيعته النفسية أن يصاب في بعض الأحيان بالإرهاق النفسي والذهني والعاطفي، مما قد يعكس على بعضٍ من تصرفاته ما يفهم منه العناد أو الجدال غير الشرعي. ولهذا فإن الدعوة تشمل الجميع، لكي يحملوا أنفسهم على الصبر والتواصي به، حتى تكون ظاهرة حسن الظنّ هي الظاهرة النافذة المفعول في الصف الإسلامي.
    __________
    (1) مفاتيح الجنان، دعاء الندبة. وثمة أزمة أخرى، وهي ابتعاد الطليعة عن الجماهير، وهذا لعمري ما يسهل إلى أعلى حدٍّ للعدو في أن يوجّه ضرباته المتتالية والقاتلة للجميع. وعليه فإن من الأهم في هذا الإطار أن تسعى الطليعة الى تكريس روابطها المتنوعة والمتينة بالمجتمع؛ فلا حواجز نفسية من قبيل التعالي والتكبر بداعي الفهم الأكثر أو الإحساس الأشدّ، ولا ضرورة أبداً في أن يتكلم العالم المسلم بلغة علمية غريبة على مستوى فهم وشعور الآخرين، وليكن نموذج علاقة أهل البيت عليهم السلام بالناس هو النموذج الأوّل والأساس في تعامل الطليعة مع الجماهير في واقعنا الحاضر، وليس من رسالة ومهمة العلماء والمفكرين صياغة لغتهم وصياغة ما لديهم من رؤى وبصائر بقوالب غريبة أو جامدة وجافة، بل العكس هو الصحيح تماماً، إذ مهمتهم التي فرضها الله عليهم هي التبيان، وهذا هو القرآن الكريم بين أيدينا؛ قد وصفه الله بأنّه { وَقُرْءَانٍ مُّبِينٍ } (الحجر/1) أي واضح وموضّح في الوقت ذاته، وهذا هو النبي الأكرم صلى الله عليه وآله قد قال: "إنّا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم". (1)
    فالأمر المؤكد هو أن تتفاعل الطليعة مع الجماهير وألاّ تتعالى عليها بأيّ شكل من الأشكال، إذ أنّ أيّة حركة استطاعت أن تكون حركة جماهيرية تنطق باسم الناس وتعاني همومهم وتعمل على الأخذ بيدهم نحو إرادة الله ونحو النصر، فإن تلك الحركة حركة لا تموت أبداً؛ لأنّ الفرد الطليعي الواحد إذا كان معرّضاً للإرهاق أو التراجع أو الموت، فإن الأمة إذا نهضت بوعي وتفاعلت مع تطلعات دينها وأوامر ونواهي ربّها، فهي أمة لا ترهق ولا تتراجع ولا تموت أبداً.
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج1، ص85. إذن؛ فهذه ثلاث مفردات إذا وُجدت؛ وجدت الإستقامة، وتوفر في الانتظار الصحيح شروطه، وهنالك يأتي أمر الله ونصره. وليكن في الأذهان أن من المستحيل أن تنال حركة إسلامية ما النصر دون إرادة وفعل غيبي إلهي، ولكنّ الله يريد من المؤمنين به الإعداد؛ لأنّه يريد أن يمحّص ما في القلوب، ويريد للإنسان المؤمن أن يثبت جدارته ليكون أفضل من سائر المخلوقات.
    الإستقامة ثمن الأهداف العظيمة
    عندما تطمح أمة للوصول الى هدف عظيم، فلابد من الاستعداد لتقديم عمل يساوي ويعادل هذا الهدف العظيم. وعندما تقرر أمة العيش مستقلة ومتقدمة، وتسعى الى قهر الطبيعة، وتستهدف التغلب على نقاط ضعفها من فقر وجهل ومرض وعجز، وتريد التغلب على المشاكل السياسية والاجتماعية، فلابد لها من أن تدفع ثمن ذلك، وهذا الثمن عظيم. فالذين يطمحون طموحات سامية ثم لا يدفعون بإزائها الثمن المناسب، فانما هم يعيشون الأماني التي لا تغني عن العمل شيئاً.
    شرط لمرضاة الله
    وفي الآيات التالية من سورة (فصلت) يؤكد الله عز وجل على ضرورة توفر الاستقامة من أجل الوصول الى مرضاته، واقامة حكمه: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } (فصلت/30-35)
    والآيات الكريمة السابقة تقرر أن في طريقنا ومسيرتنا عراقيل وصعوبات، لابد من أن نستعد لازالتها، والتغلب عليها. وهناك مشاكل لابد من التحصن ضدها، ومصائب من واجبنا الصبر عليها، وهزائم وانتكاسات لابد من استيعابها وتحويلها الى انتصارات.
    طريقنا ملئ بالتضحيات
    إن في الطريق الذي نسلكه تضحيات ومآسي، ودموعاً ودماء.. ومن أجل ذلك لابد أن نستقيم. فالله تبارك وتعالى لم يقل في آية من آيات القرآن الكريم إن طريق الجنة سالك ومعبّد ومفروش بالزهور والرياحين والورود، بل إنه تعالى أكد المرة بعد الأخرى أن طريقها محفوف بالمخاطر، والعقبات الكأداء التي لا مناص من اقتحامها.
    وهكذا فان الذي يقول "ربي الله" لابد أن تعترضه عقبات، وتتحداه مشاكل. فقوله "ربي الله" يعني أن يكفر بما سواه؛ أي يكفر بالطاغوت والمجتمع الفاسد والانحرافات الفكرية، ويرفض الخضوع للأهواء والشهوات. فشرط المربوبية الحقة أن تعيش حراً مستقلاً، وأن لا تخضع لشهواتك وشهوات الآخرين، ولا تستسلم لقانون غير قانون الله عز وجل. وقد تسأل لماذا إستخدم السياق القرآني كلمة (ثم) ولم يأت بحرف الفاء في قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } . وحسب ما يبدو لي، إنّ (ثم) تدل على أن المشاكل ستستمر، فلو كان الله تعالى قد قال: "إن الذين قالوا ربنا الله فاستقاموا" فربما دلّ ذلك على أن عبارة "ربي الله" تحتاج الى استقامة واحدة؛ أي الى لحظات أو ساعات أو أيام من الاستقامة. ولكن السياق القرآني الكريم استخدم (ثم)، وكأن الزمن سيستمر، والاستقامة تتم بشكل تدريجي.
    التأييد الإلهي
    ثم يقول تبارك وتعالى: { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ } ذلك لأن العمل الذي يقوم به المؤمنون تنوء به الجبال، وتثقل به الأرض. فهو عمل عظيم، ولذلك فانهم بحاجة الى الاستقامة والتأييد الغيبي من خلال تنزيل الملائكة عليهم. فالملائكة تهبط عليهم المرة بعد الأخرى، لأن العمل عظيم بعظمة الهدف المراد تحقيقه، ولأن الله عز وجل يعلم أن الانسان خلق من ضعف، فلولا التأييد الغيبي والاتصال بالحق لما استطاع الإنسان المؤمن أن يحقق الانتصار كما يصرح بذلك تعالى قائلاً: { وَلَوْلآ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً } (الاسراء/74)
    وعلى سبيل المثال فلو لم يرِ الله النبي يوسف عليه السلام برهانه، لهمّ بها مثلما همّت به. ولو لم يعطِ الله تبارك وتعالى ابراهيم عليه السلام رشده، وموسى عليه السلام تأييده، وآدم وسليمان عليهما السلام التوبة.. لما كانوا قادرين على مقاومة ذلك الزخم الهائل من الضغوط، وتلك الأمواج الهادرة من المشاكل. ولكن الله سبحانه وتعالى تفضّل عليهم بالتأييد، وفي هذا التأييد بشارة لكل أولئك الذين يريدون الجنة. فبالرغم من أن الاستقامة شاقة للغاية إلى درجة تشقق الجبال منها، ولكن تأييد الله يمنحهم الاستمرارية على الثبات والاستقامة.
    فعلى الإنسان المؤمن أن لا يهن ولا يحزن، فالله جل وعلا يؤيده بنصره مادياً ومعنوياً، وذلك بأن يثبّت قلبه. فالملائكة لم تنزل في معركة بدر إلاّ لتثبيت قلوب المؤمنين، وبثّ السكينة في نفوسهم، وإلى ذلك تشير الآية القرآنية: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ } .
    والملاحظ أن الآية تقول: "تتنزّل" ولا تستخدم لفظة "تنزل" لأن النزول يحدث مرة واحدة، أما التنزّل فيحدث المرة بعد الأخرى؛ أي إنه يفيد الدوام والاستمرارية. فكلما واجهت المؤمنين مشكلة، نزلت عليهم ملائكة الرحمة والسكينة والاطمئنان والتثبيت القلبي.
    البشارة بالجنة
    والملائكة توحي لهؤلاء المؤمنين بعدم الخوف والحزن؛ أي بعدم الخوف مما يأتي، وعدم الحزن على ما مضى، ثم تبشرهم بدخول الجنة: { وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } .
    فإذا كانت السلعة الجنة، فالثمن رخيص مهما كان باهظاً، لأن الله سبحانه وتعالى هو وليّ المؤمنين في الدنيا والآخرة، كما وعد بذلك رب العزة إذ يقول: { نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .
    وعندما يدخل الإنسان المؤمن السجن، ويتعرض للتحقيق والتعذيب على أيدي الجلادين، فإنه لا يدخل غرفة التحقيق وحده، وإنما تدخل معه أيضاً الملائكة الحافّة به، الحائمة حوله.
    وعندما يكون الضيف هو المؤمن؛ العبد المخلص الذي أعطى كل حياته في سبيل المضيف الذي هو رب العالمين الغفور الرحيم، فكيف تكون إستضافة الله عز وجل لهذا العبد؟ هذه الاستضافة يصفها القرآن في قوله: { نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .
    بنود الاستقامة ثم يذكر لنا السياق الكريم بنود الاستقامة في قوله تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } .
    فبنود الاستقامة هي: الدعوة الى الله، والعمل الصالح، والاعلان عن الموقف الصادق الذي هو موقف التسليم لرب العالمين.
    والاستقامة هي أيضاً إستقامة السلوك بأن نتعاون مع إخوتنا، وأن لا يصلهم منا سوء حتى وإن كان من ألسنتنا. { وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } .
    الإستقامة ضمان النجاح
    ثمة آيات بينات من سورة هود جمعت في تضاعيفها خلاصة تجارب الأنبياء عليهم السلام، وموجز الدروس التي من الممكن إستلهامها من حياتهم، وقد بدأ الحديث عن هذه التحارب والدروس بقوله عز من قائل: { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } (فصلت/45).
    عصمة من الخلاف
    فالقرآن هو أفضل ضمان لعدم التفرقة عندما نتمسّك به، ونعتصم بحبل الله الذي فيه، أمّا إذا اتخذناه مادة للاختلاف، وتبريراً للأهواء، فان المعادلة ستصبح في ميزان آخر.
    وكتاب الله سبحانه يمثّل دائماً دليل الوحدة ورمزها، وعصمة من الخلاف والضلالة، ولابد أن نرجع إليه ما دام بين أيدينا، ونختلف إليه لا أن نختلف فيه. فهو إطار لكل القيم الإلهية الصائبة التي تعالج مشاكل الإنسان، ومن أبرز المشاكل التي يبتلى بها هذا الإنسان إختلافه، وإختلاف مذاهبه وأهوائه ومصالحه.. ولذلك فانّ القرآن الكريم يمثل القاضي الذي يحسم الخلافات الناشئة بين الناس إذا احتكموا الى قيمه. ومن الملاحظ أن الانسان يجعل نفسه مرّة محوراً لمواقفه وأفكاره وتقييمه للآخرين، ومرّة أخرى يجعل الحق المحور لما يتخذه من مواقف، وما تصدر منه من أحكام، ويعود الى القرآن كلّما احتار مستفسراً عمّا يجب أن يفعله. وحينئذ يستطيع أن يحصل على الفكر السليم، والخطة الواضحة، والمواقف الصحيحة. أمّا إذا جعل نفسه هي المحور، وقيَّم الأحداث وفق ما تمليه عليه نفسه، واتخذ مواقفه بناءً على أوامرها، فان أفكاره ستكون مهزوزة قلقة؛ فتارة يحكم بصحة وسلامة حدث ما، وتارة يخطّؤه. فمواقفه من الأمور تكون إيجابية مرة، وأخرى سلبية؛ لا لطبيعة التغيير الذي يحدث في الأمر، بل لطبيعة التغيّر فيه.
    وهذه المواقف هي السبب الرئيسي للاختلافات، أما المواقف التي تصدر من إتّباع الحق فهي المواقف الصائبة. فهناك فرق كبير بين أن يقول الإنسان: من معي؟ وبين أن يقول : مَن مع الحق؟ لأنّه في المرّة الأولى جعل من نفسه محوراً، وجعل الآخرين يلتفّون حوله، أمّا في المرة الثانية فقد جعل الحق محوره؛ وبالتالي فإنّ رؤيته ستكون سليمة.
    الإنسان مسؤول عن أعماله
    ولابدّ أن يعرف الإنسان أنه مسؤول عما يقوم به من أعمال، ومحاسب عليها إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر، ولذلك نرى القرآن يؤكد باستمرار على فكرة المسؤولية، حتى تبدو وكأنها خلاصة لتوجيهات آيات القرآن. والتدبّر في هذه الآيات يفرز توجيهاً عاماً يهدف الى ترسيخ هذه الفكرة في النفس البشرية.
    ولكن لماذا كلّ هذا الاصرار على تأكيد فكرة المسؤولية؟ الجواب: إن الإنسان يهرب دائماً من تحمل المسؤولية، ولا يريد أن يوحي الى نفسه أنّه مسؤول، ويرى من الصعب عليه أن يحمّل نفسه هذه الأمانة، فيبعدها عنه حتى أنه ينسب الأخطاء والسلبيات الى ما حوله تخلّصاً من المسؤولية. ولكن القرآن الكريم يقول: { وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } (هود/111). ونحن نلاحظ أن في هذه الآية ستة تأكيدات تركّز الكلام، لكي يكرّس القرآن روح المسؤولية في أنفسنا.
    إستقم ولا تطغى
    ثم يقول تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا } (هود/112)، وهذه الآية تطالب بالاستقامة البعيدة عن التكبر والتعالي والطغيان، وعن المنّة على الله عز وجل، بأننا قد استقمنا. فالاستقامة يجب أن تكون مع التواضع، وهي ليست بالأمر الهيّن اليسير، خصوصاً عندما يشتدّ البلاء، وتزداد المصائب، وتطول المدّة.. حينذاك يجدر بالانسان أن لا يتراجع أو يتخاذل ويتكاسل، بل ينبغي أن يصبر ويستقيم، لأن الاستقامة هي – بحد ذاتها- عامل من عوامل النجاح.
    وللأسف فإننا نرى أن نشاطات البعض موسمية تتحكم فيها الأهواء، والأمزجة؛ فهم لا يعملون إلاّ عندما تهوى أنفسهم العمل، ويتوقّفون عندما لا يستسيغون التحرك.. ولا يمكن لهؤلاء أن ينجحوا في حياتهم، لأن الحياة ذات أجزاء متّصلة مع بعضها البعض كالصلاة التي لا يمكن أن تكون صحيحة ومقبولة إذا انعدم جزء منها.
    ولأجل أن يستقيم المؤمنون على الطريق السوي والمنهج المرضي، يقول ربنا عز وجل: { وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ } (هود/113). وهكذا يجب على الإنسان المؤمن أن يجعل هذه الآية نصب عينيه وخصوصاً في ظروف المصاعب والمحن، وإذا أقبلت عليه الفتن كقطع الليل المظلم، وتوالت عليه الضغوط من كل مكان، وشعر بالضعف، فعليه في هذه الحالة أن لا يستسلم لهذا الضغط أو يركن الى اليمين أو الشمال، بل عليه أن يصمد ويركن الى الله سبحانه وتعالى فالضغوط الشديدة، والمصاعب الأليمة تجعل الإنسان بين طريقين؛ بين أن يركن الى الله جل جلاله، والى قوّته وحصنه الحصين، وبين أن يركن الى الذين ظلموا، وحينئذ سوف لا ينصره الله، ويكله إليهم.
    الصلاة زاد روحي
    ومن طبيعة الإنسان أنه يغفل، ويصيبه التعب، فهو بحاجة الى زاد روحي، يجده في الصلاة؛ فعليه – اذن- أن يكثر من إقامتها، ويُحبِّبها الى نفسه كما يقول عز من قائل: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } (هود/114).
    فعندما يكون الإنسان في حرج، سواء فيما يتعلّق بالحياة الدنيا أم الآخرة، فانّ الصلاة تكون عامل تفريج لهمّه وغمّه ولذلك فانّ عليه أن يقوّي علاقته بالصلاة، ولا يجعلها مجرّد علاقة ضعيفة. فمن المستحيل على الشيطان أن يخدع الإنسان المرتبط بالصلاة برابطة قوية متينة، لأنه يلجأ إليها كلّما حاول الشيطان إغواءه، والله سبحانه وتعالى يقول: { وَاسْتَعِينُوْا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ } (البقرة/45). وأداء الصلاة والمواظبة عليها ليست أماناً للمؤمن من عذاب الآخرة، ومؤنسة له في القبر، ومنقذة له من هول المطلع، ومن ظلمة القبر فحسب، بل إن المؤمنين يلجؤون إليها كلّما أشكلت عليهم مسألة شرعية فتنفرج أساريرهم وجميع قضاياهم المعقّدة. فعلى الإنسان المؤمن أن يرتبط إرتباطاً قوياً بالصلاة، وأن يواظب على أدائها في أوقاتها. فالصلاة تمثل حالة روحيّة تشعر الإنسان بقيمة الارتباط مع الخالق، وتسهّل عليه كثيراً من المشاكل النفسية والروحية.
    عدم استعجال النتائج
    والانسان ينتظر نتيجة ما يعمله بعد إنتهاء العمل مباشرة، ولكنّ القرآن يأمره بالصبر: { وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (هود/115) موضحاً له أن ثمار العمل بحاجة الى وقت، وإنّ عليه أن يستغلّ هذا الوقت في أداء الحسنات ويبادر الى عمل الصالحات ليرى نتيجة عمله في المستقبل دون تعجّل للأمور.
    الإستقامة ثمرة الجنة
    على الرغم من إن الجنة غاية كل مؤمن، غير أنه لا يدخلها طمعاً بملكها والخلود فيها، رغم أن الله تعالى سيمنحه ذلك؛ بل سيدخل الجنة بقلب طاهر نقي، خال من كل شائبة.. كما يقول ربنا عز وجل: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ } (الحجر/47)
    بلى؛ الجنة لا يمكن أن يدخلها الإنسان الحسود، الحقود، الضعيف الارادة؛ بل يدخلها من اُوتي الارادة القوية والشجاعة والإقدام لتحدي عقبات الطريق، ومشاكل الحياة؛ كما قال الله سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ } (الاحقاف/13-14). والقرآن الكريم يعطي للانسان مقياساً واقعياً لتمييز أصحاب الجنة من أصحاب النار؛ فهو يصف أصحاب الجنة بأنهم مستقيمون على إيمانهم رغم قساوة الظروف، وضغط الدنيا، ومصاعب الإستقامة. علماً بأنه ليس كل إنسان لديه القدرة على الإستقامة، فقد يكون والدك هو الذي يخالفك كما خالف أبو النبي إبراهيم خليل الله، وقد يكون عمك هو الذي يعارضك ويقف في وجهك كما فعل ذلك أبو لهب بالنسبة الى النبي صلى عليه وآله، وقد يكون هذا العدو متمثلاً في نظام الحكم الذي تعيش فيه والذي قد يمارس ضدك الضغوط المختلفة.. وفي هذه الحالة فقط سيكون بإمكانك دخول الجنة، كما يقول تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } . (الاحقاف/13-14)
    أما إذا بقيت ولو ذرة من سلبيات الدنيا ورواسبها في نفس الانسان، فانه سوف لن يدخل الجنة الا بعد ان تسقط عنه تلك الذرة.
    وقد جاء في الدعاء المأثور: "بك أستجير يا ذا العفو والرضوان من الظلم والعدوان، ومن غِيَرِ الزمان، وتواتر الاحزان، وطوارق الحدثان، ومن انقضاء المدة قبل التأهّب والعُدّة ".(1)
    فالخطر يكمن في مفاجأة الموت للانسان قبل أن يستعد ويتأهب له.
    حتى نكون من أصحاب الجنة
    والسؤال المهم المطروح في هذا المجال هو: كيف يتسنّى لنا الحصول على نفسية أصحاب الجنة مع ما نواجه من ضغوط؟ فغواية الشيطان، وأهواء النفس، وإغراءات الدنيا بالاضافة الى ضعف الانسان، كل ذلك يمثل عقبات تقف في طريق الانسان، وتمنعه من أن يكتسب تلك القوة النفسية. فكيف السبيل الى ذلك ؟
    __________
    (1) مفاتيح الجنان، دعاء يوم الأحد، ص23. إن على الانسان أن لا يكتفي بتغيير النواحي الظاهرية من حياته ولا شكله الخارجي، فمثل هذا التغيير - وان كان مطلوباً - ليس هدفاً، بل هو جسر الى التغيير الأساسي، وهو تغيير النفس.
    وللأسف فان البعض يتصور أنه قادر على تحدي الضغوط عندما تواجهه، ولكن على الانسان ان لا يضمن تحقق مثل هذا التصور والإطمئنان إليه من دون إمتحان. فعند الإمتحان يعرف الانسان مدى قدرته على التحمل. فكثيراً ما يكون الإرهاب أو الإغراء سبباً للانحراف ذلك، لأن النفس لم تتلق التربية الصحيحة.
    وعلى سبيل المثال فان الانتظار الطويل هو إمتحان للانسان، فقد يتصور أحدنا ان التغيير من الممكن أن يتحقق خلال فترة قصيرة، ولكن الانتظار يطول،فيتعب وينهار، ويوسوس إليه الشيطان قائلاً: متى نصر الله ؟ حتى يصل أخيراً إلى مرحلة اليأس.
    وعلى هذا فان القضية الأساسية ليست هي تغيير المظاهر؛ فكل إنسان باستطاعته أن يغير الظاهر، ويعوّد نفسه على الالتزام به. إلاّ أن تغيير الداخل يبقى هو الأساس في رسم شخصية الإنسان.
    كيف نضمن الاستقامة؟
    ولكن كيف نضمن الاستقامة؟
    إن الله تعالى رحيم بالانسان، ويعلم ضعفه وجهله وظلمه لنفسه، وقد أخبر سبحانه عن ذلك في الذكر الحكيم، إذ قال: { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } (الاحزاب/72)، وقال: { وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً } (النساء/28) و { كَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً } (الكهف/54).
    إن الغرور والجهل والظلم الذاتي صفات شائعة في الانسان، ولأنَّ الله رحيم بنا فقد أراد لنا أن نبلغ القمة عبر خطوات ومعارج، ولم يأمرنا أن نقفز الى هذا القمة بشكل مباشر. فهو يعلم إن الانسان لا يستطيع مقاومة هذا الضغط العظيم، ولذلك فانه لا يدخل الانسان في هذا الامتحان العسير قبل أن يكون هناك إمتحان من نوع آخر لِتُعْرَف - بالتالي - درجة ايمانه وتقواه. فهو عز وجل لا يمرّر الانسان اعتباطاً منذ البداية بإمتحان كإمتحان المؤمنين من أصحاب الأخدود، الذين واجهوا ملكاً في غاية الظلم والطغيان، وخيّرهم بين أن يكفروا بالله أو يدخلوا في أخدود النار. فهو لم يكن يريد أن يقتلهم بيده، بل أراد منهم أن يقذفوا بأنفسهم في النار. فالله سبحانه وتعالى لا يواجه الانسان بشكل مباشر، ودون مقدمات بإمتحان كهذا.
    ومع ذلك فان هذه الإمتحانات وأمثالها هي أمام الانسان، وليست بعيدة عنه. فإمتحان الإغراء الشديد كالسلطة والملك والذي خدع رجال في التأريخ، وإمتحان الإرهاب الشديد الذي تعرض له أصحاب الأخدود وأمثالهم، ليسا بعيدين عن الانسان. ولكن الله جل شأنه لا يدخلنا في هذا الإمتحان العسير، إلاّ بعد أن يمرّرنا بمجموعة من الإمتحانات اليسيرة.
    وعلى سبيل المثال فان الصلاة هي إمتحان، وكذلك الحسد، وتحمل أخطاء الآخرين كما يقول تعالى: { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } (الفرقان/20).
    وهكذا الحال بالنسبة إلى الإهانة التي تلحق بالانسان، والتسليم الذي يجب عليه لقيادته ولو في أمور بسيطة.. فهذه كلها إمتحانات متدرجة متصاعدة حتى يحل يوم الإمتحان العسير. فان كنا نريد حقاً النجاح النهائي، فلا بد من أن نفكر بالنجاح منذ البدء. وللأسف فإنّ البعض يريد الإمتحانات السهلة، ولكن النتيجة الفاشلة ستظهر في الامتحان النهائي، وهذه هي المشكلة الحقيقة التي يواجهها الانسان. أما المؤمنون فانهم يحبون أشق الأعمال على أنفسهم، لأن كل عمل من هذه الأعمال يستتبع تغيّراً في الجوهر الداخلي للنفس. فكل إمتحان يغيّر جزء من النفس، وفي النهاية يصبح التغيير كلياً. فعلى الانسان أن لا يكتفي بتغيير الجوانب الخارجية، بل عليه أن يغيّر الجوانب الداخلية أيضاً، وأن يفتش عن أسلوب شاق لتغيير نفسه.
    إن النفس لا تتغير من خلال أمور ثانوية بسيطة، وهي تشبه الى حد كبير الفولاذ الذي إذا أردت أن تغيره، فلا بد من أن تجعله في بوتقة شديدة الحرارة، وتعرّضه للطرقات الشديدة، لكي يتغير بشكل تدريجي.
    وإذا ما وجدنا قلوبنا غير قابلة للتغيير، فلنعلم أنها قاسية، وان قساوة القلب لا تدع الإيمان ينفذ الى أعماق الإنسان، بل يبقى طافياً على السطح. وبهذا الايمان السطحي لا يمكننا أن نقاوم الشيطان، والإغراءات والإرهاب.. ولذلك فان على الانسان ان يفكر في كيفية تعميق الايمان في قلبه، وسيهتدي حتماً إلى ان الطريقة الوحيدة الى ذلك هي التعرض للمشاكل الصعبة، والإمتحانات العسيرة، والخروج منها بسلام.
    ولا يغيب عنا إنّ أمامنا درباً طويلاً، ومسؤوليات كبيرة، وتطلعات سامية، وأهداف كبيرة ونحن نؤمن بأن الله عز وجل أنعم علينا بنعمة الإسلام العظيمة. فالمطلوب منا - إذن - أن نجعل تقوية إيماننا وتعميق، وتكريس المفاهيم الإسلامية في عمق واقعنا من أولويات حياتنا. وبهذا الأسلوب وحده سوف يمن الله تبارك وتعالى علينا بالغلبة، ونضمن من خلال التوكل عليه إستقامتنا. وإذا ما ضمنّا إستقامتنا، فاننا سنكون بإذن الله عز وجل أصحاب الجنة التي وعد بها المتقون.
    الجنة ميراث الإستقامة { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ الْسَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } (فصلت/30-35)
    أن تصل القمة فذلك أمر صعب، ولكن أن تبقى فوقها فذلك أمر أصعب؛ وأن تكون إنساناً نشيطاً حيث تتجاوز الكسل والضجر وتتغلب على الوساوس الشيطانية فذلك أمر عظيم، ولكن الأمر الأعظم منه هو الإخلاص في هذا النشاط والعمل.
    ومن هنا؛ يحدثنا ربنا سبحانه وتعالى في سورة هود المباركة عن الاستقامة باعتبارها الموضوع الأهم في حياة الإنسان المؤمن، وباعتبار أنها تمثل الذروة في وصول المرء الى السعادة الأبدية. كما يضرب الله لنا الأمثال في ذلك، وأهمها الحديث عن الصعاب الكبيرة التي تعرَّض لها الرسل والأنبياء أثناء تبليغهم رسالة السماء الى أممهم. ففي هذه السورة المباركة حديث مفصّل عن شيخ المرسلين نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنةٍ إلاّ خمسين عاماً يدعوهم الى دين الله القويم، حيث عاصر أجيالاً تبعتها أجيال، وكلها كفرت به وبرسالته، وتعرَّض خلالها هذا النبي العظيم إلى ألوان الأذى والشماتة، ولكنه صبر واستقام، بل لم يزده أذى المشركين له ولمن تبعه إلاّ صموداً وإصراراً على تبليغ ما أُمر به. الاستقامة ثمن الجنة
    يقول تبارك اسمه في خطابه لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله: { فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ } (هود/112) ثم يضيف: { وَمَن تَابَ مَعَكَ } ليعلم أنه ليس كل الناس قادرين على الاستقامة، بل فيهم الكثير ممن يسقط.
    إن الاستقامة أمر في غاية الصعوبة، لأنها بحاجة الى أرضية مسبقة ومخزون تربوي وروحي هائلين. فالإنسان في طفولته بحاجة الى الاستقامة في مواجهة اللعب، وحينما يكبر ويكون مراهقاً تكون إستقامته ضد الشهوات والجنس وتوافه الأمور، وحينما يكون رجلاً لابد له من الاستقامة في الكسب حيث يواجه الربا والغش في التجارة، ويكبر قليلاً فتكون إستقامته على ألا تتناوشه الخطوط السياسية أو الفكرية المنحرفة، وإذا أصبح في سن الخامسة والثلاثين مثلاً واستقرت حالته المعاشية لابد له من الاستقامة لئلاّ يلهيه التكاثر بالأموال والأولاد... وهذه الاستقامة مطلوبة منه حتى آخر لحظة من لحظات حياته، حيث يكون وجوده ساحة للصراع بين الشيطان والأجل.. وقد رأينا أو سمعنا أن هناك من يتقبّل التلفّظ بالشهادتين وهو في حالة الإحتضار، وهناك من يتنكَّر للشهادتين ليستبدل بها أشعار الغزل والهراء وهو يسلِّم روحه لملك الموت!!
    إن القسم الأكبر من الناس يرون بأن الجنة ليست في مستوى التضحية، ويتخيلون بأن الجنّة لو جاءت بصورة عفوية فبها، وإلاّ فلا... ويغفلون أو يتغافلون عن أن لدخول جنان الخلد ثمن، وهو الاستقامة والصبر على فتن الدنيا وعلى مكارهها ومصاعبها ومصائبها. وها هو الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام يقول مؤكداً في إحدى خطبه: "هيهات! لا يُخْدَعُ الله عن جنّته".(1) أما الإمام السجاد عليه السلام فيقول في كلمة جميلة، عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته (الوسيلة) قال: "ما شرٌ بشرٍّ بعده الجنة، وما خيرٌ بخيرٍ بعده النار".(2) وجاء في الحديث الشريف: "لو أُدخل إنسان الى الجنة لحظةً واحدة، ثم أُخرج وسئل هل رأى شراً؟ لقال كلا"، بمعنى إنصهار المشاكل والأذى في مقابل الجنة.
    وهناك آيات كثيرة تشير الى هذا المعنى، من قبيل قوله سبحانه وتعالى: { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } . (يونس/62) فمن دخل الجنة لن يخشى النار ولن يخاف الإهانة أو الذل، وهو لا يحزن على ما دفعه في سبيل الله في الدنيا.
    وكذلك قوله سبحانه وتعالى على لسان مؤمن آل يس الذي أنذر قومه فعذّبوه أشد ما يكون العذاب، ثم ذبحوه من الوريد الى الوريد، ثم حرقوا جسده ونشروا رماده في البحر لكي لا يبقى له أثر ولا قبر، ولكنه حينما دخل الجنة رأى ثمن الصبر والاستقامة والإيمان : { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } (يس/26-27)
    وأيضاً قوله عز من قائل: { لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ } . (الحشر/20) فالجنة تفوق كل شيء وبصورة مطلقة، لأنها فيها رضوان الله، وفيها الخلود، وفيها من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولأن الطرف الآخر هو النار؛ النار التي تترجم ارتكاب المعاصي والموبقات، كما تترجم غضب خالقها.
    __________
    (1) نهج البلاغة، خطبة 129.
    (2) تحف العقول، ص65. إن ما نستفيده من الآية المباركة القائلة: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } . إن الذي يستقم لفترة من الوقت مخلصاً عمله لوجه الله تعالى، سيأخذ الله بيده ولن يتركه ليسقط وينهار، بل سينزل عليه الملائكة لترفده بالسكينة والاطمئنان، وتفتح أمام عينيه الأفق الواسع نحو السعادة وقطف ثمار الاستقامة والإخلاص..
    إذن؛ فالاستقامة قد لا تكون إلى الأبد، فإنك قد تستقيم ولكنك تصل الى درجة حيث تتنزّل الملائكة عليك. وإنَّ كثيراً من إخواننا الذين كانوا في سجون الطواغيت ووصلوا الى حافة الإنهيار تنزّلت عليهم الملائكة بمختلف الأشكال، فقسم منهم كان يرى في يقظته أو منامه ولياً من أولياء الله الصالحين يبشّره أو يطمئنه بأنه على مقربة من الجنة، فيعود إليهم إصرارهم على المقاومة والصمود.
    الاستقامة واقع لا خيال
    إن الضعف الكبير الذي قد يصيب هذا الإنسان أو ذاك عندما يريد تحقيق فعل شيء تراه يحلم ويتمنى، فيغفل عن التخطيط ومواجهة الواقع بشكل منطقي، وإن كثيراً من الذين سقطوا ويسقطون في حبائل الشيطان إنما بسبب أنهم { وَمِنْهُمْ اُمِّيُّونَ لاَيَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلآَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } . (البقرة/78) فهم يحلمون ويتمنون، ولا يخلقون واقعهم للوصول الى ما يهدفون. فإذا أردت أن تبني بيتاً – مثلاً – فإنه لا يكفيك أن تحلم بالاقتراض من هذا أو ذاك، فإنك إذا واجهت الواقع سوف تجد أنك لا تملك شيئاً لبناء هذا البيت المزعوم... وهكذا هي الجنة، لا يمكن الحصول عليها بالتمنّي والتظنّي، بل يسمح بالدخول فيها عبر العمل والتخطيط والاستقامة. يقول تبارك وتعالى: { وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ } (التوبة/46) أي إن من يريد الحرب عليه أن يهيء نفسه لها عبر توفير المال والسلاح وسائر الوسائل الأخرى، ولكن المتورط والغارق في أحلامه فإنه ليس بوسعه إلاّ النوم والحلم واليقظة وتكرار ذلك.
    أما قضية التخطيط لتسيير الحياة وتحديد الهدف، فالقرآن قد وفّر ذلك على الإنسان، حيث بيّن العلاقات مع الزوجة والأولاد والأقارب والأصدقاء والغرباء إلى حدٍ كبير، فقال: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لآ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ } (المنافقون/9) وقال أيضاً: { يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ } (التغابن/14) وقال كذلك: { رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالاَبْصَارُ } (النور/37)
    فإذا كانت لديك تجارة أو مال أو ولد، فاحذر أن يكون ما لديك حجاباً بينك وبين الله، فهذه وغيرها تمثل – في حال اتخاذها هدفاً – حجباً من الظلمات بإمكانها إضاعة المرء وإغراقه، حيث لن يرى نوراً ولا عقلاً ولا إيماناً. وعلى هذا الأساس ينبغي إتخاذ الطريق الوسط في التعامل مع مفردات الحياة، والاستفادة القصوى منها لتكون خير وسيلة نحو الوصول إلى ما أمرنا الله أن نصل إليه. إن المطلوب من الإنسان في علاقاته مع ذويه أن يتخذ السبيل الوسط ليكون خفيفاً في حياته، وقد جاء في المناجاة: "إذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطّوا".(1) وهذا يعني أن القرآن الكريم وسنة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام يأمران الإنسان المؤمن ألاَّ يهجر الدنيا باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي أنعم الله بها عليه، وألا يغرق في ظلماتها بعد أن اعتبرها هدفه الأول والأخير، كما يأمرنا بصياغة تصور جديد عن الدنيا والآخرة، وأول آيات ودلائل هذا التصور هو التخفيف من الإقبال على الدنيا والانتقاء منها ما يعتبر وسيلة إعداد للآخرة. قال الإمام محمد الباقر عليه السلام: "كان أمير المؤمنين عليه السلام بالكوفة إذا صلّى العشاء الآخرة ينادي الناس ثلاث مرّات حتّى يسمع أهل المسجد: أيها الناس تجهّزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل". (2)
    وليس التجهيز إلاّ تهيئة الوسائل للرحيل، من قبيل محاسبة النفس ومراقبتها بصورة مستمرة، والتأكد الدائم من صحة الهدف ووضوحه، والاستغفار والتوبة الى الله، وطلب العفو ممن ظلمناهم، والعمل على إسعاد الآخرين وتوفير فرص الخير لهم.
    إن الاستقامة بحاجة الى إعداد النفس، وكذلك الجهاد والتضحية والإيثار والإنفاق، ومن دون الإعداد والتخطيط تكون حركة المرء بمثابة حصر الهواء في الشبك، وبمثابة الحلم والسراب.
    الاستقامة والتربية الصالحة
    __________
    (1) بحار الأنوار، ج46، ص81.
    (2) بحار الأنوار، ج68، ص172. التربية الصالحة والفكر الواعي هما وعاء الاستقامة دون شك، ولا يمكن بحال من الأحوال تصور إنفصال التربية الصالحة والفكر الواعي عن أعمال البر والخير، من قبيل الإنفاق في سبيل الله؛ الإنفاق الذي ليس حكراً على الإنفاق بالمال، بل ثَم إنفاق بالجاه وبالعلم وبالوقت لبذله في سبيل الله، ومواجهة السيئة بالحسنة، لكسب أعداء الدين وتحويلهم الى مدافعين عن الدين. ولا شك إن كل هذه المفاهيم وما يتبعها من مصاديق تشكل بمجموعها حياة الإنسان المؤمن المستقيم والصابر.
    وأن يكون المرء ذا تربية ووعي صالحين وسليمين فيمارس أعمال البر ويعتنق ما هو الخير من التصورات والقناعات، فإنه سيصل الى الذروة من الحظ والحياة الآمنة في الدنيا والآخرة. اقوال في الابتلاء والامتحان من كتاب الكافي للشيخ الكليني رحمه الله 1ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ مَا مِنْ قَبْضٍ وَلا بَسْطٍ إِلا وَلله فِيهِ مَشِيئَةٌ وَقَضَاءٌ وَابْتِلاءٌ. ـ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَيُّوبَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْ‏ءٌ فِيهِ قَبْضٌ أَوْ بَسْطٌ مِمَّا أَمَرَ الله بِهِ أَوْ نَهَى عَنْهُ إِلا وَفِيهِ لله عَزَّ وَجَلَّ ابْتِلاءٌ وَقَضَاءٌ.

    ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ يَعْقُوبَ السَّرَّاجِ وَعَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلام) لَمَّا بُويِعَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ بِخُطْبَةٍ ذَكَرَهَا يَقُولُ فِيهَا أَلا إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ الله نَبِيَّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاكُمْ وَأَعْلاكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَلَيَسْبِقَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَالله مَا كَتَمْتُ وَسْمَةً وَلا كَذَبْتُ كَذِبَةً وَلَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا الْمَقَامِ وَهَذَا الْيَوْمِ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الانْبَارِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي الْمَغْرَاءِ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) يَقُولُ وَيْلٌ لِطُغَاةِ الْعَرَبِ مِنْ أَمْرٍ قَدِ اقْتَرَبَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَمْ مَعَ الْقَائِمِ مِنَ الْعَرَبِ قَالَ نَفَرٌ يَسِيرٌ قُلْتُ وَالله إِنَّ مَنْ يَصِفُ هَذَا الامْرَ مِنْهُمْ لَكَثِيرٌ قَالَ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا وَيُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) يَا مَنْصُورُ إِنَّ هَذَا الامْرَ لا يَأْتِيكُمْ إِلا بَعْدَ إِيَاسٍ وَلا وَالله حَتَّى تُمَيَّزُوا وَلا وَالله حَتَّى تُمَحَّصُوا وَلا وَالله حَتَّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى وَيَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُ. ـ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَمَّرِ بْنِ خَلادٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عَلَيْهِ السَّلام) يَقُولُ الم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ثُمَّ قَالَ لِي مَا الْفِتْنَةُ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ الَّذِي عِنْدَنَا الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ فَقَالَ يُفْتَنُونَ كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ ثُمَّ قَالَ يُخْلَصُونَ كَمَا يُخْلَصُ الذَّهَبُ. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صَالِحٍ رَفَعَهُ عَنْ ابي جعفر (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ قَالَ إِنَّ حَدِيثَكُمْ هَذَا لَتَشْمَئِزُّ مِنْهُ قُلُوبُ الرِّجَالِ فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَزِيدُوهُ وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَذَرُوهُ إِنَّهُ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِتْنَةٌ يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ حَتَّى يَسْقُطَ فِيهَا مَنْ يَشُقُّ الشَّعْرَ بِشَعْرَتَيْنِ حَتَّى لا يَبْقَى إِلا نَحْنُ وَشِيعَتُنَا. ـ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَالْحَارِثُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا جُلُوساً وَأَبُو عَبْدِ الله (عَلَيْهِ السَّلام) يَسْمَعُ كَلامَنَا فَقَالَ لَنَا فِي أَيِّ شَيْ‏ءٍ أَنْتُمْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لا وَالله لا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُغَرْبَلُوا لا وَالله لا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَحَّصُوا لا وَالله لا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى تُمَيَّزُوا لا وَالله مَا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ إِلا بَعْدَ إِيَاسٍ لا وَالله لا يَكُونُ مَا تَمُدُّونَ إِلَيْهِ أَعْيُنَكُمْ حَتَّى يَشْقَى مَنْ يَشْقَى وَيَسْعَدَ مَنْ يَسْعَدُ.





    عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) الْبَلاءُ وَمَا يَخُصُّ الله عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَحُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلاؤُهُ. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ عَظِيمَ الأجْرِ لَمَعَ عَظِيمِ الْبَلاءِ وَمَا أَحَبَّ الله قَوْماً إِلا ابْتَلاهُمْ. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأنْبِيَاءُ ثُمَّ الأوْصِيَاءُ ثُمَّ الأمَاثِلُ فَالأمَاثِلُ. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ عِبَاداً فِي الأرْضِ مِنْ خَالِصِ عِبَادِهِ مَا يُنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ تُحْفَةً إِلَى الأرْضِ إِلا صَرَفَهَا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ وَلا بَلِيَّةً إِلا صَرَفَهَا إِلَيْهِمْ. ـ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) أَنَّهُ قَالَ وَعِنْدَهُ سَدِيرٌ إِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلاءِ غَتّاً وَإِنَّا وَإِيَّاكُمْ يَا سَدِيرُ لَنُصْبِحُ بِهِ وَنُمْسِي. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَلاءٍ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلاءِ غَتّاً وَثَجَّهُ بِالْبَلاءِ ثَجّاً فَإِذَا دَعَاهُ قَالَ لَبَّيْكَ عَبْدِي لَئِنْ عَجَّلْتُ لَكَ مَا سَأَلْتَ إِنِّي عَلَى ذَلِكَ لَقَادِرٌ وَلَئِنِ ادَّخَرْتُ لَكَ فَمَا ادَّخَرْتُ لَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ. ـ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ زَيْدٍ الزَّرَّادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) إِنَّ عَظِيمَ الْبَلاءِ يُكَافَأُ بِهِ عَظِيمُ الْجَزَاءِ فَإِذَا أَحَبَّ الله عَبْداً ابْتَلاهُ بِعَظِيمِ الْبَلاءِ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ عِنْدَ الله الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ الْبَلاءَ فَلَهُ عِنْدَ الله السَّخَطُ. ـ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ الْحُرِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ دِينِهِ أَوْ قَالَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ. ـ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الْحَضْرَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلائِهِ. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ الْمُؤْمِنُ لا يَمْضِي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً إِلا عَرَضَ لَهُ أَمْرٌ يَحْزُنُهُ يُذَكَّرُ بِهِ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ نَاجِيَةَ قَالَ قُلْتُ لأبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) إِنَّ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يُبْتَلَى بِالْجُذَامِ وَلا بِالْبَرَصِ وَلا بِكَذَا وَلا بِكَذَا فَقَالَ إِنْ كَانَ لَغَافِلاً عَنْ صَاحِبِ يَاسِينَ إِنَّهُ كَانَ مُكَنَّعاً ثُمَّ رَدَّ أَصَابِعَهُ فَقَالَ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى تَكْنِيعِهِ أَتَاهُمْ فَأَنْذَرَهُمْ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَدِ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُبْتَلَى بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيَمُوتُ بِكُلِّ مِيتَةٍ إِلا أَنَّهُ لا يَقْتُلُ نَفْسَهُ. ـ عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأشْعَرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَبِأَفْضَلِ مَكَانٍ ثَلاثاً إِنَّهُ لَيَبْتَلِيهِ بِالْبَلاءِ ثُمَّ يَنْزِعُ نَفْسَهُ عُضْواً عُضْواً مِنْ جَسَدِهِ وَهُوَ يَحْمَدُ الله عَلَى ذَلِكَ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلا بِالإبْتِلاءِ فِي جَسَدِهِ. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الأشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْحَنَّاطِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) مَا أَلْقَى مِنَ الأوْجَاعِ وَكَانَ مِسْقَاماً فَقَالَ لِي يَا عَبْدَ الله لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا لَهُ مِنَ الأجْرِ فِي الْمَصَائِبِ لَتَمَنَّى أَنَّهُ قُرِّضَ بِالْمَقَارِيضِ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ رِبَاطٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ إِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ لَمْ يَزَالُوا مُنْذُ كَانُوا فِي شِدَّةٍ أَمَا إِنَّ ذَلِكَ إِلَى مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ وَعَافِيَةٍ طَوِيلَةٍ. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَيَتَعَاهَدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الرَّجُلُ أَهْلَهُ بِالْهَدِيَّةِ مِنَ الْغَيْبَةِ وَيَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ. ـ عَلِيٌّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْخَثْعَمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بُهْلُولٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ لَمْ يُؤْمِنِ الله الْمُؤْمِنَ مِنْ هَزَاهِزِ الدُّنْيَا وَلَكِنَّهُ آمَنَهُ مِنَ الْعَمَى فِيهَا وَالشَّقَاءِ فِي الآخِرَةِ. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ نُعَيْمٍ الصَّحَّافِ عَنْ ذَرِيحٍ الْمُحَارِبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عَلَيهِما السَّلام) يَقُولُ إِنِّي لأكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعَافَى فِي الدُّنْيَا فَلا يُصِيبَهُ شَيْ‏ءٌ مِنَ الْمَصَائِبِ. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُسْتَرِقِّ رَفَعَهُ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) دُعِيَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) إِلَى طَعَامٍ فَلَمَّا دَخَلَ مَنْزِلَ الرَّجُلِ نَظَرَ إِلَى دَجَاجَةٍ فَوْقَ حَائِطٍ قَدْ بَاضَتْ فَتَقَعُ الْبَيْضَةُ عَلَى وَتِدٍ فِي حَائِطٍ فَثَبَتَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَسْقُطْ وَلَمْ تَنْكَسِرْ فَتَعَجَّبَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) مِنْهَا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ أَ عَجِبْتَ مِنْ هَذِهِ الْبَيْضَةِ فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رُزِئْتُ شَيْئاً قَطُّ قَالَ فَنَهَضَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ شَيْئاً وَقَالَ مَنْ لَمْ يُرْزَأْ فَمَا لله فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ. عَنْهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله وَأَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) لا حَاجَةَ لله فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ فِي مَالِهِ وَبَدَنِهِ نَصِيبٌ. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عُثْمَانَ النَّوَّاءِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يَبْتَلِي الْمُؤْمِنَ بِكُلِّ بَلِيَّةٍ وَيُمِيتُهُ بِكُلِّ مِيتَةٍ وَلا يَبْتَلِيهِ بِذَهَابِ عَقْلِهِ أَ مَا تَرَى أَيُّوبَ كَيْفَ سُلِّطَ إِبْلِيسُ عَلَى مَالِهِ وَعَلَى وُلْدِهِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَعَلَى كُلِّ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَى عَقْلِهِ تُرِكَ لَهُ لِيُوَحِّدَ الله بِهِ. ـ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّهُ لَيَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الله فَمَا يَنَالُهَا إِلا بِإِحْدَى خَصْلَتَيْنِ إِمَّا بِذَهَابِ مَالِهِ أَوْ بِبَلِيَّةٍ فِي جَسَدِهِ. عَنْهُ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَوْ لا أَنْ يَجِدَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ فِي قَلْبِهِ لَعَصَّبْتُ رَأْسَ الْكَافِرِ بِعِصَابَةِ حَدِيدٍ لا يُصَدَّعُ رَأْسُهُ أَبَداً. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ تُكْفِئُهَا الرِّيَاحُ كَذَا وَكَذَا وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ تُكْفِئُهُ الأوْجَاعُ وَالأمْرَاضُ وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الإرْزَبَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ الَّتِي لا يُصِيبُهَا شَيْ‏ءٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَيَقْصِفَهُ قَصْفاً. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه) يَوْماً لأصْحَابِهِ مَلْعُونٌ كُلُّ مَالٍ لا يُزَكَّى مَلْعُونٌ كُلُّ جَسَدٍ لا يُزَكَّى وَلَوْ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مَرَّةً فَقِيلَ يَا رَسُولَ الله أَمَّا زَكَاةُ الْمَالِ فَقَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا زَكَاةُ الأجْسَادِ فَقَالَ لَهُمْ أَنْ تُصَابَ بِ‏آفَةٍ قَالَ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ قَالَ لَهُمْ أَ تَدْرُونَ مَا عَنَيْتُ بِقَوْلِي قَالُوا لا يَا رَسُولَ الله قَالَ بَلَى الرَّجُلُ يُخْدَشُ الْخَدْشَةَ وَيُنْكَبُ النَّكْبَةَ وَيَعْثُرُ الْعَثْرَةَ وَيُمْرَضُ الْمَرْضَةَ وَيُشَاكُ الشَّوْكَةَ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا حَتَّى ذَكَرَ فِي حَدِيثِهِ اخْتِلاجَ الْعَيْنِ. ـ أَبُو عَلِيٍّ الأشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) أَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بِالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَأَشْبَاهِ هَذَا قَالَ فَقَالَ وَهَلْ كُتِبَ الْبَلاءُ إِلا عَلَى الْمُؤْمِنِ. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَكْرُمُ عَلَى الله حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ الْجَنَّةَ بِمَا فِيهَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَإِنَّ الْكَافِرَ لَيَهُونُ عَلَى الله حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا أَعْطَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَإِنَّ الله لَيَتَعَاهَدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الْغَائِبُ أَهْلَهُ بِالطُّرَفِ وَإِنَّهُ لَيَحْمِيهِ الدُّنْيَا كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ (عَلَيهِ السَّلام) أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلاءً النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْوَصِيُّونَ ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ وَإِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ فَمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيَا ثَوَاباً لِمُؤْمِنٍ وَلا عُقُوبَةً لِكَافِرٍ وَمَنْ سَخُفَ دِينُهُ وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلاؤُهُ وَأَنَّ الْبَلاءَ أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ مِنَ الْمَطَرِ إِلَى قَرَارِ الأرْضِ. مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قُلْتُ لأبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) إِنَّ هَذَا الَّذِي ظَهَرَ بِوَجْهِي يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ الله لَمْ يَبْتَلِ بِهِ عَبْداً لَهُ فِيهِ حَاجَةٌ قَالَ فَقَالَ لِي لَقَدْ كَانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ مُكَنَّعَ الأصَابِعِ فَكَانَ يَقُولُ هَكَذَا وَيَمُدُّ يَدَيْهِ وَيَقُولُ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ثُمَّ قَالَ لِي إِذَا كَانَ الثُّلُثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِهِ فَتَوَضَّ وَقُمْ إِلَى صَلاتِكَ الَّتِي تُصَلِّيهَا فَإِذَا كُنْتَ فِي السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ الأولَيَيْنِ فَقُلْ وَأَنْتَ سَاجِدٌ يَا عَلِيُّ يَا عَظِيمُ يَا رَحْمَانُ يَا رَحِيمُ يَا سَامِعَ الدَّعَوَاتِ يَا مُعْطِيَ الْخَيْرَاتِ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَأَعْطِنِي مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَاصْرِفْ عَنِّي مِنْ شَرِّ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَا أَنْتَ أَهْلُهُ وَاذْهَبْ عَنِّي بِهَذَا الْوَجَعِ وَتُسَمِّيهِ فَإِنَّهُ قَدْ غَاظَنِي وَأَحْزَنَنِي وَأَلِحَّ فِي الدُّعَاءِ قَالَ فَمَا وَصَلْتُ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى أَذْهَبَ الله بِهِ عَنِّي كُلَّهُ.





    عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ ضَنَائِنَ يَضَنُّ بِهِمْ عَنِ الْبَلاءِ فَيُحْيِيهِمْ فِي عَافِيَةٍ وَيَرْزُقُهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَيُمِيتُهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَيَبْعَثُهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَيُسْكِنُهُمُ الْجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ. عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقاً ضَنَّ بِهِمْ عَنِ الْبَلاءِ خَلَقَهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَأَحْيَاهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَأَمَاتَهُمْ فِي عَافِيَةٍ وَأَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فِي عَافِيَةٍ. ـ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ إِنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ ضَنَائِنَ مِنْ خَلْقِهِ يَغْذُوهُمْ بِنِعْمَتِهِ وَيَحْبُوهُمْ بِعَافِيَتِهِ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ تَمُرُّ بِهِمُ الْبَلايَا وَالْفِتَنُ لا تَضُرُّهُمْ شَيْئاً. من كتاب ميزان الحكمة الابتلاء
    الكتاب (ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) ((187)) .
    (ان في ذلك لا يات وان كنا لمبتلين ) ((188)) .
    1883 - الامـام عـلـي (ع ) : ايـها الناس , ان اللّه قد اعاذكم من ان يجور عليكم ولم يعذكم من ان يبتليكم ,وقد قال جل من قائل : (ان في ذلك لايات وان كنا لمبتلين ) ((189)) .
    1884 - الامام الصادق (ع ) : ما من قبض ولا بسطالاوللّه فيه المن والابتلاء ((190)) .
    1885 - عنه (ع ) : ما من قبض ولا بسط الا وللّه فيه مشية وقضاء وابتلاء ((191)) .
    1886 - عـنـه (ع ) : لـيـس شي ء فيه قبض او بسطمما امر اللّه به او نهى عنه الا وفيه من اللّه عزوجل ابتلاء وقضاء ((192)) .
    1887 - عنه (ع ) : مرض امير المؤمنين (ع ) فعاده قوم فقالوا له : كيف اصبحت يا امير المؤمنين ؟فـقـال : اصـبـحـت بـشـر (ونـبـلـوكـم بـالـشـر والخير فتنة ...) فالخير الصحة والغنى ,والشر المرض والفقر , ابتلاء واختبارا ((193)) .
    396 علة الابتلاء
    الكتاب (ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما اءنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ) ((194)) .
    (ان يـمـسـسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الا يام نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء واللّه لا يحب الظالمين # وليمحص اللّه الذين آمنواويمحق الكافرين # اءم حسبتم اءن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) ((195)) .
    (وليبتلي اللّه ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم واللّه عليم بذات الصدور) ((196)) .
    (اءم حسبتم اءن تتركوا ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون اللّه ولارسوله ولا المؤمنين وليجة واللّه خبير بما تعملون ) ((197)) .
    (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو اءخباركم ) ((198)) .
    (ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض ) ((199)) .
    (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم اءيكم اءحسن عملا وهو العزيز الغفور) ((200)) .
    (انا جعلنا ما على الا رض زينة لها لنبلوهم اءيهم اءحسن عملا) ((201)) .
    (وهـو الـذي خـلق السماوات والا رض في ستة اءيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم اءيكم احسن عملا) ((202)) .
    1888 - الامـام عـلـي (ع ) : الا ان اللّه تـعـالـى قد كشف الخلق كشفة , لا انه جهل ما اخفوه من مـصـون اسـرارهـم ومـكـنون ضمائرهم , ولكن ليبلوهم ايهم احسن عملا , فيكون الثواب جزاء والعقاب بواء ((203)) .
    1889 - عـنـه (ع ) - في قوله تعالى : (انما اموالكم واولادكم فتنة ) - : ومعنى ذلك انه سبحانه يـختبرعباده بالاموال والاولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه , وان كان سبحانه اعلم بهم من انفسهم , ولكن لتظهر الافعال التي بها يستحق الثواب والعقاب ((204)) .
    1890 - عـنـه (ع ) : فـي تـقـلـب الاحـوال عـلـم جواهرالرجال , والايام توضح لك السرائر الكامنة ((205)) .
    1891 - الامـام الـرضا (ع ) - في قوله تعالى : (ليبلوكم ايكم احسن عملا) - : انه عزوجل خلق خـلـقـه لـيـبلوهم بتكليف طاعته وعبادته , لا على سبيل الامتحان والتجربة , لانـه لم يزل عليما بكل شي ء ((206)) .
    1892 - الامـام الـحسين (ع ) - في المسير الى كربلاء -:ان الناس عبيد الدنيا , والدين لعق على السنتهم , يحوطونه ما درت معايشهم , فاذامحصوا بالبلاء قل الديانون ((207)) .
    1893 - الامام علي (ع ) - في ابتلاء الملائكة بسجدة آدم - : ولو اراد اللّه ان يخلق آدم من نور يخطف الابصار ضياؤه ... لفعل , ولو فعل لظلت له الاعناق خاضعة , ولخفت البلوى فيه على الملائكة , ولـكـن اللّه سـبـحـانه يبتلي خلقه ببعض مايجهلون اصله , تمييزا بالاختيار لهم ونفياللاستكبار عنهم ((208)) .
    1894 - عـنه (ع ) : كلما كانت البلوى والاختبار اعظم كانت المثوبة والجزاء اجزل , الا ترون ان اللّه سـبـحانه اختبر الاولين من لدن آدم صلوات اللّه عليه الى الاخرين من هذا العالم باحجار لا تضرولا تنفع , ولا تبصر ولا تسمع , فجعلها بيته الحرام الذي جعله اللّه للناس قياما ... ؟
    ولـكـن اللّه يـخـتبر عباده بانواع الشدائد , ويتعبدهم بانواع المجاهد , ويبتليهم بضروب المكاره ,اخراجا للتكبر من قلوبهم , واسكاناللتذلل في نفوسهم , وليجعل ذلك ابوابا فتحا الى فضله , واسبابا ذللا لعفوه ((209)) .
    1895 - عنه (ع ) : لتبلبلن بلبلة , ولتغربلن غربلة ,حتى يعود اسفلكم اعلاكم , واعلاكم اسفلكم ,وليسبقن سباقون كانوا قصروا , وليقصرن سباقون كانوا سبقوا ((210)) .
    1896 - عـنـه (ع ) : لا تفرح بالغناء والرخاء , ولاتغتم بالفقر والبلاء , فان الذهب يجرب بالنار ,والمؤمن يجرب بالبلاء ((211)) .
    (انظر) الرزق : باب 1477 .
    الفضيلة : باب 3210 .
    الشيطان : باب 2013 .
    الغنى : باب 3111 .
    397 شدة ابتلاء المؤمن
    الكتاب (ام حـسبتم اءن تدخلوا الجنة ولما ياءتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم الباساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر اللّه اءلا ان نصر اللّه قريب ) ((212)) .
    (انظر) آل عمران 188 , الانعام 44 , 46 .
    1898 - الامـام الـصـادق (ع ) : ان اشـد الـنـاس بـلاء الانـبـيـاء, ثـم الذين يلونهم , ثم الامثل فالامثل ((213)) .
    1899 - الامام علي (ع ) : ان البلاء اسرع الى المؤمن التقي من المطر الى قرار الارض ((214)) .
    1900 - الامام الصادق (ع ) : الدنيا سجن المؤمن ,فاي سجن جاء منه خير ؟ ((215)) 1901 - عـنـه (ع ) : ان اهـل الـحـق لـم يـزالـوا مـنـذ كانوا في شدة , اما ان ذلك الى مدة قليلة وعافية طويلة ((216)) .
    1902 - الامـام زيـن العابدين (ع ) : ما من مؤمن تصيبه رفاهية في دولة الباطل الا ابتلي قبل موته ببدنه او ماله , حتى يتوفر حظه في دولة الحق ((217)) .
    1903 - رسـول اللّه (ص ) : الـمـؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده , ومنافق يبغضه , وكافر يقاتله ,ونفس تنازعه , وشيطان يضله ((218)) .
    1904 - عـنـه (ص ) : كـان الـرجل قبلكم يؤخذفيحفر له الارض فيجعل فيها, فيجاء بالمنشار فـيـوضع على راسه فيشق باثنين ما يصده ذلك عن دينه ,ويمشط بامشاط الحديد مما دون لحمه من عظم او عصب ما يصده ذلك عن دينه ((219)) .
    1905 - الامـام زيـن العابدين (ع ) : فما تمدون اعينكم ؟ عـلـى مـاانـتـم عـلـيـه , يـؤخـذ فـيـقـطع يده ورجله ويصلب , ثم تلا : (ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ...) ((220)) .
    1906 - الامام الصادق (ع ) - في قوله تعالى : (واذكرفي الكتاب اسماعيل ...) - : سلط اللّه عليه قومه فكشطوا وجهه وفروة راسه ...وليس هواسماعيل بن ابراهيم ((221)) .
    1907 - عـنـه (ع ) : قـد كـان قـبـلـكـم قـوم يـقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير وتضيق عـلـيـهم الارض برحبها فما يردهم عما هم عليه شي ءمما هم فيه من غير ترة وتروا من فعل ذلك بـهـم ولا اذى , بـل مـا نـقـمـوا منهم الا ان يؤمنوا باللّه العزيز الحميد , فاسالوا ربكم درجاتهم , واصبرواعلى نوائب دهركم تدركوا سعيهم ((222)) .
    1908 - الامـام الباقر (ع ) : بعث اللّه نبيا حبشيا الى قومه , فقاتلهم فقتل اصحابه واسروا, وخدوا لـهـم اخـدودا مـن نـار , ثـم نـادوا : مـن كـان من اهل ملتنافليعتزل , ومن كان على دين هذا النبي فـلـيـقـتـحـم الـنار , فجعلوا يقتحمون النار , واتت امراة معهاصبي لها فهابت النار, فقال لها صبيها: اقتحمي ,فاقتحمت النار, وهم اصحاب الاخدود ((223)) .
    (انظر) الدنيا : باب 1245 - 1247 .
    398 ابتلاء المؤمن بانواع البلاء

    1909 - الامـام الـصـادق (ع ) - وقـد سـئل عـن ابتلاءالمؤمن بالجذام والبرص واشباه هذا - : وهل كتب البلاء الا على المؤمن ؟ ((224))
    1910 - الامـام الباقر (ع ) - وقد ساله سدير : هل يبتلي اللّه المؤمن ؟ - : وهل يبتلى الا المؤمن ؟حـتـى ان صـاحـب ياسين قال : كان مكنعا , قلت : وما المكنع ؟ جذام ((225)) .
    1911 - عنه (ع ) : ان المؤمن يبتلى بكل بلية ويموت بكل ميتة , الا انه لا يقتل نفسه ((226)) .
    399 دور الاعمال السيئة في وقوع البلاء
    الكتاب (وما اءصابكم من مصيبة فبما كسبت اءيديكم ويعفوعن كثير) ((227)) .
    (اولما اءصابتكم مصيبة قد اءصبتم مثليها قلتم اءنى هذا قل هو من عند اءنفسكم ان اللّه على كل شى ء قدير) ((228)) .
    (ظـهـر الـفـسـاد فـي الـبـر والـبـحـر بـمـا كـسـبـت ايدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) ((229)) .
    1912 - رسـول اللّه (ص ) : اوحى اللّه تعالى الى ايوب :هل تدري ما ذنبك الي حين اصابك البلاء؟ قال :لا. قال : انك دخلت على فرعون فداهنت في كلمتين ((230)) .
    1913 - عنه (ص ) : لا يجني على المرء الايده ((231)) .
    (انظر) الذنب : باب 1380 .
    400 من لم يبتل فهو مبغوض عند اللّه
    الكتاب (ولـولا ان يـكون الناس اءمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون# ولبيوتهم اءبوابا وسررا عليها يتكئون ) ((232)) .
    1914 - رسـول اللّه (ص ) : ان اللّه يـبـغـض الـعـفـرية النفرية الذي لم يرزاء في جسمه ولا ماله ((233)) .
    1915 - الامام علي (ع ) : لا حاجة للّه فيمن ليس للّه في نفسه وماله نصيب ((234)) .
    1916 - الامـام زيـن الـعـابـديـن (ع ) : انـي لاكـره ان يـعـافـى الـرجـل في الدنيا ولا يصيبه شي ءمن المصائب ((235)) .
    1917 - الامام علي (ع ) : كفى بالسلامة داء ((236)) .
    1918 - الامـام الصادق (ع ) : قال اللّه عزوجل : لولا ان يجد عبدي المؤمن في قلبه لعصبت راس الكافربعصابة حديد لا يصدع راسه ابدا ((237)) .
    1919 - الامـام زين العابدين (ع ) - في قوله تعالى : (لولاان يكون الناس امة واحدة ...) - : عنى بذلك امة محمد ان يكونوا على دين واحد كفارا كلهم ((238)) .
    1920 - الامـام الـصـادق (ع ) - ايـضا في الاية - : لو فعل اللّه ذلك لما آمن احد , ولكنه جعل في الـمؤمنين اغنياء وفي الكافرين فقراء , وجعل في الكافرين اغنياء وفي المؤمنين فقراء , ثم امتحنهم بالامروالنهي , والصبر والرضا ((239)) .
    (انظر) البغض : باب 364 .
    العافية : باب 2775 .
    401 نعمة البلاء

    1921 - الامـام الـكـاظـم (ع ) : لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة , وذلك ان الصبرعند البلاء اعظم من الغفلة عند الرخاء ((240)) .
    1922 - رسـول اللّه (ص ) : لا تـكـون مؤمنا حتى تعدالبلاءنعمة والرخاء محنة , لان بلاء الدنيا نعمة في الاخرة , ورخاء الدنيا محنة في الاخرة ((241)) .
    1923 - الامام العسكري (ع ) : ما من بلية الا وللّه فيهانعمة تحيط بها ((242)) .
    1924 - الامـام عـلـي (ع ): اذا رايـت ربك يوالي عليك البلاء فاشكره , اذا رايت ربك يتابع عليك النعم فاحذره ((243)) .
    1925 - الامام الصادق (ع ) : المصائب منح من اللّه ,والفقر مخزون عند اللّه ((244)) .
    1926 - رسـول اللّه (ص ) : ان اللّه ليتعهد عبده المؤمن بانواع البلاء كما يتعهد اهل البيت سيدهم بطرف الطعام ((245)) .
    1927 - الامام الباقر (ع ) : ان اللّه عزوجل ليتعاهدالمؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل اهله بالهدية من الغيبة , ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض ((246)) .
    402 تكريم المؤمن بالبلاء

    1928 - الامـام الـصـادق (ع ) : البلاء زين المؤمن ,وكرامة لمن عقل , لان في مباشرته والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الايمان ((247)) .
    1929 - عـنـه (ع ) : مـا اثـنـى اللّه تعالى على عبد من عباده من لدن آدم الى محمد(ص ) الا بعد ابتلائه ووفاء حق العبودية فيه , فكرامات اللّه في الحقيقة نهايات , بداياتها البلاء ((248)) .
    1930 - عـنـه (ع ) : ان بـلايـاه مـحـشـوة بكراماته الابدية ,ومحنه مورثة رضاه وقربه ولوبعدحين ((249)) .
    1931 - رسـول اللّه (ص ) : ان اللّه لـيـغـذي عـبـده الـمـؤمـن بالبلاء كما تغذي الوالدة ولدها باللبن ((250)) .
    1932 - عنه (ص ) : ما كرم عبد على اللّه الا ازدادعليه البلاء ((251)) .
    1933 - عنه (ص ) : اذا اراد اللّه بقوم خيراابتلاهم ((252)) .
    1934 - الامـام الـصـادق (ع ) : ان للّه عـزوجل عبادا في الارض من خالص عباده , ما ينزل من السماءتحفة الى الارض الا صرفها عنهم الى غيرهم , ولابلية الا صرفها اليهم ((253)) .
    403 البلاء والتذكير
    الكتاب (ولقد اءخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ) ((254)) .
    (اءولا يرون اءنهم يفتنون في كل عام مرة اءو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون ) ((255)) .
    (ولنذيقنهم من العذاب الا دنى دون العذاب الا كبر لعلهم يرجعون ) ((256)) .
    1935 - الامـام عـلـي (ع ) : اذا رايـت اللّه سـبحانه يتابع عليك البلاء فقد ايقظك , اذا رايت اللّه سبحانه يتابع عليك النعم مع المعاصي فهو استدراج لك ((257)) .
    1936 - الامـام الـصادق (ع ) : المؤمن لا يمضي عليه اربعون ليلة الا عرض له امر يحزنه يذكر به ((258)) .
    1937 - عـنه (ع ) : اذا اراد اللّه عزوجل بعبد خيرافاذنب ذنبا تبعه بنقمة ويذكره الاستغفار , واذااراد اللّه عـزوجـل بعبد شرا فاذنب ذنبا تبعه بنعمة لينسيه الاستغفار ويتمادى به , وهو قول اللّه عزوجل : (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون )بالنعم عند المعاصي ((259)) .
    1938 - عـنه (ع ) : ما من مؤمن الا وهو يذكر في كل اربعين يوما ببلاء , اما في ماله او في ولده اوفي نفسه فيؤجر عليه , او هم لا يدري من اين هو ((260)) .
    1939 - رسـول اللّه (ص ) : لـولا ثلاثة في ابن آدم ماطاءطاء راسه شي ء : المرض , والموت , والفقر ,وكلهن فيه , وانه لمعهن لوثاب ((261))
    1940 - الامـام عـلـي (ع ) - وقـد خـرج للاستسقاء - :ان اللّه يبتلي عباده عند الاعمال السيئة بـنـقـص الـثـمـرات وحـبس البركات واغلاق خزائن الخيرات , ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكر متذكرويزدجر مزدجر ((262)) .
    (انظر) الادب : باب 75 .
    المرض : باب 3678 .
    404 تمحيص البلاء للذنوب

    1941 - الامـام علي (ع ) : الحمد للّه الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنتهم , لتسلم بها طاعاتهم ويستحقوا عليها ثوابها ((263)) .
    1942 - عـنـه (ع ) : الا اخـبركم بافضل آية في كتاب اللّه عزوجل ؟ حدثنا رسول اللّه (ص ) (ومـااصـابـكـم مـن مصيبة فبما كسبت ايديكم ), واللّه عزوجل اكرم من ان يثني عليه العقوبة في الاخرة ,وما عفا عنه في الدنيا فاللّه تبارك وتعالى احلم من ان يعود في عفوه ((264)) .
    1943 - عنه (ع ) : ما عاقب اللّه عبدا مؤمنا في هذه الدنيا الا كان اللّه احلم وامجد واجود واكرم من ان يعود في عقابه يوم القيامة ((265)) .
    1944 - الامـام الـبـاقر (ع ) : ان اللّه تبارك وتعالى اذا كان من امره ان يكرم عبدا وله عنده ذنب ابـتلاه بالسقم , فان لم يفعل فبالحاجة , فان لم يفعل شددعليه عند الموت . واذا كان من امره ان يهين عـبـداولـه عـنـده حـسـنـة اصـح بـدنـه , فـان لم يفعل وسع عليه في معيشته , فان لم يفعل هون عليه الموت ((266)) .
    1945 - الامـام الصادق (ع ) - وقد سمعه يونس بن يعقوب - : ملعون ملعون كل بدن لا يصاب في كل اربعين يوما . قلت : ملعون ؟ الخدشة واللطمة والعثرة والنكبة والقفزة وانقطاع الشسع واشباه ذلك .
    يـا يـونـس , ان الـمـؤمن اكرم على اللّه تعالى من ان يمرعليه اربعون لا يمحص فيها ذنوبه , ولو بـغم يصيبه لا يدري ما وجهه . واللّه , ان احدكم ليضع الدراهم بين يديه فيزنها فيجدها ناقصة فيغتم بذلك (ثم يزنها) فيجدها سواء , فيكون ذلك حطا لبعض ذنوبه ((267)) .
    (انظر) الذنب : باب 1387 .
    الحدود : باب 744 .
    405 البلاء علامة محبة اللّه سبحانه

    1946 - الامام الصادق (ع ) - وعنده سدير - : ان اللّه اذا احب عبدا غته بالبلاء غتا , وانا واياكم ياسديرلنصبح به ونمسي ((268)) .
    1947 - الامام الباقر (ع ) : ان اللّه تبارك وتعالى اذااحب عبدا غته بالبلاء غتا وثجه بالبلاء ثجا , فاذادعاه قال : لبيك عبدي , لئن عجلت لك ما سالت اني على ذلك لقادر , ولكن ادخرت لك , فماادخرت لك خير لك ((269)) .
    1948 - الامام الصادق (ع ) : اذا احب اللّه قوما او احب عبدا صب عليه البلاء صبا, فلا يخرج من غم الاوقع في غم ((270)) .
    1949 - رسـول اللّه (ص ) : اذا احب اللّه عبدا ابتلاه , فاذا احبه اللّه الحب البالغ افتناه . قالوا : وماافتناؤه ؟ قال : لا يترك له مالا وولدا ((271)) .
    (انظر) المحبة (4) : باب 681 .
    الولاية (2) : باب 4234 .
    406 البلاء على قدر الايمان

    1950 - الامـام الـصـادق (ع ) : انـمـا الـمـؤمن بمنزلة كفة الميزان : لما زيد في ايمانه زيد في بلائه ((272)) .
    1951 - عـنـه (ع ) - فـي كـتاب علي (ع ) - : انمايبتلى المؤمن على قدر اعماله الحسنة , فمن صـح ديـنـه وحـسـن عـمـله اشتد بلاؤه , وذلك ان اللّه عزوجل لم يجعل الدنيا ثوابا لمؤمن , ولا عقوبة لكافر , ومن سخف دينه وضعف عمله قل بلاؤه ((273)) .
    1952 - الامـام الـبـاقـر (ع ) : انـمـا يـبـتـلـى الـمـؤمـن فـي الدنيا على قدر دينه -او قال :- على حسب دينه ((274)) .
    1953 - عنه (ع ) : كلما ازداد العبد ايمانا ازدادضيقا في معيشته ((275)) .
    1954 - عـنـه (ع ) - عندما قال له رجل : واللّه , اني لا حبكم اهل البيت - : فاتخذ للبلاء جلبابا ,فواللّه انه لاسرع الينا والى شيعتنا من السيل في الوادي , وبنا يبدا البلاء ثم بكم , وبنا يبداالرخاء ثم بكم ((276)) .
    1955 - الامـام الـكـاظم (ع ) : مثل المؤمن مثل كفتي الميزان : كلما زيد في ايمانه زيد في بلائه ,ليلقى اللّه عزوجل ولا خطيئة له ((277)) .
    1956 - الامام الباقر (ع ) : يبتلى المرء على قدرحبه ((278)) .
    1957 - الامـام الـصـادق (ع ) : وان كـان النبي من الانبياءلياتي قومه فيقوم فيهم , يامرهم بطاعة اللّه ويـدعـوهم الى توحيد اللّه وما معه مبيت ليلة , فمايتركونه يفرغ من كلامه ولا يستمعون اليه حتى يقتلوه , وانما يبتلي اللّه تبارك وتعالى عباده على قدر منازلهم عنده ((279)) .
    1958 - مـن كـلام رجـل يصبر عليا (ع ) على قتال اعداء اللّه بصفين - : لا اعلم احدا اعظم في اللّه عـزوجـل اسمه بلاء ولا احسن ثوابا منك , ولا ارفع عند اللّه مكانا . اصبر يا اخي على ما انت فـيـه حـتـى تلقى الحبيب , فقد رايت اصحابنا مالقوا بالامس من بني اسرائيل , نشروهم بالمناشير وحملوهم على الخشب ...
    قال (ع ) : هذا شمعون وصي عيسى , بعثه اللّه يصبرني على قتال اعدائه ((280)) .
    407 البلاء والتكامل
    1959 - الامام علي (ع ) : ان البلاء للظالم ادب ,وللمؤمن امتحان , وللانبياء درجة ((281)) .
    1960 - لـمـا حـمل علي بن الحسين (ع ) الى يزيدبن معاوية فاوقف بين يديه , قال يزيد لعنه اللّه :(ومـا اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ) فـيـنـا قـول اللّه عـزوجـل : (ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبراها) ((282)) .
    1961 - فـي دعـاء الـنـدبـة - : الـلـهـم لـك الـحـمد على ما جرى به قضاؤك في اوليائك الذين اسـتـخلصتهم لنفسك ودينك , اذ اخترت لهم جزيل ما عندك من النعيم المقيم , الذي لا زوال له ولا اضمحلال ((283)) .
    1962 - الامـام الـصـادق (ع ) - وقد سئل عن قول اللّه (وما اصابكم من مصيبة ...) - : ارايت ما اصـاب عليا واهل بيته : هو بما كسبت ايديهم , وهم اهل طهارة معصومون ؟ قال : ان رسول اللّه (ص ) كـان يـتـوب الـى اللّه ويـسـتـغفره في كل يوم وليلة مائة مرة من غير ذنب , ان اللّه يخص اولياءه بالمصائب لياجرهم عليها من غير ذنب ((284)) .
    (انظر) عنوان 467 .
    408 البلاء يوجب حب لقاء اللّه سبحانه
    1963 - رسـول اللّه (ص ) : هـبـط الـي جـبرئيل (ع ) في احسن صورة فقال : يا محمد , الحق يـقـرئك الـسـلام ويـقـول لـك : اني اوحيت الى الدنيا ان تمرري وتكدري وتضيقي وتشددي على اولـيـائي حـتـى يحبوا لقائي , وتيسري وتسهلي وتطيبي لاعدائي حتى يبغضوا لقائي , فاني جعلت الدنياسجنا لاوليائي وجنة لاعدائي ((285)) .
    1964 - عـنـه (ص ) : يـقـول اللّه عزوجل : يا دنيا ,تمرري على عبدي المؤمن بانواع البلاء , وضيقي عليه في معيشته , ولا تحلولي (تحولي ) فيركن اليك ((286)) .
    (انظر) اللقاء : باب 3578 , 3579 .
    الدنيا : باب 1241 .
    409 الدرجات التي يبلغها العبد بالبلاء
    1965 - الامام الصادق (ع ) : ان في الجنة منزلة لايبلغها عبد الا بالابتلاء في جسده ((287)) .
    1966 - عـنه (ع ) : انه ليكون للعبد منزلة عند اللّه فما ينالها الا باحدى خصلتين : اما بذهاب ماله اوببلية في جسده ((288)) .
    1967 - رسـول اللّه (ص ) : ان الـرجـل لـيكون له الدرجة عند اللّه لا يبلغها بعمله , حتى يبتلى ببلاءفي جسمه فيبلغها بذلك ((289)) .
    1968 - عـنـه (ص ) : ان الـعـبـد لـتـكون له المنزلة من الجنة فلا يبلغها بشي ء من البلاء حتى يدركه الموت , ولم يبلغ تلك الدرجة فيشدد عليه عندالموت فيبلغها ((290)) .
    (انظر) الجنة : باب 556 .
    410 ذم حب البلاء

    1969 - الامـام الـصـادق (ع ) - وقـد سـئل عـن شـي ءيـروى عن ابي ذر (ره ) انه قال : ثلاثة يـبـغـضـهاالناس وانا احبها : احب الموت , واحب الفقر ,واحب البلاء-: هذا ليس على ما يروون , انـماعنى : الموت في طاعة اللّه احب الي من الحياة في معصية اللّه , والفقر في طاعة اللّه احب الي من الغنى في معصية اللّه , والبلاء في طاعة اللّه احب الي من الصحة في معصية اللّه ((291)) .
    (انظر) الايمان : باب 260 .
    العافية : باب 2773 .
    411 المؤمن في البلاء

    1970 - الامـام عـلـي (ع ) - فـي وصـف الـمـؤمنين - : نزلت انفسهم منهم في البلاء كما نزلت في الرخاء ((292)) .
    (انظر) عنوان 65 .
    412 ابتلاء المؤمن خير له

    1971 - الامـام الصادق (ع ) - فيما اوحى اللّه تعالى الى موسى (ع ) - : ما خلقت خلقا احب الي من عـبدي المؤمن , فاني انما ابتليه لما هو خير له , واعافيه لما هو خير له , وازوي عنه لما هو خير لـه , وانـااعـلـم بما يصلح عليه عبدي , فليصبر على بلائي ,وليشكر نعمائي , وليرض بقضائي , اكتبه في الصديقين عندي ((293)) .
    1972 - الامـام الـبـاقر (ع ) : ما ابالي اصبحت فقيرا اومريضا او غنيا , لان اللّه يقول : لا افعل بالمؤمن الاما هو خير له ((294)) .
    (انظر) القضاء (1) : باب 3351 .
    413 اشد ما ابتلي به العباد
    1973 - الامام الصادق (ع ) : ما بلا اللّه العباد بشي ءاشدعليهم من اخراج الدرهم ((295)) .
    1974 - الامام علي (ع ) : ما ابتلى اللّه احدا بمثل الاملاء له ((296)) .
    1975 - عـنـه (ع ) : ما ابتلي المؤمن بشي ء هو اشد عليه من خصال ثلاث يحرمها . قيل : وما هن ؟قال : المواساة في ذات يده , والانصاف من نفسه ,وذكر اللّه كثيرا . اما اني لا اقول لكم : سبحان اللّه والحمدللّه , ولكن ذكر اللّه عندما احل له , وذكراللّه عندما حرم عليه ((297)) .
    (انظر) الفتنة : باب 3153 .
    414 اشد البلايا

    1976 - رسـول اللّه (ص ) : ان اللّه اخـذ مـيثاق المؤمن على بلايا اربع , اشدها عليه :مؤمن يقول بـقـولـه يـحـسـده , او مـنـافـق يقفو اثره , او شيطان يغويه , اوكافر يرى جهاده , فما بقاء المؤمن بعدهذا؟ ((298))
    1977 - الامـام عـلـي (ع ) : ان مـن الـبـلاء الـفاقة , واشد من ذلك مرض البدن , واشد من ذلك مرض القلب ((299)) .
    1978 - الامـام الـصـادق (ع ) : ثـلاث من ابتلى بواحدة منهن تمنى الموت : فقر متتابع , وحرمة فاضحة ,وعدو غالب ((300)) .
    1979 - عـنـه (ع ) : ثلاث من ابتلي بواحدة منهن كان طائح العقل : نعمة مولية , وزوجة فاسدة ,وفجيعة بحبيب ((301)) .
    1980 - الامام علي (ع ) : اكبر البلاء فقر النفس ((302)) .
    (انظر) المصيبة : باب 2332 .
    415 الفرج عند تناهي البلاء
    1981 - رسول اللّه (ص ) : اضيق الامر ادناه من الفرج ((303)) .
    1982 - الامام علي (ع ) : عند تناهي البلاء يكون الفرج ((304)) .
    1983 - الامام الصادق (ع ) : اذا اضيف البلاء الى البلاءكان من البلاء عافية ((305)) .
    (انظر) الامامة (3) : باب 239 .
    416 الدعاء عند البلاء
    الكتاب (الذين اذا اءصابتهم مصيبة قالوا انا للّه وانا اليه راجعون ) ((306)) .
    1984 - فـيـمـا اوحـى اللّه الـى مـوسـى : يـا مـوسـى ...اتـخـذنـي جـنـة لـلشدائد وحصنا لملمات الامور ((307)) .
    1985 - الامـام عـلـي (ع ) : قـل عـنـد كـل شـدة : تكفها ((308)) .
    1986 - الامام الرضا (ع ) : رايت ابي (ع ) في المنام فقال : يا بني , اذا كنت في شدة فاكثر ان تقول : , والذي تراه في المنام كماتراه في اليقظة ((309)) .
    (انظر) الدعاء : باب 1193 , 1194 .
    417 الدعاء عند رؤية المبتلى

    1987 - رسـول اللّه (ص ) : اذا رايـتـم اهـل الـبـلاءفـاحـمـدوااللّه ولا تـسـمـعـوهم , فان ذلك يحزنهم ((310)) .
    1988 - الامـام الباقر (ع ) : تقول ثلاث مرات , اذا نظرت الى المبتلى من غير ان تسمعه : الحمد للّه الذي عافاني مما ابتلاك به ولو شاء فعل . قال : من قال ذلك لم يصبه ذلك البلاء ابدا ((311)) .
    1989 - الامـام الـصـادق (ع ) : اذا رايـت الـرجـل قـد ابـتلي وانعم اللّه عليك فقل : اللهم اني لااسخرولا افخر, ولكن احمدك على عظيم نعمائك علي ((312)) .
    418 من يجب التلطف به في البلاء
    1990 - الامام علي (ع ) : من كنت سببا له في بلائه وجب عليك التلطف في علاج دائه ((313)) .



    البلاء رفع درجات



    إن البلاءات في هذه الحياة الدنيا على قسمين:
    القسم الأول: بلاء تفضلي.. رب العالمين يرفع بهذا البلاء درجة العبد، ومثاله بلاء الأنبياء والأوصياء والصالحين: ورد في الحديث عن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وآله- أنه قال: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت).. وأئمة أهل البيت (ع) ما من إمام إلا وكان مبتلى بطاغوت من طواغيت عصره.. فإذن، هذا البلاء رفع لدرجات العبد.

    القسم الثاني: بلاء رفع الأوزار.. هذا البلاء الذي هو كفارة للسيئات، وهناك الكثير من مصاديق هذا البلاء في حياتنا.. ولكن هناك مجموعة روايات في هذا المجال، ينبغي أن نستوعبها جيداً، فهي عبارة عن قوانين ومعادلات:

    المعادلة الأولى: مثلاً: لو أن أحدهم رأى كريماً، فأعطاه قلماً فاخراً هدية، ووضعه في جيبه.. وبعد يوم أو يومين رآه، فنزع منه القلم وجعله في جيبه!.. فإذا لم يكن هناك حكمة من وراء هذا التصرف، فمن المؤكد أن هناك بخلاً، بل أكثر من البخل!.. إنسان يعطي إنساناً هدية ثم يسترجعها، فأقل ما يقال عنه: أنه لئيم!.. كذلك الإنسان المنعم عليه: بالعافية، والتوفيق، وسلامة القلب، والكثير من النعم، ثم تسلب فجأة.. وبما أن الله -عز وجل- أكرم الأكرمين؛ فلا أن يكون هناك تفسير لهذا السلب!..

    قال الإمام الباقر (ع): (إن الله قضى قضاء حتما: ألا ينعم على العبد بنعمة، فيسلبها إياه؛ حتى يحدث العبد ذنبا، يستحق بذلك النقمة).. رب العالمين كريم، عندما أعطاه هذه المزية ثم سلبها منه، فلينظر من أين أُكل؟.. وما هو الذنب الذي جعله مسلوب النعمة؟..

    وهناك عبارة أخرى عن الصادق (ع) بنفس المضمون: (ما أنعم الله على عبد نعمة، فسلبها إياه، حتى يذنب ذنبا يستحق بذلك السلب).. والإمام زين العابدين (ع) في مناجاته، في دعاء أبي حمزة، يذكر عينات من السلب: (أو لعلّك فقدتني من مجالس العلماء؛ فخذلتني.. أو لعلّك رأيتني في الغافلين؛ فمن رحمتك آيستني.. أو لعلك رأيتني آلف مجالس البطّالين؛ فبيني وبينهم خلّيتني).. الإمام (ع) ذكر بعض الأسباب السالبة للنعم؛ لأنه في مقام المناجاة، وليس في مقام ذكر كل الأسباب.

    المعادلة الثانية: إن الحياة قبل خمسين سنة، كانت قاسية في مظهرها المادي، ولكن كان هناك جو من الألفة والتآلف.. والأمراض الجديدة كالإيدز وغيره، لم تكن موجودة سابقاً.. والرواية التالية تبين السبب في ذلك، يقول الرضا (ع): (كلما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعملون، أحدث الله لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون).. فهذه الأيام هناك ذنوب مبتكرة: كالمعاصي التي ترتكب من خلال النت، والتلفاز، وغيرها.. وبما أن هناك معاصي مستحدثة؛ فإن الجزاء أيضاً مستحدث: بلاءات وأمراض جديدة، وأمراض نفسية لم تكن موجودة.

    فإذن، إن الإنسان المؤمن بمجرد أن تسلب منه النعمة، بدل أن يقرأ الفنجان والأبراج والكف، ويسب الزمان؛ فلينظر إلى نفسه ما الذي فعله؟.. ومن أسوأ صور المعاصي: أن يعصي الإنسان ربه وهو مرتاح.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من أذنب ذنبا وهو ضاحك؛ دخل النار وهو باك).. مثلاً: ينظر إلى فيلم حرام وهو يضحك، أو يقامر وهو يضحك؛ هذا الإنسان في منتهى السوء؛ لأنه يعصي ولا يعيش حالة الخجل من الله عز وجل.. لذا فإنه يدخل النار مقابل ذنبه، وباكياً مقابل ضحكه في الحياة الدنيا، وهو يرتكب المعاصي.

    الدرس العملي: يجب أن لا ننسى الاستغفار من غير ذنب.. البعض منا إذا أذنب يستغفر، وقد يبكي بكاء مريراً.. ولكن هناك معاصي لا يلتفت إليها الإنسان، معاصي صغيرة تتراكم؛ فتسلبه النعم.. لذا احتياطاً فليلتزم بالاستغفار في اليوم مرتين: مرة في النهار بعد صلاة العصر، ومرة في الليل في نافلة الليل.. موقف في الليل، وموقف في النهار، حتى لو كان هناك هفوات، هو لا يعرفها؛ رب العالمين بهذا الاستغفار يغفر الذنب.. عن المفضل، قال: قال أبو عبد الله (ع): (يا فضل، إياك والذنوب!.. وحذرها شيعتنا، فوالله ما هي إلى أحد أسرع منها إليكم: إنّ أحدكم لتصيبه المعرّة من السلطان؛ وما ذاك إلا بذنوبه.. وإنه ليحبس عليه الرزق؛ وما هو إلا بذنوبه.. وإنه ليشدد عليه عند الموت؛ وما هو إلا بذنوبه).. فلما رأى ما قد دخلني قال: (أتدري لم ذاك يا مفضل)؟.. قال: قلت: لا أدري جعلت فداك!.. قال: (ذاك والله إنكم لا تؤاخذون بها في الآخرة، وعجلت لكم في الدنيا).. فإذن، إن رب العالمين يسلط الظالمين على الإنسان عندما يذنب.


    امتحان الدنيا HYPERLINK "http://www.libyanyouths.com/vb/t53530.html"وامتحان الاخره
    امتحان البشر : في عدة كتب متشعبة صعبة تستهلك طاقة التلميذ وجهده
    امتحان الله سبحانه : في كتاب واحد ميسّر
    ( القرآن العظيم )
    امتحان البشر : الأسئلة فيه مجهولة إلى لحظة البدء بالإمتحان
    امتحان الله سبحانه : الاسئلة به معلومة واضحة قبل الامتحان وهي :
    من ربك ؟؟
    ما دينك ؟؟
    من نبيك ؟؟
    شبابك فيما أبليته ؟؟
    عمرك فيما أفنيته ؟؟
    مالك من أين اكتسبته ، وفيمَ أنفقته ؟؟
    وعلمك ماذا عملت به ؟؟
    امتحان البشر : لا يخبرونك بالإجابة قبل الإمتحان
    امتحانه سبحانه : يخبرك بالإجابة النموذجية خلال الإمتحان
    امتحان البشر : المعلّمون الذين تمّ اختيارهم لشرح المنهج خطاءون

    امتحان الله تعالى : المعلّمون الذين اختارهم الله لنهجه معصومون
    امتحان البشر : فترة الإجابه فيه لا تزيد عن ساعات
    امتحان الله: فترة الإجابه على الأسئله تمتد أكثر من سبعين سنة وهو عمر الانسان
    امتحان البشر : الدورالثاني فيه مرة واحدة والنجاح فيه غير مضمون
    امتحان الله: الدور الثاني مفتوح للعبد إلى أن يغرغر قبل الموت والنجاح فيه مضمون بإذن الله
    امتحان البشر : الدرجة الكبرى فيه 100 درجة
    امتحانه تبارك : الدرجة الكبرى فيه 700 ويضاعف الله لمن يشاء
    امتحان البشر : نتيجته للدنيا فقط
    امتحان الله : نتيجته للدنيا والاخرة
    امتحان البشر : ينسى بعد اجتياز الإمتحان
    امتحان الله : لا ينسى فهو يحفظ في كتاب مبين
    امتحان البشر : جائزته من حبر وورق

    امتحان الله : جائزته جنات الخلود ( اللهم إني أسالك من فضلك )
    فعجباً لمن ينجحون في امتحان البشر ويسقطون في امتحان الله ‍‍‍!!!
    يريد المرء أن يعطى مناه ..... ويأبى الله إلا ما أرادي
    قول المرء فائدتي ومالي ..... وتقوى الله أفضل ما استفاد

    ان الله إذا أحب عبدًا ابتلاه
    كل إنسان في هذه الدنيا معرض لأنواع شتى من الابتلاء , و كل منا تختلف نظرته و طريقته في التعامل مع ذلك , فهل هناك من يرغب بأن يكون مبتلى ؟ و هل للابتلاء ايجابيات ؟ و كيف يمكن أن نحول ذلك إلى نواحي تعود علينا بالفائدة في الدنيا و الآخرة ؟

    الابتلاء من خلال هذه السطور بمعنى الاختبار من قبل الله تعالى سواء كان هذا الاختبار خيرًا أم شرًا , فأحيانًا يبتلى الانسان بالفقر أو بالغنى بالصحة أو بالمرض .

    فكل منا يتعرض بشكل دائم لانواع مختلفة من الابتلاءات , و قد يكون مستوى الابتلاء مختلفًا من شخص لآخر, فقد يصاب شخصين بنفس الابتلاء فنجد أن احدهما يتعامل مع ذلك بضجر و قنوط بينما الآخر يتعامل معه بايجابية و ينظر الى ذلك بأنه موجه من قبل الله تعالى له ليختبر صبره و يمتحن إيمانه و انها فرصة له ليستفيد من ذلك .
    فالابتلاء:
    ·يمحو الآثام .
    · يزيد في الثواب و الحسنات .
    قال الله تعالى في محكم آياته :-

    (( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{157} ))

    و من النواحي الايجابية للابتلاء:

    ·يكتسب الانسان تجارب و خبرات كثيرة من خلال التعرض لانواع الابتلاءات المختلفة.
    ·تقوي شخصية الانسان و تظهر قدراته و ثباته.
    ·يدرب الانسان على الصبر و قوة التحمل .
    ·إكتساب مهارة حل المشكلات.
    ·التعامل مع الابتلاءات و معالجتها .
    ·استشعار نعمة الله سبحانه و تعالى عليه .
    ·التقرب الى الله سبحانه و تعالى و التوجه له بحيث يكون شديد التوجه الى الله عز وجل فيتقرب منه , قال تعالى : ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) .
    ·البحث عن رضا الله تعالى ( الهي أن كان هذا رضاك فخذ حتى ترضى ).
    ·يفتح باب الى التوبة و الرجوع الى الله تعالى و التنبيه من الغفلة.

    و جاء في دعاء الامن للامام السجاد عليه السلام : (يا مَنْ تُحَلُّ بِهِ عُقَدُ الْمَكارِهِ، وَيا مَنْ يُفْثَأُ بِهِ حَدُّ الشَّدائِدِ، وَيا مَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الَمخْرَجُ اِلى رَوْحِ الْفَرَجِ، ذَلَّتْ لِقُدْرَتِكَ الصِّعابُ، وَتَسَبَّبَتْ بِلُطْفِكَ الاَْسْبابُ، وَجَرى بِقُدْرَتِكَ الْقَضاءُ، وَمَضَتْ عَلى اِرادَتِكَ الاَْشْياءُ، فَهِيَ بِمَشِيَّتِكَ دُونَ قَوْلِكَ مُؤْتَمِرَةٌ، وَبِإِرادَتِكَ دُونَ نَهْيِكَ مُنْزَجِرَةٌ، اَنْتَ الْمَدْعُوُّ لِلْمُهِمّاتِ، واَنْتَ الْمَفْزَعُ المُلِمّاتِ، لا يَنْدَفِعُ مِنْها اِلاّ ما دَفَعْتَ، وَلا يَنْكَشِفُ مِنْها اِلاّ ما كَشَفْتَ، وَقَدْ نَزَلَ بي يا رَبِّ ما قَدْ تَكأَّدَني ثِقْلُهُ، وَاَلَمَّ بي ما قَدْ بَهَظَني حَمْلُهُ، وَبِقُدْرَتِكَ اَوْرَدْتَهُ عَلَيَّ، وَبِسُلْطانِكَ وَجَّهْتَهُ اِلَيَّ).

    و الصبر على الابتلاء و الرضا به هو السبيل إلى نيل الثواب من الله سبحانه و تعالى فيكون العبد في قمة الابتلاء و الاحساس بالمصاعب و مع ذلك يكون صابرًا محتسبًا ذلك عند الله سبحانه و تعالى فيستحق بذلك الثواب الجزيل.

    جاء في الرواية: رأى الحسين (ع) النبي (ص) في المنام فقال له :
    يا حسين !..لك درجة في الجنّة لا تصل إليها إلاّ بالشهادة .
    فكلما كان الصبر على الابتلاء كبيرًا و الالتفات بأن هذا موجه من الله سبحانه و تعالى و كل ما واجهنا ذلك بالصبر و الرضا.. كان الثواب أكبر و أكثر .

    روي عن رسول الله صلى الله عليه و اله وسلم : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط، فله السخط)
    و روي عن الامام الحسين عليه السلام : (هون ما نزل بي انه بعين الله )

    و التعامل مع الابتلاء درجات و الثواب يكون على حسب العلم و المعرفة و اليقين و قوة الايمان .قال الله سبحانه و تعالى في محكم آياته : ( فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ *)

    و من أعظم انواع الابتلاءات التي قد تصيب الانسان ( الابتلاء في الدين ) فقد جاء في المأثور : (اللهم لاتجعل مصيبتنا في ديننا ولاتجعل الدنيا أكبر همنا ).


    فلنعد النظر في يومياتنا و نتعامل مع ما يعترينا من ابتلاءات بنظرة ايجابية و انها محط لاختبار ايماننا , و كما جاء في الماثور: ( المؤمن مبتلى ), و (ان الله اذا احب عبدًا ابتلاه ) لنوجه ردة فعلنا تجاه تلك الابتلاءات بطريقة إيجابية و لتكون نظرتنا أكثر إيمانًا و يقينًا بحكمة الله سبحانه و تعالى , فالابتلاء جزء من وجودنا و هو صلب الحياة.

    10 هدايا
    تدفع بلايا الدنيا والآخرة














    روي ان رجلا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : اتأذن لي ان اتمنى الموت؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الموت شيء لا بد منه وسفر طويل ينبغي لمن اراده ان يرفع عشر هدايا، فقال : وما هي؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : هدية عزرائيل، وهدية القبر ، وهدية منكر ونكير، وهدية الميزان، وهدية الصراط، وهدية مالك، وهدية رضوان، وهدية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهدية جبرائيل، وهدية الله تعالى .












    الهدايا العشر كل هدية 4 اشياء
    الشيء الاول
    الشيء الثاني
    الشيء الثالث
    الشيء الرابع

    1-هدية عزرائيل
    ارضاء الخصماء
    قضاء الفوائت
    الشوق الى الله تعالى
    التمني للموت

    2-هدية القبر
    ترك النميمة
    الاستبراء من البول
    قراءة القرآن
    صلاة الليل

    3-هدية منكر ونكير
    صدق اللسان
    ترك الغيبة
    قول الحق
    التواضع لكل احد

    4-هدية الميزان
    كظم الغيظ
    ورع صادق
    المشي الى الجماعات
    التداعي الى المغفرات

    5-هدية الصراط
    اخلاص العمل
    حسن الخلق
    كثرة ذكر الموت
    احتمال الاذى

    6-هدية مالك
    البكاء من خشية الله
    صدقة السر
    ترك المعاصي
    بر الوالدين

    7-هدية رضوان
    الصبر على المكاره
    الشكر على نعم الله
    انفاق المال في طاعة الله
    حفظ الامانة

    8-هدية النبي صلى الله عليه وآله وسلم
    محبته
    والاقتداء بسنته
    محبة اهل بيته
    حفظ اللسان عن الفحشاء

    9-هدية جبرائيل

    قلة الاكل
    قلة النوم
    قلة الكلام
    مداومة الحمد

    10-هدية الله تعالى
    الامر بالمعروف
    النهي عن المنكر
    النصيحة للخلق
    الرحمة على كل احد


    المصدر : كتاب ادخال السرور على اهل القبور: للسيد حسين نجيب محمد ، دار الهادي ص207




    البلاء وأنواع الشكر .. ... قال الامام جعفر الصادق (عليه السلام):
    كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا ورد عليه أمر يسرّه قال :
    الحمد لله على هذه النعمة ، وإذا ورد عليه أمر يغتمّ به قال : الحمد لله على كل حال . بيان : قيل : في كل بلاء خمسة أنواع من الشكر:
    الأول : يمكن أن يكون دافعا أشد منه ، كما أنّ موت دابته دافع لموت نفسه ، فينبغي الشكر على عدم ابتلائه بالأشد .
    الثاني : أنّ البلاء إما كفارة للذنوب أو سبب لرفع الدرجة ، فينبغي الشكر على كل منهما.
    الثالث : أنّ البلاء مصيبة دنيوية ، فينبغي الشكر على أنه ليس مصيبته دينية.
    وقد نُقل أنّ عيسى (عليه السلام) مرّ على رجل أعمى مجذوم مبروص مفلوج فسمع منه يشكر ، ويقول : الحمد الله الذي عافاني من بلاء أُبتلى به أكثر الخلق ، فقال (عليه السلام) ما بقي من بلاء لم يُصبك ، قال:
    عافاني من بلاء هو أعظم البلايا وهو الكفر ، فمسّه (عليه السلام) فشفاه .
    الرابع : أنّ البلاء كان مكتوبا في اللوح المحفوظ ، وكان في طريقه لا محالة ، فينبغي الشكر على أنه مضى ووقع خلف ظهره .
    الخامس : أنّ بلاء الدنيا سبب لثواب الآخرة ، وزوال حبّ الدنيا من القلب ، فينبغي الشكر عليها. ص34 من كتاب جواهر البحار


    اسئلة واجوبة

    1

    التكفير عن الذنوب







    نص السؤال

    هل يبتلي الله الانسان بمرض ليكفر عن ذنوب مستقبلة لعلمه تعالى بوقوعها ؟







    نص الجواب

    التكفير عن الذنب انما يكون بعد وقوعه لا قبله ، نعم قد يكون من ألطاف الله تعالى الخفية الحيلولة بين العبد وبين وقوعه في الذنب ، قال (أقتلت نفساً زكية بغير نفس لقد جئت شيئاً نكر ... وأمّا الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناً وكفرا ) الكهف / 74 ـ 80 .





    2

    ما الفرق بين المصائب التي تصيب الفاسق والتي تصيب المؤمن







    نص السؤال

    ما الفرق تفصيلا بين المصائب التي تصيب الفاسق وتلك التي تصيب المؤمن ؟ .. ولماذا يبتلي الله المعصوم وهو لا ذنب له ؟







    نص الجواب

    لا فرق في البلايا والمحن التي تصيب ابناء الدنيا من الفاسق والمؤمن في الكيفية أو الكمية ، غاية ما هناك الفاسق ينقص من عقابه وتقل من عذابه ، والمؤمن يرفع درجاته ويزداد حسناته ، وسنة الله في خلقه البلاء والابتلاء ، وليس للذنب دخل فيه ابدا .





    3

    اقسام البلاء







    نص السؤال

    كيف يمتحن الله عز وجل محمد وآل بيته عليهم السلام ويختبرهم ؟
    فهل من الممكن القول أن الله عز وجل يمتحن ويختبر ذوي القربى بما فيهم الـعصومون الربعة عشر علیهم السلام ؟
    هل من الممكن القول أن أنواع المصائب التي حلت على نبينا محمد و عترته الطاهرة من عذاب وإيذاء وتكفير وفتن امتحانٌ من الباري عز وجل لهم ليرى مدى قوة تحملهم وصبرهم عليها لنصرة دين الله ؟
    هل من الممكن أن نقول أن مجرد إتيان محمد وآله صلوات الله عليهم العبادات بمختلف أنواعها من أداء صلاة وإتيان زكاة و الجهاد وإقامة العدل وما شابه ذلك من العبادات بما فيها تبليغ الرسالة إلى الناس هي أفعال بحد ذاتها أداء الامتحان التبليغي الذي أوكله الله تعالى عليهم ليرى مدى حرصهم على أداء الأمانة ؟







    نص الجواب

    جاء في كتاب جَامِعُ الْأَخْبَارِ ، قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام : ( إِنَّ الْبَلَاءَ لِلظَّالِمِ أَدَبٌ وَ لِلْمُؤْمِنِ امْتِحَانٌ وَ لِلْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٌ وَ لِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةٌ )]
    وعلى ضوء هذا الخبر يمكن أن نقسم البلاء إلى عدة أقسام :
    1-البلاء للظالم أدب :
    وهذا البلاء له في الدنيا أدب فإن الظلم الذي يصدر منه في حياته لا بد له من عقاب وقصاص وانتقام وأخذ حق الظالم من المظلوم ولكن في هذه الدنيا لا يمكن الاقتصاص من الظالم كاملا وأخذ كل حقوق الآخرين الذين ظلمهم وقتلهم وسفك دمائهم فإن هذه الدنيا ضيقة فلو أن الظالم قتل مئات الآلاف أو الملايين من البشر كيف يقتص منه وهو فرد واحد في مقابل نفر واحد ولكن عذابه الذي يستحقه ويتمكن كل أحد أن يأخذ حقه منه في الآخرة .
    أما ما يصيب الظالم في دار الدنيا من بلاء فليس هو عقابه وإنما هو أدب له وتنبيه له على ظلمه حتى يرتدع عن غيه ويكون ذلك حجة عليه وقد يكون انتقاماً منه في بعض الحالات .
    2-البلاء للمؤمن امتحان :
    الدنيا هي دار البلاء والامتحان والاختبار فالإنسان فيها يحتاج إلى تصفية وتهذيب بعد أن يمر بالكدورات والأوساخ الأخلاقية والعقائدية التي تعلق به جراء وجوده في هذه الدنيا فلا بد من تصفيته وتطهيره ودعوته إلى الله وليس ذلك أن الامتحان كما في الامتحانات الدنيوية من أن الأستاذ يجهل تلميذه فيمتحنه فالله أعلم به قبل أن يخلقه والامتحان هو الغربلة والتصفية والتطهير والتربية الأخلاقية والروحية وقد تعددت الروايات إلى أن المؤمن مبتلا وممتحن أكثر من غيره وأن ذلك من باب محبة الله له ولأن يقربه إليه أكثر فأكثر وإليك بعضها : 1-عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْقُمِّيِّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام فِي خَبَرٍ أَنَّهُ قَالَ : ( وَ إِنَّمَا يَبْتَلِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ )
    فأهل الدرجات العالية يمتحنون ويبتلون بأعظم من غيرهم وكل ما كبروا وعلوا اشتد بلاؤهم .
    2-عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو فِي خَبَرٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلْبَاقِرِ عليه السلام : وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ قَالَ عليه السلام : ( فَاتَّخِذِ الْبَلَاءَ جِلْبَاباً فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْرَعُ إِلَيْنَا وَ إِلَى شِيعَتِنَا مِنَ السَّيْلِ فِي الْوَادِي وَ بِنَا يُبْدَأُ الْبَلَاءُ ثُمَّ بِكُمْ وَ بِنَا يُبْدَأُ الرَّخَاءُ ثُمَّ بِكُمْ )
    لأن أهل البيت عليهم السلام معرضون إلى البلاء أكثر من غيرهم وكذلك من يحبهم ويتقرب إليهم ويواليهم فليستعد للبلاء وقد أثبت التاريخ أن الموالين لأهل البيت عليهم قد مروا بالبلاء والقتل والتشريد والسجن والظلم ما لم يمر به غيرهم .
    3-عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) قَالَ : ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ كَفَّتَيِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ لِيَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا خَطِيئَةَ لَهُ )
    4-جاء في صَحِيفَةُ الرِّضَا عليه السلام بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام : أَنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ عليه السلام : ( أَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْوَصِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ أَنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ فَمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ دِينُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ وَ أَنَّ الْبَلَاءَ أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ مِنَ الْمَطَرِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَجْعَلِ الدُّنْيَا ثَوَاباً لِمُؤْمِنٍ وَ لَا عُقُوبَةً لِكَافِرٍ )

    5-وَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : ( إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً فِي الْأَرْضِ مِنْ خَالِصِ عِبَادِهِ لَيْسَ يُنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ تُحْفَةً لِلدُّنْيَا إِلَّا صَرَفَهَا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهَا وَ لَا يُنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بَلَاءً لِلْآخِرَةِ إِلَّا صَرَفَهُ إِلَيْهِمْ وَ هُمْ شِيعَةُ عَلِيٍّ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ عليهم السلام )
    وهكذا نرى أنه لابد للمؤمن من البلاء حباً لله ليمحصه ويقربه إليه .

    3-البلاء للأنبياء درجات :
    جاء في الخبر الصحيح عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : ( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ )
    إن فلسفة البلاء والامتحان لا يدركها كل أحد من الناس فالبلاء والامتحان نعمة كبرى على الأنبياء والأولياء عليهم السلام بل وعلى المؤمنين المخلصين وهم يتلذذون به كما يتلذذون بالنعم وأكثر ويشتاقون إليه كما يشتاقون إلى النعم وإذا قرأنا تاريخ الأنبياء والأولياء والصالحين في القرآن الكريم لرأيناه مليءً بالبلاء والامتحان بل ولا أثنى المولى سبحانه على أحد من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد مروره بالامتحان ونجاحه فيه لأنه يقربه إلى الله ويكشف له عظيم الربوبية وحق العبودية وهذا كله للأنبياء إعلاء لدرجاتهم وأن هناك درجات لا تنال إلا بالبلاء والامتحان وعلى هذا فالأنبياء هم أشد الناس بلاء ثم الأقرب إليهم من الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل كل ذلك على قدر منازلهم وقربهم إلى الله .
    ولأجل تقريب هذا المعنى إلى الذهن أنقل هذا النص من كتاب مصباح الشريعة لأحد علمائنا المتقدمين وربما ينسب إلى الإمام الصادق عليه السلام يوضح فلسفة البلاء وأنه زينة للمؤمن وكرامة للعقلاء وعلى رأسهم الأولياء فقد جاء في مِصْبَاحُ الشَّرِيعَةِ ، قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام : ( الْبَلَاءُ زِينَةُ الْمُؤْمِنِ وَ كَرَامَةٌ لِمَنْ عَقَلَ لِأَنَّ فِي مُبَاشَرَتِهِ وَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ وَ الثَّبَاتِ عِنْدَهُ تَصْحِيحَ نِسْبَةِ الْإِيمَانِ . قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله : نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فَالْمُؤْمِنُ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الْبَلَاءِ تَحْتَ سِتْرِ حِفْظِ اللَّهِ لَهُ تَلَذَّذَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ تَلَذُّذِهِ بِالنِّعْمَةِ وَ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ إِذَا فَقَدَهُ لِأَنَّ تَحْتَ نِيرَانِ الْبَلَاءِ وَ الْمِحْنَةِ أَنْوَارَ النِّعْمَةِ وَ تَحْتَ أَنْوَارِ النِّعْمَةِ نِيرَانَ الْبَلَاءِ وَ الْمِحْنَةِ وَ قَدْ يَنْجُو مِنَ الْبَلَاءِ كَثِيرٌ وَ يَهْلِكُ فِي النِّعْمَةِ كَثِيرٌ وَ مَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ (ص) إِلَّا بَعْدَ ابْتِلَائِهِ وَ وَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ فِيهِ فَكَرَامَاتُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ نِهَايَاتٌ بِدَايَاتُهَا الْبَلَاءُ وَ بِدَايَاتُ نِهَايَاتِهَا الْبَلَاءُ وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ سَبِيكَةِ الْبَلْوَى جُعِلَ سِرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مُؤْنِسَ الْمُقَرَّبِينَ وَ دَلِيلَ الْقَاصِدِينَ وَ لَا خَيْرَ فِي عَبْدٍ شَكَا مِنْ مِحْنَةٍ يَقْدُمُهَا آلَافُ نِعْمَةٍ وَ اتَّبَعَهَا آلَافُ رَاحَةٍ وَ مَنْ لَا يَقْضِي حَقَّ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ حُرِمَ قَضَاءَ الشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ كَذَلِكَ مَنْ لَا يُؤَدِّي حَقَّ الشُّكْرِ فِي النَّعْمَاءِ يُحْرَمُ عَنْ قَضَاءِ الصَّبْرِ فِي الْبَلَاءِ وَ مَنْ حُرِمَهُمَا فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ )

    فهذا النص يجعل البلاء من أكبر النعم على البشر عامة بما فيهم الأنبياء والأولياء والذي يخرج منه يكون قائد الأمة لأنه قد صفي كما يصفى الذهب ( وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ سَبِيكَةِ الْبَلْوَى جُعِلَ سِرَاجَ الْمُؤْمِنِينَ وَ مُؤْنِسَ الْمُقَرَّبِينَ وَ دَلِيلَ الْقَاصِدِينَ ) ما أروع هذه الكلمة التي تجعل البلوى كالغلاف الذي يلف الإنسان وتشبهه بسبيكة الذهب وبعد ذلك يتبوء مقعد القيادة للأمة في مسيرتها إلى الله فيكون سراجا للمؤمنين يضيء لهم الدرب ومؤنس المقربين إلى الله ودليل القاصدين إلى الله وهذه هي مهمة الأنبياء والأئمة عليهم السلام .

    4-البلاء لِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةٌ :
    الأولياء يأتون في الدرجة بعد الأنبياء من حيث العظمة والمسؤولية وكذلك من حيث الامتحان والبلاء فهم شركاء معهم وهذه كرامة من الله إليهم وما ابتلاهم إلا لأجل محبته لهم وقد تضافرت الروايات على ذلك وإليك بعضها :

    1- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) الْبَلَاءُ وَ مَا يَخُصُّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمُؤْمِنَ فَقَالَ : ( سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله : مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا فَقَالَ : النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ وَ يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَ حُسْنِ أَعْمَالِهِ فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَ حَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَ مَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَ ضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ )
    2- عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ : ( أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ ثُمَّ الْأَمَاثِلُ فَالْأَمَاثِلُ )
    3- عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : ( إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِبَاداً فِي الْأَرْضِ مِنْ خَالِصِ عِبَادِهِ مَا يُنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ تُحْفَةً إِلَى الْأَرْضِ إِلَّا صَرَفَهَا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ وَ لَا بَلِيَّةً إِلَّا صَرَفَهَا إِلَيْهِمْ )
    4- عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عُلْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ : ( وَ عِنْدَهُ سَدِيرٌ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلَاءِ غَتّاً وَ إِنَّا وَ إِيَّاكُمْ يَا سَدِيرُ لَنُصْبِحُ بِهِ وَ نُمْسِي )
    5-عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلَاءِ غَتّاً وَ ثَجَّهُ بِالْبَلَاءِ ثَجّاً فَإِذَا دَعَاهُ قَالَ لَبَّيْكَ عَبْدِي لَئِنْ عَجَّلْتُ لَكَ مَا سَأَلْتَ إِنِّي عَلَى ذَلِكَ لَقَادِرٌ وَ لَئِنِ ادَّخَرْتُ لَكَ فَمَا ادَّخَرْتُ لَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ )
    غتّه : أي غطه في البلاء أدخله فيه مثل غطه وأدخله في الماء .
    ثجّه : أساله بمعنى والله العالم أنه خلطه مع البلاء .

    6- عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ : ( إِنَّمَا يُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ دِينِهِ أَوْ قَالَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ )
    الجزاء على قدر البلاء :
    لا إشكال أن الثواب والجزاء يختلف من شخص إلى آخر كما يختلف من عمل إلى عمل فكل ما يكون البلاء أعظم وأكبر فالثواب يكون أكثر فعَنْ زَيْدٍ الزَّرَّادِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) : ( إِنَّ عَظِيمَ الْبَلَاءِ يُكَافَأُ بِهِ عَظِيمُ الْجَزَاءِ فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً ابْتَلَاهُ بِعَظِيمِ الْبَلَاءِ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ الرِّضَا وَ مَنْ سَخِطَ الْبَلَاءَ فَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ السَّخَطُ )
    وعَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ : ( إِنَّ عَظِيمَ الْأَجْرِ لَمَعَ عَظِيمِ الْبَلَاءِ وَ مَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْماً إِلَّا ابْتَلَاهُمْ )

    والحاصل : أن البلاء والامتحان للأنبياء والأولياء والصالحين والمؤمنين إنما هو لمحبة الله إليهم فأتحفهم بهذه التحفة العظيمة التي لا يعلم قدرها إلا هم وكل ما اشتد البلاء زاد الأجر والثواب .
    وأنقل لكم ما تقدم في حديث لنا بعنوان ( الدعاء لرفع البلاء 2 ) وهو :
    الابتلاء والامتحان على قسمين وذلك لاختلاف حال الشخص :

    1- الابتلاء انتقام :
    قد يكون الابتلاء انتقاما ينتقم به المولى ممن تخلى عن وظيفته التي تخلى عنها وتعداها إلى الظلم والعدوان على الآخرين فمن عدل المولى سبحانه أن ينتقم من الظالم وأخذ حق المظلوم من ظالمه سواء كان عاجلا أم آجلا ، إن بعض الذنوب قد تعجل عقوبته كالظلم للآخرين وعقوق الوالدين وغيرهما وقد دلت على ذلك الآيات والروايات الصريحة منها : ما جاء في الصحيح عَنْ عَبَّادِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا عَصَانِي مَنْ عَرَفَنِي سَلَّطْتُ عَلَيْهِ مَنْ لَا يَعْرِفُنِي

    ومنها : ما عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِلَالٍ الشَّامِيِّ مَوْلًى لِأَبِي الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام قَالَ سَمِعْتُ الرِّضَا عليه السلام يَقُولُ كُلَّمَا أَحْدَثَ الْعِبَادُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ
    وكم يشاهد الإنسان أمام عينيه بعض الظلمة الذين عاثوا في الأرض فساداً انتقم الله منهم وأذلهم وأخزاهم في الدنيا قبل الآخرة ، كما فعل بالأمم السابقة .

    2- الابتلاء رحمة وإعلاء للدرجات :
    القسم الآخر من الابتلاء إنما يكون لأجل الاختبار وإعلاء الدرجات وتقوية الإيمان ؛ فإن الإنسان مهما كان مؤمناً ومطيعا لله فإنه يوجد لديه فراغ ومجال للتكامل والتقرب إلى الله أكثر فأكثر ، إن من أهم العوامل للتكامل الروحي هو الابتلاء والاختبار فإن الإنسان مهما كان غافلا عن الله والتوجه إليه فإنه عندما تحل به المصائب والمحن سوف يفيق من غفلته ويلتجئ إلى الله ويدعوه في النجاة والخلاص مما هو فيه بل نفس المحن والابتلاء هي في حد ذاتها تصفية وتطهير عن البعد عن الله وعن ما يحمله المذنب من نجاسات وقذرات الذنوب .

    قال العلامة المجلسي : والبلاء ما يختبر وما يمتحن من خير أو شر وأكثر ما يأتي ما يأتي مطلقاً الشر وأريد به الخير يأتي مقيداً كما قال تعالى { بَلاء حَسَناً } . وأصله المحنة والله تعالى يبتلي عبده بالصنع الجميل لمتحن شكره ، وبما يكره ليمتحن صبره ، يقال : بلاه الله بخير أو شر يبلوه بلواً وأبلاه وإبلاء وابتلاه ابتلاء ، بمعنى امتحنه والاسم البلاء مثل سلام ، والبلوى والبلية مثله .
    لذلك أكدت الروايات أن المؤمن كلما ازداد إيمانا ازداد ابتلاء وامتحانا ، وأن الله يتعاهد عبده المؤمن بالابتلاء كما يتعاهد رب البيت أهله بالفاكهة والطعام والشراب ، وأن الامتحان والابتلاء للمؤمن هو إعلاء لدرجاته و كلما ازدادت محبة الله لعبده ازداد ابتلاؤه إليه وقد تضافرت الروايات على ذلك .
    *************************
    مستدرك ‏الوسائل ج 2 ص 438 .
    مستدرك ‏الوسائل ج 2 ص 438 .
    مستدرك ‏الوسائل ج 2 ص 438 .
    مستدرك‏ الوسائل ج 2 ص 437 .
    مستدرك‏ الوسائل ج 2 ص 441 .
    مستدرك‏ الوسائل ج 2 ص 436 .
    الكافي ج 2 ص 252 .
    مستدرك‏ الوسائل ج 2 ص 440 .
    الكافي ج 2 ص 252 .
    الكافي ج 2 ص 253 .
    الكافي ج 2 ص 253 ، وسائل ‏الشيعة ج 3 ص 264 ح3597 .
    الكافي ج 2 ص 253 ، وسائل‏ الشيعة ج 3 ص 263 ح3594 .
    الكافي ج 2 ص 253 ، وسائل ‏الشيعة ج 3 ص 264 ح3598 .
    الكافي ج 2 ص 253 ، وسائل ‏الشيعة ج 3 ص 264 ح3599 .
    الكافي ج 2 ص 253 .
    الكافي ج 2 ص 252 ، وسائل ‏الشيعة ج 3 ص 263 ح3593 .
    الكافي ج 2 ص 276 ح 2432 .
    الكافي ج 2 ص 276 ح 2431 .
    مرآة العقول ج 9 ص 321 .



    همسات لأهل البلاء

    في الحياة الدنيا مصائب ورزايا.. ومحن وبلايا.. متاعب جمة.. وشدائد ملحة.. آلام تضيق بها النفوس.. ومزعجات تورث الجزع.. وخواطر وأفكار تجلب الهم والغم.. تضحك وتبكي.. تجمع وتشتت.. شدة ورخاء.. سراء وضراء

    ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونباو أخباركم
    محمد:31

    الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم أحسن عملا
    الملك:2

    وهكذا تغلب الأقدار من لدن حكيم عليم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى
    ولأجل التذكير بفرج الله ومشاركة لاخواننا المهمومين وبقصد التخفيف من آلام المنكوبين وبث روح التفاؤل والأمل في النفوس تأتي هذه الهمسات
    همسات لليائسين الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم
    همسات لمن غشيتهم نيّر الزمان ونوائب الدهر..
    همسات لمن أشتدت عليهم الغموم وحاصرتهم الهموم.. لا تيأسوا

    ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون
    يوسف:87

    آن أن تداووا الشك باليقين ومرارة الأسى بحلاوة الرضى.. آن أن تتبعوا منهج الله الذي لا منقذ غيره من الشقوة والعذاب والحيرة والاضطراب.. آن أن تتعبد القلوب باليقين بقدر الله القائل

    قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون
    التوبة: 51

    ما قُضي كان.. وما سُطر منتظر.. وكل شيء بسبب.. ولن يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن لخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه

    ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها
    الحديد:22



    إن وراء كل نجم يبزغ وكل برعم يترعرع.. قدر الله..
    إن وراء كل نبضة قلب وكل خلجة عين.. قدر الله..
    أن وراء كل حي يولد أو يموت في هذا الكون العريض.. قدر الله..
    ولولاه ما كان شيء ولا يكون.. فكل شيء بقضاء وقدر.. والكل في أم الكتاب مستطر والله لا يضع أمرا إلا في موضعه إنه حكيم عليم
    ما حدث مؤلم يحل إلا بحكمة الله لتتعزى النفوس وتظهر الحقائق ويميز الله الخبيث من الطيب يبتلي عباده المؤمنين ليستخرج عبوديتهم وذلهم وافتقارهم إليه إنه حكيم عليم




    إذا ألمّت بك الخطوب وتكالبت عليك الأيام وأحاطت بك دوائر الإبتلاء فاقطع العلائق بأسباب الأرض وفر إلى الله وارفع أكف الضراعة إليه وألق كنفك بين يديه فلعله يصادف أوقات النفحات وساعات الإجابة فالله قريب مجيب حيي كريم, كل يوم هو في شأن

    من الذي دعاه فما لباه؟
    من الذي سأله فما أعطاه؟
    من الذي لجاء اليه فما كفاه؟
    أما كفى إبراهيم الخليل وقد ألقى في النار
    أما أنجى يونس من لج البحار
    أما كشف الضر عن أيوب
    أما رد يوسف إلى أبيه يعقوب

    سبحانه لا إله إلا هو الصمد الغني عما سواه وكل ما سواه فقير محتاج إليه.. النواصي بيده والخلائق في تصرفه والمقادير في قبضته والأرزاق بيده ما كان لك أتاك على ضعفك, وما كان لغيرك لم تنله بقوتك, ورزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهية كاره, وما دام الأجل باقيا كان الرزق آتيا
    له الحكمة البالغة في عطائه ومنعه فهو سبحانه لم يمنع أحدا شيئا من الدنيا إلا لحكمة بالغة وتقدير سليم يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم
    إن الله إذا أحب عبدا حماه عن الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيه الماء
    وعن بعض السلف قوله: إن منع الله عبده من بعض محبوباته هو عطاء منه له لأن الله تعالى لم يمنعه منها بخلا وإنما منعه لطفا




    فيا أصحاب الحاجات.. أيها المرضى.. أيها الأيامى.. أيها المكروب والمظلوم.. لتعلموا أن ما أصابكم إنما تم بعلم الله وحكمته والعاقبة للمتقين فلا يأس ولا استسلام وإنما دفع لقدر الله بقدر الله وفرار من قدر الله إلى قدر الله مع ثقة بوعد الله وجزم بقرب الفرج من الله فإذا قضي الأمر ولم تنفع المدافعة وجب التسليم مع رجاء الخير العظيم

    لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم
    النور:11

    وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون
    صدق الله العلي العظيم



    كيف تواجه المصائب؟ بما أن البلاء واقع لا محالة، فلا بد لكل إنسان عاقل أن يستعد لمواجهته... باتباع الأمور التالية:
    1- أن تنظر إلى أهل المصائب والابتلاء من حولك
    فحتى تهون المصائب، على المرء أن يرى أن ما أصابه، أصاب غيره أيضاُ، بل أصابهم ما هو أشد... وما تخلو منهم مدينة ولا قرية ولا حي ولا عائلة إلا وعندها الكثير... أنظر حولك.
    فكم من فقير وهناك أفقر منه.
    وكم من مريض وهناك من هو أكثر مرضاً منه.
    وكم ممن يتأفف من ضيق منزله المؤلف من أربع غرف، وهناك من يسكن في ثلاث، بل إثنين، بل في غرفة واحدة... وكم ممن ينام عند قارعة الطريق في البرد القارس والمطر الغزير..
    وكم ممن يغضب من قلة التنوع في أصناف طعامه... وهناك من لا يجد خبزة يسد بها رمقه.
    وكم من ساخط لأنه رزق البنات دون البنين، أو البنين دون البنات... وهناك من رزق بهم، وفيهم المعوق والمشلول والمعتل و"المنغولي".
    وكم ممن أصيب بمرض قابل للعلاج أو الدواء أو العملية الجراحية أو المتابعة الطبية... وهو غاضب جزع، بالرغم من أنه يملك وسيلة للعلاج، من طبيب أو مال... وهناك من أصيب بمرض عضال، ولم ينفعه ماله ولا أحباؤه ولا جاهه ولا سلطانه.
    وكم ممن خسر بعض ماله في تجارة أو حريق أو سرقة، ويملك من فضل الله غيرها، وهناك من خسر كل ما يملك.
    وكم ممن يتأفف من مريض وحاجاته وطلباته... وهناك من مات عزيزه، وكان يتمنى بقاءه، ليخدمه ويستأنس بأنفاسه ووجوده...
    وعلى الجملة، يشكر ربه على أن لم يجعل البلاء أعظم مما وقع حيث أصيب أحدهم بقرحة في يده، فقال:
    الحمد لله على هذه النعمة، حيث لم يجعلها في عيني أو طرف لساني.
    وليشكر ربه على أن لم يجعل مصيبته في دينه.
    كان الصادق (ع) يقول عند المصيبة: "الحمد لله الذي لم يجعل مصيبتي في ديني، والحمد لله الذي لو شاء أن تكون مصيبتي أعظم مما كانت، والحمد لله على الأمر الذي شاء أن يكون وكان".
    وسئل أمير المؤمنين (ع): أي المصائب أشد؟
    قال (ع):
    "المصيبة بالدين".
    وكان أحد الصالحين يشكر الله أربع مرات، إذا أصيب بمصيبة:
    أ- لأنها لم تكن أعظم مما هي.
    ب- ولأنه رزق الصبر عليها.
    ج- ولأنه تذكر وانتظر أجرها وثوابها.
    د- ولأنها لم تكن مصيبة في الدين، كترك الصلاة أو ركوب الحرام أو إهمال واجب...
    والخلاصة:
    أن المبتلين من حولنا كثر، وتتعدد الدرجات والأشكال... ومن شاهد عظيم مصائب غيره، هانت عليه مصائبه.
    ومن تأسى بأهل المصائب والبلاء شعر براحة عظيمة فورية، والتجربة خير برهان.
    2- تذكر أن الله عز وجل عادل لا يظلم
    فمن أركان الدين، الإيمان أن الله سبحانه لا يظلم عباده، وإن ظن ذلك بعض ضعاف الإيمان، أو من استحوذ عليهم الشيطان، نتيجة لما يرونه من اختلاف بين البشر، في المال والعمر والصحة والأمن...
    والحقيقة هي:
    ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾.
    صحيح أن هناك تفاوت في الأرزاق، فهذا غني وهذا فقير، وصحيح أن ذاك يموت شاباً أو طفلاً، وغيره يموت شيخاً أو كهلاً، وصحييح أن البعض يفتك فيه المرض، وغيره ينعم بالصحة والعافية... لكن سنة الحياة ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا، ولكن قست قلوبهم﴾.
    إلا أن العدالة الإلهية شملت الجميع برحمة الله، ولو آمنوا واتقوا، لتغيرت الأرض غير الأرض.
    ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾.
    ولله أعلم بأسرار العباد، وما يضرهم وما ينفعهم، وينطبق عليهم قوله تعالى:
    ﴿ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون﴾.
    ومن عدل الله عز وجل، أنه لولا المحن والمصائب، لأصاب العبد التكبر والتجبر والغرور والعجب والفرعنة... فيخسر آخرته، وذلك هو الخسران المبين.
    فتأتي الابتلاءات متفقدة ومذكرة ومنبهة... وموقظة له من غفلة الدنيا.
    قيل:
    قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت
    ويبتلي الله بعض القوم بالنعم فالله جل جلاله جعل قوانين وقواعد لهذه الدنيا التي نعيش... ومن جملتها، وقوع بعض الأشياء أو تأخيرها أو تعجيلها... بفضل العدالة الإلهية المباركة.
    وهذه جميعها مرتبطة بالسلوك والعقيدة والحلال والحرام والخلق... وإن جهل كثير من الناس ذلك.
    قال الله جل جلاله:
    ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا، لعلهم يرجعون﴾.
    فمن الأمور التي تزيد في الرزق مثلاً:
    حسن الخلق، إطعام الطعام، مواساة الاخوان، أداء الأمانة، بر أهل بيته، الدعاء للإخوان بظهر الغيب، البقاء على طهارة (على وضوء)، كثرة الصدقة، حسن النية، الزواج...
    وبالمقابل، من الأمور التي تمحق الرزق:
    إقتراف الذنوب، منع المسلم عن حقه، أكل مال السحت (المال الحرام)... وترك تأديب الناشئة والأولاد على ترك المعصية، فإن الله عز وجل أول ما يعاقبهم فيه، أن ينقص من أرزاقهم.
    ومن الأمور التي جعلها الله تعالى لزيادة العمر:
    كثرة الطهور (الوضوء)، حسن النية، إجتناب الحرام، إدخال السرور على الوالدين، صلة الرحم، البر، الصدقة.
    روي عن مولانا الصادق (ع):
    "يعيش الناس بإحسانهم، أكثر مما يعيشون بأعمارهم، ويموتون بذنوبهم، أكثرمما يموتون بآجالهم".
    فمن تفهم هذه الأمور، وغيرها كثير، من السنن والنواميس، عرف عدل الله عز وجل، في العمر والرزق والمرض... "فالمصائب بالسوية مقسومة بين البرية".
    "وما بلغ عبد حقيقة الإيمان، حتى يعلم أن ما أصابه، لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه".
    3-تذكر عند وقوع المصائب، أن الله رحيم رؤوف
    فرحمة الله وسعت كل شيء، وأنت شيء بسيط من هذه الأشياء، التي لا ينساها الله عز وجل.
    فنعمة البصر التي تتنعم بها بالنظر إلى هذه الكلمات، من الله جل شأنه.
    ونعمة اليد التي تمسك بها هذا الكتاب، من الله سبحانه.
    وقلبك الذي يتحرك في الليل والنهار، منذ ولدت، وحتى هذه الساعة... إنما يتحرك برحمة الله.
    والدم الذي يجري في عروقك، ليصل كل أعضائك، هو من فضل الله ورحمته...
    وهل تحيا لو توقف كبدك أو كلوتك عن العمل؟
    فالله جل جلاله الذي أنعم عليك بكل هذه النعم، وعلى كل البشر في العالم، وعبر التاريخ... أليس هو رحمان رحيم ورؤوف وودود ولطيف؟
    ترى:
    هل نسي النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء؟
    هل نسي السمكة في البحار؟
    هل نسي الطير في الصحاري والقفار؟
    هل نسي الجنين في بطن أمه؟
    فكيف ينساك وهو أرحم الراحمين؟
    وهناك أمور تكون سبباً في نزول الرحمة الإلهية، منها:
    أ- الطاعة: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾.
    ب- واتباع الكتاب والتقوى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون﴾.
    ج- وإقامة الصلاة... ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون﴾.
    د- والاستغفار ﴿لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون﴾.
    ومن رحمة الله تعالى شأنه، أنه يبعث ملكاً إلى أهل الميت ينسيهم لوعة الحزن.
    ولولا ذلك لهلك الناس من فرط أسفهم.
    روي عن الإمام الصادق (ع):
    "إن الميت إذا مات، بعث الله ملكاً إلى أوجع أهله، فمسح على قلبه، فأنساه لوعة الحزن، ولولا ذلك لم تعمر الدنيا".
    4- عليك أن تعتاد كتمان المصائب
    وهذه العادة ينبغي أن تكون ملكة عندك، أي عادة راسخة، بحيث تتحدث بالنعم والخير ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾... لا كما يفعل بعض الناس الذين بمجرد أن تسألهم عن حالهم يشكون ويندبون.
    لذا ورد عن النبي (ص) أنه من البر كتمان المصائب، والأمراض، والصدقة (إلا في بعض الحالات حيث لا يمكن الكتمان، أو لا بد من الإظهار، كإعلام الناس بموت فلان ليؤجروا في تشييعه، أو إعلامهم بمرضه لإرشاده إلى الدواء).
    والكتمان هنا، سر من أسرار الرضا بقضاء الله وقدره، الذي يؤدي إلى الانشراح والراحة، على قاعدة:
    ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾.
    من هنا، كان بعض أهل الطاعات، يضمرون ما يصيبهم حتى يظهر من تلقاء نفسه... وكانوا يكتفون بإطلاع الله جل شأنه على حالهم وما وقع بهم.
    فمن تعظيم الله وإجلاله ترك الشكوى والتململ والتأفف من المصائب.
    والقدوة في ذلك، سيدنا يعقوب (ع)، حيث لم يناف بكاؤه صبره(ما دام البكاء غير مقرون بكلام حرام) حيث قال الله سبحانه عنه:
    ﴿إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ أي الشكوى للخالق سبحانه، وليس للمخلوق.
    ووصف الله صبره قبل ذلك بقوله:
    ﴿فصبر جميل﴾ والصبر الجميل هو الذي ليس فيه شكوى للناس.
    اللهم ارزقنا إياه.
    لما مات إبراهيم ابن النبي (ص) بكى عليه، حتى جرت دموعه على لحيته، فقيل له: يا رسول الله، تنهى عن البكاء ثم تبكي؟!
    فقال (ص):
    " ليس هذا بكاء، وإنما هي رحمة، ومن لا يرحم، لا يرحم".
    فالبكاء لا ينافي الرضا، ولا يوجب السخط، لأن القلب مطمئن بالإيمان، ومستقر على قبول مشيئة الله تعالى.
    وما بكاء الأنبياء والأئمة (ع) على أبنائهم وأحبائهم إلا أمر طبيعي ما دام لم يقترن بالسخط.
    * * * وكيف يحق للعبد أن يتأفف من مصيبة نازلة به، وهو محاط بشتى أنواع النعم في صحته وعافيته ورزقه... وبأعظم نعمة، وهي التي لا تتم النعم إلا بها: نعمة الإسلام؟!
    ولا يخلو إنسان من عافية ليرى كيف شكره، أو من بلية ليرى كيف صبره... فلم يظهر ابن آدم دائماً بليته ولا يظهر عافيته؟
    ثم، أليس أكثر المصائب لها وقت محدود ثم تمضي وتنسى (ويبقى أجر من صبر فيها)، أما النعم التي يعجز صاحبها عن عدها، فإنها تستمر وتقيم؟
    نقل عن أحد الأنبياء أنه قال: يا رب، أخبرني ما أدنى نعمك علي، فأوحى الله عز وجل إليه:
    يا فلان، تنفس... فتنفس، فقال الله تعالى: هذا أدنى نعمي عليك.
    وورد في النصوص الكثيرة، أن الأوجاع والأسقام تغسل من الذنوب، وأنها كفارة الخطايا، وعلى هذا الأساس، والهدي النبوي، يكون البلاء نعمة... فلم الشكوى؟
    اللهم لا نسألك حملاً خفيفاً، ولكن ظهراً قوياً.
    وقد ذكر أن المريض (المبتلى بالمرض)، يستجاب دعاؤه، ويرفع عنه القلم، ويكتب له الأجر، ويذهب مرضه بذنوبه:
    فإن عاش، عاش مغفوراً له طاهراً نقياً... وإن مات، مات مغفوراً له طاهراً نقياً، وكلاهما خير.
    فلم الشكوى من المرض؟ ولمن؟ للمخلوق الذي لا يضر ولا ينفع... وقد ينزل به أشد مما نزل بك.
    والعجب ممن يشكو الله إلى الناس، فهذا، ما عرف ربه الحنان المنان الغفور الرحيم، وما عرف الناس وضعفهم وعجزهم عن معالجة أمراضهم وابتلاءاتهم وما نزل بهم...
    وهذا الجاهل حقاً، لربه وللخلق ولحق نفسه.
    ولا بأس للمبتلى من البكاء... لكن لا أن يصل إلى حد التسخط والعويل وتمزيق الثياب وتكسير الأشياء وأذية الناس.
    5- التأسي بقصص الصالحين عندما نزلت بهم المصائب
    من الأمور الهامة في مواجهة المصائب، أن يكون لكل إنسان ( تقدم معنا أن البلاء لا يترك أحداً قط) مخزوناً مما أصاب الأنبياء والأولياء والتابعين والصالحين والعلماء والعابدين... يعرفه ويستحضره دوماً، إذا نزل به ما يسوؤه.
    قال الله عز وجل:
    ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب﴾.
    وعن رسول الله (ص) أنه قال:
    "كان الرجل قبلكم يؤخذ فيحفر له الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيشق بإثنين، ما يصده عن دينه".
    فعلينا أن نتذكر تضحيات أهل الإيمان من الذين سبقوا.
    وهل أوذي نبي كما أوذي حبيبنا، وخير خلق الله، وسيد البشر، محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟
    والملاحظ أن ما يصيب الناس اليوم من خوف، ما هو إلا لأنهم تركوا التأسي بأهل الأسوة، وقلدوا الكفار وما يرون من أفلامهم وما فيها من جزع وجبن وسخط وغضب وقلة أدب في التعامل مع الخالق جل وعلا.
    قدوتنا آدم (ع) وما عانى من محن، ونوح وابتلاءاته، وإبراهيم يعرض على النار ويقدم ولده، ويعقوب يبكي حتى يذهب بصره، وموسى يحرب فرعون، وعيسى يقارع اليهود، ومحمد (ص) يعاني ما يعاني... فيصبرون على ما يقع عليهم من أحداث مؤلمة ومفتنة...
    وهكذا نحن نطلع على سيرهم ومواقفهم لنمتثل بها.
    * لما توفي ابن رسول الله (ص)، وكان اسمه الطاهر، بكت أمه خديجة رضوان الله عليها، فقال لها النبي (ص) مواسياً لها:
    "أما ترضين أن تجديه قائماً لك على باب الجنة؟ فإذا رآك أخذ بيدك، فأدخلك الجنة، أطهرها مكاناً، وأطيبها".
    فسألته مستفهمة عن ذلك، فتابع قائلاً:
    "الله أعز وأكرم من أن يسلب عبداً ثمرة فؤاده، فيصبر، ويحتسب، ويحمد الله، ثم يعذبه".
    * عندما توفي اسماعيل، بن المفضل، بعث الإمام الصادق (ع) ابنه الإمام الكاظم (ع) للتعزية والمواساة.
    وكان ذلك بعد وفاة اسماعيل بن الإمام الصادق (ع)... فأوصاه قائلاً:
    " أقرئ المفضل السلام، وقل له، إنا أصبنا بإسماعيل فصبرنا، فاصبر كما صبرنا، إنا إذا أردنا أمراً، وأراد الله أمراً سلمناه لأمر الله".
    *إشتكى أبو صالح من رجله، فعلم الإمام الصادق (ع) ودعاه إلى منزله، فلما جاءه وأجلسه ووضع يده عليه ودعا له، قال (ع):
    "إن الله إذا أحب عبداً، وكل به ملكاً يبتليه، لكي يدعو فيسمع صوته، وإذا أبغض عبداً، وكل به ملكاً فيقول لا تبتليه بشيء، فأنا أكره أن يدعو وأن يسألني".
    * وكان امرأة صالحة من العابدات، تصاب بالمصائب، فلا تجزع وتنهار، فسئلت عن ذلك، فقالت:
    ما أصبت بمصيبة إلا وذكرت النار وغضب الجبار... فصارت المصيبة في عيني أصغر من الذباب.
    * وقطعت رجل صالح بعد أن فتك بها المرض، فقال:
    الحمد لله، هو أعطى الأمانة، وهو أخذها، الحمد لله، لم أستعملها إلا في طاعة.
    * وأصيب رجل بالعمى، وشلل في نصف جسده... وسمع يقول:
    الحمد لله على نعمه، ما لي إليه من حاجة، إلا أن يتوفاني على الإسلام.
    * وشوهد رجل مقعد ضرير يصلي من جلوس، فرآه من كان عرفه في أيام العافية والقوة، فبكى عليه... فقال الرجل: ما يبكيك؟!
    قال: ما نزل بك.
    قال الرجل المبتلى: ألست على الإيمان والتوحيد؟ يكفيني ذلك حتى ألقى وجه الله المنان فالحمد لله على أعظم النعم وأجلها... الحمد لله الذي فضلني على كثير من خلقه بالإسلام.
    * وأصيبت امرأة عابدة في بعض مالها، وخسرت دابتها، فجاء من يعزيها، فقالت:
    لولا المصائب لفجعنا بخطايانا ولأرهقتنا ذنوبنا.
    * وفقد رجل عزيزاً، فقال:
    لئن ساءني دهر، سرني دهر
    وإن مسني عسر، فقد مسني يسر
    لكل من الأيام عندي عادة
    فإن ساءني صبر، وإن سرني شكر
    * وخسر رجل مالاً كثيراً، فصبر... وعندما سئل عن ذلك، قال:
    ما عوضت من الصبر، أعظم مما انتزعت من مال.
    * وعرف عن رجل من العابدين كثرة مال وخدم... وكان مصلياً في أول الوقت، ذاكراً لله عز وجل، كريماً... ومما كان يقوله:
    كل نعمة لا تقرب من الله عز وجل، فهي بلية.
    * وأصاب حريق قمح رجل وزيتونه وما زرعه... فخسر كل موسمه، وشوهد باكياً... ثم قال لأهله:
    والله ما عليه أبكي، لكني تذكرت قول ربي:
    ﴿كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم، فأهلكته﴾.
    فخشيت أن أكون ممن قصدهم الآية.
    * ومات رجل من أهل الغفلة والغرور... فقال من عرفه متعظاً، وواعظاً:
    رب مغتر بها قد رأينا
    نفسه فوق رقاب الرجال
    * وقطعت رِجل رَجل بعد أن فتك بها المرض، فقال لمواسيه:
    الحمد لله على نعمه، الحمد لله، لقد أبقى الله أكثري، أبقى عقلي ولساني وبصري ويداي وإحدى رجلاي.
    * ومات شاب في حادث سيارة مفاجئ، فقال والده أثناء تشييعه:
    رضيت بمشيئة الله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
    (حصلت هذه الحادثة أمامي).
    ولا أدري ماذا يفعل، من كان له ولد وحيد أو بنت وحيدة، ويخاف عليه خوفاً مرضياً... ماذا يفعل إذا نزل به مرض أو سوء أو موت، ولم يتأهب لتلك اللحظة بصبر واحتساب؟!
    * ومر حكيم في الريف، فرأى رجلاً قد ذهبت عيناه ورجلاه، وهو يقول:
    الحمد لله على نعمه عليّ، الحمد لله الذي فضلني على كثير من خلقه.
    فاقترب الحكيم من الرجل متعجباً مستفسراً عن حمده على الرغم من كثير بلائه...
    فقال المبتلى:
    عاملت ربي بما يكره، وعاملني بما أحب... ولم يرسل ناراً تحرقني، ولم ينسف الجبال فوق رأسي، ولم يأمر الجبال فتبتلعني، وفسح في أجلي، ليزداد عملي، فمازلت أحمده، وأحمده على الحمد، وأشكره على الشكر... وإني من المقصرين.
    ثم صمت، وقال:
    فخرجت أطلبها بين تلك التلال، ابتغاء وجه الله الكريم في قضاء حاجة هذا الرجل الصالح... فإذا السبع قد أكلها، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أخبره بموت ابنته؟ فأتيته وقلت له:
    أنت أعظم عند الله منزلة، أم أيوب (ع)؟ حيث ابتلاه الله في ولده وأهله وماله وبدنه.
    قال: لا بل أيوب (ع).
    قلت: ابنتك أكلها السبع.
    قال: لا بل أيوب (ع).
    قلت: ابنتك أكلها السبع.
    قال: الحمد لله حمداً كثيراً، أن لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء... ثم مات.
    * وابتلي مؤمن بإشاعات وتهم الناس... فكان يكثر القول:
    ﴿ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك﴾.
    الحمد لله الذي جعل لي ما جعل للرسل.
    * وإلتزم رجل بدين الإسلام بعد أن كان نصرانياً... فقيل عنه أنه غبي مجنون، فكان يردد:
    ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾.
    * وكان أحدهم يكثر الاسترجاع (يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون) في كل صغيرة وكبيرة تؤذيه. (كوجع الضرس، والجرح البسيط، والكدمة، والصداع، وثقب في الثوب، وضياع الآنية، والسرقة، و"الفكش" في اليد والرجل...).
    * وشكا رجل ضيق حاله ومعاشه... فقال له عالم حكيم:
    أتبيع بصرك بمئة ألف؟
    قال: لا.
    قال الحكيم: أتبيع سمعك بمئة ألف؟
    قال: لا.
    قال الحكيم: فأنت الغني بما لا يباع بثمن.
    * وخسر رجل بعض عقاره وماله... وبقي مع أولاده على الإيمان والإلتزام... فسمع يقول:
    من كل شيء إذا ضيعته عوض
    وما من الله إن ضيعته عوض
    * ونعي إلى والد ولده، فاسترجع (قال: إنا لله، وإنا إليه راجعون) وتابع:
    عورة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجر ساقه الله..." ثم نزل وصلى ركعتين... وقال:
    قد فعلنا ما أمرنا الله عز وجل في قوله: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾.
    * وأصيبت زاهدة في ولدها، فصبرت واحتسبت... وعندما سئلت عن ذلك، قالت:
    قد بشرني الله بالصلاة علي، وبالرحمة والهداية... وتكفيني واحدة للفوز بالجنة (إشارة لقوله سبحانه ﴿وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا، إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون﴾).
    * وعزي رجل على مصيبة نالته، فأشار إلى الآية الكريمة بقوله:
    وعدني ربي على صبري ثلاث خصال، كل واحدة منها، خير من الدنيا وما عليها.
    (إشارة إلى الآية الكريمة التي مرت قبل ثلاثة أسطر).
    * وتسلى (تعزى) أحد الحكماء عند موت ابنه، فقال:
    قد مات كل نبي وعالم وحبيب.
    من لم يصب ممن ترى بمصيبة؟!
    هذا سبيل لست عنه بأوحد
    وإذا ذكرت مصيبة تسلو بها
    فاذكر مصابك بالنبي محمد
    * وأخبرت امرأة بموت ابنها عقيل، وكان قد نزل عندها ضيوف، فقالت لهم: عزوني بشيء من كتاب ربي.
    فتلى أحدهم :﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا، إنا لله وإنا إليه راجعون...﴾.
    فقامت وصلت ركعتين، ثم استرجعت قائلة: "إنا لله وإنا إليه راجعون" عند الله أحتسب عقيلاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني، فأنجز لي ما وعدتني.
    6- لا تنسى أن البلاء تذكرة وأدب ونجاة
    روي عن رسول الله (ص):
    "لولا ثلاث في ابن آدم، ما طأطأ رأسه شيء:
    المرض، والموت، والفقر، وكلهن فيه، وإنه لمعهن لوثاب".
    فكل إنسان له قابلية للتجبر والتفرعن والبطش، وهذا ما نراه حولنا كثيراً، خاصة عند من أعطي جاهاً أو مالاً... إلا ما رحم ربي.
    قال الله عز وجل:
    ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين، ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون﴾.
    فيأتي البلاء من مرض أو فقر... كتذكرة لصاحبه، بل إيقاظ لنفسه، بل قيام من سباته، فهو دواء لحالات الطغيان والبغي، فكم من الناس ﴿لو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون﴾.
    ومن رحمة الله إبتلاء الإنسان ليعود إلى رشده، ويتذكر أنه عبد وليس إله، وأنه ضعيف وليس مخلداً في الأرض يفعل ما يشاء.
    ولنتصور إنساناً ساقته الأحداث والأسباب فأصبح آمراً ناهياً، موزعاً للأموال، يعطي من يشاء، ويمنع عمن يشاء، مؤيداً بسلطة عسكرية، مهاباً يخافه الناس (والأمثلة حولنا كثيرة).
    كيف سوف يكون إيمانه وقلبه ودينه وتقواه؟
    هذا إذا بقي منها شيئاً.
    ونرى نماذج كثيرة أفسدتها عضوية في بلدية قرية صغيرة، أو مسؤولية متواضعة في جمعية مغمورة، أو وظيفة في شركة ما، أو مال يذهب بين ليلة وضحاها.
    وكم خسرنا من أعزاء ومؤمنين نتيجة هذه الابتلاءات.
    فالبعض لا يقبل الموعظة، وبعضهم يضع الحكم الشرعي وراءه، وهو الذي كان يبشر به من أمسه (قبل المنصب أو الغنى)، وبعضهم يفسد في الأرض كأنه نسي الذين من قبله وقد ماتوا قبل أن يصبح مكانهم.
    فدواء هؤلاء، الإبتلاء، لتعود عافية الإيمان إليهم، وصحة التواضع عليهم، وليستشعروا العبودية الحقة.
    فيخضعوا رغم أنوفهم الشامخة للمرض وأنواعه، والفقر وأصنافه، والموت وأهواله.
    ومما لا شك فيه، أن المصائب على نحو الإجمال تقرب من الله جل شأنه... فكيف بمن أحاطت به الأوهام، وغرق في الأحلام، ونسي يوم القيامة؟
    فكم مما يظن أنه شراب، فإذا به سراب.
    وكم من عمارات شامخات، فإذا هي خراب.
    وكم من مال كثير وجاه وفير، فإذا به إلى ذهاب.
    وهل من نبي حبيب نجى من بلاء أو امتحان قريب؟
    هذه هي الدنيا، من خاضها لا يخلو من بلاء:
    طبعت على كدر، وأنت تريدها
    صفواً من الأقذاء والأكدار!
    وفي شأن الإيقاظ من الغفلة، روي عن علي (ع):
    " إذا رأيت الله سبحانه يتابع عليك البلاء فقد أيقظك".
    ومن فضل الله على إيمان المؤمن، ومن حرصه عز وجل على تقواه وآخرته، جعل له تذكرة متواصلة، رحمة به لا تتأخر عنه أكثر من أربعين يوماً.
    روي عن الإمام الصادق(ع):
    "ما من مؤمن إلا وهو يذكر في كل أربعين يوماً ببلاء، إما في ماله، أو في ولده، أو في نفسه، فيؤجر عليه، أو هم لا يدري من أين هو".
    وعن الإمام العسكري (ع):
    " ربما كان الغير (تغير الأحوال وتلاحق الأحداث والوقائع) نوع من أدب الله".
    وفي نص صريح وجلي عن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) يقول:
    "إن الله يبتلي عباده عن الأعمال السيئة، بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات:
    ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكر متذكر، ويزدجر مزدجر".
    وورد عنه (ع)، نص في بحار الأنوار، يستحق التأمل والشكر...
    " إن البلاء للظالم أدب،
    وللمؤمن امتحان،
    وللأنبياء درجة،
    وللأولياء كرامة".
    ومن أسرار البلاء التي يجهلها كثير من الناس، أنه يكون حتى لا يتعلق المؤمن بالدنيا، ويستكين إليها، بل يبغضها ويتقرف منها ويتوجه للآخرة.
    وفي هذا، يروى أنه جبرائيل (ع) جاء إلى رسول الله(ص)، فقال:
    " الحق يقرئك السلام، ويقول لك: إني أوحيت إلى الدنيا أن تمرري (من المر)، وتكدري، وتضيقي، وتشددي على أوليائي حتى يحبوا لقائي، وتيسري وتسهلي تطيبي لأعدائي حتى يبغضوا لقائي، فإني جعلت الدنيا سجناً لأوليائي، وجنة لأعدائي".
    ولا ننسى على كل حال أن شدة البلاء إيذان بقرب الفرج.
    روي عن علي (ع):
    " عند تناهي البلاء يكون الفرج".
    7- عليك إنتظار البلاء والإستعداد له
    بعد أن أصبح مسلماً أن البلاء آت لا محالة على كل البشر، كان لا بد من الاستعداد له، بحوافز التسليم والرضا.
    رأى الصادق(ع) رجلاً قد اشتد جزعه عند موت ولده فقال (ع):
    "يل هذا، جزعت للمصيبة الصغرى، وغفلت عن المصيبة الكبرى، لو كنت لما صار إليه ولدك مستعداً، لما اشتد عليه جزعك.
    فمصابك بتركك الاستعداد، أعظم من مصابك بولدك".
    وتنبغي الإشارة، إلى أن الاستعداد لتلقي المصائب والبلايا، لا يكون عند وقوعها، حيث تضطرب النفس ويتشتت الذهن، بل تكون بمسلك إيماني ومفاهيم مستقرة في معنى الدنيا والآخرة والقضاء والقدر وسنن الحياة في المصيبة والبلاء والرزق..
    وهذا لا يتحقق إلا بالرجوع إلى الأحاديث الشريفة المروية عن أنبياء الله وأوليائه (ع)، لأن "البلاء أسرع إلى المؤمن التقي من المطر إلى قرار الأرض".
    وعندما سئل الإمام أبو جعفر الباقر (ع): هل يبتلي الله المؤمن؟
    قال (ع):
    "وهل يبتلى إلا المؤمن".
    وفي النص الشريف عن الإمام الكاظم (ع):
    "مثل المؤمن كمثل كفتي الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه، ليلقى الله عز وجل ولا خطيئة له".
    وعلى كل مؤمن أن يعلم، أنه يبتلى على قدر أعماله الحسنة، فمن حسن دينه وحسن عمله إشتد بلاؤه... ومن ضعف دينه وضعف عمله قل بلاؤه.
    8- عليك أن تسلم الأمر لله تعالى وترضى بقضائه
    وهذا من الأمور الأساسية في حياة المؤمن، ولا تتعلق بمواجهة المصائب والفواجع... إنما ترتبط في أصل نظرته للحياة والأرزاق والأعمار والأحداث والمفاجآت والزواج والأولاد والكوارث والموت والقرب والبعد والإلفة والمحبة بين الناس.
    فما من طائر يطير بجناحيه، ومامن ورقة تسقط من شجرة، وما من موجة تتحرك في البحر، ومامن نسمة تعبر الوديان، وما من نملة تدب، وما من حية تسعى، وما من أهداب عين تلتقي، وما من رجل تنتقل، وما من يد ترفع، وما من زرع ينبت، وما من نفس تقبض، وما من مولود يولد، وما من ديك يصيح... إلا بقضاء الله، وعلمه، ورحمته.
    فما عليك إلا التسليم والرضا.
    سئل الرضا عن كنز اليتيم مما كان؟
    فقال (ع):
    " كان لوحاً من ذهب فيه:
    بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يركن إليها.
    وينبغي لمن عقل عن الله، أن لا يستبطئه في رزقه، ولا يتهمه في قضائه".
    وعن أبي عبد الله (ع):
    " عجبت للمؤمن، إن الله لا يقضي له بقضاء، إلا كان خيراً له:
    إن أغناه كان خيراً له،
    وإن إبتلاه كان خيراً له،
    وإن ملكه ما بين المشرق والمغرب كان خيراً له،
    وإن قرض بالمقارض كان خيراً له،
    وفي قضاء الله للمؤمن كل خير".
    وعنه (ع):
    "لأحب الرجل إذا جاء أمر يكرهه أن ل يرى ذلك في وجهه، وإذا جاء ما يسره أن لا يرى ذلك في وجهه".
    وكفى، أن الرضا بقضاء الله وقدره أعلى درجات أهل الإيمان.
    ورد عن الرضا (ع) قوله:
    " الرضا بمكروه القضاء، من أعلى درجات اليقين".
    وذلك لأنه تسليم كامل لما أراد الله تبارك وتعالى.
    وعن الحسن (ع):
    "... كيف يكون المؤمن مؤمناً، وهو يسخط قسمه، ويحقر منزلته، والحاكم عليه الله".
    وخلاصة القول:
    "الرضا ثمرة اليقين".
    فمن رزق الرضا، فاز براحة البال، واستقرار الحال، وطال عمره، وبعد مرضه، وهنأت معيشته... لأنه سعيد بكل ما جعل الله له، من مال أو ولد أو عمر...
    والملاحظ أن أهل الرضا واليقين عبر التاريخ، هم أوزن الناس وأهنأهم وأسعدهم... مهما كانت حياتهم الدنيوية، وأحوالهم الظاهرية.
    والنصوص الكثيرة في هذا المجال، توضح الأمور جلياً.
    ورد عن علي أمير المؤمنين (ع):
    " من رضي من الله بما قسم له، استراح بدنه".
    فالرضا ينفي الحزن، ويورث الراحة، ويجعل العيش هنياً.
    أما من لم يرض بالقضاء، نعوذ بالله سبحانه، فقد دخل الكفر دينه.
    وأوحى الله، تعالى شأنه، إلى سيدنا داود (ع):
    "تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد،
    فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد،
    وإن لم تسلم لما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد".
    ومن أدب الرضا وعلاماته، أن لا يقول المرء على شيء فاته "لو"، لأنها تورث الحسرة والندامة، فتكون فرصة لولوج الشيطان.
    ولم يكن رسول الله (ص) يقول لشيء قد مضى: لو كان غيره.
    وكان الإمام الباقر (ع) يقول:
    " ما أبالي، أصبحت فقيراً أو مرضاً، أو غنياً...لأن الله يقول:
    لا أفعل بالمؤمن إلا ما خير له".
    9-سبحان من يقتل أبناءنا ونزداد له حباً!!!
    ومن آثار التسليم لأمر الله عز وجل في سلوكيات المتدين المتوكل على الله عز وجل، أنه يرضى بما جعل الله له، ولو كان على خلاف رغبته... أو كان ذلك فقد عزيز.
    لأن "رأس طاعة الله، الرضا بما صنع الله، فيما أحب العبد وفيما كره...".
    ومن الأحبة الذين يعز فقدهم الأولاد... فكيف واجه أهل الطاعة ذلك؟
    فقد كان للإمام الصادق (ع) ابن، فبينما هو يمشي ويلعب بين يديه، إذ غص ومات، فبكى الإمام (ع) بكاء الراضي بما أصابه، وقال:
    "لئن أخذت لقد بقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت".
    ثم دخل على النساء، فلما رأينه صرخن، فأقسم عليهن أن لا يصرخن، فلما أخرجه للدفن، قال كلمة، يجب أن تكتب بماء الذهب، قال (ع):
    " سبحان من يقتل أولادنا، ولا نزداد له إلا حباً".
    فلما دفنه قال وهو مطمئن البال:
    "يا بني، وسع الله في ضريحك، وجمع بينك وبين نبيك".
    ولما توفي ابنه اسماعيل، طلب قميصاً جديداً، فلبسه، ثم سرح شعره، وخرج إلى الناس كعادته، يأمر وينهى ويدعو إلى ربه، فقال له بعض الناس:
    لقد ظننا أننا لا ننتفع بك زماناً نتيجة إصابتك بإبنك... فقال (ع):
    "إنا أهل البيت نجزع ما لم تنزل المصيبة، وإذا نزلت صبرنا".
    10- تذكر أن بلاء الدنيا مغفرة للذنوب
    وعلى المبتلى أن يستحضر دائماً، أن الله سبحانه لا يبتليه في الدنيا ببلاء إلا ليخفف عنه في آخرته... وقد يكون البلاء كفارة لكل الذنوب، كما ورد في العديد من النصوص المقدسة.
    وهذا إكرام من الله الرؤوف الرحيم بعبده.
    "فالله تبارك وتعالى، إذا كان من أمره أن يكرم عبداً وله عنده ذنب، إبتلاه بالسقم (المرض)، فإن لم يفعل فبالحاجة، فإن لم يفعل شدد عليه الموت".
    ومن رحمة الله عز وجل أنه يبتلي عبده ولو بالخدشة أو الضربة... أو بخطأ في عد أمواله، فيحزن، وإن وجدها صحيحة فيما بعد... أو بغم لا يعرف سببه... وفي كل ذلك أجر ومغفرة.
    سمع الإمام الصادق (ع) يقول:
    "ملعون ملعون كل بدن لا يصاب في كل أربعين يوماً".
    فتعجب يونس بن يعقوب من ذلك (كما قد يتعجب قارئ هذه الكلمات) وقال مستغرباً: ملعون؟!
    فقال الإمام (ع):
    " يا يونس، إن من البلية، الخدشة، واللطمة، والعثرة، والنكبة، والقفزة، وانقطاع الشسع (جزء من الحذاء)، وأشباه ذلك".
    (لاحظ، من منا لا يصيبه ذلك كل يوم؟ فسبحان الله الذي وسعت رحمته كل شيء).
    "يا يونس، إن المؤمن أكرم على الله تعالى، من أن يمر عليه أربعون (يوماً)، لا يمحص فيها ذنوبه، ولو بغم يصيبه، لا يدري ما وجهه (ما سببه)،
    والله إن أحدكم ليضع الدراهم بين يديه فيزنها، فيجدها ناقصة، فيغتم بذلك، ثم يزنها، فيجدها سواء (صحيحة) فيكون ذلك حطة لبعض ذنوبه".
    (وفي نص، يعدها فتكون ناقصة... ثم يعاود عدها فتكون صحيحة).
    وعن رسول الله (ص):
    "إن المؤمن إذا قارف الذنوب إبتلى بها (بسببها) بالفقر، فإن كان في ذلك كفارة لذنوبه (إن كان ذلك مكفراً لذنوبه، فيكتفى به)، وإلا ابتلي بالمرض، فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ابتلي بالخوف من السلطان يطلبه (الخوف من الحكم الجائر أو الحكومة الظالمة أو الملك المستبد)،فإن كان ذلك كفارة لذنوبه، وإلا ضيق عليه عند خروج نفسه (عند موته)، حتى يلقى الله حين يلقاه، وما له من ذنب يدعيه عليه، فيؤمر به إلى الجنة".
    وعنه (ص):
    " لا يزال البلاء في المؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة".
    وفي النص الشريف، عن علي أمير المؤمنين (ع):
    " ما عاقب الله عبداً مؤمناً في هذه الدنيا، إلا كان الله أحلم، وأمجد، وأجود، وأكرم، من أن يعود في عقابه يوم القيامة..".
    11- تذكر الموازين الحقيقية لا المقاييس الوهمية
    عند وقوع البلاء عليك أن تتذكر الموازين الإلهية الحقيقية التي جعلها الله نظاماً وناموساً وقاعدةً لهذه الدنيا، بها يثيب، وبها يعاقب... وعلى أساسها يحدد مصير العباد.
    فبلاء الدنيا نعمة، والرخاء نقمة!
    ورد عن مولانا رسول الله (ص):
    "لا تكون مؤمناً حتى تعد البلاء نعمة، والرخاء محنة، لأن بلاء الدنيا نعمة في الآخرة، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة".
    ومن جملة هذه الموازين أن " المصائب منح من الله".
    ومن هذه الموازين "أن الله ليتعهد عبده المؤمن بأنواع البلاء، كما يتعهد أهل البيت سيدهم بطرف الطعام".
    والبلاء خير للمؤمن لأنه يصحح إيمانه "فالبلاء زين للمؤمن، وكرامة لمن عقل، لأن في مباشرته، والصبر عليه، والثبات عنده، تصحيح نسبة الإيمان".
    "وإن الله ليغذي عبده المؤمن بالبلاء، كما تغذي الوالدة ولدها باللبن (الحليب).
    وهناك مقاييس وموازين للمؤمن تختلف عن الآخرين، نتيجة نظرته إلى الهدف من الدنيا، وحب الفوز في الآخرة.
    فقد نقل عن أبي ذر، أنه، وعلى عكس الناس في مقاييسهم الوهمية، أنه يحب الموت، ويحب الفقر، ويحب البلاء!
    فأوضح الإمام الصادق (ع) ذلك، بقوله، مؤكداً:
    أنه يحب الموت... لكن في طاعة الله، على الحياة في معصية الله سبحانه.
    ويحب الفقر.. لكن في طاعة الله عز وجل، على الغنى في معصية الله.
    ويحب البلاء... لكن في طاعة الله سبحانه، على الصحة في معصية الله.
    وهكذت تتوضح الكثير من المفاهيم والقواعد.
    12- للمبتلى في جسده
    على المبتلى بالعمى أو الطرش أو الشلل أو من قطعت إحدى أطرافه أو كان معاقاً أو أصيب في جسده... أن يتذكر أن هناك منزلة في الجنة لا يصلها إلا من أبتلي في جسده.
    روي عن رسول الله (ص):
    "إن الرجل ليكون له الدرجة عند الله، لا يبلغها بعمله، يبتلى ببلاء في جسمه فيبلغها بذلك".
    إلى العديد من النصوص بهذا المضمون.
    13- ومما يهون المصائب:
    ذكر الموت... الزهد... إنقضاء أيام الحياة
    ومما يهون مصائب الدنيا:
    أ- أن يتذكر المرء ما ينتظره حتماً، من الموت وأحواله، وما يسبقه، وما يلحقه...
    روي عن علي أمير المؤمنين (ع):
    "أكثروا ذكر الموت، ويوم خروجكم من القبور، وقيامكم بين يدي الله عز وجل، تهون عليكم المصائب".
    ب- الزهد في الدنيا، بمعنى عدم التعلق بشيء منها، لأنه إلى فناء، ولأننا إلى فراق وزوال:
    وفي النص عن رسول الله (ص):
    "من زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات".
    ج- ذكر المصيبة العظمى التي لا توازيها مصيبة، وهي تيتمنا بموت رسول الله (ص):
    روي عن الصادق (ع):
    "إذا أصبت بمصيبة فاذكر مصابك برسول الله (ص)، فإن الناس لم يصابوا بمثله أبداً، ولن يصابوا بمثله أبداً".
    د- إنقضاء أيام الحياة:
    روي عن الإمام زين العابدين (ع):
    "مسكين ابن آدم، له في كل يوم ثلاث مصائب، لا يعتبر بواحدة منهن، ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا:
    فأما المصيبة الأولى، فاليوم الذي ينقص من عمره.
    وإن ناله نقصان في ماله اغتم بهن والدرهم يخلف عنه (يمكن تعويضه)، والعمر لا يرده (لا يرجع ولا يعوض).
    والثانية، أنه يستوفي رزقه، فإن كان حلالاً حوسب عليه، وإن كان حراماً عوقب عليه.
    والثالثة، أعظم من ذلك".
    قيل: ما هي؟
    قال (ع):
    " ما من يوم يمسي، إلا وقد دنى من الآخرة مرحلة، لا يدري على الجنة أم على النار".
    وقال الشاعر:
    عليك بتقوى الله إن كنت غافلاً
    يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدري
    فكيف تخاف الفقر والله رازقاً
    فقد رزق الطير والحوت في البحر
    ومن ظن أن الرزق يأتي بقوة
    ما أكل العصفور شيئاً مع النسر
    تزول عن الدنيا فإنك لا تدري
    إذا جن عليك الليل هل تعيش إلى الفجر
    فكم من صحيح مات من غير علة
    وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
    وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكاً
    وأكفاناً في الغيب تنسج وهو لا يدري
    فمـن عـاش ألفـاً وألفيـن
    فلا بد من يوم يسير إلى القبر
    14- لا تنسى أن الأحزان كفارة للذنوب
    فالأحزان مهما كان سببها، فإن الله سبحانه يثيب عليها، أكانت بسبب مرض أو طلب معيشة أو أذية...
    روي عن رسول الله (ص):
    "إذا كثرت ذنوب المؤمن، ولم يكن له من العمل ما يكفرها، إبتلاه الله بالحزن، ليكفرها به عنه".
    وروي عنه (ص) أنه قال:
    "إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صلاة ولا صدقة".
    قيل: يا رسول الله، فما يكفرها؟
    قال (ص):
    "الهموم في طلب المعيشة".
    وفي النص الشريف عنه (ص) قال:
    " ساعات الهموم، ساعات الكفارات، ولا يزال الهم بالمؤمن حتى يدعه وما له من ذنب".
    ليس فقط إذا كانت الأحزان نتيجة لما تقدم، بل لو كانت بتأثير منام رآه، فإنه كفارة لذنوبه.
    عن الصادق (ع) قال:
    "إن المؤمن ليهول عليه في منامه، فتغفر له ذنوبه".
    وعن رسول الله (ص):
    "ساعات الوجع يذهبن ساعات الخطايا".
    15- عليك بالقناعة بما عندك
    إذا كان بلاؤك في قلة المال وقلة الحال... فاقتنع بما أنت عليه، وارضى بما قسم الله تعالى لك، فرزقك سوف يستوفى حتى آخر درهم، ولن تموت حتى تنال كل ما جعل الله لك.
    فالقناعة رأس الغنى، لأن من قنع بما رزقه الله، فهو من أغنى الناس، فالله سبحانه في حقيقة الأمر جعل الغنى في القناعة... لكن الموهومين يعتقدون اشتباهاً أنه في كثرة المال!
    لذا، يفتشون عليه فلا يجدونه، ولن يجدوه ما داموا كذلك.
    وورد في النصوص الشريفة، أن الحياة الطيبة في الآية القرآنية ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى فلنحيينه حياة طيبة﴾ هي القناعة والرضا بما قسم الله له.
    ومن أهم النصائح في هذا المجال:
    أن تنظر إلى من هو دونك في المال والحال والمعيشة والمسكن والملبس... ولا تنظر إلى من هو فوقك في القدرة.
    وابن آدم، إن لم يتسلح بالرضا والقناعة، لا يشبعه شيء ولو أصبح أغنى الناس وأقدرهم.
    والشواهد من حولنا في العالم، ومن التاريخ، كثيرة.
    ورد فيما نزل به الوحي من السماء:
    "لو أن لابن آدم واديين يسيلان ذهباً وفضة لابتغى إليهما ثالثاً!
    يا ابن آدم، إن بطنك بحر من البحور، وواد من الأودية، لا يملأه شيء إلا التراب".
    ونختم بما روي عن الحبيب المصطفى (ص)، وهو رحمة للعالمين، قال:
    "إذا أردت أن تحيا عزيزاً غنياً، فلا تكن على حالة إلا رضيت بما دونها".
    16- ولخصوص من كان بلاؤه في موت ولده
    فمن جملة البلاء في هذه الدنيا، أن يتوفى الولد في حياة امه وأبيه... وإضافة لما تقدم من أمور، يجبر خاطرهما بتذكيرهما بالخصوص بما يربط على قلبهما بإذن الله تعالى:
    أ- ورد في النص الشريف عن رسول الله (ص):
    * "أيما رجل قدم ثلاثة أولاد، لم يبلغوا الحنث (الإثم والذنب)، أو امرأة قدمت ثلاثة أولاد، فهم حجاب يسترونه عن النار".
    وفي نص آخر "إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته".
    * وعن مولانا الصادق (ع) قوله:
    "ثواب المؤمن من ولده إذا مات، الجنة".
    * وعن رسول الله (ص) أنه قال:
    " بخ بخ ، خمس ما أثقلهن في الميزان:
    لا إله إلا الله.
    وسبحان الله.
    والحمد لله.
    والله أكبر.
    والولد الصالح يتوفى للمرء المسلم، فيحتسبه".
    *وعن رسول الله (ص):
    " تزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة، حتى أن السقط ليظل محنبطئاً على باب الجنة، فيقال له: أدخل، يقول: حتى يدخل أبواي".
    * وعن رسول الله (ص):
    " النفساء يجرها ولدها يوم القيامة بسرره إلى الجنة".
    * وعنه (ص):
    "يقال للوِلدان يوم القيامة: أدخلوا الجنة، فيقولون: يا رب، حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا، قال: فيأبون.
    فيقول الله عز وجل: ما لي أراهم محبنطئين، أدخلوا الجنة، فيقولون: يا رب آباؤنا، فيقول تعالى:
    أدخلوا الجنة أنتم وآباؤكم".
    * وعنه (ص):
    "إذا كان يوم القيامة، خرج ولدان المسلمين من الجنة بايديهم الشراب، فيقول الناس لهم: أسقونا، أسقونا، فيقولون: أبوينا، أبوينا.
    قال: حتى أن السقط محبنطئاً بباب الجنة، يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي".
    * وعن رسول الله (ص):
    "إذا كان يوم القيامة، نودي في أطفال المؤمنين: أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم، ثم ينادى فيهم أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: ربنا، ووالدينا معنا،
    ثم ينادى فيهم ثانيةً، أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: ربنا، ووالدينا معنا،
    ثم ينادى فيهم ثالثة، أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون ربنا، ووالدينا،
    فيقول في الرابعة: ووالديكم معكم.
    فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، فيدخلون بهم الجنة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم الذين في بيوتكم".
    ( وفي الحديث إشارة إلى الآية الكريمة 73 من سورة الزمر ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً﴾ وهم أفواج الشهداء والزهاد والعلماء والفقراء والقراء والمحدثون...).
    * وروي أن رجلاً كان يجيء النبي (ص) ومعه صبي، وسأل عنه النبي (ص) بعد أن انقطع عنه، فقيل له أن ابنه مات.
    فقام النبي (ص) بزيارته لتعزيته، فلما دخل (ص) على الرجل وجده حزيناً كئيباً، فعزاه، فقال الرجل:
    يا رسول الله، كنت أرجوه لكبر سني وضعفي.
    فقال رسول الله (ص):
    "أما يسرك أن يكون يوم القيامة بإزائك (بجنبك)؟ فيقال له: أدخل الجنة، فيقول: ربي، وأبواي،
    فلا يزال يشفع، حتى يشفعه الله عز وجل فيكم، ويدخلكم الجنة جميعاً".
    * ولما توفي ولد لعثمان بن مظعون، اشتد عليه حزنه، و اتخذ في داره مسجداً يتعبد فيه.
    وعندما عرف النبي (ص) بذلك، قال له:
    "يا عثمان، إن الله عز وجل، لم يكتب علينا الرهبانية، إنما رهبانية أمتي الجهاد في سبيل الله، يل عثمان بن مظعون:
    إن للجنة ثمانية أبواب، وللنار سبعة أبواب، أفلا يسرك ألا تأتي باباص منها إلا وجدت ابنك بجنبه، آخذاً بحجزتك (موضع الحزام)، ليشفع لك إلى ربه عز وجل؟".
    * وفي الحديث الشريف:
    "إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته:
    أقبضتم ولد عبدي؟
    فيقولون: نعم.
    فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟
    فيقولون: نعم.
    فيقول: ماذا قال عبدي؟
    فيقولون: حمدك، واسترجع (قال: إنا لله وإنا إليه راجعون).

    فيقول الله تعالى:
    ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد".
    * وسأل النبي امرأة هل لها فرط؟
    قالت: نعم، فسألها (ص): في الجاهلية أم في الإسلام؟
    قالت: بل في الإسلام، فقال رسول الله (ص) :
    " جنة حصينة، جنة حصينة".
    * ولمن حزنت لموت ولدها، أمرها (ص) بتقوى الله عز وجل والصبر، ثم قال لها:
    " أما تحبين أن ترينه على باب الجنة، وهو يدعوك إلينا؟"
    قالت: بلى.
    قال (ص): "فإنه كذلك".
    والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جداً كما وردت عن مولانا رسول الله (ص).
    ب- أما الوارد في موت الأولاد من حكايات... فمنها:
    * رأى رجل كأن الناس قد جمعوا ليوم القيامة، وأصابهم عطش شديد، فإذا الولدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق، وفيهم ابن أخ له، فالتمس منه أن يسقيه فأبى، وقال:
    يا عم، إنا لا نسقي إلا الآباء.
    فجمع الرجل قومه، ودعا لكي يقبض الله ابنه ليكون كذلك يوم القيامة.
    * ومات لداود (ع) ولد، فحزن عليه حزناً شديداً، فأوحى الله عز وجل إليه: يا داود، ما كان يعدل هذا الولد عنك؟
    قالك يا رب يعدل هذا عندي ملأ الأرض ذهباً، قال:
    فلك عندي يوم القيامة ملأ الأرض ثواباً.
    * وأن أحد الصالحين كان يعرض عليه التزويج، فيأبى، فاستيقظ من نومه ذات يوم، وهو يقول: زوجوني... فسئل عن ذلك، فقال:
    لعل الله يرزقني ولداً ويقبضه، لأني رأيت في المنام، كأن القيامة قد قامت، وكأني في جملة الخلائق في الموقف، وبي من العطش ما كاد أن يقطع قلبي، وكذا الخلائق من شدة العطش والكرب، فبينما نحن كذلك، وإدا ولدان يدخلون بين الناس، عليهم قناديل من نور، وبأيديهم أباريق من فضة، وأكواب من ذهب، يسقون الواحد بعد الواحد، لكنهم تجاوزوا الكثير من الناس، فمددت يدي إلى أحدهم قائلاً: اسقني، فقد أجهدني العطش، فقال: ما لك فينا ولد، إنما نسقي آباءنا، فقلت: ومن أنتم؟ قالوا: نحن من مات من أطفال المسلمين.
    * وحدث رجل من أهل الثقة في دينه وفهمه، قال:
    أتيت المدينة المنورة، ونمت في البقيع (مقبرة أهل المدينة) بين أربعة قبور، وعندها قبر محفور، فرأيت في منامي أربعة أطفال قد خرجوا من تلك القبور، وهم يقولون:
    أنعــم اللـه بـالحبيبـة عينــاً
    وبمســراك يــا أميــم إلينــا
    عجبـاً مـا عجبـت مـن ضغطـة
    القبـر ومغـداك يـا أميـم إلينــا
    وأقمت حتى طلعت الشمس، فإذا بجنازة قد أقبلت، فقلت : من هذه؟ فقالوا: امرأة من أهل المدينة، فقلت: اسمها أميمة؟ قالوا: نعم، قلت: قدمت أولاداً قبل موتها؟ قالوا: أربعة أولاد، فأخبرتهم بما رأيت، فأخذوا يتعجبون.
    ج- أما الوارد عن السلف الصالح عند الموت أبنائهم وأحبائهم... فمنها:
    * كان أبو ذر، رضوان الله عليه، لا يعيش له ولد، فسئل عن ذلك، فقال: الحمد لله الذي يأخذهم من دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء.
    * ومات لأبي عبد الله بن عامر المازني، رضوان الله عليه، في الطاعون الجارف، سبعة بنين في يوم واحد، فقال: إني مسلم مسَلم.
    * وفي قصة طويلة عن حب عبد الله بن مسعود لأولاده، وعن غنجه لهم، ينقل في آخرها عن رسول الله (ص) قوله:
    "يأتي عليكم زمان، يغبط الرجل بخفة الحال، كما يغبط اليوم بكثرة المال والولد".
    * ودخل بعض المؤمنين على معاذ، وهو قاعد عند رأس ابن له في لحظات موته، فما ملكوا أنفسهم، حتى ذرفت أعينهم، وانتحب بعضهم، فزجرهم معاذ، وقال:
    فوالله ليعلم الله برضاي.
    لهذا أحب إلي من كل غزوة غزوتها مع رسول الله (ص)، فإني سمعته يقول:
    " من كان له ابن، وكان عزيزاً عليه، وبه ضنيناً، ومات، فصبرعلى مصيبته، واحتسبه، أبدل الله الميت داراً خيراً من داره، وقراراً خيراً من قراره، وأبدل المصاب الصلاة والرحمة والمغفرة والرضوان".
    فما لبث الصبي أن مات حين أخذ المنادي لصلاة الظهر (عند رفع الأذان)، فغادرناه نريد الصلاة (في المسجد)، فما جئنا إلا وقد غسله وكفنه وجهزه...
    واستعجل معاذ دفن ابنه.. قال الراوي:
    قلنا: يغفر الله لك يا أبا عبد الرحمن، هلا إنتظرتنا حتى نفرغ من صلاتنا، ونشهد ابن أخينا (نشارك في تشييعه).
    فقال: أمرنا أن لا ننتظر موتانا ساعة، ماتوا بليل أو نهار.
    ثم نزل في القبر، فلما أراد الخروج، ناوله أحد إخوانه يده لينتهضه من القبر... فأبى وقال:
    لا مانع من ذلك، لكن أكره أن يرى الجاهل ذلك مني جزعاً عند المصيبة.
    وكان في ذلك اليوم مكثراً من التبسم، ينوي به ما ينوي (من الرضا والتسليم والقبول) ثم قال:
    إنا لله وإنا إليه راجعون، في اللله خلف عن كل هالك، وعزاء من كل مصيبة، ودرك لكل ما فات.
    * ولما مات ابن عياض بن عقبة الفهري، نزل عياض في قبره، وقال:
    قد كان بالأمس زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات.
    * وصحب أبو علي الرازي الفضيل بن عياض ثلاثين سنة، فما رآه ضاحكاً ولا مبتسماً إلا يوم مات ابنه علي، فسأله عن ذلك، فقال:

    إن الله سبحانه وتعالى أحب أمراً، فأحببت ما أحب الله عز وجل.
    * ودعا رجل إخوانه على الطعام، فضربت بعض دوابهم ابناً له فمات، فأخفى ذلك عن ضيوفه، ونهى أهله (أفراد عائلته) عن البكاء حتى ينتهي القوم من تناول الطعام، فلما فرغوا أخبرهم، وأخذ بتجهيز إبنه لدفنه.
    فتعجب الضيوف من صبره وكرمه ورباطة جأشه.
    * ومات لرجل من اليمامة ثلاثة رجال من ولده، فدفنهم، وواصل حياته العادية كأنه لم يفقد أحداً، فقيل له في ذلك، فقال:
    ليسوا في الموت ببديع (ليس الموت عليهم بدعة تحدث لأول مرة، بل هو نازل بكل الناس).
    ولا أنا في المصيبة بأوحد ( فالمصائب تقع على كل الناس ولست وحيداً في ذلك).
    ولا جدوى للجزع (لا نفع للخوف والاستسلام...).
    فعلام تلوموني؟!
    * ومات لعمر بن عبد العزيز أخ، وابن وبعض من يخصه، في أيام متوالية، فدخل عليه بعض أصحابه يعزيه، ومادحاً من مات، فقال له ابن عبد العزيز:
    ما أحب أن شيئاً كان من ذلك لم يكن.
    * وحدث بعض الحكماء، قال:
    خرجت وأنا أريد الرباط، حتى إذا بعريش مصر إذا أنا بمظلة، وفيها رجل قد ذهبت عيناه، واسترسلت يداه ورجلاه، وهو يقول: لك الحمد سيدي ومولاي، اللهم إني أحمدك حمداً يوافي محامد خلقك، كفضلك على سائر خلقك، إذ فضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلاً.
    فقلت: والله لأسألنه، أعلمه أو ألهمه إلهاماً؟
    فدنوت منه، وسلمت عليه، فرد علي السلام، فقلت له:
    رحمك الله، إني أسألك عن شيء، أتخبرني به أم لا؟
    فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به.
    فقلت: رحمك الله، على أي فضيلة من فضائله تشكره؟
    فقال: أوليس ترى ما قد صنع بي؟
    قلت: بلى.
    فقال: والله لو أن الله تبارك وتعالى صب علي النار تحرقني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فخسفت بي، ما ازددت فيه ـ سبحانه ـ إلا حباً، ولا ازددت له إلا شكراً، وإن لي إليك حاجة، فتقضيها لي؟
    قلت: نعم، قل ما تشاء.
    فقال: بني لي كان يتعاهدني أوقات صلاتي، ويطعمني عند إفطاري، وقد فقدته منذ أمس، فانظر هل تجده لي؟
    قال: فقلت في نفسي: إن في قضاء حاجته لقربة إلى الله عز وجل، فقمت وخرجت في طلبه، حتى إذا صرت بين كثبان الرمال، إذا أنا بسبع قد افترس الغلام فأكله، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف آتي هذا العبد الصالح بخبر ابنه؟
    قال: فأتيته، وسلمت عليه، فرد علي السلام.
    فقلت: رحمك الله، إن سألتك عن شيء تخبرني؟
    فقال: إن كان عندي منه علم أخبرتك به.
    قال، فقلت: أنت أكرم على الله عز وجل وأقرب منزلة، أو نبي الله أيوب (ع)؟
    فقال: بل نبي الله أكرم على الله تعالى مني، وأعظم عند الله تعالى منزلة مني.
    قال: فقلت له: إنه ابتلاه الله تعالى فصبر، حتى استوحش منه من كان يأنس به، وكان عرضاً لمرار الطريق، واعلم أن ابنك الذي أخبرتني به، وسألتني أن أطلبه لك افترسه السبع، فإعظم الله أجرك فيه.
    فقال: الحمد لله الذي لم يجعل في قلبي حسرة من الدنيا، ثم شهق شهقة وسقط على وجهه، فجلست ساعة ثم حركته فإذا هو ميت، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، كيف أعمل في أمره؟ ومن يعينني على تغسيله وكفنه وحفر قبره ودفنه؟
    فبينما أنا كذلك إذ أنا بركب يريدون الرباط، فأشرت إليهم فأقبلوا نحوي حتى وفقوا علي، وقالوا: من أنت؟ ومن هذا؟
    فأخبرتهم بقصتي، فعقلوا رواحلهم، وأعانوني حتى غسلناه بماء البحر، وكفناه بأثواب كانت معهم، وتقدمت فصليت عليه مع الجماعة، ودفناه في مظلته.
    وجلست عند قبره آنساً به أقرأ القرآن إلى أن مضى من الليل ساعة، فغفوت غفوة فرأيت صاحبي في أحسن صورة وأجمل زي، في روضة خضراء عليه ثياب خضر قائماً يتلو القرآن، فقلت له: ألست صاحبي؟
    قال: بلى،
    قلت: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟
    فقال: إعلم أني وردت مع الصابرين على الله عز وجل في درجة لم ينالوها إلا بالصبر على البلاء، والشكر على الرخاء، فانتبهت.
    د- أما ما ورد في صبر النساء الصالحات فمنها:
    *مات ابن لأبي طلحة، رضوان الله عليه، فأخفت أمه (أم الصبي) موته عن أبيه، فلما رجع، سأل عنه، فطمأنته، ثم قدمت له طعاماً، فأكل وشرب، ثم تصنعت له وتعطرت وتعرضت له، فواقعها (جامعها)... ثم قالت:
    يا أبا طلحة أرأيت لو أخذنا شيئاً من جيراننا إعارة، ثم طالبنا الجيران بذلك الشيء، أر نعطيهم حقهم؟
    قال: بلى.
    قالت: إن ابني كان عارية (أمانة) من الله عز وجل، فقبضه إليه.
    فاسترجع وقال: أنا أحق بالصبر.
    *وأتت صفية بنت عبد المطلب تنظر أخاها حمزة بن عبد المطلب بعد معركة أحد، وقد مثل به (شوه)... فنظرت إليه، وصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له.
    * وعندما أشيع أن النبي (ص) قتل في أحد، هاجت المدينة وماجت، فخرجت امرأة من الأنصار متفجعة، فنعي إليها أبوها وابنها وزوجها وأخوها... فسألت عن النبي، فقالوا: أمامك، وهو يحمد الله كما تحبين، فقالت: أرونيه (اجعلوني أراه) حتى أنظر إليه، فلما رأته، أخذت بطرف ثوبه، وقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله (أي فداك أبي وأمي)، لا أبالي إذا سلمت من عطب (ضرر)، كل مصيبة بعدك جلل (هينة).
    *واستشهد ابن صلة بن أشيم، فاحتسبه عند الله عز وجل، ثم تقدم صلة في نفس المعركة، فقاتل فقتل، فاستشهد الولد ووالده سوية.
    وعندما أخبرت معاذة بذلك (زوجة صلة)، اجتمع النساء عندها لتعزيتها بزوجها وابنها، فقالت:
    مرحباً بكن إن كنتن حئتن لتهنئتي، وإن كنتن جئتن لغير ذلك، فارجعن.
    * وروي أن عجوزاً من بني بكر بن كلاب، كانت معروفة بين قومها بالعقل والسداد، فمات ابن لها، وكان واحدها، وقد طالت علته، وأحسنت تمريضه... فأنشأت تقول:
    هو إبني وأنسي أجره لي، وعزني
    على نفسه، رب إليه ولاؤها
    فإن أحتسب أؤجر، وإن أبكه أكن
    كباكية لم يغن شيئاً بكاؤها
    * وروت جويرية بنت أسماء، أن ثلاثة إخوة استشهدوا، فبلغ ذلك أمهم، فقالت: مقبلين أم مدبرين؟ فقيل لها بل مقبلين (مهاجمين للأعداء)، فقالت: الحمد لله، نالوا والله الفوز.
    وما تأوهت ولا دمعت لها عين.
    * وقال أبان بن تغلب رحمه الله:
    دخلت على امرأة وقد نزل بإبنها الموت، فغمضته، وسجته (مددته) ثم قالت:
    يا بني، ما الجزع في ما لا يزول ( لماذا الخوف من المصيبة والخوف لا نتيجة له)؟
    يا بني، تذوق ما ذاق أبوك (من الموت)، وستذوقه من بعدك أمك (سوف تموت).
    وإن أعظم الراحة لهذا الجسد النوم، والنوم أخو الموت (مضمون حديث شريغ) فما عليك إن كنت نائماً على فراشك، أو على غيره.
    وإن غداً السؤال والجنة والنار.
    فإن كنت من أهل الجنة فما ضرك الموت،
    وإن كنت من أهل النار فما تنفعك الحياة، ولو كنت أطول عمراً (في النهاية سوف تموت).
    والله يا بني لولا أن الموت أشرف الأشياء لابن آدم، لما أمات الله نبيه (ص) وأبقى عدوه إبليس لعنه الله.
    * ومات ولد لامرأة، فقالت لمعزيها:
    كان، والله، ما له، لغير بطنه (ما عنده من مال ليس للأكل والشرب... بل للخير والصدقة).
    وكان رحب الذراع بالتي لا تشينه (يعمل ويعطي ويحسن بما يفتخر به وليس للحرام...).
    فإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعاً ( إن جاءه المنكر، أنكره وضاقت نفسه به ورفضه).
    فقيل لها: هل لك منه خلف؟ (هل أبقى لك ولداً).
    فقالت: نعم بحمد الله، كثير طيب، ثواب الله عز وجل، ونعم العوض في الدنيا والآخرة.
    *ومات رجل، فوقفت أمه العجوز عنده فقالت بكل صبر وتجلد:
    رحمك الله، أي بني، فقد كانت بنا باراً، وعلينا شفيقاً، فرزقني الله عليك الصبر (لاحظ أن الصبر عندها رزق تفرح به)، فقد كنت تطيل القيام (قيام الليل للعبادة والتهجد والصلاة)، وتكثر الصيام، لا حرمك الله ما أملت فيه من رحمته.
    * وعن أبي قدامة الشامي قال:
    كنت أميراً على الجيش في بعض الغزوات، فدخلت بعض البلدان، ودعوت الناس للغزاة، ورغبتهم في الجهاد، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها، ثم تفرق الناس وركبت فرسي، وسرت إلى منزلي، فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس وجهاً تنادي:
    يا أبا قدامة، فمضيت ولم أجب.
    فقالت: ما هكذا كان الصالحون.
    فوقفت، فجاءت ودفعت إلي رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية.
    فنظرت في الرقعة وإذا فيها مكتوب:
    أنت دعوتنا إلى الجهاد، ورغبتنا في الثواب، ولا قدرة لي على ذلك، فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي، وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله، فيغفر لي.
    فلما كان صبيحة القتال، فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل حاسراً، فتقدمت إليه وقلت: يا غلام، أنت فتى غر راجل، ولا آمن أن تجول الخيل فتطجؤك بأرجلها، فارجع عن موضعهك هذا.
    فقال: أتأمرني بالرجوع، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار﴾؟ وقرأ الآية إلى آخرها.
    فحملته على هجين كان معي.
    فقال: يا أبا قدامة، أقرضني ثلاثة أسهم.
    فقلت: أهذا وقت قرض؟
    فما زال يلح علي حتى قلت: بشرط إن من الله عليك بالشهادة أكون في شفاعتك.
    قال: نعم، فأعطيته ثلاثة أسهم، فوضع سهماً في قوسه ورمى به، فقتل رومياً، ثم رمى بالآخر فقتل رومياً، ثم رمى بالآخر، وقال: السلام عليك يا أبا قدامة سلام مودع، فجاءه سهم فوقع بين عينيه، فوضع رأسه على قربوس سرجه، فتقدمت إليه، وقلت: لا تنسها.
    فقال: نعم، ولكن لي إليك حاجة، إذا دخلت المدينة فأت والدتي، وسلم خرجي إليها وأخبرها، فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، فسلم عليها، فهي العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي، ثم مات، فحفرت له، ودفنته.
    فلما هممت بالإنصراف عن قبره قذفته الأرض، فألقته على ظهرها، فقال أصحابه: غلام غر، ولعله خرج بغير إذن أمه.
    فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا، فقمت وصليت ركعتين، ودعوت الله، فسمعت صوتاً يقول:
    يا أبا قدامة، أترك ولي الله، فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته.
    فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته، فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي، فلما رأتني عادت إلى أمها، وقالت:
    يا أماه، هذا أبو قدامة، وليس معه أخي، وقد أصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي، فخرجت أمه، فقالت: أمعزياً أم مهنئاً؟
    فقلت: ما معنى هذا؟
    قالت: إن كان ابني مات فعزني، وإن كان استشهد فهيئني.
    فقلت: لا، بل قد مات شهيداً.
    فقالت: له علامة، فهل رأيتها؟
    فقلت: نعم، لم تقبله الأرض، ونزلت الطيور، فأكلت لحمه، وتركت عظامه، فدفنتها.
    فقالت: الحمد لله.
    فسلمت إليها الخرج، ففتحته وأخرجت منه مسحاً وغلاً من حديد، قالت: إنه كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح، وغل نفسه بالفل وناجى مولاه، وقال في مناجاته: إلهي احشرني من حواصل الطيور. فاستجاب الله سبحانه دعاءه رحمه الله.
    * * *
    وصدق الله العظيم القائل، فيمن سبقنا من أهل الهدى والصلاح:
    ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا، لما صبروا﴾.
    "اللهم ارزقني من اليقين ما تهون به علي مصيبات الدنيا"


    يسمح لكل من يحصل على هذا الكتاب ان يقوم بطباعته ونشره واتخاذه كمصدر للتاليف