منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع وجوه (1)

  1. بواسطة العراقي راقي

    وجوه (1)
    سأضرب بيد من حديد"، قالها الحاكم الشرس، فأغلق أهل المدينة أبوابهم، وسرى الخوف في قلوب الأطفال، فيما خرج اللصوص قبيل غروب الشمس، ينتشرون في الأسواق الخالية ويطرقون أبواب المنازل، يقتحمونها عنوة، يخرجون محملين بما أخذوا، تعلوا وجوههم الفرحة ويغمرهم الأمان، ويبقى الناس في بيوتهم يلعنون وعيد الشرس.

    ..
    كان يخطب في اليوم مرتين، يتلعثم في خطبته الأولى، لكنه يكون فصيحاً في الثانية، وفيها ينقض ما قاله في السابقة.
    استفسر الناس من شيخ اليقين عن كلام الشرس، فأجابهم بأنه وُلد في شتاء الصمت، وفيه لم يولد ذكر غيره، فتكلم في شهره الثالث كله، وكفّ عن الكلام حتى بلغ سنته السادسة، ومن يومها صار يعيد الكلام مرتين، ينقض في آخره ما جاء في أوله.
    ..
    خرج ذات يوم يتفقد حال البلاد، فقد كثرت الشكوى وعمّ الخوف، فرأى الجياع يملئون الطرقات، يجمعون القمامة ثم يأتي جنده فينزعون من أيديهم ما جمعوا، استشاط الشرس غضباً، وحين يغضب يرتجف الفرسان، ويستعيذ الناس من شرّ مستطير. عاد من فوره الى قصره، فخرج التوقيع بعد شهرين بسطرين:
    ـ يُعاقب كل جندي سارق بالإعدام.
    ـ أوقفوا حكم الإعدام فوراً في البلاد.
    ..
    استعرت الحرب في البلاد، لبس لامة الحرب، تأزر بنطاقين وسيفين، واعتمر خوذتين، وحمل قوسه وكنانته الفارغة، يتقدم الجند راجلاً. فما خاض معركة من معاركه الطويلة راكباً. وكان من عادته أن يغرز رمحاً عند حدود المدينة، يقول لقادة جيشه:
    ـ لا تزيلوا رماح النصر، بها تحصون انتصاراتي.
    لكنه يعود مهزوماً في كل مرة فينتزعه قائلاً: رمح مشؤوم كسابقيه.
    أقسم هذه المرة لن يعود إلا بنصر مؤزر، خطب في جيشه طويلاً، كان يحثهم على الزحف، وكان يدعوهم الى الحلم.. نفخ فيهم روح الحماس، ثم دعاهم الى الهدوء.. حرّضهم على طلب الشهادة فالمقاتل خُلق ليموت، وأوصاهم بالحفاظ على حياتهم وتجنب المجازفة بأرواحهم.
    وفيما يخطب بحماسه المعهود، جاءه الرسول بخبر، فالأعداء يقتربون. تلفت يميناً وشمالاً، لم يرهم، كذّب الخبر، ومضى في خطبته، وقد انقسم جنده بين نائم ومتشاغل.
    جاءه رسول آخر، يحذّره بأن الأعداء اقتربوا اكثر، تلفت وراءه، لم يرهم.. خبر كاذب، يريدون بثّ الخوف فينا، فلا والله لن يقدروا، إنما العزم فينا أبدا، ورثناه كابراً عن كابر.. أيها الجند لا يخيفنكم المغرضون، فالعدو يرتجف من زحفكم، وبعهدتي أنهم يفرون الآن نحو الكهوف، يتشرذمون في الصحارى.
    جاءه رسول ثالث، ها هي رماح الأعداء تلوح في الأفق.. لقد أحاطوا بنا. تلفت يميناً ويساراً، انتزع رمحه المغروز ودخل سور المدينة، يلعن الرماح المشؤومة.

    لها تتمة

    سليم الحسني