منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الحسد من الأمراض العظيمة

  1. بواسطة عطر الامير

    الحسد من الأمراض العظيمة





    اعلم أن الحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا يداوي أمراض القلب إلا بالعلم والعمل ، والعلم النافع لمرض الحسد أن تعرف تحقيقا أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا ، وأنه لا ضرر به على المحسود في الدين ولا في الدنيا ، بل ينتفع به فيهما ، ومهما عرفت هذا عن بصيرة ولم تكن عدو نفسك ولا صديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة .
    أما كونه ضررا عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله وكرهت نعمته التي قسمها لعباده وعدله الذي أقامه في مملكته بخفي حكمته ، واستنكرت ذلك واستبشعته وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الايمان .
    وناهيك بها جناية على الدين وقد انضاف إليه أنك غششت رجلا من المؤمنين ، وتركت نصيحته وفارقت أولياء الله وأنبيائه في حبهم الخير لعباد الله ، وشاركت إبليس وساير الكفار في حبهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم ، وهذه خبائث في القلب تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب وتمحوها كما يمحو الليل النهار .
    واما كونه ضررا في الدنيا عليك فهو أنك تتألم بحسدك وتتعذب به ولا تزال في كد وغم ، إذ اعداؤك لا يخليهم الله عن نعم يفضيها عليهم ، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تريها ، وتتألم بكل بليّة تنصرف عنهم ، فتبقى محزونا مغموما متشعّب القلب ضيق النفس كما تشتهيه لأعدائك وكما يشتهي أعداؤك لك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فتنجزت في الحال محنتك نقدا ولا تزول النعمة من المحسود بحسدك ، إذ لو كانت النعم تزول بالحسد لم يبق الله عليك نعمة ولا على الخلق ولا نعمة الايمان أيضا لأن الكفار يحسدون المؤمنين على الايمان قال الله تعالى : «ودّت طائفة من أهل الكتاب لو يضلّونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون»بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله ولا حيلة في دفعه ، بل كل شيء عنده بمقدار ، ولكل أجل كتاب ، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ، ولم يكن عليه إثم في الآخرة .
    وأما أن المحسود ينتفع في الدين و الدنيا فواضح ، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيّما إذا أخرجك الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساويه ، فهذه هدايا تهديها إليه بانتقاله حسناتك إلى ديوانه حتى تلقيه مفلسا محروما عن النعمة كما حرمت في الدنيا عن النعمة فأضفت له نعمة إلى نعمة ، وأضفت لنفسك شقاوة إلى شقاوتك .
    وأما منفعته في الدنيا فهو أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وغمّهم وشقاوتهم وكونهم معذبين مغمومين ، ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد ، وقد فعلت بنفسك ما هو مرادهم ، فالحسد ينبغي أن يحكم الحسد فكلما يتقاضاه من قول وفعل ينبغي أن يكلف نفسه بنقيضها ، فان بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسان المدح له والثناء عليه ، وإن حمله على التكبر ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه ، وإن بعثه على كف الانعام عنه الزم نفسه الزيادة في الانعام ، فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود طاب قلبه وأحبّه ، ومهما أحبّه عاد الحاسد وأحبّه وتولد بينهما الموافقة التي تقطع مادة الحسد ويصير ما تكلفه اولا طبعا آخر ، والأصل في العلاج قمع أسباب الحسد من الكبر وعزة النفس وشدة الحرص على ما لا يعني كما يأتي بيانه .