منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع التعرفة الجمركية

  1. بواسطة عطر الامير

    محمد شريف أبو ميسم
    كما هو متوقع، عاد الى الاسماع من جديد صراخ وضجيج بعض التجار ومن يقف خلفهم من المنتفعين جراء انفلات السوق، على اثر تطبيق قانون التعرفة الكمركية في الخامس والعشرين من كانون الثاني، بيد ان الضجيج هذه المرة حمل حجة واحدة وحسب ، بعد أن تعددت الاعذار والحجج في المرات السابقة بين الخشية على الفقراء من الارتفاع في أسعار السلع وبين المطالبة بمنتج محلي بديل.
    ويبدو ان تداعيات الازمة المالية التي تشهدها البلاد، القت بظلالها على مستوى الطلب ما جعل الحديث عن ارتفاع أسعار السلع أمرا بعيد الاحتمال خصوصا وان رسوم تعرفة المواد الأساسية تكاد لا تذكر أمام مستوى الأرباح التي يجنيها التجار وأمام حالة الأمر الواقع والحاجة الماسة لتطبيق القانون التي تمليها الأزمة، فيما ساهمت حملة «صنع في العراق» التي تبنتها وزارة الصناعة ، مع دعم البنك المركزي للمصارف المتخصصة في اسقاط حجة المطالبة بمنتج محلي بديل، لكون ان نقطة الشروع في ايجاد البديل اضحت أمرا واقعا يحتاج الى تطبيق قانون التعرفة الجمركية لتجاوز مرحلة التكيف بأقل الخسائر التي يمكن أن يتعرض لها المستهلك، وبالتالي فان صنّاع الضجيج تمسكوا ببقايا الحجج المتعلقة بتطبيق القانون في جميع المنافذ ، ما منح هذه الحجة شرعية بالغة الأهمية ، وجعلها مطلبا أساسيا لنجاح التطبيق.
    ان هبوط إيرادات المنافذ البرية والبحرية في المحافظات الجنوبية والوسطى الناجم عن توقف عمليات إدخال البضائع المستوردة جراء لجوء التجار لمنافذ أقليم كردستان التي لم تلتزم بتطبيق القانون كما كان متوقعا، يضع الحكومة أمام امتحان حقيقي لبيان مدى قدرتها على ادارة ملف الاصلاح الاقتصادي بحزم وقوة، وقد أشرنا في مقالات سابقة الى معالجة عملية لهذه الاشكالية مفادها «استحداث منافذ جمركية عند الممرات البرية المحاددة لمحافظات الأقليم مع المحافظات الأخرى» تطبق فيها اجراءات التعرفة بكل حزم لوضع حد لهذا الانفلات الذي لن يكون لنا خيار سواه للتصدي لسياسة الاغراق السلعي، وهنا لابد من توقع سماع الضجيج هذه المرة من مدن الأقليم وليس من المدن والموانئ التي أصابها الشلل بسبب تطبيق القانون.. بمعنى ان تطبيق القانون لابد أن يكون على جميع السلع الواردة من الاقليم لأن استثناء السلع المنتجة في الاقليم سيعطي فرصة كبيرة للتحايل وتمرير السلع المستوردة من الخارج على انها سلع منتجة في الاقليم ما سيفتح نافذة كبيرة للفساد ستفضي حتما لتسويف تطبيق القانون وهدم ركن أساسي من أركان دعم المنتج المحلي وبالتالي سيطيح بكل خطوات الاصلاح الاقتصادي الرامية نحو دعم القطاع الخاص وتجاوز مرحلة التكيف بيسر، وهنا سيتصاعد الضجيج وربما يصل الى حد التلويحات السياسية، اذ سيتضرر المنتجون الذين سيشكلون حلقة ضاغطة على حكومة الأقليم لتنفيذ القانون. ومن الأهمية بمكان أن تنتبه الحكومة المركزية على ضوء الاجراء أعلاه الى احتمالية موافقة الادارة المحلية في الأقليم على تطبيق القانون بعد فترة من الزمن تجد فيه الضرر كبيراً على اقتصاد الأقليم، ما يتطلب اصرار حكومة المركز على تنفيذ القانون في تلك المنافذ تحت اشراف الهيئة العامة للجمارك حصرا، وبخلافة يبقى اعتماد النقاط الجمركية بين محافظات الأقليم والمحافظات الأخرى هو السبيل الوحيد لحماية المنتجات المحلية .
    ومن المهم التذكير هنا ان النظام الجمركي وعلى الرغم من التحولات التجارية التي شهدها العالم على اثر العولمة الاقتصادية وبروز منظمة التجارة العالمية ،الا انه ما زال من بين أهم الادوات التي تستخدمها النظم الفيدرالية لتنظيم العلاقات التجارية بين الكيانات الفيدرالية مثلما تعتمدها الدولة القومية لزيادة مداخيلها وتحسين ميزان المدفوعات وحماية وتنظيم أسواقها، ومادمنا ازاء استقلال شبه تام في الأقليم فعلينا أن نسعى جادين لوقف هذا التدهور في شكل العلاقات الاقتصادية ومن ثم تشريع قانون ينظم العلاقات التجارية بين الأقاليم والمحافظات بما يضمن حسن استخدام سلطة الادارات المحلية ولا يضر بالمصلحة العامة وان يراعى مبدأ الحقوق والواجبات بما يحقق العدالة والنفع للجميع ، فماعاد بوسع الاوراق أن تختبئ فقد اصفر لونها وهي حبيسة الأدراج، وآن الأوان أن نتكلم بصوت مسموع ..فعلى الحكومة أن لا تتراجع عن تطبيق قانون التعرفة الجمركية ازاء الضجيج المفتعل، وان تقدّر حجم الثمن الذي ستدفعه الطبقات الفقيرة والمتوسطة في هذه المرحلة التي يراد بها تصحيح مسار العجلة الاقتصادية ، وعليها ان تكون على قدر المسؤولية في وضع الخطط والبرامج وتنفيذها بكل جدية وان لا تتوقع أن تسير عجلة الاصلاح دون عقبات ومطبات يصنعها المنتفعون من انفلات السوق ومن تردي القطاعات الانتاجية في البلاد.
    ان حجم الضرر الذي ستتحمله الطبقات الفقيرة والمتوسطة في مرحلة التكيف مع برنامج الاصلاح نضعه أمانة في عنق الحكومة للمضي باتجاه اصلاحات حقيقية تفضي الى الخلاص من هذا التدهور في واقع القطاعات الانتاجية الذي تتوالد عنه الكثير من الاشكاليات الاقتصادية ، آملين أن لا تكون ارزاق الناس رهينة للمجاملات السياسية.