منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الشفاء من الكبر

  1. بواسطة عطر الامير

    الشفاء من الكبر





    اعلم أنه لا يتم الشفاء من الكبر إلا باستئصال اصله من سنخه وقلع شجرته من مغرسه في القلب وذلك بان يعرف ربه وأنه لا تليق العظمة والكبرياء إلا به ، وأن يعرف نفسه حق المعرفة ليعلم أنه بذاته أذل من كل ذليل وأقل من كل قليل ، ولا يليق به إلا التواضع والذل والمهانة وتكفيه آية واحدة من كتاب الله عز وجل ان فتحت بصيرته ، قال الله تعالى : «قتل الانسان ما أكفره من أي شيء خلقه ، من نطفة خلقه ، فقدّره ،ثم السبيل يسّره ، ثم أماته فأقبره ، ثمّ إذا شاء أنشره» نعم لو أكمله وفوض إليه الأمر وأدام له الوجود باختياره لجاز أن يطغى وينسى المبدء والمنتهى ، ولكنه سلط عليه في دوام وجوده الأمراض الهائلة والأسقام العظيمة والآفات المختلفة والطبايع المتضادة ، من المرة والبلغم والريح والدم ليهدم البعض من اجزائه البعض شاء أم أبى ، رضى أم سخط .
    فيجوع كرها ويعطش كرها ويمرض كرها ويموت كرها ، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا يريد أن يعلم الشيء فيجهله ، ويريد أن يذكر الشيء فينساه ، ويريد أن ينسى الشيء فيغفل عنه فلا يغفل ويريد أن ينصرف قلبه إلى ما يهمه فيحول في أودية الوسواس والأفكار بالاضطرار ، فلا يملك قلبه قلبه ولا نفسه نفسه يشتهي الشيء وربما يكون هلاكه فيه ، ويكره الشيء ويكون حياته فيه ، يستلذ الأطعمة فتهلكه وترديه ، ويستبشع الأدوية وهي تنفعه وتحييه ، ولا يأمن في لحظة من ليله ونهاره أن يسلب سمعه وبصره وعلمه وقدرته وتفلج أعضائه ويختلس عقله ويختطف روحه ويسلب جميع ما يهواه في دنياه ، وهو مضطر ذليل إن ترك ، وإن اختطف فهو عبد مملوك لا يقدر على شيء من نفسه ولا من غيره ، فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه ، وأنى يليق الكبر به لو لا جهله ، فهذا وسط أحواله فليتأمل .
    وأما آخره ومورده فهو الموت المشار إليه بقوله : «ثم أماته فأقبره» فيصير جيفة منتنة قذرة ، ثم تبلى أعضاؤه وصورته ، وتفتت أجزاؤه وتنخر عظامه فتصير رميما رفاتا ثم يصير روثا في أجواف الديدان ، يهرب منه الحيوان ويستقذره كل إنسان وأحسن أحواله أن يعود إلى ما كان ، فيصير ترابا يعمل منه الكيزان ويعمر به البنيان ، فما أحسنه لو ترك ترابا بل يحيى بعد طول البلى ليقاسي شدائد البلاء ، فيخرج من قبره بعد جمع أجزائه المتفرقة ، ويخرج إلى أهوال القيامة فينظر إلى قيامة قائمة ، وسماء ممزّقة مشققة ، وأرض مبدلة ، وجبال ميسرة ، ونجوم منكدرة ، وشمس منكسفة ، وأحوال مظلمة وملائكة غلاظ شداد ، وجحيم تزفر ، وجنة ينظر إليها المجرم فيتحسّر ، ويرى صحايف منشورة كتب فيها ما نطق به وعمل من قليل وكثير ونقير وقطمير ، وهو معنى قوله عز وجل : «ثم إذا شاء أنشره» فما لمن هذا حاله والتكبر ، بل ما له وللفرح في لحظة فضلا عن البطر والتجبر .
    وأما العلاج العملي فهو التواضع بالفعل لله تعالى ، ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين .
    فقد ورد أن رسول الله (ص) : «كان يأكل على الأرض ويقول : إنما أنا عبد اكل كما يأكل العبد» .
    وقيل لسلمان : لم لا تلبس جيّدا ؟ فقال : إنما أنا عبد فاذا اعتقت يوما لبست أشار به إلى العتق في الآخرة ، وللمتواضع امتحانات يعرف لها تواضعه فلا بد أن يمتحن نفسه بها حتى يطمئن بأنه متواضع ، فانه قد يضمر التواضع ويدعي البراءة من الكبر فاذا وقعت الواقعة عادت النفس إلى طبعها ، ونسيت وعدها ، ثم المحمود أن يتواضع في غير مذلة ومن غير تخاسر ، فان كلا طرفي الامور ذميم ، وأحب الامور إلى الله أوسطها ، وهو أن يعطى كل ذي حق حقه وهو العدل .