منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع عفيفة لعيبي .. شهرزاد الحكاية في الفن التشكيلي العراقي المعاصر

  1. بواسطة عطر الامير

    كتب جاسم المطير

    قال عن لوحة الموناليزا الشاعر الأيرلندى إدوارد دودن :
    "أيتها العرافة، عرفينى بنفسك
    حتى لا أيأس من معرفتك كل اليأس
    وأظل انتظر الساعات، وأبدد روحى
    يا سراً متناهى الروعة
    لا تحيرى الوجدان أكثر مما تفعلين
    حتى لا أكره طغيانك الرقيق"




    وعن ابتسامة موناليزا قال الشاعر التشيكى ياروسلاف فرشليكى:

    "ابتسامة مفعمة بسحر السر
    فيهما الحنان والجمال ...
    أتراها تغوى ضحيتها
    أم تهلل لانتصارها.."

    وعن عينيها ويديها قال الشاعر الألماني برونو ستيفان شيرر:

    "ينبثق بريق العينين ... من الأعماق الذهبية
    نبع الأبدية
    ويغطى الشعر قناع ... امرأة وعروس وبتول
    واليد ترتاح على اليد
    تتنفس فى حر الظهر ... أفراح الورد
    والبسمة فوق الشفة ... وفوق الخد

    هذا الشعر المستشرف استطاع أن يوثق ويقيّم مكمن وجوهر لوحة واحدة اسمها الموناليزا رسمها العبقرى الإيطالي ليوناردو دافنشى (1452-1519) . مات منذ ما يقارب من خمسمائة عام لكن لوحته لا تزال حتى اليوم مصدراً من أهم وأخصب مصادر الإلهام للفنانين والأدباء في العالم كله على اختلاف تخصصاتهم وتوجهاتهم... (معلومة من الانترنت – جاسم ).
    ظلت الموناليزا وستبقى محيـّرة وملهمة للفنانين فقد كـُتب عنها وحولها آلاف القصائد الشعرية وألفت أوبرا كاملة باسمها "أوبرا الموناليزا" إضافة إلى آلاف الأبحاث والدراسات الفنية التحليلية بضرب من الانبهار والدهشة.
    من هذا المنطلق ، من هذا البعد الفني ، نظرتُ وما زلتُ انظر بشكل من الإعجاب والعشق الشديدين إلى السيرة الذاتية لفن عفيفة لعيبي وجذوره الأساسية وهي تخوض غمار تاريخها الفني الرافض رفضا قاطعا حاسما لتهميش المرأة العراقية وإبقاء عبوديتها ، في المجتمع والسلطة ، للطغاة الذكوريين، مما جعلها خلال أكثر من أربعين عاما تحاول اختراق أسوار الكبت العالية المكرسة لحبس المرأة في زنازين التبعية و التركيع والاهانة .


    حققت هذه الفنانة في أفعالها التعبيرية الحرة خلال أربعين عاما دورا فنيا صادقا برسوماتها الإيحائية المتعددة المتفردة في طرحها لهموم المرأة بتصوير فني بالغ الدقة والبساطة والواقعية من دون أن تحيـّر النقاد والمشاهدين من محبي رسوماتها، حققت ارتفاعا بالذوق الفني بقدرتها الفائقة في إثارة المونولوج الداخلي لدى المشاهدين وتنمية تيار الوعي والحوار في داخلهم من خلال الاستحضار الرمزي والفيزيائي لمكانة المرأة في الطبيعة والمجتمع بنفس الروح التي استحضرها دافنشي في الموناليزا إنْ لم تكن شخصيات لوحاتها الافتراضية بمستواها أو بأعظم منها حيث نجد نحن المشاهدين في لوحاتها مسوح الصوفيين وبصماتهم بما تحمله ألوانها وموضوعاتها من خيال ومن لذة ومن اكتشاف في أعماق النفس الإنسانية الأليمة. هذا الاكتشاف نجده مرسوما ً بوجوه وحركات جميع نساء لوحاتها كأنها تكتبها بلغة فنية بليغة كما لو كانت تكتب رسائل أخوان الصفا ومقامات بديع الزمان الهمداني . في لوحاتها أسرار وسرور وآلام تجعلنا نتعاطف معها تعاطفاً مباشرا ً. تعطينا أشياء ندرك من خلالها أن المرأة جمال ، وأن المرأة ضرورة في الحياة، وأن المرأة دنيا متحركة نحس بها عن طريق الفنون، وأن المرأة روح تحرك أذواقنا.


    سألت نفسي متطلعاً إلى لوحات الفنانة العراقية المنشورة في كتابها الجميل الغزير، الذي رسم إحدى أهم خرائط الوعي الثقافي التشكيلي في بلاد الرافدين . كتاب صدر في الشهر الماضي عن دار الأديب البغدادية – عمان – الأردن – عام 2012 وهي أيضا دار مغتربة . سألتُ نفسي: تـُرى هل يأتي يوم قادم يحفر فيه نقاد تشكيليون عراقيون أو شعراء ينظمون قصائد عن لوحات عفيفة لعيبي وهي تكافح من داخل أسوار غربتها ومنفاها في العالم الغربي ضد سطوة الآلية الظالمة الموجهة ضد وجود المرأة وقضيتها وإنسانيتها في العالم الشرقي..؟
    ترى هل تريد عفيفة لعيبي أن تستكشف بفنونها أن نصيب المرأة العراقية في المكاره والكوارث ليس شيئا طبيعيا في الحياة والوجود..؟


    ترددتُ في الإجابة السريعة على سؤالي. نحن الآن نعيش بيئة التاريخ الماضي، لا الفنية بل أعني البيئة الاجتماعية ، فقد كانت البيئة الماضية معبئة كل أثقالها لكسر ظهر المرأة بقصد تحويلها إلى " أنثى سريرية " . نحن نعيش في بيئة الحطام الاجتماعي الذي خلفه لنا تاريخ طويل من زمان القهر والاستبداد مما أدى إلى كسر ظهر الفنون والآداب الشرقية أيضاً بقصد تحويلها إلى " متعة مظهرية" من متع الطبقات الحاكمة المتسلطة علينا حتى في زمان الحضارة الجديدة الصاعدة في العالم الغربي كله.


    وجدتْ الفنانة عفيفة لعيبي نفسها مضطرة، ذات يوم، لمغادرة ارض جلجامش وجواد سليم ودجلة العطاء والخير عام 1974 متوجهة وهي في أولى خطواتها الفنية نحو المنفى لملاقاة الحرية والحب وقيم الإنسانية الغراء والسباحة فيها . فعلت عفيفة لعيبي مثلما فعل ، من قبل ومن بعد ، كثير من المثقفين العراقيين والشعراء والأدباء والصحفيين والمسرحيين والسينمائيين والتشكيليين مؤثرين حياة الوحدة الصعبة وحياة الغربة الأصعب من اجل اختراق المسكوت عنه في بلادها للكشف عنه أمام العالم بجرأة فنية لصقت بريشتها وألوانها منذ معرضها الأول ببغداد حيث غادرت وطنها حاملة معها تأملاتها ( انظر لوحة تأمل ملاك) مع حيرة عينيها ( انظر لوحة تفصيل من لوحة الهروب من الجنة ).



    رسمتْ عفيفة في خيالها أنها ستدرك عبر جوالها في العالم أن حلمها الفني سيدرك الواقع الاجتماعي للمرأة الشرقية معتمدة على قدرة مواهبها الناشطة منذ شبابها على تحويل (الخيال التشكيلي) إلى (سحرٍ فني ٍ) منظور ٍ للمرأة العراقية المرسومة بريشة زيتية تكشف عن الرسم والوشم في واقع ٍ سياسي ٍ عراقي ٍ مـُرّ ٍ طوّق المرأة العراقية بذهن منصرفٍ إلى التخلف والقهر. لم تستقر الفنانة في (مكان) لصعوبة وعـُقد (الزمان ) . ظلت تنتقل من بلد إلى آخر بحثا عن (الاستقرار ). انتقلت عفيفة بين اليمن وروسيا وايطاليا حتى استقرت في هولندا قريبة من مدونات عباقرة التشكيل فان كوخ ورامبرانت وموندريان وغيرهم من المعاصرين. هذا التنقل والانتقال منحها رؤية ممتزجة بين الواقع الثلاثي :
    (1 ) واقع المرأة في دولة متخلفة كالعراق واليمن .
    (2) واقع المرأة في دولة اشتراكية كالاتحاد السوفييتي السابق .
    (3) واقع المرأة في دولة رأسمالية كإيطاليا وهولندة.
    هذه المزوجة الثلاثية منحتها قدرة فنية عالية على تشكيل وإنشاء رؤيتها للمرأة الشرقية وللمرأة عموما حملت طابعا فريدا ومتميزا في جميع حركات ريشتها وألوانها بتكنيك مدروس رائع، خال ٍ تماما من أي شكل من أشكال التشابه مع الرسامين الآخرين أو تقليد الفنانين الكبار مما أعطاها دلالة الرؤية الفنية المستقبلية العالمية. ظل فن عفيفة لعيبي في كل مرحلة من مراحل حياتها مضمونا ً جدليا ،آمنا ً ، سالما ً من جميع الحافات الملتوية في الفن التشكيلي . موضوعات لوحاتها جميعا وعن المرأة خصوصا سجلت مكانة تعبيرية- جدلية مجسدة الترابط الحسي بين جميع مكونات وتناقضات واقع حياة المرأة الشرقية وتتابعه وتحوله الكبير في ذهنها. ليس عندي أي شك أن الناظر بعمق إلى لوحاتها يتأثر ويتفاعل ليس فقط مع ما يرى أمامه على وجه اللوحة المعروضة، بل يجد نفسه مشدودا إلى ظهرها أيضا ، إلى فعل ٍ والى حدث ٍ والى زمن ٍ درامي ٍ عبر حالة الإلهام الذي تقدمه عفيفة لعيبي بلغتها الفنية، كما في لوحات (الروتين ص 136) و(فالنتاين ص 142 – 143 ) و (الغذاء الأول ص 141) حيث ينغمس المشاهد من مختلف الجنسيات العالمية بردود أفعال تتعلق بعامل الزمان والمكان مما يضع لوحاتها في ضوء المساحات الفنية العالمية .


    تحت بصري في هذه اللحظة لوحتها المرسومة حديثا بعنوان ( محنة حواء الأبدية ) تليها لوحة (تساؤلات) وتسبقها لوحة (الرجع البعيد). اللوحات الثلاثة تجسد صورا ذهنية مختلفة معبرة عما هو واقع وموجود وموشوم في وجه المرأة العراقية المعاصرة. هذه اللوحات الثلاث تحمل شيئا كبيرا من الافتنان الفني والقدرة الاغرائية لاختصار شبهها بالسيدة ليزا المنطلقة ابتسامتها الغامضة بريشة الفنان العالمي دافنشي في زمان كانت فيه القارة الأوربية تنطلق بإنسانها، رجالا ونساء، للتحرر من الإقطاعية ودخول مجتمع الحرية الرأسمالية. لوحة أو لوحات الفنانة عفيفة نجد فيها لغة فاعلة صامتة لكنها لم تحمل صمت الموناليزا. لوحاتها تنطق أشياء كثيرة مسموعة تعبر فيها بكثافة مذهلة بإيقاع مترابط مع الواقع العراقي حيث تشتبك المعرفة والرؤية في عيون نساء لوحاتها كلها بما فيها اللوحات الحاضرة فيها نساء ألف ليلة وليلة ( عقد اللؤلؤ ص 109) و (الناي ص 92) و( الأرض ص 78 ) و(سجن النساء ص 60 ) .


    لست ناقدا فنيا ولا دارسا تشكيليا لكن قراءاتي العينية للوحاتها قربتني لمقاصدها السيميولوجية في زمن العولمة وهيمنة النظام الرأسمالي. لو كنتُ شاعرا لنظمتُ قصيدة جميلة حول ذلك الترابط في المعنى المرسوم في عيون النساء في لوحات عفيفة لعيبي. لو كنت سينمائيا لصنعت من تجاربها اللونية معارف وطاقات عن كنهِ وجود المرأة في ألوان عفيفة لعيبي وقوة رسوماتها ورصانتها . الآن أجد نفسي مضطرا لتسجيل حالة إعجاب بحركة الريشة الباهرة التي حملتها أنامل عفيفة لتصب في عيون مشاهدي حقيقة الواقع العربي – الإسلامي الذي يقصي المرأة نحو الوحدة كما في لوحة (الوحدة ص 76 ) ونحو القنوط كما في لوحة (الصمت ص 71 ) ، ونحو الكآبة كما في لوحة (الشهيد ص 63 ) ونحو المعاناة كما في لوحتي ( الأم ص 67 وحلبجة ص 73 ) و لتحجب عن وجهها ابتسامتها المنكمشة أو الخائفة . لكن ريشة عفيفة لعيبي لم تستسلم ، لا كفنانة ولا كامرأة ، بل أنها ترى مستقبلا زاهرا عامرا بدور المرأة الحقيقي في الحياة . تبدأ بالتأمل الحركي لوحة (التأمل ص 69 ) منطلقة باتجاه القمر الأحمر وهي تعزف أنشودتها كما في لوحة (القمر الأحمر ص 75 ) منطلقة نحو الأماني كما في لوحة (ساحة التمنيات) تطل منها على نقطة بعيدة كما في لوحة (الموسيقى المتجولة ص 159 ) ولوحة (الفراشة البيضاء ص 153) و(الماندولينو ص 115) و(العصفور الذهبي ص 110) وغيرها من اللوحات.


    الوجود الحقيقي في لوحات عفيفة عن المرأة هو وجود حضاري إنساني عالمي مقارنة بكثير من إعمال فنانين عالميين. لا أخشى مسئولية القول ولا أتردد بأن الضبط الفني لعفيفة لعيبي ليس فيه كثير لهث لكن فيه كثير جهد وكثير من الحساسية المتدفقة، تجعل الكثير من لوحاتها قريبة جدا من موناليزا دافنشي، مثلما هي قريبة جدا من صوت أم كلثوم الصارخ بمعاناة المرأة العربية واشكالياتها في الحياة الداعية إلى حريتها والى كسر قيودها وإطلاق يديها.


    تسارع حركة فرشاة عفيفة لعيبي ودقتها اللونية التعبيرية لإبعاد المشاهد عن كل نوع من أنواع الهواجس فقد وضعت هذه الفنانة جهدها الرئيسي في عملها عن المرأة العراقية - الشرقية وعما تواجهه في حياتها دافعة المشاهدين ليس فقط إلى تلقي قلوبهم المفتوحة لأعمال فنية تسجل موهبة أكاديمية رفيعة المستوى تحمل منافع إنسانية لقضية المرأة بثورية مـُرّة ٍ ممتزجة بالفن التشكيلي، بل دافعة المشاهدين والمتلقين إلى البحث عن أسباب ما تواجهه من دون تغليب اللون التجاري أو الدعائي في حركة ألوانها وفرشاتها وموضوعاتها. غايتها الرئيسية هي خلق الجدل المباشر بين اللوحة والمشاهد كما في لوحة (نضوج فاكهة شجرة المشمش) حيث نجد الشجرة والمرأة مثاليين في لقائهما المنسجم بالنقاء وبالنسغ الحامل لأمل جسدته أنامل الفنانة عفيفة لعيبي بحركة متوهجة بالإبداع المحمول بيد الإرادة والقوة وهي تخاطب نفسها وإنسانيتها بهدوء سيرتها الذاتية في لوحاتها. إنني اسمعها تصرخ بهدوء : أيتها المرأة العراقية كوني موجودة في داخل الوعي والتنظيم والتكامل والاندماج بحركة التغيير .


    لم تقلد عفيفة لعيبي كينونة فن البورتريه برسم الوجوه الآدمية بما يكشف مآسيها إنما ابتدعت طريقتها الخاصة المتميزة في البورتريه فقد شكلت برسومات شخصياتها الافتراضية تطورا جديدا مذهلا في العلاقة النفسية – الداينميكية بين وجه المرأة العراقية في لحظة من لحظات الحركة والسكون مع علامة متجسدة أخرى بمعنى من المعاني ( البرتقال.. الرضاعة .. الباليه ..) مطورة بذلك فن التعبير السيميائي أيضا بنوع جميل من أنواع الترميز غير الفرويدي حين تدفقت فرشاتها برؤية مترابطة بما يجول حول المرأة وقد نجحت تماما في تطوير التعبير التشكيلي وجعله أداة من أدوات المتلقي في تأويل معاني اللوحة الواحدة بل يمكنني الاستنتاج أن عفيفة لعيبي حققت بمنجزها الإبداعي المدون في كتابها ما يلي :
    1- جعلت من اللوحة لغة في التعبير قادرة على التفاعل ليس مع المتلقي بل مع ما يحمله في عقله من علامات اجتماعية تتعلق بالمرأة.
    2- أوجدت في لوحاتها علاقة ترابطية ذات طبيعة رمزية بواقع المرأة العراقية ومجتمعها .
    3- رفعت الكفاءة الذهنية عند مشاهدي لوحاتها للاقتراب ليس من أبعاد اللوحة الفنية حسب، بل من سياقات الواقع الاجتماعي كله.
    يا للروعة.. كم كانت ريشتها جريئة وهي ترسم لوحة سمّتها (عذراء زهرة البرتقال) تحمل على تفاصيل وجهها سردا شفويا يتطابق بين حالين، حال البرتقال الناضج وحال العذراء الناضجة ، حيث الملامح الإنسانية مشحونة بفضيلة نضوج البرتقال على الشجرة. ليس بينهما حوار اللسان لكن بينهما حوار (المطلق) والتشبع (النسبي) بهواء الطبيعة وبتربة الأرض الطيبة . وجدتُ هذا النوع من العلاقة تجسيدا لحداثة الحوار بين العذراء والبرتقال في لوحة فنية جميلة ، بل هو نوع من حوار المقاومة والصمود والانطلاق.


    في غمرة الاضطرابات والمد الإرهابي المفزع في العراق عانى منهما الإنسان العراقي وفي المقدمة المرأة العراقية. هذا المد المستمر لعقود من سيطرة الحكم القمعي لحزب البعث العربي بقيادة الدكتاتور صدام حسين ودولته صورته عفيفة في لوحتها احتراق أبراج بابل وفي لوحتيها عن حرب الخليج (الطوفان) و(الخراب). لم تتجه في هذه اللوحة نحو تهشيم المنظر البابلي إنما صورت حب الحاكم المستبد الجبان الهلوع ، حبه لنفسه ولعرشه، حريقا للحياة مسجلة أن (بعض) مراحل الحياة الاستبدادية أكثر شرا من (بعض) الموت أو التهشيم مما جعل لوحتها وثيقة ذات قيمة فنية وسياسية . أما لوحتها المعنونة (انتفاضة) ففيها يرى المشاهد حركة براقة للوعي الثوري الفطري فيها دلالات وعلامات تجربة الزمان والمكان القاسيين في بلادنا. لوحة (انتفاضة) جاءت على يد عفيفة لعيبي بأسلوب فن ما بعد الحداثة موضحة ديناميكا الزمان بوجه المكان، ليس في اللوحة قاتل ولا قتيل ولا سيوف، لكن فيها واقعية تصويرية مستحدثة عن الفعل ورد الفعل. فيها سقوط ونهوض.. فيها راية عريضة لا تتشظى ..
    بصورة عامة يمكنني تلخيص اكتشافات عفيفة لعيبي بما يلي:
    1- تركيز مهارة ريشتها وحركتها داخل اللوحة لتأكيد أصالتها.
    2- تكشف ببالغ الدقة والاتساع عن الفكر والعاطفة داخل الإطارين العام والخاص في لوحتها .
    3- اللوحة عندها محاولة لاكتشاف ذاتها . من هنا جاء عنوان كتابها أيضا .
    4- رسم صورة المرأة هو الحجم الأكبر في أعمالها .


    بهذه الأهداف الرباعية تحولت عفيفة لعيبي إلى شهرزاد من نوع خاص. شهرزاد تشكيلية قدمت سردها الفني وحكاياتها بخبرة فردية، عارضة إياها ليس إلى شهريار بل إلى عامة الناس لإثراء المسيرة الفنية العراقية بأفكار ومفاهيم فن القيم الجمالية بعيدا عن محاكاة الواقع المجرد مستنيرة بقول اندريه مالرو : (إن المحاكاة هي اكبر عدو للفن) ، بل أنها انطلقت من جاذبية الواقعية الكلاسيكية في القرن التاسع عشر بتوازن مع أساليب الحداثة في أواخر القرن العشرين وما بعده، وهو توازن لا يخلو من مغامرة ناجحة خلقت لها وللتشكيل العراقي كله قفزة واسعة الخطى لا يصنعها غير الفنانين المهرة. وقد استطاعت عفيفة لعيبي أن تكشف بلوحاتها عن أعماق المرأة العراقية والعربية ببراعة الفن الحديث وابتعادها التام والكلي عن (العشوائية اللونية) التي يقع ضحيتها كثير من الفنانين العراقيين الشباب باسم الحداثة مع الأسف.


    اليوم في وقت نجتمع هنا ، نحن البعيدين عن وطننا الأم، منشغلين بقضاياه المعقدة وبقضايا استمرار اضطهاد المرأة العراقية فأننا لا نألو جهدا في توجيه الدعوة الوطنية – الحضارية المخلصة في اعتبار لوحات عفيفة لعيبي ثروة ثقافية – فنية – وطنية ينبغي الحفاظ عليها لما تحمله من كم ٍ معرفي ٍ كبيرٍ آملين من جميع منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق المرأة والفن أن تهتم بتأسيس مركز فني حيوي في مدينة بغداد أو البصرة باسم (مركز عفيفة لعيبي للتبادل الفني) ليكون نافذة عراقية تطل على العالم تضم ليس منتجها حسب ، بل ابرز ما أنتجته إبداعات الفنانين العراقيين في الغربة والمنافي لاستعادة روح الانفتاح وقيم الحوار الفني والإنساني وخلق بيئة ثقافية ملائمة لتطوير واقع المرأة العراقية.


    أخيرا وليس آخرا ينبغي أن يكون فن عفيفة لعيبي في اختصاصها بفن الجداريات مركزا حيويا مشعا للتفاعل الثقافي – الفني حول المرأة أرى ضرورة تعاون جميع المنظمات النسائية العراقية في إقناع الجهات العراقية المسئولة في بغداد تحميل إحدى ساحاتها أو شوارعها الرئيسية بجدارية كبرى عن المرأة العراقية ترسمها وتؤسسها ريشة الفنانة عفيفة لعيبي لتكون جدلية شامخة عن المرأة العراقية تعلو في سماء بغداد كما تعلو فيها جدلية الحرية ، جدارية جواد سليم .
    أرجوكم أيها المستمعون أيها القراء أيها الفنانون العراقيون أيها المسئولون الرسميون مجدوا شهريار الفن التشكيلي العراقي عفيفة لعيبي.
  2. بواسطة Rain

    دائما مميز في انتقاء المواضيع
    شكرا جزيلا على المجهود الرائع
    تحياتي
  3. بواسطة عطر الامير

    ودائما رائعة بالرد
    والتعليق ران