منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع علم البكاء والدموع

  1. بواسطة عطر الامير

    ماندي أوكلاندر ترجمة – أنيس الصفار

    يتخصص {مايكل ترمبل} بعلم الاعصاب السلوكي، ولكنه صاحب تميز غير مألوف في ذلك الاختصاص، فهو واحد من ابرز خبراء العالم في علم البكاء، أو بكلمة أخرى في علم الدموع. كان ترمبل يستعد لتقديم مقابلة عبر اذاعة {بي بي سي} عندما سألته احدى العاملات في الاذاعة سؤالاً غريباً. قالت له: {بعض الناس لا يبكون مطلقاً .. فلماذا؟} بعد ذلك طفقت العاملة تصف له حالة زميل لها مؤكدة انه لا يمكن أن يبكي ابداً. قالت: انها اصطحبته ذات مرة لمشاهدة فيلم {البؤساء} وهي على يقين كامل من أن أحداث الفيلم لابد من أن تعتصر من عينيه ولو دمعة أو دمعتان، ولكن ذلك لم يحدث ابداً وبقيت عيناه ناشفتين كما هما. احتار ترمبل ولم يدر بمَ يرد، لأنه والحفنة القليلة من العلماء امثاله، الذين قضوا سنوات عمرهم في دراسة ظاهرة البكاء لدى الانسان، كانوا يركزون دائماً على الأعين الدامعة ولم يخطر لهم ابداً أن يلتفتوا الى الأعين الناشفة. لذا بادر قبل بداية البرنامج الى اعداد عنوان على البريد الالكتروني ثم طلب من مستمعيه على الهواء الذين لم يسبق لهم أن بكوا على الاطلاق أن يتصلوا به على ذلك العنوان، وفي ظرف ساعات قليلة كان ترمبل قد تلقى مئات الرسائل.


    لغز من الالغاز

    يقول ترمبل اليوم: {اكتشفنا أننا لا نعرف شيئاً عن الذين لا يبكون} وواقع الأمر أن كثيراً من العلماء لا يعرفون ما يكفي حتى عن الذين يبكون، أو انهم لا يتمكنون من الاتفاق على رأي موحد بخصوصهم. فقد أعلن {شارلز داروين} ذات مرة أن دموع العاطفة {ليست لها غاية} على حد تعبيره، وبعد مرور 150 عاماً لا تزال دموع العاطفة من بين الغاز الجسم البشري الأشد غموضاً واثارة للحيرة. فعلى الرغم من أن هناك انواعاً اخرى من الكائنات الحية القادرة على ذرف الدموع كرد فعل تلقائي تجاه الألم أو التهيج يبقى الانسان المخلوق الوحيد الذي يذرف الدموع بتأثير الانفعال والعاطفة. للدموع عند الاطفال دور واضح وحيوي في اجتذاب اهتمام الكبار واستدرار عطفهم وعنايتهم، ولكن ماذا عن البالغين؟ الأمر هنا اقل وضوحاً. من الواضح طبعاً أن الاشجان القوية تحرك الدموع، ولكن ما الغاية من ذلك؟
    الحقائق المؤكدة بشأن هذه التجربة الانسانية نادرة الى حد يثير الدهشة. فعلى مدى قرون عديدة بقي الشك قائماً لدى العلماء في أن لا تكون للبكاء اي فائدة حقيقية تتعدى الجانب الفسيولوجي (المتمثل في أن الدموع مهمتها ترطيب العينين وتسهيل حركتهما). عدا هذا كان الباحثون يركزون الاهتمام في دراساتهم على العواطف اكثر من الجوانب الفسيولوجية التي تبدو وكأنها مجرد نتاج عرضي. في العام 2013 كتب {أد فنغرهويتس}، وهو استاذ من جامعة {تلبرغ} في هولندا ومن ابرز خبراء العالم في البكاء، في كتابه المعنون {لماذا لا يبكي إلا البشر}: {الحب هو ما يعنى العلماء به وليس مشاعر الترقب والقلق.}
    بيد أن البكاء يتعدى كونه مجرد عرض دال على الحزن، كما يثبت لنا فنغرهويتس وآخرون، إذ أن هناك نطاقاً كاملا من المشاعر التي يمكن أن تطلق الدمع من مكامنه تتراوح بين التعاطف مع الاخرين والاحساس بالمفاجأة الى الغضب او الحزن. وعلى خلاف تلك الفراشات المدغدغة التي نشعر بها ترفرف في الهواء من حولنا حين نقع في الحب فإن الدموع اشارة يستطيع الآخرون رؤيتها. إدراك هذه المسألة وفهمها مرتكز أساسي يستند اليه الفكر الحديث في علم البكاء والدموع.
    لم يكن داروين هو الوحيد الذي اعطى وجهات نظر قوية لتبرير انسياب الدموع من عيون البشر، حيث تظهر لنا بعض الحسابات أن البشر كانوا يتساءلون منذ 1500 عام قبل الميلاد عن المصدر الذي تأتي منه الدموع والاسباب التي تجعل الناس يذرفونها. يقول فنغرهويتس أن الناس على مدى قرون عديدة كانوا يعتقدون أن القلب هو منبع الدموع، وقد جاء في توراة العهد القديم أن الدموع ناتج عرضي يتكون عندما تلين مادة القلب وتتحول الى ماء. وفي القرن السابع عشر كانت هناك نظرية شائعة تزعم أن العواطف (خصوصاً عاطفة الحب) تسخن القلب وعندئذ يتولد بخار ماء يبرّده. بعد ذلك يرتفع البخار من القلب الى الرأس حيث يتكثف في اماكن قريبة من العينين ثم يخرج منساباً على شكل دموع.
    أخيراً اكتشف عالم دانماركي اسمه {نيلز ستينسن} في العام 1662 أن هناك غدة تسمى الغدة الدمعية هي الموقع الحقيقي الذي تتكون فيه الدموع. عندئذ فقط بدأ العلماء محاولة فك اللغز ومعرفة الفوائد التطورية المحتملة التي يمكن أن يسبغها هذا السائل الذي يجري من العينين. تقول نظرية ستينسن: إن الدموع ببساطة هي وسيلة لترطيب العين ومنع جفافها.

    دراسات وأدلة

    قليل من العلماء فقط كرسوا دراساتهم لمحاولة اكتشاف الاسباب التي تجعل الانسان يذرف الدمع، وحتى هذه القلة لم توفق في التوصل الى اتفاق بهذا الشأن. وقد اورد فنغرهويتس في كتابه ثماني نظريات متنافسة، بعضها سخيف ومضحك مثل النظرية التي طرحت في الستينيات وتقول: إننا كبشر قد تطورنا من قرود مائية وأن الدموع كانت تعيننا على العيش في المياه المالحة. اما البعض الآخر من تلك النظريات فقد تمكن من البقاء الى يومنا رغم انعدام البرهان، مثل الفكرة التي اشاعها عالم الكيمياء الحيوية {وليام فري} في العام 1985 التي تزعم أن البكاء يزيل من دمنا المواد السمية التي تتراكم خلال فترات التوتر النفسي.
    بيد أن الادلة تتجمع في دعم بعض النظريات الأحدث والاكثر منطقية وقبولا. احدى هذه النظريات تقول: إن الدموع تطلق اواصر تواصل معينة بين البشر. ففي حين تولد معظم الحيوانات الأخرى كاملة التكوين يدخل الانسان عالمه هشاً ضعيفاً غير مؤهل بدنياً للتعامل مع اي شيء بمفرده. ورغم اننا كلما كبرنا ازددنا قدرة وقوة في الجانبين البدني والعاطفي فإن الكبار والبالغين منا لا يمكنهم ابداً أن يبلغوا الحد الذي يقيهم الوقوع في نوبة ضعف أو عجز بين حين وآخر. يقول {جوناثان روتنبرغ} وهو باحث في العواطف واستاذ علم السايكولوجي في جامعة {ساوث فلوريدا}: {الدموع اشارة لنا وللآخرين بأننا واقعون في مشكلة جدية تتخطى، ولو آنياً، قدرتنا على معالجتها. وهذا تفرع من المنبع الذي تأتي منه الدموع اصلاً.}
    كذلك عثر العلماء على أدلة تفيد بأن الدموع التي تثيرها العاطفة تختلف في تركيبها الكيميائي عن تلك التي يذرفها الناس حين يقطعون البصل مثلاً، وهذا قد يفسر لنا لماذا يرسل البكاء وسيلان الدموع الى الآخرين تلك الاشارة القوية. علاوة على ما تحتويه مختلف انواع الدموع من الانزيمات والدهون والنواتج الأيضية والاملاح تتميز دموع التأثر العاطفي بارتفاع نسبة البروتين فيها. وتفيد احدى النظريات أن هذا المحتوى البروتيني يجعل دموع العاطفة اكثر لزوجة بحيث تلتصق بالجلد بقوة اكبر وتجري على الوجه ببطء، الأمر الذي يجعل احتمال رؤيتها من قبل الآخرين أعلى.
    كذلك تكشف دموعنا للآخرين أننا لسنا محصنين وأن فينا رغم كل شيء جوانب ضعف، والكشف عن الضعف عامل مهم في العلاقات الانسانية. يقول ترمبل: {هناك مساحات عصبية في الدماغ تستثار لدى رؤية إنسان آخر واقع تحت التأثير العاطفي كما لو كان الشخص نفسه واقعاً تحت ذلك التأثير. فلابد إذن أن هناك نقطة في الزمن من تاريخ تطورنا كانت فيها الدموع وسيلة لتحريك التعاطف مع الآخرين والاحساس بهم بشكل تلقائي. بل في الواقع أن امتلاكنا القدرة على البكاء عاطفياً، والتجاوب مع ذلك حين نراه عند الاخرين، جانب اساسي مهم من انسانيتنا.}
    ثمة نظرية اخرى اقل مداعبة للقلب تركز على قوة الدموع في استغلال الآخرين. يقول روتنبرغ: {نتعلم منذ وقت مبكر في حياتنا أن للدموع تأثيراً قوياً على الآخرين، فهي فعّالة جداً في كسر حدّة الغضب لديهم.} لذا يعتقد أن هذا سبب مهم في كون الدموع جزءاً لا يتجزأ من الخصام بين الأحبة، خصوصاً عندما يكون لدى احدهم شعور بالذنب ويريد من الآخر أن يسامحه. يمضي روتنبرغ قائلاً: {يطيب للكبار أن يتصوروا أنهم قد تخطوا هذه المرحلة وتركوها وراء ظهورهم، ولكني اعتقد أن وظيفة الدموع تلك تبقى ترافقهم طول حياتهم وتستمر في العمل.}
    ثمة دراسة صغيرة نشرتها مجلة {ساينس} يشار اليها على نطاق واسع ويضخمها الاعلام كثيراً. توحي تلك الدراسة بأن دموع النساء تحتوي على مكوّن يكبح الدافع الجنسي لدى الرجل، ولكن {نعوم سوبيل} وهو احد الباحثين الذين اجروا الدراسة يقول: ان عناوين الاخبار اوجدت انطباعاً خاطئاً لما توصلت اليه الدراسة. فالدموع قد تعمل على كبح الدافع الجنسي، ولكن تأثيرها الأوسع في اعتقاده هو انها تكبح الاندفاع العدواني بوجه عام، وهو ما كانت الدراسة تبحث فيه. كما أن دموع الرجال قد يكون لها هذا التأثير نفسه. ويعكف الدكتور سوبيل ومجموعة الباحثين الذين معه حالياً على تمحيص مكوّنات الدموع، التي يفوق عددها 160 نوعاً من الجزيئات، لتشخيص المكوّن المسؤول عن هذا التأثير.

    الذين لا يبكون

    ولكن ما الذي يعنيه هذا كله بالنسبة للذين لا يبكون؟ هذا هو السؤال الذي يعكف الباحثون على ايجاد جواب له الآن. فإذا كانت الدموع مهمة الى هذا الحد في قيام الروابط الانسانية، هل معنى ذلك أن الروابط الاجتماعية لدى من لا يبكون ابداً تكون اضعف؟ يبدو أن هذا هو بالفعل ما توصلت إليه البحوث الأولية، كما يقول {كورد بينيجيك} المتخصص في السايكولوجيا السريرية والاستاذ في جامعة {كاسيل} في المانيا. اجرى هذا العالم جلسات علاجية لاكثر من 120 شخصاً ثم عاد يدقق ويفتش ليرى إن كان الذين لا يبكون يختلفون حقاً عن الذين يبكون فوجد أن من لا يبكون يكونون اكثر ميلاً للعزلة ووصف علاقاتهم بأنها اضعف تواصلاً. كذلك وجدهم اكثر عرضة للمشاعر العدوانية السلبية، مثل الغضب الجامح والنقمة والنفور، من اولئك الذين يبكون.
    نحن بحاجة الى مزيد من الابحاث للجزم بما إذا كان من لا يبكون مختلفين فعلا عنا نحن الآخرين، وبعض هذه الابحاث سوف تعطي نتائجها قريباً. فالاشخاص الذين ردوا على بريد ترمبل الالكتروني في ذلك الصباح من عام 2013 هم اليوم عناصر في اول دراسة متخصصة تتناول الأشخاص الذين يحملون مثل هذا الميل.
    من الناحية الفعلية ليس ثمة دليل مؤكد على أن الاستسلام للدموع يرتد بأي تأثيرات ايجابية على الصحة، رغم هذا تبقى الاسطورة حية، تلك التي تقول أن البكاء هو وسيلة للتخلص من السموم، العاطفية والبدنية، فكأن الأمر شكل من اشكال التمرين البدني، كما يقول روتنبرغ. احدى الدراسات التحليلية امعنت النظر في مقالات تتعلق بموضوع البكاء والدموع نشرت عبر صفحات الاعلام على مدى 140 عاماً. وجدت الدراسة أن 94 بالمئة من تلك المقالات تصف البكاء بأنه مفيد للعقل والبدن، وأن حبس الدموع يرتد على الانسان بتأثيرات عكسية. يقول روتنبرغ معلقاً: {هذا اقرب الى الخرافة، إذ ليس من سند علمي يدعم هذه الرؤية.}
    من التصورات الاخرى التي تشيع المبالغة بها فكرة أن البكاء يعقبه دائماً الارتياح والاسترخاء. يقول {راندي كورنيليوس} استاذ السايكولوجي في كلية فاسار: {هناك تصور شائع بأننا نشعر بالتحسن بعد أن نبكي، ولكن الدراسات التي اجريت في هذا المجال تدل على أننا لا نشعر بتحسن حالنا بعد البكاء مباشرة. فعندما عرض الباحثون على مجموعة من الاشخاص في المختبر فيلماً محزناً ثم قاسوا مستوى المشاعر عندهم بعد انتهائه وجدوا أن من بكوا كانوا اسوأ مزاجاً من اولئك الذين لم يبكوا.

    علاقة البكاء بالتنفيس

    بيد أن هناك ادلة اخرى تدعم الرأي القائل بأن الاجهاش بالبكاء والاستسلام للدموع يسفران عن شيء من التنفيس. ويبدو أن أحد اهم العوامل هنا هو أن تعطى التأثيرات الإيجابية للبكاء (الذي يعمل عمل التفريغ) وقتاً كافياً كي تتغلغل في النفس الى أن تبلغ هدفها. فعندما عرض فنغرهويتس وزملاؤه على مجموعة من الاشخاص فيلماً مؤثراً من تلك التي تهيج الاحزان وتستدر الدموع ثم اخذوا قراءات المزاج لديهم بعد مرور 90 دقيقة، بدلا من اخذها عقب انتهاء الفيلم مباشرة، وجدوا أن الذين بكوا كانوا في مزاج احسن مما كانوا عليه هم انفسهم قبل عرضه. لذا يعتقد فنغرهويتس أن فوائد البكاء، متى ما أمكن تفسيرها بشكل واضح، سوف تكون وسيلة فعالة للتعافي من آثار الهزات العاطفية العنيفة.
    لا تزال البحوث المعاصرة في مجال البكاء والدموع تحبو في اول الطريق، ولكن اسرار الدموع وغوامضها، بالاضافة الى الأدلة الحديثة التي تؤكد انها اعظم شأناً مما كان العلماء يعتقدون في الماضي، تدفع فنغرهويتس ومجموعته الصغيرة من الباحثين للاستمرار في بحوثهم على هذا الطريق. يقول فنغرهويتس: {الدموع لها ارتباط بالغ بالطبيعة الانسانية. فعندما نبكي انما نعبر عن حاجتنا الى الآخرين، لذا كان داروين مخطئاً كل الخطأ في هذا الجانب.}

    عن مجلة تايم
  2. بواسطة رفاه

    طرح رائع شكرا
  3. بواسطة محبوب القلوب

    مجهود مميز منك

    أحسنتِ النشر وجزاك الله خير الجزاء
  4. بواسطة عطر الامير

    حياكم الله
    شكرا لحضوركم