منتديات نبع الفرات

تمت ارشفة منتديات نبع الفرات

المشاركات من الموضوع الحياة الزوجية عند أهل البيت

  1. بواسطة بهلول الرشيد

    أهل البيت و المسألة الجنسية :
    تحتل المسألة الجنسية جزءاً كبيراً من فكر الإنسان نظرا لما تشكله من ضغط و ما تمثله من حاجة مستمرة . و نظراً لذلك فإن رأي البشر من اجل حلها كان أمام طريقين : القمع و الاباحة المطلقة . بينما كان للوحي طريق ثالث .
    أ ـ القمع : توجه الرهبان و الصوفية :
    منذ البدايات و حيث كان البشر يفتش منفرداً عن طريق يوصله إلى الله سبحانه رأى ان هناك تناقضاً بين الدنيا و الآخرة ، و بين الغرائز و السمو ، لذلك اتخذ طريق رفض الاولى ، فهو يرفض الطعام اللذيذ ـ بالرغم من أنه نعمة الله ـ لكي يحصل على الآخرة ، و هو يترك اللباس النظيف و الناعم مستبدلاً به الصوف و الخشن لكون الأول يصده عن التوجه إلى الله ، و هو يترك الزواج ايضا لأن المقاربة الجنسية دليل تعلق بالدنيا .
    و فيما يرتبط بالمسألة الجنسية عززها ما فهم لدى بعض المتدينين من كون المرأة مثالاً للخطيئة ، من خلال تفسيرهم لقصة خروج آدم و حواء من الجنة ، و كون المسيح عيسى بن مريم ( عليه السلام ) قد عاش حياة عزوبة و صدود عن النساء .
    إن اساس هذا التوجه قائم على امرين :
    1 ـ إن ترك المقاربة الجنسية بل قمع الغريزة الجنسية في النفس يفسح المجال للطاقات العاقلة و المبدعة لكي تتبلور و تبرز ، و كما ان القيام بالتمارين الرياضية ينفع البدن في ازالة الشحوم الاضافية الضارة و في ابراز العضلات و القوة ، فإن هذا القمع للغريزة الجنسية عبر عصيان نداءاتها و عدم الالتفات اليها ، يعتبر رياضة روحية تنفع في اطلاق الملكات الكامنة و عبقرية النفس ، بينما الاصغاء اليها ـ في رأيهم ـ و تلبية مطالبها يجعل الإنسان أسير الشهوة و عبد الغريزة فتنطفىء مصابيح الحكمة في قلبه .
    2 ـ إن التفرغ لعبادة الله و طلب ما عنده من الفضل يقتضي اخلاص التوجه اليه قلباً و قالباً ، فلا يتعلق القلب بغير حب الله ، و لا ينشغل القالب سر عبادته ، و كل استجابة لغريزة من الغرائز تعتبر عبادة لمتعلق تلك الغريزة لذلك فإن اخلاص العبادة ـ في رأيهم ـ يقتضي التخلص من هذه الغرائز و تركها . و هذه المذاهب وجدت ( في العصور القديمة و خالفت مبدأ الجنس ، و ان هذه الفكرة كانت تلاقي رواجاً بالاخص في المناطق التي سادت فيها الديانتان المسيحية و البوذية وان " سر تارك " يذكر لنا نماذج من هذا التفكير العجيب القائل بأن الخبث و الضياع امران ملازمان لكل علاقة جنسية ) .
    و في المناطق التي عاشت بعيدة عن تأثير الديانتين البوذية و المسيحية ظهرت مذاهب و وجد رهبان دعوا الى التبتل و العزوبة . .
    ( . . و على ما يبدو فإن فكرة خبث " العلاقة و المقاربة الجنسية " راجت عند المسيحيين لهذا الحد بسبب تفسير من جانب الكنيسة في بداية تأسيسها حول حياة العزوبة التي عاشها عيسى المسيح ، فقد قيل بأن المسيح عاش أعزب بسبب الخبث الذاتي الموجود في العلاقة الجنسية و لذلك فإن رجال الدين المسيحيين عرفوا الارتقاء الى المراتب الروحية العالية بعدم المخالطة مع المرأة طيلة حياة الفرد كما ان البابا يجب أن ينتخب من بين اناس لم يخالطوا النساء مطلقا ، و رجال الكنيسة يعتقدون بان التقوى من الفرد الابتعاد عن ا لزواج . . ) .
    ولم تكن هذه الفكرة مقصورة على البوذية و المسيحية بل وجدت حتى بين المسلمين بالرغم من تعاليم الإسلام الواضحة التي تعتني بالدنيا للآخرة . فقد جاءت زوجة عثمان بن مظعون عاطلة عن الزينة ، فسألتها احدى زوجات الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) عن سبب ذلك فأخبرتها ان زوجها يصوم النهار و يقوم الليل و لا يقربها ، فاخبرت بذلك الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) فخرج إلى اصحابه فقال : اترغبون عن النساء ؟! اني آتي النساء و آكل بالنهار و أنام بالليل فمن رغب عن سنتي فليس مني ، و قد انزل الله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ فقالوا يا رسول الله : انا حلفنا على ذلك !! فأنزل الله : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... ﴾ .
    و كذلك نجد ان امرأة تترك التزويج ، رغبة في الفضل ، و تتقرب بذلك إلى الله ، فقد جاءت امرأة للإمام الصادق ( عليه السلام ) فقالت : اصلحك الله اني متبتلة فقال لها : و ما التبتل عندك ؟! قالت : لا اريد التزويج ابداً ؟ قال : ولم ؟! قالت : التمس الفضل في ذلك . . فقال : انصرفي فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة ( عليها السلام ) أحق به منك ، انه ليس احد يسبقها إلى الفضل .
    هذا هو الطريق الأول الذي اختاره البشر لمعالجة المسألة الجنسية و يتلخص في ضرورة قمع الغريزه بترك الاستجابة لها ، و اغفال نداءاتها من اجل اطلاق الطاقات العقلية الكامنة من جهة و لأجل التقرب الى الله ـ في رأيهم ـ من جهة أخرى .
    ب ـ الحرية الكاملة : افراز الحضارة الحديثة :
    بعد ذلك المشوار الطويل الذي سلكه البشر ( أو بعضهم ) في قمع المسألة الجنسية جاؤوا من جديد ليسلكوا طريقاً معاكساً للسابق ، و ذلك بفتح الباب على مصراعيه في عبادة اللذة ، و ممارسة هذه الغريزة .
    و تنطلق هذه الممارسة من نقاط ثلاث :
    * اعتبار الممارسة الجنسية عملاً عادياً تؤديه بعض أعضاء الإنسان بشكل آلي ، تماماً كالاكل و الشرب و النوم . . و كما ان هذه الاعمال عادية و طبيعية عند البشر ، فإن الممارسة الجنسية ـ حسب هذه النظرية ـ يجب أن تكون كذلك . بكثرة الممارسة و في مختلف الظروف ، و دون قيود او حدود ، و متى اصبحت كذلك : كثيرة ، و دون قيود ، فقد انتهت كمشكلة .
    اعتبار المسألة الجنسية امر شخصي ، يحدده رغبة الطرفين المشتركين فيه ، من دون دخل للقانون ، او حتى للعرف الاجتماعي في تحديده سواء في الكمية أو في طريقة الاداء . . فحسب اصحاب هذه النظرية ما دامت المسألة لا تتعارض مع حرية الآخرين فإن الأمر متروك لطرفي هذه الممارسة . و متى ما اخلت بحرية الآخرين فانها تقيد بذلك المقدار . و بالتالي فلا دخل للقانون و لا للعرف في تحديد طريقتها او كميتها في الاساس . لأنها شأن شخصي . . تماما كما لا يستطيع القانون أن يحدد عدد ساعات النوم بالنسبة للشخص ، أو مقدار ما يأكل .
    " و لأن هذه الممارسة عمل ( عادي ) و ( آلي ) كالأكل ، و لانها من جهة أخرى شأن ( شخصي ) لذلك لا يوجد مكان يمنع فيه ممارستها لانها بحسب رغبة ( الشخص ) ، سواء في الحديقة العامة أو في المنزل .
    هذا فضلا عن سائر القيود ( الدينية و الشرعية ) و هذا يصح و ذاك لا يجوز !!
    و كان من نتيجة هذه النظرية ، نلاحظ اليوم في الغرب من انهيار سريع لنظم العائلة و من انفجار شهواني مدمر ، و من النسب المتزايدة في اعداد الأطفال غير الشرعيين و إلى آخر القائمة .
    الإسلام و الجنس :
    و قبل ان نبدأ بالحديث عن بصيرة الإسلام من خلال تطبيقات المعصومين عليهم السلام نعيد الى الذهن ما سبق بحثه حول الجانب البشري و الغيبي لأهل البيت و نعيد القارىء إلى ذلك الفصل قبل ان يبدأ بقراءة الاسطر التالية :
    بعد الفراغ من اهمية الزواج نعتقد ان الله سبحانه ما خلق في الإنسان عضوا و لا غريزة إلا بهدف ، و هدف سام أيضاً ، إذا تم توجيه ذلك العضو و تلك الغريزة الاتجاه السليم . و هؤلاء المتصوفة أو الرهبان يعتقدون دون أن يشعروا انهم اعرف من الله ؟! و ابصر منه بطريق عبادته ، و العياذ بالله ، و ان خلق هذه الغريزة قد تم في غفلة و بدون تخطيط ، و لذلك فهم مكلفون ان يتداركوا هذا الخطأ بقمعها و القضاء عليها !! فهذه الطريقة ليست فقط لا تقرب لعبادة الله ، بل قد توصل إلى حد الكفر بالله ، عبر المعرفة الخاطئة به سبحانه .
    أما فيما يرتبط بتبلور الطاقات الكامنة فقد وجدنا ان اكثر الأنبياء بشكل مطلق و على رأسهم و افضلهم نبينا محمد ( صلى الله عليه و اله و سلم ) و هو العقل الاكمل و الخلق الافضل في هذا الكون ، كانوا قد اعلنوا ان سنتهم هي الزواج بل نجد ان لهذا الرسول الأعظم ( صلى الله عليه و آله و سلم ) تسع زوجات بشكل دائم ، ولم يؤثر ذلك في ملكاته و مواهبه إلا صقلا ًو ابرازاً او ( من رغب عن سنتي فليس مني ) و في المقابل وجدنا غالب أولئك المعتوهين و ذوي الشطحات من غير المتزوجين .
    أما النظرية الثانية فالنتائج التي اسفرت عنها خلال هذه الفترة القليلة من تطبيقها في الغرب افضل رد عليها ، و لكونها كذلك فلا نكلف أنفسنا عناء مناقشتها .
    أما عن المسألة الجنسية في الإسلام ، فنحن نعتقد انها تتميز ، لأمور التالية :
    1 ـ عملية هادفة لاستمرار النوع
    في البداية ينبغي أن نوضح ان الله سبحانه و تعالى عندما خلق هذا الإنسان ( في احسن تقويم ) رتب كل جزء فيه و كل خلية و عضو فيه لأجل هدف ، و لا يستطيع العقل البشري تصور نموذج اكمل من هذا النموذج الذي خلقه الباري سبحانه .
    و إذا كان لكل نوع من المخلوقات نوع خاص من التكاثر و التوالد فإن ارقى طرق الاستمرار في الخلق ما نجده لدى الإنسان عبر العملية الجنسية و ما يتبعها من امور الحمل و الولادة و الرضاع . .
    2ـ تعبير حسي عن الحب القلبي :
    حين نتأمل في النصوص التي تتناول هذه القضية نجدها تبتعد بها عن الحالة الآلية المجردة ، لتحولها إلى حالة انسانية ، و من وظيفة اعضاء إلى عواطف قلوب ، و لذلك نقرأ في الآية الكريمة ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
    إننا نجد في الآية المباركة ، التي تأتي في سياق تعداد الآيات الكبرى لله في الكون من خلق البشر من تراب ، ثم آياته في خلق السماوات و الارض ، و اختلاف الالسن و اللغات و تغاير الالوان و العناصر . . فهذه الآية تأتي في سياق تبيان آيات الله الكبرى . . و الحق ان التحول الذي يحدث في حياة اثنين كانوا غرباء كل الغربة عن بعضهما لأيام خلت ، فإذا الرحمة بينهما و إذا المودة ، و إذا السكن الزوجي ، هذا التحول فيه آيات كافية لمن اراد ان يتفكر .
    3 ـ البعد الروحي في المسألة الجنسية :
    لا يكتفي الدين باعطاء هذه العملية هدفا يتصل بالتكاثر و لا بتأطيرها بالرحمة و المودة و الحب ، إنما يعطيها بعداً روحياً سامياً حيث يحولها ـ نظراً لما تحمل من معان ـ الى احدى العبادات ، فيضع لها قوانين و مستحبات ، و اذكار .
    ـ فعن امير المؤمنين ( عليه السلام ) قال : إذا جامع احدكم فليقل : بسم الله ، اللهم جنبني الشيطان و جنب الشيطان ما رزقتني . . قال ( عليه السلام ) فإن قضى الله بينهما ولدا لا يضيره الشيطان بشيء ابداً .
    ـ و ورد أيضا : إذا قرب الزفاف يستحب ان تأمرها ان تصلي ركعتين و تكون على وضوء إذا ادخلت عليك و تصلي انت أيضا مثل ذلك و تحمد الله و تصلي على النبي و آله و تقول ( اللهم ارزقني الفها و ودها و رضاها بي و ارضني بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و ايسر ائتلاف فانك تحب الحلال و تكره الحرام ) .
    و اهمية هذا الجانب تظهر في تحول العملية الى طريق للتقرب الى الله عبر صيانة الإنسان نفسه من الحرام ، و التزامه في قضاء شهوته ـ و هي حاجة انسانية بحتة ، بل هي بتجردها الى الجانب الحيواني أقرب ـ التزامه في قضائها بالطريقة الإلهية .
    و هذا الموقف الملتزم بالتشريع الالهي من قبل المؤمن لا يختلف بحسب متعلقاته ، من صلاة أو صوم أو جهاد أو زواج ، إذ ان المطلوب من المؤمن هو اصل الالتزام و ايجاد حالة الخضوع و الاستسلام لأمر الله في نفسه ، و لذلك فإننا نجد أن كثيرا من الأحاديث تساوي بين هذه المتعلقات و الافعال ، مع اننا نعلم في الخارج و بادىء ذي بذء بوجود اختلاف و تمايز بينها ، و ما تلك المساواة إلا اشارة إلى مبدأ الاستسلام و الخضوع المطلوب من قبل العبد لله سبحانه .
    فقد دخل رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) بيت ام سلمة فشم ريحاً طيبة ، فقال : اتتكم الحولاء فقالت أم سلمة : هو ذا هي تشكو زوجها فخرجت عليه الحولاء فقالت : بأبي انت و أمي ان زوجي عني معرض ، فقال : زيديه يا حولاء ، فقالت : لا اترك شيئاً طيباً مما اتطيب له به و هو معرض ، فقال : أما لو يدري ما له باقباله عليك !!
    قالت : و ما له باقباله علي ؟! فقال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : اما انه إذا اقبل اكتنفه ملكان و كان كالشاهر سيفه في سبيل الله ، فإذا هو جامع تحات عنه الذنوب كما يتحات ورق الشجر فإذا هو اغتسل انسلخ من الذنوب .
    و يفسر الإمام الصادق ( عليه السلام ) الأمر المتقدم بنقله قول الرسول ( صلى الله عليه و اله و سلم ) لابي ذر : ائت اهلك تؤجر ، فقال : يا رسول الله آتيهم و أؤجر ؟! فقال رسول الله : كما انك إذا اتيت الحرام أزرت كذلك إذا أتيت الحلال أجرت .
    و يعتبر العمل الجنسي ما دام في طريقه الحلال ( صدقة ) . فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) ان رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قال لرجل من اصحابه يوم الجمعة : هل صمت اليوم ؟! قال : لا قال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) فهل تصدقت بشيء ؟! قال : لا ، قال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) له : قم فأصب من اهلك فانه منك صدقة عليها .
    4 ـ الواقعية :
    بالرغم من ان من جوانب المسألة الجنسية اشتمالها على مقدار من الخيال مما يجعلها اكثر لذة ، إلا ان الإفراط في هذا الجانب يسلب من الشباب الناشىء طاقات العمل و الفاعلية ، عندما يتحول كل منهم إلى ( مجنون ليلى ) هائم على وجهه مع افكاره و اوهام حبه ، و استنشاده لاشعار الحب و الغرام . . فهو مشروع مشكلة متنقلة على رجلين ، و بالطبع لا يستطيع أن يحل مشكلته ، لأنه يعيش في عالم آخر غير هذا العالم و هكذا يستمر ، إلى احدى نهايتين إما أن يحصل على من يهديه إلى طريق الواقعية فينجيه من ( دوامة الوهم ) هذه ، عبر الزواج أو اشغاله بمجالات أخرى من الفاعلية تستنزف اهتماماته ، و أما نهاية الجنون ان استمر في هذه المسيرة ، معطلاً طاقة عقله ، و فاقداً لهدف حياته و قد ينتهي على هذه الحالة ، فلا يبقى منه ذكر و نحن نقرأ في كتب الادب و التاريخ سيرة ( من عشق فعف فمات ) !! و يختلط فيها خيال القصاصين بقصص الخياليين لكن خلاصتها تنبىء عن لا واقعية شخص او اكثر في معالجة ( مشكلة قلب ) حتى انهت امره الى حطام الحياة .
    و نحن نجد هذه الحالة منتشرة بشكل اكبر في صفوف الشباب و المراهقين و المراهقات الذين لا يستطيعون ( و احياناً لا يحاولون ) السيطرة على عواطفهم ، فيختارون طريق الخيال و الهروب من مواجهة المشكلة الواقعية على سائر الطرق . و هذا الاختيار لا يزيد المشكلة إلا حدة .
    عندما ننظر إلى كيفية تعامل الإسلام مع هذه القضية ، خصوصاً من خلال روايات اهل البيت ( عليهم السلام ) نجد انهم كانوا يسعون من اجل تجريد هذه المسألة عن الخيال قدر الامكان و حلها من خلال الواقع ، علما بأنها إذا جردت عن المقادير الخيالية الزائدة و بقيت في حدودها الواقعية امكن حلها بغير صعوبة ، و ابرز دليل على ذلك ما نجده في الواقع الخارجي حيث لا يوجد شاب بالغ إلا و هو مرشح لأن يصبح عاشقا و لهانا ، هائما في عوالم الخيال ، نظراً لتفتح غرائزه الجنسية ، وتوجهها نحو الجنس الاخر سواء في صورة معينة و محددة أو في صورة كلية ، إلا أن الاكثر يتعاملون مع هذه المسألة بواقعية فتنتهي ، و يبقى البعض في هذه المشكلة حتى توردهم حياض حتفهم ، و اول ما نواجه في هذه الاخبار :
    رفض الإنسياق مع العشق :
    إننا حين ننظر إلى الأحاديث التي تناولت هذا الجانب نجدها تتحدث تارة عن آثار العشق و الهوى التي تجعل الإنسان لا يفكر بصبورة متوازنة ، بغض النظر عن متعلق عشقه و هواه ، إذ ان من النتائج الطبيعية لهذا النوع من الحب العنيف انه يسلب صاحبه ميزان الاعتدال في تقييم الامور . و تارة تتحدث عن عبثية هذا العمل ، فبينما ينبغي ان يوجه المرء همه و همته و حبه لله سبحانه و تعالى الذي انعم عليه ضروب النعم ، و في الدرجة الثانية لاصحاب النعمة عليه كوالديه ، و لأهل بيته ، إذا به يوجه كل ذلك إلى ما ينته يـ آخر الأمر ـ إلى الشهوة هو تقديس الجنس ، و يا ليته يسلك الطريق الواقعي ، الذي يسلكه عموم الناس . ـ فعن المفضل قال سألت ابا عبد الله ( عليه السلام ) عن العشق فقال : ( قلوب خلت عن ذكر الله فاذاقها الله حب غيره ) .
    ـ و عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ان اخوف ما أخاف على امتي من بعدي هذه المكاسب المحرمة و الشهوة الخفية و الربا ) .
    ـ و عن الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) عن آبائه قال :
    قال النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : تعوذوا بالله من حب الحزن .
    و في روايات كثيرة تحدثت عن ثار حب الاشياء ، على القدرات العاقلة في الإنسان مما يشمل بالطريق الاولى الهوى و العشق ، فعن امير المؤمنين ( عليه السلام ) :
    ( من عشق شيئاً اعشى بصره و أمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة ، و يسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشهوات عقله و اماتت الدنيا قلبه ) . و يحذر من النتائج المدمرة المتعقبة لافساح المجال للهوى في حياة الإنسان فيقول :
    ـ ( إنك ان أطعت هواك أصمك و أعماك و افسد منقلبك و ارداك ) بل ان ( الهوى شريك العمى ) .
    و الغريب اننا بالرغم من ملاحظتنا لأحاديث ( حب النساء ) و هي من صفات الأنبياء و الأئمة و المؤمنين إلا اننا لا نجد تعبيرا واحدا عنها ( بعشق النساء ) و الذي يظهر ان هناك ثلاثة مصطلحات يمثل كل مصطلح نمط خاصا من العلاقة مع النساء .
    العشق ـ ا لحب ـ الجماع .
    فالأول مغرق في التجريد ، و الاخير مغرق في التجسيد ، و الاوسط جامع بينهما ، و بينما لا نجد التعبير الأول في كلمات المعصومين ( عليهم السلام ) نجد المصطلح الثاني كثيرا ، و الثالث أحياناً لسبب سنتحدث عنه فيما بعد . و لنتعرض إلى بعض الأحاديث في هذا الجانب ثم نلقي عليها نظرة كاشفة :
    ـ عن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ( ما أصيب ( احب ) من دنياكم . إلا النساء و الطيب ) .
    ـ و عنه أيضا : ( جعل قرة عيني في الصلاة و لذتي في النساء ) .
    ـ و عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من اخلاق الأنبياء حب النساء ) .
    ـ و عنه ايضا : ( ما أظن رجلاً يزداد في الايمان خيرا إلا ازداد حبا للنساء ) .
    ـ و عنه ( عليه السلام ) أيضا : العبد كلما ازداد في النساء حبا ازداد في الإيمان فضلا .
    ماذا تعني هذه الأحاديث ؟!
    في البداية ينبغي الإشارة إلى أن هذا الحب للنساء لا يعني الإفراط و المبالغة إذ ان ذلك خارج عن مدلول هذه الروايات ، لأن الإفراط اساساً غير محبوب حتى في العبادة ، بل قد تحمل الروايات الذامة لحب النساء و المعبرة عنك ( بسيف الشيطان ) و انه من ( الخصال التي عصي الله بها ) على هذا الإفراط حين يلخص الإنسان حياته في المخادع و المضاجع .
    * أما معنى هذا الحب : فقد يكون بمعنى حب مطلق النساء في مقابل كره العرب لهن ، و إهانتهن قبل الإسلام ، و هو هنا يفسر بعدد من الأحاديث التي توصي برحمة النساء ، و العطف على ضعفهن ، فإذا كان حظ المرأة في الجاهلية الوأد حية ، و في احسن الفروض تشاؤم الوالدين بقدمها ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ .
    فعندما جاء الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) حاملا معه تعاليم الرسالة ، كان من أول الأمور التي قام بها ، أنه أعاد للنساء قيمتهن ، و اوصى المسلمين بحبهن و العطف عليهن فهو يوصي ( بالضعيفين اليتيم و المرأة ) إذ أن ( المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة ) .
    و هذا المعنى وإن كان صحيحا في نفسه ، و يساعد عليه ما ورد من الروايات في الرحمة بالنساء ، إلا أن سياق أحاديث ( حب النساء ) و ما في معناها لا يساعد عليه .
    * و المعنى الثاني : الذي يستقرب هو تلك العلاقة التي خلقها الله سبحانه و تعالى و افرغها على البشر : الرجال بالنساء و بالعكس ، تلك العلاقة التي تبدأ بالحب و تنتهي بالشهوة .
    هذا الحب ( القوي ) أمر طبيعي يجده الأشخاص الأسوياء في حياتهم و لا ينكره إلا المكابرون ، خلق مع الإنسان و يستمر معه حتى تشيخ أجهزته و تتعطل ، فكما خلق الله الجمال فطر البشر على حب الجمال و التعلق به .
    بل لقد جرت سيرة البشر في أدوارهم المختلفة على التعامل مع هذه الحقيقة الواضحة و اعتبار من يتجاهلها خارجا عن الطبيعة البشرية .
    و ما ورد من كون نبي الله عيسى و يحيى ( عليهما السلام ) قد انصرفا عن الزواج و ان يحيى مدح بكونه ( حصورا ) فذلك إنما هو لأجل كونهما مطاردين من قبل السلطة و اليهود و الحياة الزوجية المستقرة عادة متنافية مع حياة المطاردة و التهديد ، ثم من المعلوم أن من يحصر نفسه عن الزواج لأجل أمر أهم لا شك يكون ممدوحا بذلك العمل .
    و هذا المعنى لعله يوجه أحاديث كون النكاح و الزواج فطرة ، بناء على كون الفطرة تشير إلى جانب الخلق و التكوين إشارة منه تعالى إلى ما فطر أي أبدع و ركز في الناس من معرفته تعالى . مفردات الراغب 3820 . .
    و مما يؤيد هذا الرأي ، الأحاديث الأكثر صراحة التي تتحدث عن حب اللذة و انه من أخلاق الأنبياء و صفاتهم ، و من ثم المؤمنين ( كثرة الطروقة ) .
    ـ فعن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : ثلاث من سنن المرسلين : العطر و احفاء الشعر و كثرة الطروقة .
    ـ و عنه ( عليه السلام ) قال : في الديك الأبيض خمس خصال من خصال الأنبياء ( عليهم السلام ) معرفته بأوقات الصلاة ، و الغيرة ، و السخاء ، و الشجاعة ، و كثرة الطروقة .
    أما كيف يتحدث المعصومون ( عليهم السلام ) بهذه الصراحة عن قضية ، نتعامل معها عادة بكثير من الخجل و الحياء ؟! إن الأمر ليبدو صعب التحمل على البعض خصوصا أولئك ( المتقدسين ) الذين ينظرون إلى المعصومين ( عليهم السلام ) بخلاف ما هم عليه . و سوف نجد أن المعصومين ( عليهم السلام ) كانوا صريحين جدا في ما يرتبط بهذه المسألة ـ كبقية المسائل ـ سواء في الحديث عن الأصل أم التفاصيل .
    فعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) رأى امرأة فأعجبته فدخل على أم سلمة و كان يومها فأصاب منها و خرج إلى الناس و رأسه يقطر فقال : أيها الناس إنما النظر من الشيطان فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله .
    و نظير ذلك ما ينقل من أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان جالسا مع أصحابه يحدثهم فمرت امرأة جميلة على القوم فرمحها القوم بأبصارهم و انشغلوا عن الاستماع لحديث الإمام ( عليه السلام ) فقال : إن أبصار هذه الفحول طوامح ، و ان ذلك سبب هبابها فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله فإنما هي امرأة كامرأته .
    و نجد في احاديثهم ( عليهم السلام ) تعابير ( بنيت بها البارحة ) و ما شابهها و هم يتحدثون عن هذه ( العلاقة الخاصة ) و في التفاصيل حين يرسل الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) الخاطبة تخطب له ، لا يتمنع تمنع أشباه المتقدسين أو يصد صدود الزهاد ، بل يقول لها شمي لبتها فإن طابت لبتها طاب عرفها ، و انظري إلى كعبها فإن درم كعبها عظم كعثبها .
    * إحدى طرق التعليم للأحكام الدينية ، فمن الواضح أن المعصومين ( عليهم السلام ) تقع عليهم مسؤولية تبليغ الأحكام و المعارف الدينية في مختلف قضايا الحياة الشخصية منها و العامة ، و لما كانت القضايا الزوجية و الجنسية منها على الخصوص تقع ضمن دائرة ( المهمل ) فلأن ميدانها هو المنزل و الحياة الخاصة ، يتكتم عليها أطرافها عادة ، و باعتبار قضايا الحياء و الخجل يترددون في السؤال عنها .
    لذلك يقوم المعصومون عليهم السلام ببعض الأعمال ، كما في الحديث الأول ، قد لا تكون مقصودة لذاتها ، إذ ما دمنا نعتقد بعصمة الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و بكماله فلا يمكن أن نتصور مع ذلك حدوث الإثارة الجنسية له بمجرد النظر إلى امرأة حسناء ، الأمر الذي لا يحصل لغير الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) من المؤمنين العاديين ، فكيف به صلوات الله عليه ، إنما يفسر هذا الحديث بما بعده من أن قصد الرسول كان توجيه أصحابه تماما كما فعل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، و لذا نجد مؤدى الحديثين واحدا .
    * إبراز الجانب البشري لدى المعصومين ( عليهم السلام ) دفعا للغلو و العقائد الخاطئة التي يمكن أن تتكون عند بعض الاتباع من غير الواعين فهم بإبراز هذا الجانب المغرق في البشرية ، و ما يرتبط به من شهوة و لذة و زواج . . الخ ، يقفون أمام ذلك التوجه الخاطئ و المغالي في فهم حقيقتهم .
    * إدانة الازدواجية و النفاق الذي يمارسه أدعياء الزهد ، و متظاهرو القدسية . فكما تظاهر بالزهد في الملابس و الأطعمة رجال كذبة ، كذلك وجد أشخاص ادعوا التعفف ، و ترك النساء ، و البعد عن الجنس ، زعما منهم بان ذلك يقربهم من الله و انهم يلتمسون الفضل بذلك ، و وجد بين هؤلاء صادقون مخطئون ، كما وجد كاذبون متعمدون في الخارج يتعففون و يصدون عن ممارسة الحلال ، بينما في واقع أمرهم يمارسون الحرام ، و لعل في قصة عابد بني إسرائيل مثالا واضحا لهذا النموذج . و في قصص أدعياء التصوف و شذوذهم الجنسي ما يؤكد هذه الحقيقة .
    * تبيان تكاملية الدين ، و تجانسه فمن الممكن أن يكون المرء في أعلى درجات القرب من الله تعالى و الطاعة له ، و مع ذلك يتمتع بطيبات الحياة الدنيا مما احل له ، و هذه ميزة الدين الإسلامي ، و لعل ما نلحظه من غضب رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) من أولئك الذين أرادوا الترهب إنما كان لأجل الخطأ في فهم تكاملية الدين ، و الاستعانة بنموذج خاطئ للإنسان المتدين ( نموذج الرهبان المنعزلين ) لذلك قال الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) مبينا حاله و هو افضل خلق الله و اقربهم منه في أكله الطعام و إتيانه النساء ، ثم مهددا بأن من يخالف هذا المنهج سيكون خارجاً عن سنته و طريقته ـ قال لعثمان بن مظعون ـ :
    ( يا عثمان لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية و لكن بعثني بالحنفية السهلة السمحة أصوم و أصلي و ألمس أهلي فمن احب فطرتي فليستن بسنتي و من سنتي النكاح ) .
    الخيارات المتاحة
    عندما يوجه الإسلام الفرد إلى الواقعية في علاقته مع الجنس الآخر يضع أمامه حلولا ممكنة ـ عادة ـ ثم يطالبه بالالتزام بالقوانين ، و عدم التجاوز ، و هذا الأمر أحد مميزات هذه الشريعة السمحاء . فبينما تعمل بعض المذاهب على طريقة :
    ألقاه في اليم مكتوفا و قال له *** إياك إياك أن تبتل بالماء
    يعمل الإسلام لتوفير اكثر من خيار أمام الفرد و يعينه على بعضها . فهو يعرض في البداية طريق ( الاستعصام ) و التغلب على الغريزة عبر تقوية الجوانب الروحية ، و اضعاف ( الجسد ) و نوازعه بالصوم . .
    فقد جاء رجل إلى النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) فقال : يا رسول الله ليس عندي طول ( إمكانية مالية ) فانكح النساء ، فإليك أشكو العزوبية فقال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : وفر شعر جسدك و ادم الصيام ، ففعل فذهب ما به من الشبق .
    ـ و عنه ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباه فليتزوج فانه أغض للبصر و أحصن للفرج و من لم يستطع فليدمن الصوم فإن له وجاء ً ) .
    و لأن هذا الحل ليس إلا مؤقتا و لا يمكن ـ كما قدمنا ـ التغافل عن هذا الجانب إلى الأبد لذلك يتحول إلى السنة الطبيعية في حال هذه القضية و هي الزواج ، فيرغب فيه ، و يشوق إليه ، و يشجع عليه .
    ـ فعن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ( من احب أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليلقه بزوجة ) .
    ـ و عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( تزوجوا فإن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) قال : من احب أن يتبع سنتي فإن من سنتي التزويج ) .
    ـ و عنه ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : من تزوج أحرز نصف دينه فليتق الله في النصف الأخر ) .
    و بمقدار ما حبذ الزواج و حببه فقد كره العزوبية ، فـ ( ركعتان يصليها المتزوج افضل من سبعين ركعة يصليها أعزب ) ، و نظرا ًلكون الأعزب ـ كنوع ـ اقرب إلى المعصية خصوصا فيما يرتبط بالمسائل الجنسية لذلك كان ( اكثر أهل النار العزاب ) .
    بل إن أهم كيان يعتمده الإسلام كأساس لبناء المجتمع هو الكيان الأسري ، و لهذا الغرض فهو يدعو إلى تخفيف القيود و تسهيل الأمور فيه فيرى أن ( من بركة المرأة قلة مهرها ) و افضل النساء ( اقلهن مهراً ) و يرى إن تعقيد المسائل يؤدي إلى تأخير الزواج و فيه ( فتنة و فساد كبير . . ) . و لما كان هذا الأمر بدوره غير متيسر لجميع الناس ، إذ إن من الواقعية اخذ ظروف الشباب بعين الاعتبار ، فهذا الطالب الذي لا يكاد يحصل على نفقات دراسته إلا بعد اللتيا و اللتي كيف يستطيع تأمين المال اللازم لنفقات الزواج و المنزل و غيرها ؟! و مهما بلغنا في التبسيط تبقى هناك عقد أخرى ، فهذا الذي لا تسمح له ظروف دراسته بالزواج ، و ذاك الذي يضطر إلى السفر بعيدا وراء عمله ، و ، و .
    و ما نقوله ليس افتراضات خيالية بل لعل القارئ العزيز ، واحد ممن نتحدث عنهم ، أو يعرف من أصدقائه الكثير ممن يشترك في هذه الظروف ، و لأن الصوم ليس إلا حلا مؤقتا و لا يتيسر للجميع ، كما أن أثره يبقي في دائرة الملتزمين جدا . لذلك فإن مسألة المتعة ( الزواج المؤقت ) تعطي أثرها المطلوب في حل المشكلة الجنسية لدى العدد العديد من الشباب .
    ـ فعن جابر بن عبد الله عن رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) انهم غزوا معه فأحل لهم المتعة ولم يحرمها و كان علي ( عليه السلام ) يقول : لولا ما سبقني به ابن الخطاب ( عمر ) مازنا إلا شقي .
    ـ و عن أبى جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : ( في المتعة نزلت هذه الآية ﴿ ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ... ﴾ : لا بأس بأن تزيدها و تزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما تقول : استحللتك بأجل آخر برضى منها و لا تحل لغيرك حتى تنقضي عدتها ) .
    و عن المفضل بن عمر في حديث طويل ، انه سأل الإمام الصادق عليه السلام جملة مسائل حتى سأله : فالمتعة يا مولاي ؟!
    قال ( عليه السلام ) : ( حلال طلق و الشاهد بها قول الله عز و جل ( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولاً معروفاً ) أي مشهودا و القول المعروف هو المشتهر بالولي و الشهود ، و إنما احتيج إلى الولي و الشهود في النكاح ليثبت النسل و يستحق الميراث و قوله ﴿ وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴾ .
    و عن الفتح بن يزيد قال سألت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن المتعة فقال : ( هي حلال مباح مطلق إن لم يغنه الله بالتزويج فليستعفف بالمتعة ، فإذا استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها ) .
    و في كلمة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) المشيرة إلى انه لولا تحريم المتعة من قبل الخليفة عمر بن الخطاب لما زنى إلا شقي . . معرفة تامة بحاجات الأفراد و بطبيعة الخيارات التي يسلكها البشر عندما تغلق أمامهم سبل الحلال ، و لعل ما نجده اليوم في مجتمعاتنا الإسلامية ـ و في غيرها أسوأ بكثير ـ من تفشي الفساد و العلاقات المحرمة ، بحيث تصبح هي القاعدة عند الكثير من الشباب ، ما يؤيد كلمة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
    و للزواج المؤقت شروطه و أركانه ، و يجعله في نفس مرتبة الزواج الدائم باستثناء بعض الآثار .
    و في هذه الخيارات التي قدمناها كان أهل البيت ( عليهم السلام ) يبينون حكمها الشرعي من جهة ، و يساعدون ـ قدر الاستطاعة ـ على تحقيقها ، فيكون جزءاً من مصارف الخمس و الحقوق الشرعية تزويج من لا يستطيع .
    ـ فعن ابن قداح عن أبى عبد الله ( عليه السلام ) قال : جاء رجل إلى أبي ( الباقر ) فقال له : هل لك من زوجة ؟! قال : لا ، فقال أبى : ما احب أن لي الدنيا و ما فيها أني أبيت ليلة و ليست لي زوجة ، ثم قال : الركعتان يصليها متزوج افضل من رجل أعزب يقوم ليله و يصوم نهاره ثم أعطاه أبى سبعة دنانير و قال : تزوج بهذه .
    و كذلك نجد أن أحد أصحاب الإمام الكاظم ( عليه السلام ) كان قد عزم على المتعة بامرأة ، و لكونه لا يملك المال فقد بقي جالسا في بيت الإمام ( عليه السلام ) : فلما علم الإمام منه ذلك أعطاه صرة مال و أذن له أن يتمتع بها .
    تقديس البناء و تهوين التفاصيل :
    في أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) نجد نظرية الزواج تتكامل بتقديس الكيان الزوجي ، و بناء الأسرة ، كأصل ، و تهوين المقدسات و الكيفيات ، بينما يقوم الكثير من الناس بعكس هذه النظرية تماماً ، فهم يبالغون في المهر و يزينون الخارج ، و ينفقون عنى الظواهر و السطحيات ليحققوا ـ بزعمهم ـ السعادة ، بينما يبقى الأساس و الأصل واهناً .
    و الفرق بين الحالتين هو الفرق بين مهندس يبني عمارة فيحكم أسسها ، و يدقق كثيرا في اختيار المواد ، و يحفر الأرض بعمق جيد لتثبيت القواعد و يهتم بهذه الأمور اكثر مما يهتم في لون البناء ، و في زخرفة السقوف ، و آخر يضع القواعد ـ كيفما اتفق ـ و لا يبالي بالنسب المطلوبة من مواد البناء ، إنما يصرف المال بعد إنهاء البناء في اختيار احسن الأبواب ، و ينتخب من الأصباغ أفضلها ، و من الأثاث أفخمه .
    إن الثاني مهدد بوقوع البناء رأسا ، بينما الأول ربما يحرم من بعض الكماليات ، لكنه يستطيع أن يعيش في ذلك البناء سنوات كثيرة .
    و لهذا السبب فنحن نجد أن الزواج يتحول إلى ( مشكلة ) من اكبر المشاكل ، لدى البعض و إذا تم ، فهو يعتبر بداية لمشاكل أخرى ، فالمجاهد الرسالي يشعر بضغوط الحياة الزوجية ، فيضطر إلى تخفيف عمله و أحيانا إلى الاستقالة !! و العامل يشعر بوطأة التكاليف المادية لزواجه ابتداء و استدامة ، بينما هو يسمع أن الزواج يجلب الرزق !! و هكذا فنحن لا نستطيع أمام هذه الحالات ( الواقعية ) في الخارج أن نصدق أن الرسول مثلا كان قد تزوج بخمس عشر و توفي عن تسع !! و الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قد تزوج عشر نساء و الإمام الحسن يختلف في عدد زوجاته و الحد المتيقن مما قيل ( 10 ) زوجات ، و الإمام الحسين ( عليه السلام ) و هو الثوري المقاتل في عرف الناس يتزوج ( بخمس نساء ) و هكذا مما سيأتي بحثه بعد حين . .
    فكيف يمكن ذلك ؟!
    و كيف كان المعصومون ( عليهم السلام ) يوفقون بين أعمالهم الدينية و الاجتماعية و السياسية من جهة و بين مسؤولية هذا العدد الكبير من الزوجات ؟! إن الواحد من أبناء المجتمع ، و من العاملين على وجه الخصوص تعتبر المرأة الواحدة كثيرة عليه ، فعمله يقل ، و حركته تقيد ، و صفاته المعنوية كالشجاعة و التضحية تنخفض عما كانت عليه قبل الزواج ، هذا كله و هو لم ( يتورط ) بغير واحدة ، فكيف الحال بالنسبة للمعصومين ( عليهم السلام ) ؟!
    إنني اعتقد أن المسألة تعود إلى ما تقدم ذكره من أننا في المجتمع ابتلينا في المسألة الزوجية بعدة أمور :
    ـ تحويل المسألة الجنسية إلى ( عقدة . ) و بالرغم من أن الجميع سيردها إلا انه يأتي إليها بخلفية العقدة ، و العيب ، و لذلك يتظاهر الواحد أمام الناس بغير ما هو عليه في هذا الجانب ، و لعله لو ترك و شأنه لكانت طريقته غير هذه الطريقة .
    ـ تعظيم المقدمات و الشروط ، فقد ربط الزواج بتوفير عدد كبير من المقدمات المادية التي لا تتوفر إلا بعد لأي شديد ، مما يسهم في تعقيد القضية ، و يعود بنا إلى الأمر السابق .
    كذلك فإن الشروط التي يضعها الشريك أو أهله أو المحيط الاجتماعي ـ و أكثرها غير صحيح شرعا ـ يدخل الزوج ـ و الزوجة أيضا ـ إلى عالم من القيود ، يشل حركته ، و يؤثر على معنوياته ، و ترى عذره بعد ذلك انه ( قد تزوج ) !! بينما نجد العكس تماما لدى المعصومين ، فهو يتحدث عن موضوع الزواج و كأنه عمل عادي أنهاه يوم أمس .
    فالإمام السجاد ( عليه السلام ) يسمع عن امرأة تعجبه في بعض نواحي مكة فيرسل إليها فيخطبها إلى نفسها ، فتكون عنده . و تكون لديه جارية فيعتقها ثم يبيت بها زوجاًَ في خطوات غاية في السهولة ، و لما كان كذا العمل الخالي من العقد غير مألوف لدى البعض لذلك يرسل إليه عبد الملك بن مروان رسالة يلومه فيها على ذلك ، حيث أن هذا العمل في رأي مروان يحط من منزلة الإمام الاجتماعية فيرد عليه برسالة مقنعة مفحمة ، سوف نتعرض لها في الصفحات القادمة ، و يتحدث عن جارية أهديت له ( فهيؤوها و بت بها عروسا فعلقت بهذا الغلام ـ زيد ـ ) و ينقل عن أبى عبد الله الصادق ( عليه السلام ) أن علي بن الحسين ( عليه السلام ) كان يتزوج و هو يتعرق عرقا ، يأكل فما يزيد على أن يقول الحمد لله و صلى الله على محمد و آله و يستغفر الله عز و جل و قد زوجناك على شرط الله .
    و عندما يدخل أحدهم على الإمام الباقر ( عليه السلام ) يراه لابسا ثيابا مصبوغة ، و قد جلس على الوسائد ، مما لم يكن عليه يوم أمس فيتعجب من ذلك ، فيوضح له الإمام الأمر قائلا : البيت بيت المرأة و أنا قريب عهد بالعرس ، ثم أضاف أن عليه أن يتزين لها كما تزينت له ، و عندما يلبس الثياب المصبغة بالأحمر في يوم تلك المرأة و يسأله بعض أصحابه عن ذلك يجيب : الثقفية أكرهتني عليه و أنا احبها ، و نحن لا نصلي فيه . . و هكذا بقي معها إلا انه عندما علم أنها تبرأ من أمير المؤمنين حاول إقناعها ولم تستجب فطلقها لأنه لا يحب أن يضم إلى نحره جمرة من جهنم ، بالرغم من انه لا يخفي انه يحبها !!
    و يسأل أحدهم الإمام الرضا ( عليه السلام ) قائلا : جعلت فداك اختضبت ؟! قال : نعم إن التهيئة تزيد في عفة النساء ، و لقد ترك النساء العفة بترك أزواجهن التهيئة ، ثم قال أيسرك أن تراها على ما تراك عليه إذا كنت على غير تهيئة ؟! فقال : لا ، قال ( عليه السلام ) : فهو ذاك . . ثم قال : من أخلاق الأنبياء التنظيف و التطيب و حلق الشعر و كثرة الطروقة .
    بينما في المقابل نجدهم يركزون على اصل الكيان الزوجي و ضرورة حمايته من أخطار الطلاق :
    ـ فعن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ما بني في الإسلام بناء احب إلى الله و اعز من التزويج .
    و قد ورد هذا الحديث عن لسان عدد من الأئمة بألفاظ مشابهة .
    ـ و عنه ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : أشيدوا النكاح و أعلنوه .
    و بقدر ما أكدت الأحاديث على تعظيم اصل الزواج ، و إقامة هذا الكيان ، فقد هونت جانب المقدمات ، و أكدت على أنها يجب أن لا تكون عائقا أمام إقامة هذا البناء المهم .
    فقد أغفلت الاعتبارات الاجتماعية و هي لدى الناس الحاجز الذي لا يتخطاه أبطال القفز العالي !! فاعتبرت ( المؤمن كفؤ المؤمنة ) ، و بينما يقوم الناس عادة بالنظر إلى الموقع الاجتماعي ـ و الوظيفي ـ الذي يحتله راغب الزواج ، فيرفض أو يجاب تبعا لهذا الموقع ـ من أسرة ، أو وظيفة ، أو غير ذلك ـ فإن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و في عملية رافضة لهذه المقاييس قام بتزويج ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب و هي ابنة عمه و من اشرف بيوتات قريش ( بني هاشم ) من المقداد بن الأسود و هو غير قرشي بل يروى انه كان عبدا ، فتبناه الأسود الكندي فنسب إليه و قال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : ( المؤمنون بعضهم أكفاء بعض ) و أضاف ـ بعد أن زوج في موقعه ضباعة من المقداد : ( أيها الناس إنما زوجت ابنة عمي المقداد ليتضع النكاح ) ، و روي أن زين العابدين ( عليه السلام ) رأى امرأة في بعض مشاهد مكة فخطبها إلى نفسها و تزوجها فكانت عنده و كان له صديق من الأنصار فاغتم لتزويجه بتلك المرأة فسأل عنها فاخبر أنها من آل ذي الجدين من بني شيبان ، في بيت علي ( شريف ) من قومها فاقبل على علي بن الحسين ، فقال : جعلني الله فداك ما زال تزويجك هذه المرأة في نفسي و قلت : تزوج علي بن الحسين امرأة مجهولة من الناس ، و يقول الناس أيضا ، فلم أزل اسأل عنها حتى عرفتها و وجدتها في بيت قومها شيبانية ؟
    فقال له الإمام ( عليه السلام ) : قد كنت أحسبك احسن رأيا مما أرى !! إن الله أتى بالإسلام فرفع به الخسيسة و أتم به الناقصة ، و كرم به من اللؤم ، فلا لؤم على المسلم إنما اللؤم لؤم الجاهلية .
    و إذا كانت المبالغة في الاعتبارات الاجتماعية أحد القيود التي تمنع إقامة البناء الزوجي فان المبالغة في التكاليف المادية من مهر ، و هدايا ، و نفقات الزواج لا تؤدي فقط إلى منع الكثير من الزواج ، بل تؤدي أحيانا إلى تهديم هذا البناء بعد أن يتم ، أو تنكيده لذلك فقد وجه الإسلام إلى تقليل هذه الشروط . فرأى أن ( خير الصداق أيسره ) وقال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ( تياسروا في الصداق فان الرجل ليعطي المرأة " المهر الكثير " حتى يبقى ذلك في نفسه عليها حسيكة (( عداوة )) .
    ولعلنا نجد في القصة التالية الكثير من المعاني فإليها :
    عن أبى جعفر ( عليه السلام ) قال : جاءت امرأة إلى النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) فقالت : زوجني !! فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ـ من لهذه ؟! فقام رجل ، فقال : أنا يا رسول الله زوجنيها ، فقال : ما تعطيها ؟! قال : ما لي شيء ! قال ( صلى الله عليه و آله و سلم ) : لا . فأعادت ، فاعاد رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) الكلام فلم يقم أحد غير الرجل ، ثم أعادت فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) في المرة الثالثة : أتحسن من القرآن شيئا ؟! قال : نعم ، قال : قد زوجتكها على ما تحسن من القرآن فعلمها إياه .
    أول ما نستنتجه من الرواية المتقدمة أن كثيرا من المسلمين لم يكونوا معقدين في مسألة الزواج . . و ان المرأة إنما كانت تعبر عن حاجة حقيقية تجدها دون أن تختفي تحت قناع (( الازدواجية )) و تمارس الحرام ، و ان الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) لم ينكر عليها ذلك ، بل استجاب لكلامها و قام بتزويجها ، و لو فرضنا أن هذا الحادث قد وقع في أيامنا في أحد التجمعات ، لاستنكر الجميع قول المرأة : عيب !! استغفر الله ، ما قلة الحياء هذه ؟ . إلى أخره ، مع أن الجميع بينه و بين نفسه يقرها عليه ، و ربما كان يقوم كما قام الرجل طالبا الزواج ، و لكن ظروف المجتمع وصلت إلى درجة من الازدواجية و النفاق الاجتماعي بحيث الجميع يخفي عن بعضه البعض ما يشعر به كل واحد منهم !!
    إن هذه المرأة تعبر ـ ضمن الإطار الفطري و الطبيعي ـ عن حاجتها للزواج من دون التفات للعقد المصطنعة .
    ثم إن الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) لم يردها ولم يردعها كما يفعل البعض من المتدينين عندنا الذين يردعون أولادهم و بناتهم عن الحديث في أمر الزواج و يعتبرون حديث الولد في هذه الأمور نوع من ( قلة الحياء ) إما حديث البنت في أنها تريد الزواج فيعتبر ( الطامة الكبرى ) !! و يضطر الجميع لإخفاء الرغبة أمام الوالدين و لكن . . هل تنتهي ؟!
    كذلك فإن نهاية الأمر كانت الزواج على ما يحسن قراءته من القرآن يعلمها إياه . . و هكذا بنى الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) بناء زوجية لمسلمين غير عابئ بالعقد المصطنعة و لا بقلة المهر .
    و بعد أن أمر الإسلام بتسهيل المقدمات و تقليل الشروط و نفي العقد ، حاول أن يغلق طريق العودة عن الزواج ، و إنهائه و ذلك انه بغض الطلاق بحيث اصبح ( ما من شيء ابغض إلى الله من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة ) و كما ( أن الله يحب البيت الذي فيه العرس ) فانه ( يبغض البيت الذي فيه الطلاق و ما من شيء ابغض إلى الله من الطلاق .
    تعدد الزوجات :
    مما تقدم رأينا كيف أن مسألة الزواج أساساً و بالتالي تعدد الزوجات كان لدى المعصومين ( عليهم السلام ) أمرا ً عاديا ً ، و ما نجده اليوم في مجتمعنا من تحول الزواج إلى هذا البناء المعقد ، و القفص المعيق ، إنما هو صنيعة أيدينا و تقاليدنا .
    و لنلق نظرة على هذا الجانب من حياتهم الشخصية .
    فمن الواضح أن التعدد كان أمرا ملحوظا في حياتهم الزوجية ، سواء كان على شكل زيجات بعقد النكاح الدائم ، أو بملك اليمين ، أو بالعقد المنقطع في أحيان قليلة .
    فالرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ؟ تزوج بخمسة عشر امرأة ، دخل باثنتي عشر منهن و قبض عن تسع ، كما عليه المشهور .
    ـ فأما اللاتي لم يدخل بهن : فعمرة و السنا و البيضاء .
    ـ و أما الحرائر اللاتي دخل بهن فأولاهن و أفضلهن خديجة بنت خويلد أم المؤمنين و سودة بنت زمعة و أم سلمة ( هند بنت أبى أمية ) و عائشة بنت أبى بكر و حفصة بنت عمر و زينب بنت خزيمة بن الحارث ( أم المساكين ) و زينب بنت جحش و أم حبيبة ( رملة بنت أبى سفيان ) و ميمونة بنت الحارث و أم شريك ( التي وهبت نفسها للنبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ) و جويرية بنت الحارث المصطلقية و صفية بنت حيي بن اخطب .
    و الأخيرتان كانتا جاريتين فاعتقهما الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و تزوجهما .
    و مارية القبطية كانت عنده بملك اليمين إضافة إلى جاريتين أخريين .
    و أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تزوج بسبع نساء حرائر ، إضافة إلى أمهات أولاد شتى بملك اليمين و ينقل الحر العاملي رضوان الله عليه في وسائله زواج الإمام ( عليه السلام ) بالعقد المنقطع بامرأة من بني نهشل أما زوجاته فأولهن فاطمة الزهراء بنت رسول الله و سيدة نساء العالمين ، و أم البنين فاطمة بنت حزام بن دارم الكلابية و خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية ( أم محمد المنسوب إليها ) و أم حبيب بنت ربيعة و ليلى بنت مسعود الدارمية ، و أسماء بنت عميس الخثعمية ، و أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفية ، و الباقي كن أمهات أولاد .
    و الإمام الحسن ( عليه السلام ) و بالرغم مما قيل عنه كثرة زوجاته حتى أوصلها بعضهم لعدم تثبته إلى ثلاثماثة !! أعد الرقم جيدا . . أوصلها بعضهم إلى ثلاثمائة ، و الرجل و هو أبو طالب المكي من عرف بعدم الوثاقة و عدم الضبط ، إلا أن الرأي الأقرب يشير إلى عدد ( 10 ) زوجات عرف من الحرائر منهن أم بشير بنت أبى مسعود الخزرجية ، و خولة بنت منظور الفزارية و أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمية ، و جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندية ( و هي التي سمته فيما بعد ) و حفصة بنت عبد الرحمن بن أبى بكر و حيث لم يكن يستطيع أن يجمع اكثر من أربع في وقت واحد فقد كان يطلق بعضهن تبعا ً لمراعاة هذا الحكم ، أما بملك اليمين فهو لا يحسب ضمن قانون الأربع .
    و الإمام الحسين ( عليه السلام ) تزوج بخمس نساء حرائر هن : شهربانو بنت يزدجرد و ليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفية و الرباب بنت امرئ القيس الكلبية و أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمية و أم جعفر و هي قضاعية .
    أما الإمام السجاد ( عليه السلام ) فقد تزوج بسبع نساء ، أولاهن أم الحسن بنت الإمام الحسن ( عليه السلام ) و هي أم الإمام الباقر ( عليه السلام ) و الست الباقيات أمهات أولاد .
    و الإمام الباقر ( عليه السلام ) تزوج بأربع نساء على الأشهر : أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر ، و هي أم الإمام الصادق ( عليه السلام ) ، و الثانية أم حكيم ( أو أم علي ) الثقفية التي فارقها بعد مدة قصيرة كما سيأتي ، و الأخريان من أمهات الأولاد .
    أما الإمام الصادق ( عليه السلام ) فقد كان لديه فاطمة بنت الحسين بن الحسن السبط ( عليه السلام ) ، و الباقي أمهات أولاد ، أولاهن حميدة المصفاة و الدة الإمام الكاظم عليه السلام .
    ولم يؤثر عن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) الذي كان له من الولد ( 37 ) ولدا ، انه تزوج من غير أمهات الأولاد ، إلا أن أفضلهن كانت ( سكن ) أو ( تكتم ) والدة الإمام الرضا ( عليه السلام ) .
    بينما كان لدى الإمام الرضا ( عليه السلام ) من أمهات الأولاد خيزران المريسية من بيت مارية القبطية زوجة رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و هي أم الإمام الجواد ( عليه السلام ) .
    الإمام الجواد ( عليه السلام ) كان لديه من الحرائر أم الفضل بنت المأمون العباسي و من أمهات الأولاد سمانة المغربية والدة الإمام الهادي ( عليه السلام ) .
    و أما الإمام الهادي فلم يكن له إلا زوجة واحدة و هي أم ولد اسمها ( حديثة ) أو سليل ، أنجبت له الإمام العسكري ( عليه السلام ) و أولاده الأربعة الآخرين ، و كذلك كان الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) حيث لم يكن له إلا أم ولد و هي ( نرجس ) أم الإمام المنتظر ( عج ) .
    ***
    ما الذي يدعو المعصومين عليهم السلام إلى إرساء التعدد في الزوجات بحيث لا يستثنى من هذا الأمر إلا الإمام الهادي ( عليه السلام ) و بحيث يخرج عن المتعارف في زماننا في التعدد الذي لا يتجاوز الثلاث في العادة ، مع ملاحظة عدم إمكانية الزواج بملك اليمين ؟!
    إننا نعتقد أن المسألة لها ثلاثة جوانب :
    1 ـ الجانب السياسي .
    2 ـ الجانب الاجتماعي .
    3 ـ الجانب الشخصي .
    في الجانب السياسي :
    من المتعارف عليه أن أحد طرق التحالف السياسي كان يتم عبر التزواج ، و هذا الأمر لم يكن مقصورا على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بل إن الكثير من الناس في تلك العصور كانت تعقد فيما بينها الصلات عبر التزاوج و التناسب بالتالي .
    و قد كانت قرابة النسب و علاقة السبب الزوجية آنئذ من أهم العلاقات ، فان يتزوج إنسان من قبيلة ما فانه يعتبر أحد أفراد تلك القبيلة ، و يصبح محميا بقوتها ، و تشعر القبيلة بشكل طبيعي أن عليها نصرته و التعاون معه .
    و لذلك وجدنا رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) يستفيد من هذه المعادلة ، و استطاع عبر زواجه من كثير من النساء من قبائل مختلفة أن يضمن ولاء تلك القبائل أو على الأقل أن يكف شرها عنه و عن دعوته . كما انه تألف قلوب آخرين بزواجه منهم فان زواجه بصفية بنت حيي بن اخطب جعل جمعا ً من قومها من اليهود يقبلون على الإسلام ، و قد جاء زواجه ( صلى الله عليه و آله و سلم ) من عائشة ولم تكن حين تزوجها قد بلغت مبلغ النساء ، إذ كانت بنت سبع سنين ، ولم يدخل بها إلا بعد سنتين و عشرة اشهر في المدينة ، جاء هذا الزواج ليجمع أباها ( أبا بكر ) إلى رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) .
    و أحيانا ً يكون الأمر بالعكس تماما إذ تكون المصلحة السياسية قاضية بقبول الزواج من امرأة ليست في مستوى المعصوم ، فيقبل على هذا الزواج بملاحظة تلك المصلحة تماما كما نجد في حادث زواج الإمام الجواد من ابنة المأمون أم الفضل إذ كان عدم القبول بهذه المصاهرة التي فرضها المأمون ، يعد موقفا سلبيا ً ، و فيه من خلاف المصلحة ما لا يخفى .
    و قد كان أهل البيت ( عليهم السلام ) ينزلون هذا الزواج ( السياسي ) بمقداره و منزلته ضمن إطاره السياسي ، و نحن لا نعلم سبب عدم الإنجاب في زيجات سياسية كهذه ، و هل أنه كان بسبب غيبي محض ، أم بإرادة المعصوم بالرغم من كون تلك النساء مؤهلات ـ حسب المقاييس الظاهرية للإنجاب ـ إلا أننا نعلم أن دور هذا الزواج السياسي يقف عند حد معين ، و ان الزوجة فيه ما لم تثبت جدارتها بزوجية المعصوم فإنها تبقى على هامش حياته الحقيقية حتى و ان استأثرت باهتمامه الزوجي ، و قد أشرنا في صفحات سابقة إلى هذا الموضوع فلا نعيده .
    الجانب الاجتماعي :
    في هذا الجانب يلحظ أن أهل البيت ( عليهم السلام ) كانوا يهدفون إلى تكثير نسلهم الطاهر نظرا ً لما سيقوم به هذا النسل من مسؤوليات كبيرة في إصلاح أوضاع الأمة ، و بالرغم من أن الإمامة كانت محصورة في أشخاص محددين من نسل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، إلا أن وجود هذا العدد من الأولاد كان مساعدا في نشر علوم أهل البيت ، و في تحمل هؤلاء لمسؤوليات التغيير و الثورة واحدا ً بعد الآخر .
    و لو ألقينا نظرة على أعداد أبناء الأئمة ( عليهم السلام ) ثم تتبعنا أدوارهم التاريخية لاتضح لنا الأمر المذكور . فقد ولد للإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سبعة و عشرون من بينهم اثنا عشر ذكرا ، و للإمام الحسن ( عليه السلام ) خمسة عشر منهم ثلاثة عشر ذكرا و معروف أن أبناء الإمام الحسن و أحفاده كانوا حملة راية الثورة المسلحة في تاريخهم و ولد للإمام الحسين ( عليه السلام ) ستة أولاد منهم أربعة ذكور ، و للسجاد ( عليه السلام ) خمسة عشرة منهم أحد عشر ذكرا ، و للباقر ( عليه السلام ) سبعة أولاد منهم خمسة ذكور ، و للصادق ( عليه السلام ) عشرة أولاد منهم سبعة ذكور ، و على الرغم من طول فترات سجن الإمام الكاظم ( عليه السلام ) إلا انه ولد له سبعة و ثلاثون ولدا منهم ثمانية عشر ذكرا ، و نحن نجد حتى اليوم الغالبية من السادة العلويين هم موسويون ينتهي نسبهم إلى الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) . و ولد للإمام الرضا ( عليه السلام ) ستة أولاد منهم خمسة ذكور ، بعد أن كان مخالفوه يشككون في إمامته حيث انه لم يولد له ولد إلا متأخرا كما سيأتي ، و ولد للإمام الجواد ( عليه السلام ) خمسة أولاد بينهم ذكران ، و للهادي ( عليه السلام ) خمسة أولاد منهم أربعة ذكور ولم يولد للحسن العسكري ( عليه السلام ) سوى الحجة المنتظر ( عجل الله تعالى فرجه ) .
    إن من الطبيعي أن يسعى أهل البيت ( عليهم السلام ) لتكثير نسلهم و أولادهم ، و ذلك لمواجهة شيء من حملات التصفية التي ستطالهم في المستقبل ، و لتعويض ما يذهب مع المسؤوليات الجسام من قتال و ثورة و ما تتبعه من سجن و تشديد ، حتى لقد ألف الكتاب كتبا ً في مقاتل الطالبيين و الهاشميين ، و حتى اشتهر عنهم انه ما منهم إلا مسموم أو مقتول .
    و لطالما دعوا المؤمنين لتكثير النسل المؤمن ، إذا كان كذلك فهم أولى بتطبيق هذه الدعوة على أنفسهم .
    فعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ما سألت ربي أولادا ً نضر الوجه ، و لا سألته ولداً حسن القامة و لكن سألت ربي أولاداً مطيعين لله وجلين منه حتى إذا نظرت إليهم قرت عيني .
    و عنه ( عليه السلام ) : الولد أحد العددين .
    و لذلك نجد انه عندما توفيت فاطمة الزهراء عليها السلام ، قال لأخيه عقيل و كان نسابة يعرف انساب العرب ، اخطب لي امرأة ولدتها الفحول لتلد لي غلاما يكون ناصراً لابني الحسين . . فاشار عليه بأم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية و كان آباؤها و أجدادها من أبطال العرب المعروفين بالشجاعة .
    و عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : ( من سعادة الرجل أن يكون له ولد يستعين بهم ) .
    و عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : ( إن الله إذا أراد بعبد خيراً لم يمته حتى يريه الخلف ) .
    و روى عيسى بن شيخ ، قال دخل الحسن العسكري ( عليه السلام ) علينا الحبس و كنت به عارفاً فقال لي : لك خمس و ستون سنة فكان كما قال ، ثم قال هل رزقت ولدا ؟! فقلت : لا ، فقال : اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا فنعم العضد الولد . . ثم تمثل قائلا ً :
    من كان ذا عضد يدرك ظلامته *** إن الذليل الذي ليست له عضد
    فقلت له : ألك ولد ؟!
    قال : إي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطا و عدلا فأما الآن فلا .
    ثم قال :
    لعلك يوما أن تراني كأنمـا *** بنـي حوالي الأسود اللوابد
    فان تميماً قبل أن يلد الحصى *** أقام زمانا و هو في الناس واحد
    و بالطبع فان تعدد الزوجات يتيح فرصة اكبر لتكثير الإنجاب و حسن رعايتهم ، ذلك أن الإنجاب إذا كان متعدداً و متتالياً من امرأة واحدة ينهكها و لا يسمح لها بحسن الرعاية و التربية .
    الجانب الشخصي :
    قد تقدم الحديث فيه أن المعصومين ( عليهم السلام ) باعتبار جانبهم البشري ، و ان هذه من اللذة التي أباحها الله بل خلقها لأوليائه المؤمنين على سبيل الأولوية بالنسبة لسائر الناس . و هي من ابرز مصاديق ( أو لذة في غير محرم ) .
    و أهل البيت ( عليهم السلام ) و هم يعيشون بين الناس كبشر لهم من الرغبات و الشهوات ما للناس العاديين بخلاف من يرى فيهم انهم ( عليهم السلام ) أنصاف آلهة ، أو أشباه ملائكة كانوا يمارسون هذه الرغبات و الشهوات في إطرها المحللة ، و لا يضير ذلك عظمتهم أو أهمية دورهم بل هو أحد معالم الشخصية المتميزة لهم ، في حياتهم .
    الزوجات الإماء :
    ثمة ظاهرة تستوقف المراقب في حياة أهل البيت ( عليهم السلام ) الزوجية ، تلك هي الزوجات الإماء الجواري أو حسب المصطلح ( أمهات الأولاد ) ذلك أننا نجد أن زوجات الأئمة ( عليهم السلام ) بدءا من الإمام الصادق ( عليه السلام ) ممن قدر لهن أن يصبحن أمهات الأئمة كن جواري مملوكات !!
    فأم الإمام الكاظم ( عليه السلام ) حميدة المصفاة و هي جارية اشتراها الإمام الصادق ( عليه السلام ) و كانت عنده بملك اليمين ، و أنجبت له عددا من أولاده أفضلهم الإمام موسى بن جعفر( عليه السلام ) ، و زوجة الإمام الكاظم ( عليه السلام ) كانت جارية تسمى تكتم ، أنجبت له الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، و هكذا الحال فالإمام الرضا ( عليه السلام ) تزوج من جارية تسمى خيزران المريسية أنجبت له الإمام محمد بن علي الجواد ( عليه السلام ) ، ثم الجواد ( عليه السلام ) تزوج من سمانة المغربية أنجبت له الإمام الهادي ( عليه السلام ) الذي لزوج بدوره من سليل أو ( حديث ) و التي أنجبت له الإمام الحسن العسكري ، و أخيراً فان أم الإمام المهدي ( عجل الله تعالى فرجه ) و زوجة الإمام العسكري ( عليه السلام ) أيضا جارية تسمى ( نرجس ) . أي أننا نجد أن ستة من أهل البيت كانوا قد تزوجوا بجواري تملكوهن عبر الشراء ، و قد يكون الأمر هينا لو اقتصر على مجرد الزواج للاستمتاع ، فهذا أمر يفعله الكثير ، و لكن أن يكون هذا الزواج بقصد الإنجاب ، و ان يخرج ستة من الأئمة ( عليهم السلام ) من أرحام هؤلاء النسوة فهو أمر مثير للتساؤل ، و الملاحظة ، خصوصا إذا رجعنا إلى بداية هذا الفصل و أعدنا إلى الذهن تأثير الوراثة ، و الرأي الذي اخترناه في طهارة آباء المعصومين ( عليهم السلام ) و أمهاتهم أيضا ، إضافة إلى ما نعرفه من توجيهات الأئمة أنفسهم بضرورة الاختيار المناسب للزوجة ، فإن الخال أحد الضجيعين ، إضافة إلى مجموعة الاعتبارات الاجتماعية التي تراعى عادة في مثل هده .
    لا يبدو أن الأمر كان خاضعاً للصدفة ، و عدم الملاحظة ، إذ قد يحدث ذلك في حالة أو حالتين ، أما بهذه الصورة التي نراها فالأمر يبدو مقصودا أو على الأقل منتبها إليه فما هي الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة ؟!
    عندما نتأمل في الروايات التي تتعرض لهذا الموضوع ، نجد الأمور التالية تترافق معه :
    1 ـ إلغاء الاعتبارات الاجتماعية الخاطئة :
    إن كلمة ( ليتضع النكاح ) تواجهنا في اكثر من مورد ، و هي تبين فلسفة هذا العمل الذي يقوم به المعصومون ( عليهم السلام ) . ذلك أن الإسلام عندما جاء إلى المجتمع العربي كان هذا المجتمع قد ثبت مجموعة من العادات و الأعراف كقوانين يجري عليها المجتمع جيلا ً بعد جيل . فالأعراف المتعلقة بالعبيد و الإماء ، بما فيها من حيف و ظلم و إلغاء لإنسانية هؤلاء البشر ، كانت قد تحولت إلى قانون لا يخرقه إلا من يوصف عندهم بالشذوذ ، و الفوارق التي ثبتت بين القبائل من كون هذه القبيلة أعلى و تلك أدنى ، عبر مفاخرات الشعراء ، كانت قد تحولت إلى آيات مقدسة لا يرتاب فيها أحد . و ليس غريبا أن تجد الشخص عديم الكفاءة في نفسه ، و دني الخلق في سلوكه ، و لكنه يبقى الأفضل لأنه من هذا البطن من قريش !!
    عندما جاء الإسلام بتعاليمه السامية وضع حداً ـ من الناحية النظرية ـ لهذه الاعتبارات و التقاليد و ألغاها سواء بالتوجيه إلى تساوي البشر في مصدر الخلق ، و العبودية لله سبحانه أو بجعل مقاييس جديدة في الأفضلية لا تعتمد على الجنس و اللون و القبيلة بل تعتمد على الكفاءة و الجهد البشري الخاص بالفرد .
    إلا أن السياسات الخاطئة بعد الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و صعود بني أمية على دفة السلطة السياسية في الأمة ، أعاد المسألة جذعة ، و أرجع الحاضر الى التاريخ الجاهلي ، فإذا بنار العصبيات تشتعل و أي اشتعال !! و إذا بشعر المنافرات و المفاخرات ينبعث ماردا من قمقمه ، و إذا بتلك التقاليد و الاعراف الجاهلية تعود من جديد!!
    فالمسلم الموحد صاحب الكفاءة ، و المخلص لاعلاء كلمة الدين ، يبعد من الساحة ، لا لشيء إلا لأنه ( مولى ) أو ( أعجمي ) ، و حتى قال قائلهم لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) : غلبتنا هذه الحمراء عليك يا أمير المؤمنين ، فلو طردتهم !! و حتى منع غير العرب من الدخول الى المدينة !! و حتى اصبح في المسلمين طبقة جديدة تسمى ( الموالي ) و الحمراء و غير ذلك !!
    " لقد كان مفروضا ان يكون هؤلاء الموالي في منزلة اجتماعية تتساوى ـ من الناحية الانسانية على الأقل ـ مع منزلة العرب وذلك وفقاً للمبادىء الديمقراطية التي جاء بها الاسلام و اعلنها الرسول في خطبة الوداع المشهورة و هي تلك المبادىء التى تجعل تمايز الناس لا على اساس من الاصل أو الحسب و إنما على اساس من التقوى ، و لكن المثالية شيء ، و الواقع شيء آخر فلم يكد ينقضي عهد الخلفاء الراشدين و يودع المجتمع الاسلامي علي بن ابي طالب الذي يروى انه كان ( لا فضل لشريف على مشروف و لا عربياً على اعجمي ) حتى اخذ العرب في العصر الاموي ينظرون للموالي نظرة السيد للعبد ، و مضوا يعاملونهم لا تلك المعاملة الاسلامية الرقيقة التي امرهم بها الله و رسوله و إنما معاملة اقل ما توصف به انها بعيدة عن روح الاسلام السمح و مجانبة لمبادئه الإنسانية السامية فقد كانوا يرونهم جنساً منحطاً لا يمتاز عن العبيد إلا قليلاً أو كما يقول شبث بن ربعي احد افراد الارستقراطية الكوفية البارزين : فيئا افاءه الله عليهم ، و قد وصل الأمر ببعض العرب الى درجة انهم كانوا يرون الصلاة خلفهم تواضعا لله بلى لقد وصل الأمر بالشعبي قاضي الكوفة في خلافة عمر بن عبد العزيز الى التصريح بأن الموالي قد بغضوا اليه المسجد حتى تركوه ابغض اليه من كناسة داره . و لهذا لا نجد غرابة عندما نسمع في حوالي منتصف القرن الثاني عن مسجد في الكوفة يسمى ( مسجد الموالي ) الذي يميل " خدا بخش " الى الظن بانهم اضطروا الى تأدية صلواتهم فيه بعد ان رأوا تعصب العرب ضدهم لم يكن يسمح لهم حتى بالعبادة في مسجد واحد " .
    و طعن الإسلام من الخلف ، حيث أصبح من يتزيا بلباس الدين ، بل من يلبس رداء الخلافة و يخالفه في ابسط قواعده في المساواة ، و الاعتبار الواحد . و كان الرد على هذه التحولات يحتاج إلى عمل ، إضافة إلى التوجيه و كما قام رسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) بفعل ذلك في مسألة زواج زيد بن حارثة مولاه بزينب بنت جحش ابنة عمته ، و زيد كان غلام رسول الله و مولاه ، بينما كانت زينب بنت جحش قد حازت المجد العائلي من طرفيه فهي اسدية الاب و هاشمية الام . و مع ذلك زوجها الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ( ليتضع النكاح ) ، أي لكيلا تصبح هذه الاعتبارات الاجتماعية عقدة عند الناس يمتنعون من زواج بعضهم البعض تبعا لها .
    و نحن نجد في النص الذي يروى عن الإمام السجاد ( عليه السلام ) تصريحا بهذا المعنى ، ذلك ان الإمام السجاد ( عليه السلام ) كان قد اعتق احدى جواريه و تزوجها ، و نظرا لكون الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان لا يزال يعيش في جو الاعتبارات التي تحدثنا عنها ، فقد وجدها فرصته في الطعن على الإمام ( عليه السلام ) .
    فعن يزيد بن حاتم قال : كان لعبد الملك بن مروان عين بالمدينة يكتب اليه باخبار ما يحدث فيها ، و ان علي بن الحسين ( عليه السلام ) اعتق جارية له ثم تزوجها ، فكتب العين بذلك الى عبد الملك ، فكتب عبد الملك إلى علي بن الحسين ( عليه السلام ) :
    أما بعد فقد بلغني تزويجك مولاتك ، و قد علمت أنه كان في اكفائك من قريش من تمجد به في الصهر و تستنجبه في الولد فلا لنفسك نظرت و لا على ولدك ابقيت . . و السلام .
    فكتب إليه علي بن الحسين ( عليه السلام ) : أما بعد فقد بلغني كتابك تعنفني بتزويجي مولاتي و تزعم انه قد كان في نساء قريش من أمجد به في الصهر و استنجبه في الولد . . و انه ليس فوق رسول الله مرتقى في مجد و لا مستزاد في كرم و إنما كانت ملك يميني خرجت مني ـ أراد الله عز وجل ـ بأمر التمست به ثوابه ثم ارتجعتها على سنته و من كان زكيا في دين الله فليس يخل به شيء من امره و قد رفع الله بالإسلام الخسيسة و تمم به النقيصة و اذهب اللؤم ، فلا لؤم على امرىء مسلم إنما اللؤم لؤم الجاهلية . . و السلام .
    فلما قرأ الكتاب رمى به الى ابنه سليمان فقرأه فقال : يا امير المؤمنين لشد ما فخر عليك علي بن الحسين !! فقال له يا بني لا تقل ذلك فانها ألسن بني هاشم التي تفلق الصخر و تغرف من بحر . . ان علي بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتضع الناس .
    فانظر إلى الفرق بين منطق التمييز الجاهلي و منطق المساواة الرسالي .
    2ـ كنّ مؤهلات لاحتضان الأئمة :
    الذي ثبت في التاريخ ان هؤلاء الجواري كن نجيبات و منجبات ، فقد سبق و ان بينا في فصل تعدد الزوجات ، انه كان للمعصومين ( عليهم السلام ) زوجات عديدة بين جواري وحرائر إلا أننا نلحظ أنه بدءا عن أيام الصادق ( عليه السلام ) ، كانت الزوجات الاثيرات و النجيبات و المنجبات للأئمة كانت الجواري مع وجود الحرائر وبعضهن ممن يتمتعن بمجد عائلي متميزـ حسب المقاييس السائدة آنئذ ـ إلا أن هؤلاء الجواري هن اللاتي اختصصن باحتضان الائمة المعصومين ( عليهم السلام ) .
    يضاف إلى ذلك أن علينا ان نتوجه جيداً الى معنى ( الجواري ) فان المتبادر منها عن الناس ، يمثل المعنى الحقيقي لهذه الكلمة . ذلك ان المتبادر الى الذهن عن الجواري هو تلك الاماء الزنجيات الممتهنات بالعمل ، و الخادمات اللاتي لا أخلاق عالية لهن ، أو تلك النساء اللاتي ينتقلن من حضن إلى اخر للمتعة و الجنس ، و هذا التبادر و ان كان واردا إلا أنه من باب الشائع في كتب الأدب ، لا أن كل الجواري كن على هذه الشاكلة ، فإننا نجد ان الكثير من هؤلاء النساء كن من بيوت شريفة في مجتمعاتهن و لكن تبعاً لظروف الحرب و ما تجر من سبي للنساء ، فلم يكن هذا السبي يميز بين ذوي البيوتات الرفيعة أو غيرها ، بل ربما كانت نساء البيوت الرفيعة اجتماعياً اقرب الى السبي و الغنيمة من غيرها ، نظرا لكون رجال هذه البيوت يشكلون القادة السياسيين أو العسكريين في المجتمعات التي فتحت على يد المسلمين ، فكان هؤلاء الرجال يقتلون أو ينهزمون في هذه الحروب بينما . تؤسر نساؤهم و بناتهم و يؤخذن على شكل غنائم و جواري . و لعلنا نجد في قصة ابنتي يزدجرد مصداقاً واضحا لهذا المعنى ، ذلك إن جيوش المسلمين عندما دحرت جيوش الفرس و استولت على ايران ساقت من الغنائم الشيء الكثير ، و كان من بين ذلك النساء اللاتي سبين و حسب العرف المتبع فانهن يسترققن و يدخلن في ملك المسلمين إلا ان امير المؤمنين ( عليه السلام ) كما تقدم بين ان هاتين البنتين من بنات الملوك . و تبعاً لتوجيه الإسلام باكرام اهل الكرم الذين خانهم الزمن ، فاعتق نصيبه و نصيب بني هاشم فيها فاعتق المسلمون تبعا لذلك نصيبهم ، و خيرهما الإمام فاختارت احداهما الإمام الحسين ( عليه السلام ) و اصبحت فيما بعد ام الإمام السجاد ( عليه السلام ) و ماتت في نفاسها به ، و الاخرى اختارت محمد بن ابي بكر فانجبت القاسم بن محمد بن ابي بكر ، و يقول المؤرخون ان الناس كانوا يرغبون عن استملاد الجواري خشية من ان يكون النسل غير نجيب ، حتى ولد زين العابدين ( عليه السلام ) و القاسم بن محمد بن ابي بكر فرأى ، الناس في الأول أفضل الناس بعد ابيه علماً و معرفة و تقوى ، و رأوا في الثاني فقيها من كبار الفقهاء ، فرغبوا في استيلادهن .
    بل ربما يقال ان عوامل الوراثة ستكون في خدمة هذا المولود الناتج بين عنصرين إذ أثبت العلماء ان العادة ، أن يحمل المولود خلاصة ايجابيات و نقاط قوة كل من العنصرين ( الفارسي و العربي في المثال ) .
    و لعل الأحاديث التي توجه الى التزاوج خارج العائلة الواحدة و الاختيار من العوائل الاخرى باعتبار ان ذلك ( انجب للولد ) ، و اقوى لصحة جسمه ، و لمدركاته العقلية ، لعل هذه الأحاديث تشمل التزاوج مع الاجناس الاخرى بوحدة المناط فتؤيد ما ذكر آنفا .
    و نلمس هذا الأمر بوضوح حينما نجد ان المعصومين من اهل البيت ( عليهم السلام ) ممن كانت امهاتهم جواري كانوا في أعلى درجات العلم " و المعرفة ( الجانب العقلي ) و التقوى و الاتزان ( في السلوك ) ، بل كانوا في ازمنتهم ( أئمة ) بكل معنى الكلمة ولا نستطيع ان نجد لأحدهم زلة في قول او خطلة في فعل ، و هذا إضافة إلى العصمة التي نفترضها فيهم ( عليهم السلام ) يهدينا انه لم تكن آثار سلبية في حياتهم نتيجة الوراثة من امهاتهم ، و مما يدل على ان امهاتهم كن في مستوى عال من التدين و الاخلاق ، و قد مر بحث هذا الجانب في مقدمة الفصل .
    و لنأخذ مثالا واحد هو ( نرجس ) ام الإمام المنتظر ( عليه السلام ) و المعروف ظاهرا انها جارية اشتريت للإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) إلا ان الواقع يشير إلى انها كانت من نسل يوشع بن نون ، و من اسرة عريقة و كريمة في الروم إلا انها اسرت على يد المسلمين و بيعت على انها جارية .
    3ـ مكافأة الزوجة للزوج ليست شرطاً :
    لو نظرنا إلى الأحاديث التي تبين صفات الزوجة المطلوبة شرعاً ، لوجدنا انها لا تشترط مكافثة الزوجة للزوج و كونها من طبقة واحدة معه ، و هذا فرع عن ما سبق و ان قلناه في الغاء الاعتبارات الاجتماعية .
    و هذا يعني ان ما قيل من كون زوجات النبي ( صلى الله عليه و آله و سلم ) و بالتالي ( امهات المؤمنين ) افضل النساء و انه ( لم يكن على وجه الأرض خير منهن ) كما عن الفخر الرازي و عليه البعض غير ثابت لا تأسيساً و لا يثبته التاريخ من خلال سيرتهن . و إذا كانت خديجة بنت خويلد من سيدات نساء الجنة الاربع كما تقدم في حديث سابق ، لذلك إنما اثبت لورود النص بشأنها و لا يتعدى الى غيرها إلا بدليل و لا دليل هنا .
    هذا إضافة الى ما سيأتي ذكره من اتهام القرآن الكريم لهن بأن بعضهن قد مالت قلوبهن عن الحق و تظاهرن على الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، و انه هددهن بالطلاق ، و اعتزلهن بالفعل مدة من الزمن ، و سيأتي تحت عنوان ( الزوجات المخالفات ) .
    و الحديث المشهور ( المؤمن كفوء المؤمنة ) ليس فقط لا يدل على ضرورة المكافئة بل يدل على عدمها فهو يلغي الاعتبارات الاخرى و يرى ان الايمان هو بذاته كفاءة كافية للزواج من المؤمنة ، كما انه يثبت كفاءة المؤمن قبل ان نتحدث عن مكافئة المؤمنة له .
    و هذا و إن كان غير واضح في ما بين افراد الناس العاديين ، إلا انه اجلى من الشمس فيما يرتبط بالانبياء ( عليهم السلام ) و الاوصياء . فالنبي محمد ( صلى الله عليه و آله و سلم ) تزوج بخمس عشرة امرأة بينهم خديجة بنت خويلد ، إلا انه لا توجد واحدة منهم يدعى لها مكافأة الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) كيف و هو افضل الخلق ؟! قصارى ما يمكن ان يقال في هذا المجال هو قربهن من مصدر الاخلاق الكبرى ، و السعيدة منهن من اقتبست من انواره نوراً . إلا انه لا يمكن القول بمكافأة احداهن له ( صلى الله عليه و آله و سلم ) . و هكذا الحال بالنسبة إلى الأئمة ( عليهم السلام ) و هذا لعله يفسر كلام الإمام الهادي ( عليه السلام ) المروي عنه : ( لو لم يزوجنا إلا كفوء لنا لم يزوجنا احد ).
    و بناء على ذلك فلا الجواري يكافئن المعصومين ( عليهم السلام ) و لا الحرائر ، لاننا نعتقد بافضلية هؤلاء قطعاً على أولئك . و لذا فلا فرق في كون الزوجة جارية أو حرة بالنسبة للمعصوم لأن كلتيهما لا يكافئانه . إلا من استثنى كما تقدم . هذا إضافة إلى ما تقدم من المعنى الذي اخترناه في تعريف الجواري .
    الزوجات المخالفات و المتخالفات :
    و هناك ظاهرة أخرى يلحظها المؤرخ لحياة اهل البيت عليهم السلام و هي وجود الزوجات المخالفات لهم في العقيدة و الثقافة ، فنحن نلاحظ جعدة بنت الاشعث زوجة الإمام الحسن ( عليه السلام ) و هي لم تكن غير موافقة له فحسب بل انها اقدمت على سمه و قتله استجابة لمؤامرة معاوية بن ابي سفيان ، و يكفي لمعرفة مقدار الخلاف الذي كانت عليه هذه المرأة مع الإمام أنها دست اليه السم .
    كما أننا نجد في حياة الإمام السجاد و الباقر ( عليهما السلام ) أنه كان لهما زوجتان شيبانية وثقفية ، وكان الإمام الباقر يحب زوجته الثقفية ـ كما تقدم في صفحات سابقة إلا انهما كانتا على رأي الخوارج ، و كانتا تبرءان من امير المؤمنين ( عليه السلام ) فطلقاهما و الأمر نفسه نجده في حياة الإمام الجواد ( عليه السلام ) حيث كانت أم الفضل بنت المأمون زوجة الإمام الجواد ( عليه السلام ) و كانت شديدة الغيرة من أم الرضا ( عليه السلام ) و هي جارية ، و كانت لا تكتم مخالفتها لزوجها عن ابيها المأمون .
    و الذي يظهر أن هذا الأمر لم يكن خاصاً بالأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) فحسب بل كان بلاء الأنبياء عليهم السلام إذ أننا نقرأ في القرآن آيات تشير الى هذه المسألة ، ففي سورة التحريم : ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ﴾ .
    و لا يعني بقوله ( خانتاهما ) الخيانة الزوجية كما قد يتبادر الى بعض الاذهان فذلك أمر نزه الله انبياءه من ان يبتلوا به في زوجاتهم إنما يعني خالفتاهما في العقيدة و الدين . فقد ورد ان خيانتهما كانت نفاقهما و اخفاؤهما الكفر و تظاهرهما على الرسولين ، فامرأة نوح قالت لقومه انه لمجنون و امرأة لوط كانت تدل على نزول ضيف ابراهيم و لا يجوز ان تكون خيانتهما بالفجور ، و عن ابن عباس انه ما بغت امرأة نبي قط ، و قيل خيانتهما في الدين .
    و كذلك ما تشير اليه الآيات المباركة في سورة التحريم :
    ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ *إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ .
    فإنها تشير الى تواطؤ زوجتي الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) عائشة و حفصة على مارية القبطية أم ابراهيم في قضية العسل ، او في كون الرسول عندها في يوم احداهما . . و على اختلاف الروايات فان القدر المحصل هو كونهما في حالة تظاهر و افشاء سر من اسراره ، و ترتيب الرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) اثر الغضب على تلك الحالة و هجرانه لنسائه و تهديده اياهن بالطلاق . بل و التعريض بهما بتمثيل موقفهما بموقف امرأتي نوح و لوط . و في هذا الموضوع ايضا نعيد الى الذهن ما تم بحثه في مسألة التعدد من كون السبب السياسي واحداً من الاسباب التي ادت الى هذا الأمر ، فالزواج لهذا الغرض يبقى معرضا لعدم التوافق ، إذ ان الزوج ينظر الى تلك المصلحة قبل ان ينظر الى الزوجة ، فالمقصود من قبله هو اصل الارتباط بهذه الجهة عبر الزواج قبل النظر الى من تكون الزوجة ، و قد مر بحث هذا الجانب سابقا ، اضافة الى ان الزوجة ـ في مثل هذا النوع من الزواج ـ لا تعرف للزوج قيمته الحقيقية ، فقد وجدنا ان احترام بعض الزوجات للرسول ( صلى الله عليه و آله و سلم ) اقل من احترام الكثير من الرجال و النساء من المسلمين ، و هكذا الحال بالنسبة الى المعصومين ( عليهم السلام ) ، و إلا فكيف يمكن تفسير شكوى بعض زوجاته ( صلى الله عليه و آله و سلم ) عليه لدى آبائهن ؟! و هو ( صلى الله عليه و آله و سلم ) افضل الخلق ، و انزه الخلق ، و اكرم الخلق ؟
    إن ذلك ما كان ليتم من قبل امرأة تعرف قدر الرسول أو الإمام ، و لذلك وجدنا انه عندما حصلت تلك المرأة . . كيف وقرت الرسول حتى اصبحت ( سيدة نساء قومها ) .
    و كذلك فإن التقاء هؤلاء الزوجات بالرسول و المعصومين عليهم السلام و ارتباطهن بهم برابط الزواج لا يعني اعطاء ( كارت ) صلاح نهائي لهن ، و إنما قصارى ما يعني هو توفر الامكانية لهن ليصبحن عظيمات ، و كبيرات القدر ، ذلك ان الإنسان بمقدار ما يقترب من مصدر النور ، يستضيء به في طريقه إذا كان ذا قابلية و قلب واع و إلا فإن مجرد كون الرجل أو المرأة قريبين من الرسول لا يحتم أن يكونا صالحين ، فضلا عن ( افضل الخلق ) ، فإننا كما وجدنا في صحابته ( صلى الله عليه و آله و سلم ) كعلي ( عليه السلام ) ، و سلمان ، و المقداد ، وجدنا أيضاً منافقين اشار اليهم القرآن الكريم بقوله ( ومن حولك منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ) هذا و هم يسمعون حديث الرسول و يختلطون معه وينظرون اعماله و سنته !!
    و نحن إنما نفترض عصمة المعصومين ( عليهم السلام ) لا عصمة من يرتبط بهم من الزوجات .
    و لو تأملنا في سيرة تلك الزوجات نجد بينهم حالات من التغاير ، و التخالف كما ينقلها التاريخ .
    فبين أم المؤمنين عائشة و بين أم حبيبة نزاع الى درجة التشفي بالمصيبة فقد ارسلت أم حبيبة بنت ابي سفيان زوجة الرسول كبشاً مشوياً لعائشة بعد مقتل محمد بن ابي بكر في مصر و حرقه في جلد حمار ، و ذلك لاعتقاد أم حبيبة باشتراك محمد في قتل عثمان . فقالت عائشة : قاتل الله ابنة العاهرة والله لا أكلت شواء ابداً .
    و قد نقل التاريخ أن بعض زوجاته ( صلى الله عليه و آله و سلم ) اخذتهن الغيرة من مارية عندما ولدت ابراهيم لرسول الله ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ، بل و كان بينهن معارك !! ففي الاجابة : ان عائشة : اخذت برأس سودة بنت زمعة بعد ان سمعتها تنشد شعراً فهمت منه التعريض بها و بحفصة ، فساعدتها حفصة فجاءت أم سلمة و أعانت سودة . .
    و في زوجات الإمام الصادق ( عليه السلام ) نجد أن أم اسحاق قد حلقت شعر جارية الإمام ( عليه السلام ) غيرة منها ، و ذلك في الحج ، لميل الإمام اليها ، و نجد أن أم الفضل زوجة الإمام الجواد ( عليه السلام ) كانت دائمة الغيرة و الشكوى من أم الإمام الهادي ( عليه السلام ) و هي جارية و حسب تصورها فهي اقل منها مرتبة اجتماعية ، فكيف تكون المفضلة عند الإمام عليها ؟!
    و هذا جانب من الصورة ، و إلا فهناك الجانب المشرق من نسائهم ( عليهم السلام ) يشير اليه ما مر من الأحاديث في فضل خديجة ( عليها السلام ) و زوجة الإمام السجاد و التي ( كانت صديقة لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها ) ، كما يقول الصادق ( عليه السلام ) عنها ، أو أم فروة العالمة التي كانت تطوف بالكعبة ، فاراد أحدهم أن يصحح لها ، فقالت إنا لأغنياء عن علمك .
    و لو تتبعنا هذا المقام لطال بنا التتبع لأنه الاصل ، و إنما اوردنا البحث السابق ، لأنه الاستثناء من جهة ، و من جهة أخرى لنبين ان المعصومين ( عليهم السلام ) كانوا و هم يتعاملون مع ارض الواقع ، يواجهون هذا النوع من الأمور ولم تكن كل امورهم ضمن اطار الغيب